الدفع بانعدام العمل الإجرائي في قانون المرافعات اليمني (دراسة مقارنة)

الباحث/ أكرم يحيى أحسن عبد الله

6/13/2026

يمكنك تنزيل الدراسة من هنا

 بحث منشور في مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية، المجلد (5)، العدد (3)، 2026م.

الملخص:
تتناول هذه الدراسة الأكاديمية بالتحليل المعمّق مسألة «الدفع بانعدام العمل الإجرائي» في ضوء قانون المرافعات اليمني، مع إجراء مقارنات مرجعية مع التشريعين المصري والسعودي. تهدف الدراسة إلى استجلاء الإطار القانوني لمواجهة الأعمال الإجرائية المنعدمة، سواء تلك التي تصدر أثناء سير الخصومة أو التي تتخذ شكل أحكام قضائية، اعتمد الباحث على المنهج التحليلي المقارن، مستعيناً بالنصوص القانونية، وآراء الفقه، والأحكام القضائية المستقرة، لا سيما أحكام المحكمة العليا اليمنية ومحكمة النقض المصرية.
وقد خلصت الدراسة إلى أن الدفع بالانعدام يعد وسيلة جوهرية لمواجهة أي عمل إجرائي يفتقر إلى أركانه الأساسية، مما يجعله والعدم سواء، وأوضحت أن هذا الدفع، لتعلقه بالنظام العام، يمكن التمسك به في أية مرحلة كانت عليها الدعوى، وأمام جميع درجات التقاضي، بما في ذلك قاضي التنفيذ والمحكمة العليا. كما بيّنت الدراسة سبل مواجهة الحكم المنعدم، سواء عن طريق الدفع الفرعي، أو رفع دعوى انعدام أصلية، أو تجاهله والتمسك بعدم حجيته في دعوى أخرى. وفي ختامها، قدمت الدراسة مجموعة من التوصيات للمشرّع اليمني، أبرزها تعديل بعض نصوص قانون المرافعات، وتحديداً المادة (57) لتنظيم إجراءات الفصل في الدفع بالانعدام بشكل أكثر وضوحاً وفعالية، بما يضمن تحقيق العدالة ومنع تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية.
الكلمات المفتاحية: الدفع بالانعدام، العمل الإجرائي المنعدم، قانون المرافعات اليمني، الأحكام القضائية، القضاء المقارن.
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: لقد أتاح المشرع للمتضرر من العمل الإجرائي المنعدم، سواءً كان هذا العمل الإجرائي صادر أثناء سير الخصومة، أو كان على الخصومة بأكملها التي تعرض كانعدام العمل الأخير فيها وهو الحكم القضائي، وقد منحة مواجهة ذلك بدعوى انعدام أصلية أو بدفع في أية حالة كانت عليها الإجراءات، كونه من النظام العام فيتم الدفع به أمام قاضي الموضوع، وأمام قاضي التنفيذ، وأمام المحكمة العليا، إذا كان الحكم مؤيداً منها، أو كانت قد فصلت فيه في الحالات التي يجوز فيها ذلك أو كان مطعوناً عليه بالنقض.
أولاً: مشكلة الدراسة:
تتحدد المشكلة بعدم وجود معالجة تشريعية لبعض المسائل المتعلقة بمواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع، ومنها:
1-     إن المشرع اليمني لم يعالج كيفية الطعن في مسألة ما إذا تعلق الانعدام بإجراء من الإجراءات أثناء سير الخصومة كأن يصدر هذا الإجراء من غير ذي ولاية.
2-     إن المشرع اليمني لم يعالج حالة ما إذا كان الحكم المطلوب تنفيذه منعدماً ولم يتم الدفع بالانعدام من قبل الخصوم أمام قاضي التنفيذ، فهل يحق لقاضي التنفيذ مواجهة ذلك الحكم المنعدم من تلقاء نفسه؟! أو كيف يتم تنفيذ حكم منعدم لا وجود له؟.
3-    إن المشرع اليمني في المادة (57/أ) بعد التعديل في القانون رقم (1) لعام 2021م، أجاز أن يواجه الحكم المنعدم بدفع أمام قاضي التنفيذ، وأن يتم إيقاف إجراءات التنفيذ حتى يتم الفصل في الدفع من المحكمة العليا، وهذا يؤدي إلى تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية.
ثانياً: أهمية الدراسة:
1- تظهر أهمية الموضوع حيث يعتبر الانعدام من أهم الجزاءات الإجرائية، لما يترتب عليه من آثار، حيث إن الانعدام كالموت؛ لا شفاء منه ولا يجدي معه التصحيح، ولا يسقط التمسك به بالكلام في الموضوع، ولا بإبداء الدفوع بعدم القبول، كما أنه لا تكون له حجية الأمر المقضي ولا يجوز التنازل عن التمسك به لتعلقه بالنظام العام.
2- يُعد مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع من الوسائل التي يمكن بموجبها التصدي لإجراء من الإجراءات المنعدمة الصادرة أثناء سیر الخصومة، لتدارك السير بإجراءات مهددة بالانعدام، وكذلك التصدي للأحكام المنعدمة.
ثالثاً: أهداف الدراسة:
يسعى الباحث إلى تحقيق الأهداف الآتية:
1-     معرفة كيفية الطعن في العمل الإجرائي المنعدم الصادر أثناء سير الخصومة.
2-    بيان كيفية مواجهة الحكم المنعدم بدفع أمام قاضي الموضوع والتنفيذ، وأمام المحكمة العليا.
3-     بيان القصور والنقص واقتراح التعديلات في قانون المرافعات اليمني، وخاصة في المواد المتعلقة بطرق التمسك بانعدام العمل الإجرائي.
رابعاً: منهجية الدراسة:
اتبعنا في الدراسة المنهج التحليلي المقارن، فعرضنا موضوع الدراسة بلغة قانونية سهلة وبطريقة مفصلة، ثم قمنا بمقارنة قانون المرافعات اليمني مع قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري، ونظام المرافعات الشرعية السعودي، مع تدعيم الدراسة بأحكام القضاء التي أرستها المحكمة العليا اليمنية، ومحكمة النقض المصرية.
خامساً: نطاق الدراسة:
يقتصر البحث على دراسة مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع، وذلك في نطاق قانون المرافعات اليمني رقم (40) لسنة 2002م، المعدل بالقانون رقم (2) لسنة 2010م، والقانون رقم (1) لسنة 2021م، بالمقارنة بقانون المرافعات المدنية والتجارية المصري رقم (13) لسنة 1968م وتعديلاته، ونظام المرافعات الشرعية السعودي الجديد بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ22/1/1435هـ وتعديلاته، ثم لائحته التنفيذية بقرار وزير العدل رقم (39933) وتاريخ 19/5/1435هـ.

سادساً: خطة الدراسة:
اقتضت خطة الدراسة تقسيمها إلى ثلاثة مباحث، تحت كل مبحث مطلبان، وذلك على النحو الآتي:
•    المبحث الأول: مفهوم الانعدام الإجرائي.
المطلب الأول: تعريف الانعدام الإجرائي ومعياره.
المطلب الثاني: التمييز بين الانعدام والبطلان.
•    المبحث الثاني: مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع أمام قاضي الموضوع.
المطلب الأول: الدفع بانعدام العمل الإجرائي الصادر أثناء سير الخصومة.
المطلب الثاني: الدفع بانعدام الحكم القضائي.
•    المبحث الثالث: مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع أمام قاضي التنفيذ وأمام المحكمة العليا.
المطلب الأول: مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع أمام قاضي التنفيذ.
المطلب الثاني: مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع أمام المحكمة العليا.

المبحث الأول
مفهوم الانعدام الإجرائي
نتناول في هذا المبحث مفهوم الانعدام الإجرائي، وذلك من حيث تعريف الانعدام الإجرائي ومعياره، والتمييز بينه وبين البطلان، وذلك في مطلبين على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف الانعدام الإجرائي ومعياره.
المطلب الثاني: التمييز بين الانعدام والبطلان.
المطلب الأول
تعريف الانعدام الإجرائي ومعياره
لبيان حقيقة تأصيل أي تعريف أو مصطلح فإنه يتوجب الرجوع إلى المعنى اللغوي أولاً، ومن ثم المعنى الاصطلاحي، لدى التشريع وفقهاء القانون والقضاء، وكل ذلك بغرض الوصول إلى تعريف اصطلاحي للانعدام الإجرائي، ثم نتناول معيار الانعدام الإجرائي، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: تعريف الانعدام لغةً:
العَدَمُ والعُدْمُ والعُدُمُ: بمعنى فقدان الشيء وذهابه، يقال: عدم فلان الشيء إذا فقده، والعديم الذي لا شيء عنده، وعدمت الشيء أي فقدته، وعلى ذلك فمعنى الانعدام في اللغة: فقدان الشيء وذهابه وافتقاده وعدم وجوده أصلاً.
