تشهد المنظومات القانونية والقضائية في العصر الحديث تحولات متسارعة تفرض عليها تحديات متجددة تتجاوز الأطر التقليدية للعمل القانوني والقضائي، في ظل التطور التقني المتسارع، واتساع نطاق العلاقات القانونية، وتزايد الحاجة إلى تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات من جهة، وضمان فاعلية العدالة وسرعة إنجازها من جهة أخرى. وقد أصبح القانون اليوم مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بمواكبة المتغيرات المتلاحقة، وتقديم الحلول القانونية الرصينة للمسائل المستجدة، دون التفريط بالثوابت والمبادئ التي قامت عليها العدالة عبر العصور.
وفي هذا السياق تبرز أهمية البحث العلمي القانوني والقضائي بوصفه الأداة الأهم في تشخيص الإشكالات العملية، وتحليل النصوص التشريعية، واستشراف الاتجاهات الحديثة، واقتراح المعالجات الكفيلة بتطوير المنظومة القانونية وتعزيز كفاءتها. فالتشريع والقضاء لا ينهضان بوظيفتهما على الوجه الأكمل إلا في بيئة علمية نشطة تُسهم في إثراء الفكر القانوني، وتدعم عملية الاجتهاد والتطوير المستمر.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، تواصل مجلة البحوث والدراسات القضائية والقانونية رسالتها في نشر الدراسات والبحوث التي تهدف إلى خدمة العدالة وتعزيز الثقافة القانونية والقضائية، وإيجاد مساحة علمية جادة للحوار القانوني الرصين بين القضاة والباحثين والمحامين والأكاديميين والمهتمين بالشأن القانوني والقضائي .
ويأتي العدد الثامن عشر من المجلة ليعكس جانبًا من هذه الرسالة، من خلال مجموعة من البحوث التي تناولت موضوعات متنوعة تجمع بين قضايا العدالة الجنائية، والإشكالات الإجرائية، والتحديات القانونية الناشئة عن التطورات التقنية الحديثة، في صورة تعكس اتساع آفاق البحث القانوني وقدرته على مواكبة احتياجات الواقع ومتطلباته.
فاستُهل العدد ببحث الدكتورة تهاني علي يحيى زياد الموسوم بـ «الشكوى كقيد في تحريك الدعوى الجزائية في القانون اليمني»، والذي تناول أحد الموضوعات الإجرائية المهمة في نطاق الدعوى الجزائية، من خلال دراسة فلسفة الشكوى باعتبارها قيدًا استثنائيًا على سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى، وتحليل الجرائم التي تخضع لهذا القيد وشروطه وآثاره القانونية، مع مناقشة مدى التوازن الذي حققه المشرع بين حماية المصلحة العامة وصيانة حقوق المجني عليه.
ويأتي بعده بحث فضيلة القاضي حافظ محمد الفرح بعنوان: «أحكام الإعسار في القضايا الجنائية في الفقه الإسلامي والقانون اليمني»، حيث عالج إشكالية عملية وإنسانية وقانونية بالغة الأهمية تتصل بمركز المدين المعسر في القضايا الجنائية، مستعرضًا الأحكام الفقهية والقانونية ذات الصلة، ومناقشًا الآثار المترتبة على الإعسار في الحقوق الخاصة المرتبطة بالأحكام الجزائية، بما يسهم في فتح آفاق جديدة لمعالجة هذا الموضوع الذي يلامس واقعًا قضائيًا متكررًا.
أما فضيلة القاضي أحمد عبد الله المهدي فقد تناول في بحثه «الرجوع عن الشهادة وأثره في جرائم الحدود بين الفقه الإسلامي والقانون اليمني» موضوعًا يتصل بوسائل الإثبات وأثرها في تحقيق العدالة الجنائية، مستعرضًا الأحكام الفقهية المتعلقة بالرجوع عن الشهادة، ومبينًا انعكاساتها على الدعوى والأحكام والشهود، في دراسة تجمع بين التأصيل الشرعي والتحليل القانوني.
وفي إطار القضايا القانونية التي أفرزتها الثورة الرقمية، تضمن العدد بحث الباحث محمد علي حطرم بعنوان: «الإطار القانوني لحماية الأطفال في البيئة الرقمية»، والذي ناقش التحديات المتزايدة التي تواجه الأطفال في الفضاء الإلكتروني، ومدى قدرة التشريعات الوطنية على توفير الحماية القانونية الكافية لهم في مواجهة المخاطر الرقمية المتنوعة، في موضوع يكتسب أهمية متزايدة في ظل الانتشار الواسع للتقنيات الحديثة.
كما اشتمل العدد على دراسة للباحث أكرم يحيى عبد الله الموسومة بـ «الدفع بانعدام العمل الإجرائي في قانون المرافعات اليمني– دراسة مقارنة»، والتي تناولت نظرية الانعدام الإجرائي بوصفها إحدى أهم النظريات المرتبطة بصحة الإجراءات القضائية، مبينًا معايير الانعدام وآثاره ووسائل التمسك به، مع مقارنات تشريعية وقضائية تسهم في تعميق الفهم لهذا الموضوع الدقيق.
وفي المجال الإجرائي أيضًا، قدمت الباحثة وضحة أحمد حسن المراني دراسة بعنوان: «المواعيد الإجرائية بين التصنيف التقليدي والمنظور الوظيفي– دراسة تحليلية»، طرحت من خلالها رؤية علمية حديثة للمواعيد الإجرائية تتجاوز التصنيفات التقليدية، وتسلط الضوء على الوظائف التي تؤديها هذه المواعيد في تحقيق العدالة الناجزة وضمان حقوق الدفاع وحسن سير الخصومة القضائية.
واختُتمت بحوث العدد بدراسة الباحثة ندى عبد الله طامش الموسومة بـ «الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي»، والتي ناقشت واحدة من أكثر الإشكاليات القانونية إثارة للجدل في العصر الحديث، من خلال استعراض الاتجاهات الفقهية والقانونية المؤيدة والمعارضة لمنح أنظمة الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية مستقلة، وتحليل الآثار القانونية والاقتصادية المترتبة على ذلك في ضوء التطورات التقنية المتسارعة.
إن القاسم المشترك بين بحوث هذا العدد يتمثل في سعيها إلى معالجة قضايا تمس صميم العدالة بمفهومها الواسع؛ عدالة تحمي الحقوق، وتضبط الإجراءات، وتواكب التطورات، وتستشرف المستقبل دون أن تنفصل عن أصولها الراسخة. وهو ما يعكس أهمية استمرار الجهد العلمي في تطوير الفكر القانوني والقضائي، وتعزيز دوره في بناء دولة القانون والمؤسسات.
وإذ نضع هذا العدد بين أيدي القضاة والمحامين والأكاديميين والباحثين والمهتمين بالشأن القانوني والقضائي، فإننا نأمل أن يسهم في إثراء المكتبة القانونية اليمنية والعربية، وأن يشكل إضافة علمية نوعية تعزز الحوار القانوني الرصين، وتدعم جهود التطوير القضائي والتشريعي، وتفتح آفاقًا جديدة للبحث والاجتهاد، بما يسهم في بناء وتطوير الواقع القضائي والقانوني والارتقاء بأدائه بما يواكب متطلبات العدالة وتحديات العصر.
والله الموفق،،،