وقد جاء هذا العدد حافلاً ببحوث نوعية عالجت قضايا إجرائية وموضوعية دقيقة، جمعت بين التأصيل النظري والتحليل التطبيقي، وبين استحضار التراث الفقهي واستيعاب تحديات الواقع المعاصر.
فاستُهل العدد ببحثٍ علمي رصين لفضيلة القاضي الأستاذ الدكتور عبد المؤمن شجاع الدين حول "الوقف التعليقي للخصومة في القانون اليمني"، حيث تناول فيه هذا النظام الإجرائي بوصفه أداةً لتحقيق التوازن بين وحدة الخصومة وتعدد المسائل الأولية، فبيّن ماهيته وشروطه وطبيعته القانونية، واستعرض تطبيقاته في التشريعات العربية، مع تحليل دقيق لحدود سلطة المحكمة في إقراره وآثاره على سير الدعوى، بما يُسهم في ترسيخ مبدأ الاقتصاد في الإجراءات ومنع تضارب الأحكام.
ويأتي بعده بحث فضيلة القاضي إبراهيم محمد أحمد الشامي الموسوم بـ "جريمة إفشاء السر المصرفي في القانون اليمني- دراسة مقارنة بفقه القانون الوضعي"، والذي عالج فيه موضوعاً يتقاطع فيه القانون الجنائي مع القانون التجاري والمصرفي، مسلطاً الضوء على البعد الدستوري لحماية الذمة المالية للأفراد، ومحللاً أركان الجريمة وحالات الإباحة، ومبيناً أوجه القصور التشريعي والحاجة إلى تنظيم أدق يواكب تطور المعاملات المصرفية والتقنيات الحديثة.
أما الأستاذ الدكتور محمد عبد الملك المحبشي فقد تناول في بحثه "ضوابط استنباط الحكم الشرعي كمصدر للقاعدة القانونية" قضية ذات بعد دستوري وفلسفي عميق، مؤصلاً لمبدأ الشريعة الإسلامية بوصفها مصدراً للتشريع، ومميزاً بين النص والاجتهاد، ومبرزاً دور المقاصد والمصلحة في عملية الاستنباط، في مواجهة قراءات جامدة أو دعوات إقصائية، مؤكداً أن الاجتهاد المنضبط هو الجسر الذي يصل بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع.
وفي سياق التحديات المعاصرة، قدّم الدكتور إبراهيم محمد الزنداني دراسة متقدمة بعنوان: "الجرائم المالية الإلكترونية ودور أنظمة الذكاء الاصطناعي في تعزيز أدلة الإثبات"، عالج فيها ظاهرة الجرائم السيبرانية التي تستهدف القطاع المالي، محللاً صورها وأدواتها، ومستعرضاً في المقابل الإمكانات التي تتيحها تقنيات الذكاء الاصطناعي في كشفها وتعزيز مصداقية الأدلة الرقمية، في طرح يجمع بين العمق الجنائي والاستشراف التقني.
كما أفرد الدكتور علي محمد القليسي بحثاً متميزاً حول "اعتبار الخصومة كأن لم تكن"، تناول فيه هذا الجزاء الإجرائي من حيث مفهومه وحالاته وآثاره، مميزاً بينه وبين غيره من الجزاءات كالبطلان والانعدام، ومبرزاً فلسفته القائمة على محاربة التراخي وتحقيق الجدية في التقاضي، مع طرح توصيات تسهم في سد الثغرات التشريعية وتفعيل غاية المشرع في سرعة الفصل في الخصومات.
وتناول الدكتور فايز صالح الدوبلي في دراسته "الطلبات القضائية في قانون المرافعات اليمني" الإطار المنظم للطلبات الأصلية والعارضة وطلبات الغير، مبيناً أثرها في تحديد نطاق الخصومة وسلطة القاضي، ومؤكداً أن حسن تكييف الطلب القضائي وضبط آثاره يمثل حجر الزاوية في تحقيق العدالة الإجرائية ومنع تناقض الأحكام.
واختُتمت البحوث بدراسة للباحثة وضحة أحمد المراني بعنوان: "فجوة المسؤولية في العصر الرقمي بين الذكاء الاصطناعي وتقليدية النص"، طرحت فيها إشكالية مسؤولية الأفعال الناشئة عن أنظمة ذكية تتجاوز في تعقيدها التصورات التقليدية للمسؤولية القانونية، داعية إلى تطوير الأطر التشريعية بما يستوعب التحولات الرقمية ويحافظ في الوقت ذاته على ثوابت العدالة.
وإذ نقدّم هذا العدد إلى الأسرة القضائية والمهتمين بالشأن القانوني، فإننا نأمل أن يكون إضافة نوعية إلى رصيد البحث القانوني، وأن يُسهم في تعميق النقاش العلمي الرصين، وتوسيع آفاق التفكير الاجتهادي المسؤول، في مرحلة تتطلب وعياً قانونياً يقظاً يوازن بين الأصالة والتجديد، وبين النص وروحه، وبين ثبات المبادئ وحركية الواقع.
والله ولي التوفيق،،،