ثانياً: تعريف الانعدام اصطلاحاً:
للوصول إلى تعريف الانعدام في الاصطلاح نتطرق إلى تعريف الانعدام وذلك في القانون اليمني والقوانين المقارنة محل الدراسة، ثم في الفقه القانوني، وذلك على النحو الآتي:
أ- تعريف الانعدام في القانون اليمني والقوانين المقارنة محل الدراسة
لم يتبن كل من المشرع المصري وكذا السعودي واللبناني فكرة الانعدام، وبالتالي لا يوجد تعريف للانعدام في تلك القوانين؛ وإنما تبنى فكرة الانعدام القانون اليمني، حيث عرف الانعدام في المادة (55) من قانون المرافعات بأنه: «وصف قانوني يلحق العمل القضائي ويجعله مجرداً من جميع آثاره الشرعية أو القانونية»، وقد انتقد بعض الفقه هذا التعريف كونه تعريفاً بالأثر يتناسب مع التعريف التشريعي الذي مهمته تقرير الأحكام القانونية، وليس صياغة التعريفات العلمية، وكان الأحرى لو أضيف إلى التعريف بعد كلمة العمل القضائي هذا القيد وهوالذي تجرد من أركان وجوده القانونية) هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن هذا التعريف ينصرف إلى العمل القضائي الذي هو من سلطة القاضي ولا ينصرف إلى الأعمال الإجرائية الأخرى التي ليست من عمل القاضي، وإنما تحكمها القواعد العامة في الانعدام.
ب- تعريف الانعدام في الفقه القانوني:
عرف البعض الانعدام بأنه: «جزاء يترتب على مخالفة لأركان العمل الإجرائي، تفقده وجوده وكيانه وآثاره»، كما عرفه آخر بأنه: وصف» يلحق العمل القضائي الذي تجرد من أركان وجوده ويجعله خالياً من جميع آثاره الشرعية أو القانونية».
وعرفه ثالث بأنه وصف قانوني يلحق بالعمل الإجرائي لتخلف ركن أو أكثر من أركان وجوده، ويؤدي إلى عدم إنتاج العمل لأي أثر من آثاره القانونية».
التعريف المقترح: ونحن من جانبنا نعرف الانعدام بأنه: وصف قانوني يلحق بالعمل الإجرائي المعيب بعيب شديد الجسامة، لتخلف ركن أو عنصر أساسي لازم لوجوده المادي أو القانوني ويؤدي إلى عدم إنتاج العمل لأي أثر من آثاره القانونية أو الشرعية.

ثالثاً: معيار الانعدام الإجرائي:
نتناول موقف التشريع والقضاء والفقه من معيار الانعدام وذلك على التفصيل الآتي:
أ - موقف التشريع:
لقد انفرد المشرع اليمني بالأخذ بمفهوم الانعدام كفكرة للعمل الإجرائي، بينما تجاهلت القوانين محل المقارنة لأحكام الانعدام على الرغم من أن دعوى الانعدام مستقرة في العمل القضائي، إلا أنه في الوقت ذاته لم يضع المشرع اليمني في المادة (55) من قانون المرافعات معياراً محدداً للعمل الإجرائي المنعدم إلا أنه أورد كثيراً من التطبيقات لهذه النظرية، وقد اختلف الفقه اليمني بخصوص تطبيقات نظرية الانعدام التي أوردها المشرع اليمني في قانون المرافعات هل هي واردة على سبيل الحصر، أو على سبيل المثال؟ لقد اختلفت آراء فقهاء وشراح قانون المرافعات اليمني بشأن ذلك حيث ذهب بعض الفقه إلى أن المشرع اليمني قد حدد حالات الانعدام في قانون المرافعات على سبيل الحصر، حيث قصر العمل بأحكام الانعدام على الأحكام فحسب نظراً لخطورته وذلك إذا توافر سبب من الأسباب التي نصت عليها المواد (9، 11، 12، 13، 56، 128، 129، 217) من قانون المرافعات؛ وحجة هذا الفقه ما نصت عليه المادة (55) من قانون المرافعات والتي نصت على أن: «الانعدام وصف قانوني يلحق العمل القضائي ويجعله مجرداً من جميع آثاره الشرعية والقانونية ولا يحكم به إلا في الأحوال المنصوص عليها في هذا القانون والمراد بالأحوال المنصوص عليها في القانون جميعها تتعلق بالأحكام وليس بأي إجراء من إجراءات المرافعات.
بينما ذهب جانب آخر من الفقه اليمني- وهو ما نؤيده- إلى أن حالات الانعدام التي أوردها المشرع اليمني في قانون المرافعات واردة على سبيل المثال لا الحصر، فلا يقتصر الانعدام على الحالات التي نص عليها القانون صراحة فحسب والتي حصرها على الحكم القضائي دون غيره من الأعمال القضائية- بل يشمل أيضاً غير الحالات التي نص عليها القانون صراحةً والتي استخلصها الفقه والقضاء من المعيار أو الضابط العام للانعدام المتمثل بالعيب الجسيم الذي يصيب العمل الإجرائي في ركن من أركانه الأساسية اللازمة لوجوده وهو ما جاء في نص المادة (56) مرافعات، وأن الحكم يعتبر منعدماً إذا فقد أحد الأركان المنصوص عليها في المادة (217) مرافعات؛ فجميع الحالات التي وردت في نصوص متفرقة تتعلق بركن الولاية وهو ما يعني أن المشرع اليمني قد أوردها كأمثلة لانتفاء الولاية وأن المعيار الذي وضعه في المادة (56) هو يتناول الجانب الشكلي (الإجرائي) للحكم وهذا لا يمنع الأخذ بالانعدام عند تخلف الأركان الموضوعية فلا يتصور انعدام الحكم لعدم التوقيع عليه من القاضي الذي أصدره وهو صحيح العقل، واعتبار الحكم الذي يصدر من قاض مجنون صحيح حتى يقضى ببطلان؛ وحجة هذا أن المشرع ينظم الأعمال الموجودة لا الأعمال المنعدمة، إلا أن المشرع أحياناً قد ينص على حالات يكون الجزاء فيها هو الانعدام لشيوعها و لخطورتها، وإغفال المشرع إيراد ما اغفل إيراده من حالات الانعدام لا يعني إنكار نظرية الانعدام بشأنها؛ لأن المعدوم عدم لا حاجة لتدخل المشرع لتقريره، فلا يحتاج القانون إلى تقرير أن المعدوم معدوم.
وأما بخصوص معيار الانعدام الذي أخذ به المشرع اليمني، فقد ذهب هذا الفقه بأن المشرع اليمني قد تبنى معيار النص التشريعي في الانعدام، رغم أن وضع المعيار هو علمياً وظيفة الفقه الإجرائي وعملياً يُعد من وظيفة القضاء المتطور. وقد أيدت المحكمة العليا اليمنية ما ذهب إليه هذا الفقه بأن حالات الانعدام ليست محددة على سبيل الحصر، وإنما هي على سبيل المثال، حيث جاء في أسباب أحد أحكامها: أن أساس دعوى الانعدام هو قضاء الدائرة التجارية بالمحكمة العليا برفض الطعن بالنقض الذي جعل الحكم الاستئنافي باتاً حتى ولو يقضي بتأييد الحكم الاستئنافي ولذلك فإن محل دعوى الانعدام هو حكم المحكمة العليا وليس حكم المحكمة الاستئنافية حسبما ذكرت الوزارة المدعى عليها بدعوى الانعدام، ولذلك فإن دفع الوزارة في غير محله لأن حكم المحكمة العليا بالانعدام قد قرر ضمناً صحة الحكم الاستئنافي، أما ما ذكرته الوزارة المدعى عليها بالانعدام بشأن تنظيم الانعدام في القانون اليمني وانه مقرر على سبيل الحصر فذلك تفسير غير صحيح؛ لأن القانون ذاته حينما نص على لزوم تقرير الانعدام في المواد التي أشارت إليها المدعى عليها بالانعدام فإن ذلك من قبيل التأكيد على تلك الحالات لأهميتها وتوضيح هذه المسألة للقضاة والخصوم معاً حرصاً من القانون على سير العمل القضائي وتجنب ما من شأنه أن يؤدي إلى الانعدام، وتطبيقات ذلك في القانون كثيرة، فالولاية القانونية هي أصل الولاية القضائية لأن الولاية القانونية هي التي وتنظم الولاية القضائية، فمؤدى الولاية القضائية مجرد مكنة للقاضي بيان حكم الشرع والقانون في النزاع المعروض عليه بحسب الولاية القانونية، واذا انعدمت هذه الولاية فيترتب على ذلك عدم قدرة القاضي على الفصل في النزاع، لأنه لا يستبين حكم الشرع والقانون في النزاع المعروض عليه ولا أثر لرأي القاضي في ذلك ولو كان موافقاً للقانون لأن القانون سندا الحكم وأساسه، ولذلك كان القانون سند الولاية القضائية للقاضي وقد نظم القانون ضوابط الولاية القضائية حيث يلزم القانون القاضي بأن يكون عمله وفقاً للقانون وجزاء تجاوز القاضي لذلك لا يتوقف على البطلان فحسب بل يصل إلى الانعدام، وحيث إن دعوى بطلان حكم التحكيم تختلف عن الطعن بالاستئناف وحيث إن القانون قد حدد حالات دعوى بطلان حكم التحكيم وحيث ان محكمة الاستئناف قد تجاوزت هذه الحالات وحيث إن أسباب أو حالات دعوى بطلان حكم التحكيم حددها قانون التحكيم في المادة (53) على سبيل الحصر فلا يجوز لمحكمة الاستئناف تجاوزها فذلك يعني أنه لا ولاية لها في غير تلك الحالات، كما أن دعوى بطلان حكم التحكيم دعوى مخصوصة طبقاً للقانون فلا يجوز النظر فيها على أنها من قبيل الطعن بالاستئناف وعليه فقد قررت الدائرة قبول دعوى الانعدام شكلاً وموضوعاً».
