العدد التاسع عشر

القاضي/ خالد عبدالعزيز البغدادي

9/17/2026

افتتاحية العدد
رئيس التحرير
لا يقف القانون بمعزل عن حركة المجتمع وتحولاته، بل تتجدد وظائفه كلما استجدت أنماط جديدة من العلاقات والمصالح والمخاطر، ومع ما يشهده عالم اليوم من توسع غير مسبوق في استخدام التقنيات الرقمية، وتطور وسائل الاتصال، وتنامي المعاملات الإلكترونية، أصبحت المنظومة القانونية والقضائية أمام مسائل لم تكن مطروحة بالصورة ذاتها في الماضي، وأضحى لزامًا عليها أن تستجيب لهذه المتغيرات بأدوات قانونية وقضائية قادرة على حماية الحقوق، وضبط المصالح المتعارضة، والمحافظة في الوقت ذاته على الضمانات التي تقوم عليها العدالة.
ولا تتحقق هذه الاستجابة بمجرد تعديل النصوص أو استحداث الإجراءات، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى معرفة قانونية متعمقة تكشف مواطن الإشكال، وتقوّم الممارسة، وتختبر مدى كفاية القواعد النافذة، وتستفيد من التجارب المقارنة دون أن تغفل خصوصية البيئة الوطنية، ومن هنا تظل الدراسات القانونية والقضائية أحد أهم الروافد التي تستعين بها عملية الإصلاح والتطوير، لما تتيحه من قراءة علمية للواقع وربط بين التأصيل النظري ومتطلبات التطبيق العملي.
وعلى هذا النهج تمضي مجلة البحوث والدراسات القضائية والقانونية في أداء رسالتها، واضعةً البحث العلمي في خدمة العمل القانوني والقضائي، وساعيةً إلى توفير منبر متخصص تتلاقى فيه الخبرة القضائية مع الجهد الأكاديمي، وتُطرح من خلاله القضايا التي تهم القاضي والباحث والمحامي والأكاديمي وطالب الدراسات العليا، في إطار يقوم على الجدية العلمية وعمق التحليل وتعدد زوايا النظر.
ويصدر العدد التاسع عشر من المجلة في مستهل عام هجري جديد حاملًا مجموعة من الدراسات التي تجمع بين موضوعات أصيلة في القانون والإجراءات والإثبات، ومسائل حديثة فرضها الواقع التقني والرقمي، ويكشف هذا التنوع عن ترابط واضح بين المحافظة على سلامة القواعد القانونية المستقرة، وبين الحاجة إلى إعادة النظر في مدى قدرتها على استيعاب صور جديدة من التعامل والجريمة والإثبات والتقاضي.
ويفتتح العدد ببحث فضيلة القاضي الأستاذ الدكتور عبد المؤمن عبد القادر شجاع الدين بعنوان: «الإقرار الضمني في القانون اليمني»، متناولًا صورة من صور الإقرار تتسم بالدقة في استخلاصها وإثباتها، إذ لا يصدر فيها الاعتراف بالحق بصورة صريحة، وإنما يُستدل عليه من موقف أو تصرف أو مسلك يصدر عن صاحبه، ويبحث الموضوع في الحدود التي يمكن للقاضي من خلالها استخلاص هذا الإقرار، وفي القيمة القانونية المترتبة عليه، بما يثيره ذلك من مسائل تتصل بوسائل الإثبات وسلطة المحكمة في تقدير دلالة الوقائع والتصرفات.
ويليه بحث المستشار الدكتور صالح عبد الله المرفدي الموسوم بـ «الجرائم المتعلقة بنقل وزراعة الأعضاء البشرية في التشريع اليمني– دراسة تحليلية مقارنة»، وهو من الموضوعات التي تتقاطع فيها الاعتبارات الشرعية والقانونية والطبية والإنسانية، ويتناول البحث صور الأفعال غير المشروعة المرتبطة بنقل وزراعة الأعضاء البشرية، والأساس القانوني لتجريمها، والضمانات اللازمة لمنع استغلال حاجة الإنسان أو الاتجار بجسده، مع الإفادة من المعالجات التي أخذت بها بعض التشريعات المقارنة في مواجهة هذه الظاهرة ذات الأبعاد المتشابكة.
ثم يأتي بحث القاضي الدكتور شمسان حزام علي الذيب بعنوان: «إجراءات الاستدلال والتحقيق في الجرائم الإلكترونية وأثرها على صحة الدليل الإلكتروني وحجيته في الإثبات»، ليتناول جانبًا من أكثر جوانب العدالة الجنائية الحديثة حساسية، ذلك أن خصوصية الدليل الإلكتروني لا تتصل بمضمونه فحسب، وإنما بالطريقة التي جرى بها الوصول إليه وضبطه وحفظه وفحصه، ومن هنا يناقش البحث أثر سلامة إجراءات الاستدلال والتحقيق في مشروعية الدليل الرقمي وقيمته أمام القضاء، وما يقتضيه ذلك من ضوابط تكفل سلامة الإثبات وتحول دون المساس بضمانات الخصوم.