ب - موقف القضاء
مر علينا سابقاً أن المشرع اليمني تبنى فكرة الانعدام لأول مرة ونظمها تنظيماً ملائماً ونص على كثير من حالات الانعدام، وقد تبعه القضاء في الكثير أحكامه، ومن ذلك ما قضت به المحكمة العليا اليمنية في أحد أحكامها حيث جاء في حيثيات حكمها: «لدى إطلاع الهيئة على الدفع بالانعدام والرد عليه وعلى سند كل طرف، وبعد الرجوع إلى الأوراق المشتمل عليها الملف، وجدت الدائرة أن ما دفع به من انعدام الحكم الصادر في الالتماس المقدم من قبل المدفوع ضدهم وارد لأمرين، الأول: تجاوز حدود الولاية الممنوحة في الحالات المنصوص عليها حصراً في المادة (٣٠٤) مرافعات، وعدم إشارته التحقق بعد صدور الحكم الملتمس فيه إلى قيام حالة من الحالات المحددة في المادة السابقة، عملا بالمادة (٣٠٥) منه، وكذا التحقق من الميعاد المنصوص عليه في المادة (٣٠٦) وانتفاء الولاية بالتجاوز المذكور يمكن تطبيقه على أحكام المحكمة العليا، التي تصدر أحكامها متجاوزة الولاية الممنوحة لها قانوناً، الثاني: إن القضاء في الالتماس كان في نزاع قد سبق حسمه، وترددت الخصومة بشأنه قبل وحين القضاء في الطعن بالنقض برفضه، وعدم قيام سببه، ومن ثم فإن القضاء في الالتماس بإعادة فتح النزاع، والإعادة للاستيفاء فيما سبق التقاضي، وترددت الخصومة بشأنه يجعل القضاء منعدماً، وتقرير ذلك مؤد إلى استقرار الأحكام، والحكم في الالتماس بالإعادة للاستيفاء، يعتبر فتحا لنزاع، وتجاوزاً للولاية القضائية، التي لا تسمح بذلك في مثل ذلك النزاع (الالتماس) ولو كان ذلك قد صدر من المحكمة العليا، إعمالاً لما نصت عليه المادة (١٥) مرافعات، على أن الجزاء يكون الانعدام في الأحوال التي نصت عليها المواد (۹) (۱۱، 12) وكذا الأحوال (1، 2، 4، 6، 8، 9،) من المادة (۱۲۸) عملاً بالمادة (۱۲۹) مرافعات، وكذلك أيضاً إذا لم تتوفر الأركان اللازمة لوجود الحكم القضائي طبقا للمادة (۲۱۷) منه. وعليه فإن الدائرة بعد النظر والمداولة حكمت بقبول الدفع بالانعدام، واعتبار الحكم الصادر في الالتماس منعدماً».
أما المشرع المصري بالرغم من أنه لم ينص على الانعدام إلا أن القضاء المصري تبنى فكرة الانعدام، إذ قضت محكمة النقض المصرية: «.... إن العيب الجسيم هو ذلك العيب الذي يجرد الحكم من أركانه الأساسية على نحو يفقده كيانه وصفته كحكم ويحول دون اعتباره موجوداً منذ صدوره»، كما ذهبت المحكمة الإدارية العليا المصرية، إلى بيان معيار الانعدام، وذلك بقولها: «إن المحكمة الإدارية العليا فيما أُسند إليها من اختصاص هي القوامة علي إنزال حكم القانون وإرساء مبادئه وقواعده بما لا معقب عليها في ذلك وبما لا سبيل معها إلى نسبة الخطأ الجسيم إليها الذي يهوي بقضائها إلى درك الانعدام إلا أن يكون هذا الخطأ بينا غير مستور وثمرة غلط فاضح ينبئ في وضوح ذاته إذ الأصل فيما تستظهره المحكمة الإدارية العليا من حكم القانون أن يكون هو صحيح الرأي فبهذا الحكم بما لا معقب عليه فيه - أساس ذلك - أنها تستوي علي القمة في مدارج التنظيم القضائي لمجلس الدولة مؤدى ذلك إن الخطأ إن لم يكن كاشفا بذاته عن أمره بما لا مجال فيه إلى بين وجهات النظر المعقولة لا يستوي ذريعة لا استنهاض دعوى البطلان وإهدار قضاء المحكمة تحمل أمانة القضاء وعظيم رسالة وإرساء الصحيح من المبادئ في تفسير القانون الإداري واستلهام قواعده»، أما القضاء السعودي فلم نجد أحكام تتبنى فكرة الانعدام.
ج- موقف الفقه:
إن الانعدام عيب يلحق العمل الإجرائي إلا أنه أشد جسامة من البطلان لأنه يمس كيان العمل الإجرائي ووجوده، وقد اختلف الفقه في وضع معيار للانعدام فذكر البعض أن الانعدام يترتب إذا تخلف عنصر جوهري في تكوين العمل بحيث لا يمكن تصوره بدونه. ورأى البعض الآخر أن انعدام الحكم يترتب عند تخلف مفترضات الرابطة الإجرائية، وهي العناصر التي يتوقف على وجودها نشوء الرابطة الإجرائية، وبدونها لا تنشأ للقاضي ولاية إصدار الحكم، كما ذهب جانب من الفقه أن معيار الانعدام هو عيب يتعلق بأركان العمل الإجرائي يؤدي إلى فقدانه مقوماته الأساسية لوجوده، ويفقده آثاره. فيجب أن تنتفي صفة العمل الإجرائي وذلك بسبب العمل الجسيم الذي يمثل إهدار للعدالة ويفقد معه العمل وظيفته ومقوماته وتقوم على أساسه دعوى بطلان أصلية، دون أن يتعدى ذلك إلى مسائل موضوعية تندرج تحت احتمالات الخطأ والصواب في تفسير القانون وتأويله بحسبان تلك العيوب لا تمثل إهدار للعدالة، ولا تؤدي إلى الانعدام، بينما يضيف بعض الفقه أن الحكم المنعدم يكون منعدماً إذا فقد ركناً من أركانه الأساسية أو شابه عيب جوهري أصاب كيانه، وحدد العيب المعدم في ثلاث حالات، الأولى صدور الحكم من جهة غير قضائية، والثانية صدور الحكم في غير خصومة، والثالثة إذا لم يكن الحكم مكتوباً أو موقعاً من رئيس الهيئة التي أصدرته، أو لا يتضمن بياناته الأساسية، كما ذهب بعض الفقه إلى أن المعيار المناسب للانعدام، هو أن الحكم يكون منعدماً إذا تخلف ركن من أركانه الشكلية والموضوعية اللازمة لوجوده، بحيث لا يمكن تحقيق وظيفته ويرتب آثاره فلا يقتصر على العناصر التي نصت عليه المادة (217) مرافعات، يمني، بل يشمل كل حالة يتخلف عنها مفترض من المفترضات اللازمة لوجوده، كما ذهب بعض الفقه  إلى أن أفضل معيار هو الذي يفرق بين نوعين من أنواع الانعدام، وهما: انعدام فعلي وذلك إذا تخلف أحد العناصر التي بغيرها لا يتصور وجوده من الناحية المادية، وانعدام قانوني في حالات معينة حصرها هي عدم انعقاد الخصومة وتخلف الإرادة وإغفال التوقيع، وأن يباشر العمل فرد عادي أو يعتدي على مبدأ فصل السلطات وهو ما نتناوله في السطور القادمة.
رابعاً: أنواع الانعدام الإجرائي:
الانعدام الإجرائي قد يكون كلياً ينصرف إلى الخصومة أو الرابطة الإجرائية ككل، كصدور الحكم بانعدام الحكم جميع فقراته، كما يكون جزئياً عندما ينصرف فقط إلى ذلك الجزء من الحكم الذي توافر بالنسبة له سبب الانعدام، وفي هذه الحالة يقتصر فقط على ذلك الجزء ويحدث هذا بالنسبة للأحكام الصادة في الدعاوى المرتبطة أو في الدعاوى التي تتعدد فيها الخصوم، فيكون الحكم صحيحاً في جزء منه يتعلق بأحد الخصوم ومنعدماً بالنسبة لجزئه المتعلق بالدعوى الأخرى أو باقي الخصوم، كما قد يحدث أيضاً بالنسبة للدعاوى التي يدعي فيها المضرور مدنياً فيكون صحيحاً بالنسبة للدعاوى الجنائية ومنعدماً بالنسبة للدعاوى المدنية، كما يتنوع الانعدام إلى انعدام مادي أو فعلي عند عدم الوجود المادي للعمل الإجرائي إما لعدم مباشرة العمل أو عدم كتابته، وانعدام قانوني عندما يفقد العمل الإجرائي مقومات وجوده القانوني، وهو ما نتناوله على النحو الآتي:
أ- الانعدام المادي أو الفعلي:
يعتبر العمل منعدماً من الناحية الفعلية إذا تحقق أحد عناصره التي بغيرها لا يتصور وجوده من الناحية المادية، أو هو بعبارة أخرى العمل الذي لا يستوفي العناصر اللازمة لإعطاء مظهره المادي، حيث أن أي عمل من الناحية المادية لابد له من مظهر خارجي يستطيع معه القول بأن عمل ما موجود فتخلف هذا المظهر يعني أنه لا عمل موجود، أي عدم وجود العمل أصلاً بل هو مجرد فكرة في خيال الشخص القائم بالعمل دون بلورة هذه الفكرة إلى حيز الوجود، كالشخص الذي ينوي تقديم عريضة الدعوى، فالعمل المتمثل في تقديم عريضة الدعوى لم يصدر بعد فهو انعدام مادي، وأيضاً فالحكم الذي لم يصدر بعد فهو يعتبر منعدماً لأنه لم يأخذ مظهراً خارجياً، فالانعدام المادي لا يكون إلا عندما لا يوجد العمل مطلقاً، بل هو مجرد فكرة لم تخرج إلى حيز الواقع، كما أنه يتحقق ولو لم ينص القانون صراحةً عليه ويكون ذلك إما لعدم القيام بالعمل الإجرائي كعدم كتابة الحكم حتى ولو نطق به شفوياً، وهو ما يعبر عنه بقاعدة (ما لم يكتب لم يحصل أي حالة عدم الكتابة لمخالفتها قاعدة اشتراط الكتابة لوجود العمل الإجرائي وعدم القيام بالإعلان، وعدم وجود منطوق الحكم، وقد يكون العمل الإجرائي موجوداً ولكنه فقد عنصراً أساسياً من عناصره المكونة له مثل: إغفال التوقيع على الحكم من القاضي الذي أصدره، أو عدم توقيع الإعلان من المحضر، أو عدم التوقيع على محضر الجلسة أو محضر الحجز، وقد يكون العمل موجوداً من حيث الظاهر إلا أنه نسب زوراً إلى الشخص الإجرائي المكلف للقيام به، كالحكم الذي يبرزه أحد الأشخاص موقعاً عليه من قبل المعاون القضائي أو كاتب الجلسة والذي تقوم به جريمة التزوير، فعناصر الوجود يرجع تحديدها إلى المنطق وليس إلى نصوص القانون، وأن العمل الذي لا يشتمل على عناصر واقعية تفترضها طبيعته وموضوعه وبغيرها من المستحيل منطقياً تصور وجوده).
ب- الانعدام القانوني:
وهو الذي رتبه القانون كجزاء للعمل الإجرائي الذي لم تتحقق فيه أركان وجوده القانونية، أي المقومات المكونة لهيكل العمل الإجرائي كما نظمه القانون، فهو يقوم على أساس النصوص القانونية هي التي تحدد أركان الوجود وعناصر الصحة، فإذا تخلف أحدها يعتبر العمل معيباً، فالانعدام بالنسبة لأركان الوجود، والبطلان بالنسبة لعناصر الصحة، فالحكم لا يصدر إلا في خصومة قائمة وبدونها لا يتصور وجود حكم، أي يكون هذا الحكم منعدماً قانوناً، والانعدام القانوني يفترض الوجود المادي للإجراء فيتحقق كلما كان للعمل وجود من الناحية الواقعية ولو لم يكن له هذا الوجود من الناحية القانونية كحالة عدم الخصومة القضائية، أو انعدام الخصومة، أو تخلف إرادة القائم بالإجراء لما أصابه من مرض عقلي أو جنون، أو إكراه أو سكر أو غياب عن الوعي واستعمال ما يسمى بعقار الحقيقة، أو أن يباشر العمل شخص عادي، أو يكون العمل مخالفاً لمبدأ الفصل بين السلطات كالفصل بحكم في عمل من أعمال السيادة، كما لو كان موضوع الدعوى عقاراً موجوداً في الخارج، أو من أعمال الحصانة القضائية، وهذا النوع هو الذي أخذ به المشرع اليمني، وحصرها في تخلف أركان الحكم الشكلية المتمثلة في صدور الحكم في غير خصومة، أو أن يصدر الحكم بدون كتابة، أو أن يصدر الحكم من غير ذي ولاية كون الحكم يفقد أحد أركانه التي نصت عليها المادة (217) مرافعات، فالقانون لا المنطق هو الذي يحدد عناصر الوجود التي إذا تخلف إحداها يعتبر العمل معدوماً.
المطلب الثاني
التمييز بين الانعدام والبطلان
يتفق البطلان والانعدام في أنهما من العيوب الإجرائية، أي من الجزاءات الإجرائية التي تنتج عن مخالفة قاعدة إجرائية جوهرية، ويترتب على توافر عيب الانعدام أو البطلان عدم إنتاج الآثار القانونية للإجراء، وذلك تأسيساً على قاعدة ما يترتب على الباطل فهو باطل، وما يترتب على الانعدام فهو منعدم أيضاً، كما أن كلاً من الانعدام والبطلان مصاحب لنشأة العمل الإجرائي، وليس تالياً له، والتفرقة بين الانعدام والبطلان تظهر في الاختلاف بين الوجود والصحة، فجزاء عدم وجود مقتضيات العمل الإجرائي هو الانعدام، ولكن جزاء عدم الصحة هو البطلان، فالعمل الباطل يختلف عن العمل المنعدم حيث يختلفان في الطبيعة وفي الأسباب وإن كانا يتفقان في عدم إنتاج العمل الإجرائي لآثاره، ومن ثم يمكن رصد أهم الفروق بين الانعدام والبطلان (العام والخاص) وهو ما نتناوله على النحو الآتي:
أولاً: الفرق بين الانعدام والبطلان العام:
1-    يقصد بالانعدام عدم الوجود، فهو لا يرد على عمل، لأن العمل المنعدم هو لا شيء، أو هو مع التجاوز شيء له مظهر العمل، أو هو عدم نشأة الرابطة الإجرائية صحيحة ومنتجة لآثارها أما البطلان العام فيقصد به عدم الصحة فقط، وهو الجزاء المترتب لعدم صحة الإجراء المشوب بعيب مخالفة القواعد الجوهرية الذي ينص عليه القانون بالنسبة للإجراء الجوهري، فهو يرد على عمل مشوب بعيوب جسیمة أشد من تلك التي تؤدي إلى البطلان الخاص.
2-    يترتب الانعدام بقوة الشرع والقانون فلا يحتاج في تقريره إلى حكم قضائي؛ لأنه لا حاجة إلى إعدام المعدوم، كما أنه لا حاجة للطعن في الحكم المنعدم للتوصل إلى إلغائه، وإنما يكفي إنكار وجوده عند التمسك به، ويمكن رفع دعوى جديدة بموضوع الحكم المنعدم فهو لا يحوز حجية الأمر المقضي لأنه غير موجود، كما يمكن التمسك بالانعدام حتى بعد فوات ميعاد الطعن، أما العمل الباطل فإنه يترتب عليه جميع آثاره القانونية حتى يحكم ببطلانه.