وفي موضوع يرتبط بسير الدعوى المدنية، يقدم الدكتور فايز صالح عبده الدوبلي بحثه بعنوان: «عوارض الخصومة»، متناولًا ما قد يعترض الخصومة أثناء نظرها من ظروف تؤثر في استمرارها أو توقفها أو انتهائها، والنتائج التي تترتب على كل حالة بالنسبة إلى أطرافها وإجراءاتها، وتبدو أهمية هذا الموضوع في اتصاله المباشر باستقرار المراكز القانونية للمتقاضين، وسلامة سير الدعوى، ومنع اضطراب الإجراءات أو امتدادها دون مقتضى.
ويواصل العدد اهتمامه بالتحديات القانونية التي أوجدتها البيئة الرقمية من خلال ورقة الدكتور خالد عبد الله الجمرة بعنوان: «الحماية القانونية للمستهلك الرقمي– دراسة تطبيقية على الواقع القانوني للمستهلك اليمني»، حيث تتناول الدراسة موقع المستهلك في المعاملات التي تتم عبر الوسائط الإلكترونية، وما يحيط به من مخاطر ترتبط بالمعلومات والتعاقد والإعلانات والبيانات الشخصية وضمان الحقوق بعد إتمام المعاملة، كما تطرح الدراسة مسألة مدى ملاءمة القواعد القانونية القائمة لهذا النوع المتطور من التعاملات، وما يستدعيه الواقع من تحديث للحماية القانونية المقررة للمستهلك اليمني.
ومن زاوية أخرى للتحول التقني، تقدم الدكتورة صبرين صالح بحثها بعنوان: «تعزيز مبدأ العدالة الرقمية في النظام القضائي اليمني»، متناولةً مفهوم العدالة الرقمية باعتبارها مسارًا لتطوير إدارة العمل القضائي والاستفادة من الإمكانات التقنية في تبسيط الإجراءات وتحسين مستوى الخدمات وتسريع إنجاز القضايا، ويتناول البحث واقع الخطوات التي قطعتها السلطة القضائية اليمنية في هذا المجال، إلى جانب المتطلبات التشريعية والتقنية والإدارية التي يتوقف عليها بناء منظومة رقمية فاعلة، مع ضرورة ألا يكون التطور التقني على حساب الضمانات الأساسية للتقاضي.
ويُختتم العدد ببحث لفضيلة الدكتور محمد حيدر صالح الوليدي بعنوان: «المسؤولية الجنائية عن الاعتداء على خصوصية المراسلات والمحادثات بواسطة تقنية المعلومات والاتصالات في القانون اليمني والمقارن»، الذي يعالج حقًا أصبح أكثر عرضة للاعتداء مع تنوع وسائل الاتصال وتطور تقنيات الوصول إلى البيانات، ويناقش البحث صور المساس بخصوصية المراسلات والمحادثات، ومنها الاعتراض والتنصت والتسجيل والنقل والإفشاء والنشر والتلاعب، ومدى استيعاب التشريعات اليمنية النافذة لهذه الأفعال، في ظل ما خلص إليه الباحث من حاجة إلى تطوير الحماية الجنائية للخصوصية المعلوماتية ومواكبة الوسائل التقنية المستحدثة.
وعند النظر إلى هذه البحوث مجتمعة، يتبين أنها تتحرك في مسارين متكاملين؛ أولهما إعادة فحص بعض الموضوعات القانونية والإجرائية التي يفرض التطبيق العملي استمرار البحث فيها، وثانيهما استيعاب المشكلات التي نشأت بفعل البيئة الرقمية وما صاحبها من تغير في صور الجريمة والتعامل والإثبات والعمل القضائي، وبين المسارين تظهر الحاجة إلى قانون قادر على الحفاظ على استقراره دون أن يتحول الاستقرار إلى جمود، وقادر على التجدد دون أن يفقد أصوله وضماناته.
ولعل صدور هذا العدد مع بداية عام هجري جديد يتيح للمجلة أن تجدد من خلاله التزامها باستمرار البحث في القضايا التي تخدم الواقع القضائي والتشريعي، وتشجيع الدراسات التي لا تكتفي بوصف المشكلات، وإنما تسعى إلى تحليل أسبابها وطرح المعالجات المناسبة لها، بما يجعل المعرفة القانونية أداة مساندة للتطوير المؤسسي وترسيخ سيادة القانون.
وإذ نقدم هذا العدد إلى القضاة والمحامين والأكاديميين والباحثين وطلاب القانون، فإننا نتطلع إلى أن تكون دراساته محل قراءة ونقاش واستفادة، وأن تضيف إلى المكتبة القانونية اليمنية والعربية جهدًا علميًا يسهم في تطوير الممارسة، ويوسع دائرة الاجتهاد، ويعزز الصلة بين البحث القانوني واحتياجات العدالة في حاضرها ومستقبلها.
والله الموفق،،،