3-     لا يقبل الانعدام تصحيحاً فهو كالموت لا يقبل شفاءً، فهو شيء غير موجود لا يقبل الافتراض، ويظل قائماً رغم صدور الحكم البات بل أنه يؤثر عليه في وجوده أما البطلان العام فيقبل التصحيح بصيرورة الحكم باتاً ويتحول الإجراء من معيب إلى إجراء صحيح فالحكم الباطل يتحول إلى حكم صحيح بفوات مدة الطعن أو باستنفاد طرق الطعن، وبالتالي يصير حكماً باتاً محصناً واجب النفاذ.
4-     لا يحتاج العمل المنعدم إلى نص تشريعي حتى يحكم به القاضي؛ لأن المشرع ينظم الأعمال الموجودة لا الأعمال المنعدمة، إلا أن المشرع أحياناً قد ينص على حالات يكون الجزاء فيها هو الانعدام لشيوعها وخطورتها، وهذا ما فعله المشرع اليمني في قانون المرافعات، كما طبقه المشرع المصري على أحكام محكمة النقض المصرية التي تصدر من دائرة أحد أعضائها غير صالح لنظر القضية وهذا بخلاف العمل لباطل، فهو يتوقف على تنظيم المشرع، ويخضع لمبدأ (لا) بطلان بغير نص)، ورغم هذه الفروق بين الانعدام والبطلان العام إلا أنهما يتشابهان في بعض الأوجه هي:
1-    إن كليهما جزاءان إجرائيان محلهما دائماً العمل الإجرائي المعيب المخالف لقاعدة جوهرية، وهذه القاعدة مقررة للمصلحة العامة، وليست مرتبطة بمصلحة أحد من الخصوم.
2-    وجوب أن تقضي المحكمة بهما من تلقاء نفسها لأنهما متعلقان بالنظام العام، ودون أن يتمسك بهما أحد من الخصوم.
3-    يجوز التمسك بهما من كل ذي مصلحة في أي حالة تكون عليها الخصومة ولو لأول مرة أمام محكمة النقض بل ولو كان هو المتسبب فيه.
وهذا التشابه الكبير بين الانعدام والبطلان العام أدى بالعديد من أحكام القضاء إلى الخلط بينهما في التطبيق العملي، بالرغم من الفارق الجوهري بينهما، وذلك بمعاملة بعض حالات الانعدام على أنها حالات بطلان أو إنزال جزاء البطلان على حالات الانعدام، فكم من أحكام القضاء التي خلعت تسوية البطلان على جزاءات هي أقرب ما يكون إلى الانعدام، فتجعل البطلان العام مرادفاً للانعدام.
نلاحظ أن البطلان المتعلق بالنظام العام، لا يعدم الحكم ولا يفقده كيانه؛ وبالتالي لا يُعد ضابطاً للتفرقة بين حالة الانعدام وحالة البطلان، كون البطلان الذي يشوب الحكم متعلقاً بالنظام العام أو غير متعلق به إلا أن هذا التشابه لا يحول دون وجود فروق جوهرية بينهما- وهي التي سبق بيانها- والتي تجعل لكل منهما ذاتيته المستقلة عن الحكم الآخر.
ثانياً: التفرقة بين الانعدام والبطلان الخاص:
1-    الانعدام يجيز لكل ذي مصلحة التمسك به، ولو لم يكن طرفاً في التعاقد، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها بل واجب عليها، لأنه متعلق بالنظام العام، أما البطلان الخاص فيجب على من تقرر البطلان لمصلحته أن يتمسك به، فلا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها.
2-    يترتب الانعدام كجزاء على مخالفة شرط جوهري من شروط وجود الإجراء الذي تقرر لمصلحة عامة أو مصلحة خاصة، أما البطلان الخاص فهو جزاء على مخالفة قاعدة وضعت لمصلحة أحد الخصوم.
3-    لا يقبل الانعدام التصحيح ولا التنازل عنه، ولا يزول عنه عيبه بفوات ميعاد الطعن فيه أو بالرد عليه بما يفيد اعتباره صحيحاً أو بالقيام بعمل أو إجراء باعتباره كذلك، أما البطلان الخاص فيقبل التصحيح عن طريق الحضور أو بالتكملة أو بالتنازل الصريح أو الضمني من جانب من قرر هذا البطلان لمصلحته عنه.
4-    الحكم المنعدم غير قائم، وبالتالي لا يشترط الطعن فيه لتقرير انعدامه ولكن يمكن تقريره بمجرد إنكاره، أما البطلان الخاص فيجب الطعن على الحكم لتقريره في المواعيد المحددة للطعن وإلا تحصن الحكم، وأصبح نهائيا واجب النفاذ.
5-    يجوز التمسك بالانعدام أمام المحكمة العليا (لنقض) في أي مرحلة تكون عليها الدعوى ولا تلحقه إجازة، أما البطلان الخاص فلا يجوز التمسك به أمام المحكمة العليا لأول مرة ويجب إبداؤه في بداية الخصومة، أي قبل إبداء الدفع بعدم القبول، أو الكلام في الموضوع وإلا سقط الحق فيه.
المبحث الثاني
مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع أمام قاضي الموضوع
يتم الدفع بالانعدام أمام قاضي الموضوع عندما يتعلق الأمر بإجراء منعدم أثناء سير الخصومة، بحيث يرد جزاء الانعدام على الأعمال الإجرائية التي تتكون منها الخصومة كل منها على حدة ويكون من حق الخصوم أن يدفعوا بالانعدام دون انتظار صدور الحكم للطعن فيه، كما يرد جزاء الانعدام على الخصومة بأكملها التي تعرض كانعدام العمل الأخير فيها وهو الحكم القضائي، ولذلك يقتضي منا في هذا المبحث تقسيمه إلى مطلبين على النحو الآتي:
المطلب الأول
الدفع بانعدام العمل الإجرائي الصادر أثناء سير الخصومة
انعدام العمل الإجرائي قد يكون من الوضوح الذي يسمح اكتشافه قبل صدور الحكم في الدعوى؛ وبالتالي يكون للخصوم ولكل ذي مصلحة أن يدفع بانعدام العمل الإجرائي، دون انتظار صدور الحكم للطعن عليه، لأنه يؤدي إلى محاصرة عيب الانعدام منذ الوهلة الأولى للمحاكمة، وهذا يؤدي إلى تفادي السير في إجراءات مهددة بالزوال، وهو ما يوفر الجهد المبذول في غير محله والوقت الضائع بلا فائدة، ومن ثم يؤدي إلى تقليص الأحكام المنعدمة، وهو ما جعل الدفع بالانعدام الوسيلة الأولى لتقرير عيب الانعدام، وذلك أنه من العبث تفويت وسيلة من وسائل التمسك بالانعدام انتظاراً لوسيلة سواها.
والعمل المعدوم يُعد هو والعدم سواء، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني، ولا يلزم الطعن فيه للتمسك بانعدامه، وإنما يكفي إنكاره عند التمسك بما اشتمل عليه من آثار، ولا تزول حالة انعدامه بالرد عليه بما يدل على اعتباره صحيحاً، ومع ذلك يجوز التمسك بالدفع بانعدام العمل الإجرائي، أو بطلب عارض أثناء سير الخصومة في خصومة أخرى يكون أساسها حكماً منعدماً، كما يجوز الطعن في مثل هذا الحكم بطرق الطعن المقررة في الحكم الصادر على أساس انعدام العمل الإجرائي، باعتباره معيباً إجرائياً منهياً للخصومة، ويجوز رفع دعوى أصلية بانعدام الحكم بالإجراءات المعتادة أمام نفس المحكمة التي أصدرت الحكم المنعدم للمطالبة بتقرير انعدامه، ويتمسك بالانعدام عن طريق الدفع الإجرائي المتعلق بالنظام العام في أية حالة كانت عليها الإجراءات؛ وبالتالي يجوز التمسك به ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف أو النقض، كما يجوز التمسك به كطلب عارض أثناء سير الخصومة حتى قفل باب المرافعة وقبل صدور الحكم فيه.
ويمكن الدفع بانعدام العمل الإجرائي أثناء سیر الخصومة القضائية عند النظر في دعوى الموضوع أو أثناء النظر في الطعون التي تقدم ضد الأحكام الصادرة من محكمة الموضوع، ولو وجدت محكمة الدرجة الأولى عند نظرها في الطلب القضائي أن المدعى عليه قد توفى قبل رفع الدعوى عليه أمام القضاء فيحق لها الحكم بانعدام الطلب القضائي، وعدم قبوله لانعدام الوجود القانوني لأشخاص الدعوى، وللمحكمة التصدي لما قد يثار من ادعاءات أو دفوع بشأن وقائع انعدام العمل الإجرائي ويخضع حكمها لسلطة محكمة الطعن عند نظرها خصومة الحكم المطعون فيه، ومسألة تقرير انعدام العمل الإجرائي مسألة قانون تباشرها المحكمة ولو من تلقاء نفسها، ولو لم يطلبها الخصوم في الدعوى لتعلقه بالنظام العام.
وتبحث المحكمة وقائع انعدام العمل الإجرائي من خلال تكييف وقائع الدعوى بطريقه عملية قانونية يقوم بها قاضي الموضوع دون أن يكون مقيداً بتكييف الخصوم لها، بل يصل القاضي لحقيقة النزاع ثم يكيفه التكييف القانوني السليم، وبالتالي يكون للخصوم وللنيابة العامة، ولكل ذي مصلحة، أن يدفع بانعدام العمل الإجرائي، ويعتبر هذا الدفع من الدفوع الإجرائية المتعلقة بالنظام العام والتي يجوز تقديمها في أية حالة كانت عليها الدعوى؛ فإذا دفع بانعدام الحكم أمام قاضي الموضوع فإنه يجب عليه الفصل فيه لأنه يعتبر من الدفوع الجوهرية بحيث لو ثبت لتغير وجه الحكم في القضية فإن لم تتصدى له وأغفلته كان حكمها معيباً وبالتالي يكون عرضة للنقض.
وهذا ما قررته المحكمة العليا اليمنية حيث جاء في حيثيات حكمها: «.... بأن الدفع بالانعدام يعتبر من الدفوع الجوهرية بحيث لو ثبت لتغير وجه الحكم في القضية، وأنه كان اللازم على محكمة الاستئناف الفصل في ذلك الدفع بقضاء محدد وفقاً لنص المادة (231 / ب)؛ وحيث إنها لم تقم بذلك فإن قضائها يكون معيباً بالقصور في التسبيب بما يوجب نقضه وفي ذلك ما يغني عن مناقشة بقية أسباب الطعن بالنقض، ولما كان الأمر كذلك فإن ما أثاره الطاعن يندرج تحت حالات الطعن المنصوص عليها في أحكام المادة (292) مرافعات فالمتعين كذلك قبوله موضوعاً.
المطلب الثاني
الدفع بانعدام الحكم القضائي
نتناول في هذا المطلب الدفع بانعدام الحكم القضائي أمام المحكمة المنظور أمامها الحكم من جديد وعند التمسك بحجيته في أي دعوى قائمة، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: الدفع بانعدام الحكم القضائي أمام المحكمة المنظورة أمامها الدعوى من جديد:
أجاز المشرع اليمني في المادة (2، 1/57) من قانون المرافعات والتي تنص على أنه: «تتم مواجهة الحكم المنعدم بدفع أمام محكمة الموضوع الابتدائية أو الاستئنافية بحسب الأحوال إذا استدل بالحكم المدعى بانعدامه أو كان مطعوناً فيه بالاستئناف»، فيتم مواجهة الحكم المنعدم بدفع أمام قاضي الموضوع، وذلك عندما تثار مسألة عدم قبول الدعوى بسبق الفصل فيها، فيجوز التمسك فيها عن طريق الدفع أمام قاضي الموضوع في أي خصومة يجري التمسك فيها بالحكم المنعدم، سواءً بشأن ذات الدعوى الصادر فيها الحكم المنعدم، أو بشأن دعوى أخرى.
فإذا رفعت دعوى جديدة في نفس الموضوع والسبب والأشخاص في الحكم المنعدم، ودفع أحد الخصوم بسبق الفصل في الدعوى، ودفع الخصم الآخر بانعدام الحكم، وظهر للمحكمة جدية الدفع بالانعدام، فلها الحكم بوقف الدعوى الجديدة مؤقتاً لحين الحكم في دعوى الانعدام الأصلية لسحب الحكم المنعدم، فإذا تحققت المحكمة من أن الحكم السابق صدوره في الدعوى منعدماً، قضت بانعدامه، ومضت في نظر الدعوى من جديد، كأنها تعرض عليها من المرة الأولى، إذ يكفي إنكار وتجاهل الحكم المنعدم والتمسك بعدم وجوده، وإذا تبين لها أن الحكم السابق له وجود قانوني ولا يعتريه الانعدام تعين عليها القضاء بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها، ويثور لدينا تساؤل هل يجوز للقاضي الذي يبحث الدفع بالانعدام أن يثير الانعدام من تلقاء نفسه، ويقرر انعدام الحكم؟
يرى بعض الفقه أن الجواب على ذلك بالإيجاب حتى ولو اختلف مع رأي المحكمة العليا؛ لأن هذا الدفع يكون متعلقاً بالنظام العام، سواء أمام محكمة الموضوع، أو أمام المحكمة العليا، أو أمام محكمة التنفيذ، كما أنه يكفي إنكار هذا الحكم والدفع بانعدامه إذا تمسك به، صاحبه، فعريضة افتتاح الدعوى هي الأساس الذي تقوم عليه كل إجراءاتها ويترتب على عدم إعلانها عدم انعقاد الخصومة، ومن ثم لا يترتب عليها إجراء أو حكم صحيح إذ يعتبر الحكم الصادر فيها منعدماً، فلا تكون له قوة الأمر المقضي، ويكفي إنكاره والتمسك بعدم وجوده، كما يجوز رفع دعوى أصلية بانعدامه.
وبالتالي فإنه يجوز طبقاً لهذا الرأي لكل منهم، أن يثيره من تلقاء نفسه على أن الفصل فيه يكون للمحكمة العليا اليمنية وفقاً لنص المادة (57) مرافعات يمني، ولا يجوز أن يثيره إلا بموجب رفع دعوى إليه؛ لأن القاضي لا يتطوع في القضاء، أما في القضاء المصري، فللمحكمة التي طرح أمامها الحكم المنعدم أياً كانت أن تفصل فيه، فإذا كان الدفع بالانعدام يتعلق بالنظام العام، فإنه يكون من المتعين إخضاعه لكافة القواعد التي تحكم هذه الدفوع، ومنها جواز أن تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها، غير أن ذلك مشروط بطبيعة الحال بأن تكون العناصر الواقعية التي يقوم عليها الدفع ثابتة أمام المحكمة بالأوراق. وتطبيقاً لذلك ذهبت المحكمة الإدارية العليا المصرية إلى أنه: «يجوز لها- من تلقاء نفسها- أن تقضي بإلغاء الحكم الموقع على مسودته من عضو واحد في دائرة ثلاثية دون حاجة إلى دفع»، في حين يرى جانب من الفقه، أن التقرير واجب دائماً، سواءً بالنسبة للأحكام الباطلة، أو الأحكام الباطلة بطلاناً لا يقبل التصحيح (المنعدمة)، وهو ما يعني أن الحكم المنعدم لدى هذا الرأي يبقى قائماً مرتباً لآثاره لحين صدور حكم بانعدامه، بينما ذهب رأي ثالث من الفقه بخلاف الرأيين السابقين، حيث يرى أنه إذا طرح الأمر على القضاء للاعتراف بآثار الحكم المنعدم فمن حق المحكمة من تلقاء نفسها، ومن حق أي خصم الدفع بالانعدام، ولكن هذا الدفع لا يعطي لأي محكمة الحق في تقرير انعدام الحكم، بل يجب على المحكمة أن تبحث فقط مدى جدية الدفع بالانعدام، فإذا وجدت أن الدفع جدي، فإنها توقف الدعوى وتحيل الخصوم إلى المحكمة المختصة للحصول على حكم بالانعدام، وإذا أراد أحد الخصوم التمسك بالأثر الإيجابي للحكم المنعدم في إطار دعوى قائمة، كما لو أقيمت دعوى ريع استناداً إلى حكم بالملكية منعدم، فدفع الخصم بانعدام هذا الحكم، فيجب على المحكمة إذا قدرت جدية الدفع وقف دعوى الريع لحين الفصل في دعوى الانعدام الأصلية.
ثانياً: الدفع بانعدام الحكم القضائي عند التمسك بحجيته في أي د دعوى قائمة:
إن الحكم المنعدم لا يمنع من إعادة طرح الدعوى من جديد؛ وبالتالي يجوز الدفع بانعدام الحكم عند نظر الدعوى من جديد، هذا وقد أجاز بعض الفقه الدفع بانعدام الحكم عند التمسك بحجيته بمناسبة نظر دعوى أخرى، وعلى ذلك إذا لم يطعن المحكوم ضده بالحكم المنعدم، ولم يرفع دعوى أصلية بانعدامه في الحالات التي يجوز فيها ذلك، فإن هذا لا يعني أن الحكم قد اكتسب بذلك الحجية القضائية، بل يظل على حاله مجرداً من تلك الحجية، ولهذا فإذا ما احتج المحكوم لصالحه بهذا الحكم في دعوى قضائية أخرى، فللمحكوم ضده أن يدفع بانعدام حجية هذا الحكم.
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه: «إذ أقام الحكم المطعون فيه قضاءه بإلزام الشركة الطاعنة بالتعويض على ما استخلصه في حدود سلطته التقديرية، من أن إجراءات دعوى الطرد التي اتخذتها تتسم بسوء النية والتواطؤ، ولم يعتد بحجية الحكم المستعجل السابق باعتباره حكماً منعدماً، فإنه يكون قد التزم صحيح القانون ويضحي النعي عليه على غير أساس»، وبالتالي لا يلزم الطعن في الحكم المنعدم أو رفع دعوى مبتدأه بطلب انعدامه للتوصل إلى إلغائه، وإنما يكفي إنكاره عند التمسك به والتمسك بانعدامه وعدم وجوده، بل يمكن لذي المصلحة تجاهله ورفع دعوى جديدة بموضوع الحكم المنعدم بنفس الموضوع والسبب والخصوم مفترضاً عدم وجوده).
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن: «مفاد النص في المادة (٤٥٤) من قانون الإجراءات الجنائية أنه متى صدر حكم نهائي في الدعوى الجنائية وفي الدعوى المدنية التابعة لها فإنه تنقضي بذلك الحكم الدعويان الجنائية والمدنية، ولا يجوز إعادة نظرهما من جديد لاستفاد ولاية المحاكم بالنسبة لهما، فإذا صدر حكم تال للحكم الأول في ذات الموضوع وضد ذات المتهم المحكوم عليه، كان الحكم الثاني صادراً من محكمة لا ولاية لها في نظر النزاع، ومن ثم فهو معدوم الحجية لصدوره في غير خصومه، ولا تكون له حجية أو قوة الأمر المقضي، ولا يلزم الطعن فيه أو رفع دعوى بطلان أصلية، بل يكفى إنكاره والتمسك بعدم وجوده في أي دعوى يراد التمسك فيها بحجية هذا الحكم».
-    كيفية الطعن في الإجراء المنعدم:
إن المشرع اليمني في التعديل الأخير لسنة 2021م، فبالرغم أنه قد سلك مسلكاً يحمد عليه وذلك بتنظيم وتوضيح طرق التمسك بانعدام الحكم وذلك في المادة (1/57)، إلا أنه أغفل كيفية الطعن في الإجراء المنعدم الذي يصدر أثناء سير الخصومة، والذي قد يترتب على هذا الإجراء المنعدم صدور الحكم، فهل يتم الطعن في هذا الإجراء أمام محكمة الموضوع أياً كانت، أم أمام المحكمة العليا، وهل يتم الطعن فيه بصورة مستقلة، أم مع الحكم المنهي للخصومة طبقاً للقواعد العامة في الطعن للأحكام القضائية؟
ذهب بعض الفقه أن الطعن فيه يتقرر وفقاً للقواعد العامة، وتلك القواعد تقضي بأن العمل المنعدم لا يرتب أي أثر ويجوز أن يواجه بدعوى تقرير سلبية ترفع أمام المحكمة المختصة وفقاً للقواعد العامة إذا رأى صاحب الشأن ذلك، وتكون تلك المحكمة هي محكمة الدرجة الأولى، ولا تسري على ذلك الإجراء قواعد الطعن في الحكم المنعدم.
كما ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أن انعقاد الاختصاص لتقرير الانعدام يكون لمحكمة الموضوع التي تنظر الدعوى، عن طريق الطلب أو الدفع بالانعدام، حيث قضت بأن: «صحيفة افتتاح الدعوى الأساس الذي تقوم عليه كل إجراءاتها، ويترتب على عدم إعلانها عدم انعقاد الخصومة، ومن ثم لا يترتب عليها إجراء أو حكم صحيح، إذ يعتبر الحكم الصاد فيها منعدماً.... لما كان ذلك وكان الطاعن قد تمسك بأن إجراءات الخصومة في الدعوى رقم (5480) لسنة 1963م، القاهرة الابتدائية واستئنافها رقم (138) لسنة 81 ق، قد اصطنعت بطريق الغش والتزوير بقصد عدم إعلامه بها فلم يعلم بصحيفتها ولم يطعن على الحكم الصادر فيها بالاستئناف وسخر المطعون عليه الأول آخر في ذلك، مما مفاده أنه دفع أمام محكمة الموضوع كدفاع مطروح دون التزام طريق الدعوى، ومن ثم فقد كان على محكمة الموضوع أن تتصدى أولاً لبحث صحة هذا الدفاع الجوهري الذي من شانه – لو صح- أن يعدم إجراءات الخصومة برمتها، وإذ كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد استلزم لبحث الانعدام طلبه صراحةً مع أنه تمسك به صراحةً فإنه يكون قد حجب نفسه بهذا الخطأ عن بحث دفاع الطاعن الجوهري، واعتبر بعض الفقه أن القرار الصادر في هذا الدفع لا يقبل الطعن فيه مباشرة، وإنما يطعن فيه مع الحكم الذي ينهي النزاع عملاً بالقواعد العامة التي تمنع الطعن في الأحكام غير المنهية للخصومة، والتي تصدر أثناء سير الخصومة إلا مع الحكم المنهي للنزاع، وبالتالي فإنه يخضع لنظام الطعن المقررة للأحكام الصادرة بالدفوع الإجرائية المتعلقة بالنظام العام، وهذا ما يمكن فهمه من نص المادة (58) مرافعات يمني والتي تعرضت للنقد من قبل هذا الفقه، والتي تم حذفها مؤخراً، وبعد أن تم تعديل المادة (57) بالقانون رقم (1) لسنة 2021م، فقد أوجب القانون على المحكمة أن تقوم برفع الدفع مع الرد للمحكمة العليا خلال عشرة أيام للفصل فيه خلال ثلاثين يوماً من تاريخ وصوله إليها، بمعنى أنه يترتب على الدفع بالانعدام وقف السير في الخصومة وجوباً حتى يتم الفصل في الدفع بالانعدام، وهو ما ذهب إليه بعض الفقه المصري بأنه لا يجوز الطعن في الإجراء المنعدم على استقلال قبل انتهاء الخصومة بصدور الحكم المنهي لها، وإنما يتم الطعن فيه مع الحكم المنهي للخصومة باعتباره عيباً إجرائياً منهياً للخصومة، والذي يرى الباحث أنه يتم مواجهة الإجراء المنعدم أثناء سير الخصومة عن طريق التمسك بدفع يرفع أمام المحكمة التي تنظر الدعوى حيث تقرر انعدامه، أو من تلقاء نفسها، وعند الحكم فيه، فإنه يتم الطعن فيه مع الحكم المنهي للخصومة لما قد يترتب على هذا الإجراء المنعدم انعدام الخصومة، ولا تسري على ذلك الإجراء قواعد الطعن في الحكم المنعدم.

المبحث الثالث
مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع أمام قاضي التنفيذ وأمام المحكمة العليا
نتناول في هذا المبحث مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع أمام قاضي التنفيذ، وأمام المحكمة العليا، وذلك في مطلبين على النحو الآتي:
المطلب الأول
مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع أمام قاضي التنفيذ
يتم التمسك بانعدام الحكم القضائي أمام قاضي التنفيذ إما عن طريق الدفع، وإما عن طريق
الاستشكال وهذا ما نتناوله في الآتي:
أولاً: التمسك بانعدام الحكم القضائي أمام قاضي التنفيذ عن طريق الدفع
أجاز المشرع اليمني في المادة (57/أ) بعد التعديل في القانون رقم (1) لسنة 2021م، أن يواجه الحكم المنعدم أياً كانت المحكمة التي أصدرته بدفع أمام قاضي التنفيذ، وذلك بتقديم صاحب المصلحة أمام قاضي التنفيذ دفع يطلب فيه انعدام الحكم القضائي في أي وقت أثناء التنفيذ دون التقيد بأي ميعاد، وأوجب على قاضي التنفيذ أن يحيل الدفع والرد والحكم المدعى بانعدامه خلال عشرة أيام إلى المحكمة العليا للفصل فيه، وأوجب كذلك على المحكمة العليا الفصل فيه خلال ثلاثين يوماً من تاريخ وصوله إليها، ويترتب على الدفع بانعدام الحكم محل التنفيذ وقف التنفيذ وجوباً، فعلى قاض التنفيذ أن يأمر بوقف إجراءات التنفيذ إن كانت قد بدأت.
وقد انتقد بعض الفقه، موقف المشرع اليمني من وقف إجراءات التنفيذ عندما يتم الطعن في الحكم المنعدم أمام قاضي التنفيذ، وأنه كان الأحرى بالمشرع أن يجعل لقاضي التنفيذ سلطة من حيث قبول الدفع أو عدم قبوله، وأن على قاضي التنفيذ ألا يوقف التنفيذ إذا حكم بعدم قبول الدفع، وإنما عليه أن يسير في التنفيذ حتى يصدر حكماً من المحكمة العليا بوقف التنفيذ، وإذا حكم بقبول الدفع فإن عليه حينئذ أن يُحيله إلى المحكمة العليا، وعلى محكمة التنفيذ سواءً حكمت بقبول الدفع أو بعدم قبوله أن تحيل المسألة إلى المحكمة العليا، لكن في حالة عدم قبوله لا توقف إجراءات التنفيذ إلا إذا صدر حكم من المحكمة العليا بوقف التنفيذ، ونحن من جانبنا نؤيد ما ذهب إليه هذا الفقه، بأنه يجب أن يمنح قاضي التنفيذ سلطة من حيث قبول الدفع بانعدام الحكم، أو عدم قبوله وألا يوقف التنفيذ إذا حكم بعدم قبول الدفع، وإنما عليه أن يسير في إجراءات التنفيذ حتى يصدر حكماً من المحكمة العليا بوقف التنفيذ، لكيلا تتعطل تنفيذ الأحكام القضائية نظراً لتقديم الدفوع الكيدية وما أكثرها، وليس لقاضي التنفيذ الحق في الفصل في الانعدام المقدم إليه، وإنما يجب عليه إحالته مع الدفع المقدم إلى المحكمة العليا فقط، وأساس جواز التمسك بانعدام الحكم القضائي أمام قاضي التنفيذ، أن الحكم المنعدم ليس له وجود قانوني، وبالتالي لا يصح أن يكون سنداً تنفيذياً، فلا يجوز أن يتم التنفيذ إلا بمقتضى سند تنفيذي وذلك وفقاً لنص المادة (1/326) مرافعات والتي تنص على أنه: «لا يجوز إجراء التنفيذ الجبري إلا بسند تنفيذي اقتضاءً لحق محقق الوجود ومعين المقدار وحال الأداء».
وفي ذلك قضت المحكمة العليا اليمنية حيث جاء في حيثيات ومنطوق حكمها: «بعد دراسة الأوراق التي اشتمل عليها ملف الدعوى والرد عليها تبين أن المتطلبات الشكلية للدعوى والرد عليها التي حددها القانون في المواد (277، 280، 283) مرافعات متحققة، وأن وكيل مدعي الانعدام قد أسس الدعوى بالانعدام على أحكام المواد (15، 50، 57، 217) مرافعات، الأمر الذي استلزم الفصل في الدعوى موضوعاً وحيث إن الرد على الدعوى قد قام على دفع أساس مؤسس على حكم المادة (217) مرافعات يمني بعدم قبول الدعوى...». 
ويقابلها نص المادة (280) من قانون المرافعات المصري والتي تنص على أنه: «لا يجوز التنفيذ الجبري إلا بسند تنفيذي اقتضاءً لحق محقق الوجود ومعين المقدار وحال الأداء»، وبالتالي تعتبر الأحكام من أهم السندات التنفيذية، وأقواها من حيث تأكيدها للحقوق المراد تنفيذها؛ لأنها تصدر في خصوصية بعد تحقيق المحكمة لادعاء المدعى له والحكم بما ثبت من هذا الادعاء لضمان تحقيق العدالة وأن الأحكام القابلة للتنفيذ الجبري هي فقط الأحكام الصادرة بالزام، لأنها– دون غيرها– هي التي يقبل مضمونها التنفيذ الجبري، حيث تفرض على المحكوم عليه القيام بأداء أو عمل معين، كما أن مجرد صدورها لا يحقق الحماية القانونية التي طلبها المحكوم له، إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذها طواعية، كما تكون هذه الأحكام نهائية ما لم تكن مشمولة بالنفاذ المعجل، وعلى ذلك يجوز لقاضي التنفيذ وقف عملية التنفيذ لعدم وجود السند التنفيذي، كما أنه يجوز لقاضي التنفيذ الامتناع عن القيام بعملية التنفيذ الجبري لعدم وجود السند التنفيذي وجوداً قانونياً، كما يجوز لقلم الكتاب الامتناع عن وضع الصيغة التنفيذية على الحكم المنعدم القضائي لعدم وجوده قانوناً كسند تنفيذي، كما أنه يجوز لكل من قاضي التنفيذ، ومحضر التنفيذ وقلم الكتاب والمنفذ ضده تجاهل الحكم المنعدم وعدم اعتباره سنداً تنفيذياً لعدم وجوده قانوناً، مما يجعل تنفيذه مستحيلاً، غير أن المشرع اليمني لم يعالج حالة ما إذا كان الحكم الذي يجري تنفيذه منعدماً، ولم يتم الدفع بالانعدام أمام قاضي التنفيذ.
ويرى بعض الفقه أنه كان على المشرع اليمني كون الدفع بالانعدام من النظام العام، أن يمنح قاضي التنفيذ إذا رأى أن الحكم المراد تنفيذه منعدم أن يمتنع عن تنفيذ ذلك الحكم وأن يكلف أصحاب الشأن برفع دعوى بالانعدام أمام المحكمة المختصة وهي المحكمة العليا.

ثانياً: التمسك بانعدام الحكم القضائي أمام قاضي:
يمكن التمسك بانعدام الحكم كمسند تنفيذي لعدم وجوده قانوناً عن طريق الاستشكال في التنفيذ، فالأصل أن الاستشكال شرع للتمسك بالعيوب التي تشوب إجراءات تنفيذ الحكم، وليس للتمسك بالعيوب التي تشوب الحكم ذاته، أي أن الإشكال في التنفيذ إنما ينصب على الوقائع اللاحقة على صدور الحكم فيجوز للمحكوم عليه (المنفذ ضده) أن يستشكل من تنفيذ الحكم المنعدم، وذلك على أساس أن السند التنفيذي– الحكم المنعدم– ليس له وجود قانوني، ولا تنفيذ جبري بدون سند تنفيذي له وجود قانوني، وبالتالي فالحكم المنعدم لا يصلح أن يكون سنداً تنفيذياً، وإذا دفع أمام قاضي التنفيذ بانعدام الحكم المطلوب تنفيذه، وظهر له جدية هذا الدفع فإنه يحكم بوقف التنفيذ مؤقتًا لحين الفصل في الدفع أو في دعوى الانعدام الأصلية، وقد استبعدت محكمة النقض المصرية جواز الإشكال في تنفيذ الحكم الباطل استنادًا إلى: «عيوب البطلان واحترامًا لحجية الحكم القضائي، وليس لمحكمة الإشكال أن تبحث الحكم الصادر في الموضوع من حيث صحته أو بطلانه أو بحث أوجه تتصل بمخالفة القانون أو الخطأ في تأويله، أو التعرض لما في الحكم المرفوع عنه الإشكال من عيوب وقعت في الحكم نفسه، أو في إجراءات الدعوى مما يجعل الحكم باطلًا، لما في ذلك من مساس باحترام حجية الحكم القضائي»، وهذا الأمر يتعلق بالحكم القضائي الباطل؛ لأنه يتمتع بحجية الأمر المقضي على العكس من الحكم المنعدم فليس له وجود قانوني، ولا يعد سندًا تنفيذيًا، ويعتبر الحكم فاقدًا لصفته كسند تنفيذي، وبالتالي يجوز أن يرد عليه الإشكال في التنفيذ، ويجوز للمنفذ ضده أن يعترض على الحكم الذي يجري تنفيذه الصادر بإثارة منازعة في التنفيذ يدفع فيها بانعدام الحكم، وتكون المنازعة في تنفيذ الحكم مقبولة إذا صدر هذا الحكم منعدمًا.
وقد ذهب بعض الفقه اليمني إلى أنه يجوز أن يبنى الإشكال على أساس أن الحكم منعدم، أو مزور؛ لأن التزوير يساوي عدم الوجود القانوني للحكم، ولا يجوز أن يؤسس الإشكال الوقتي على تخطئة الحكم المستشكَل في تنفيذه كأن يرفع شخص إشكالاً وقيًّا مدعيًا أن المحكمة قد أخطأت في تطبيق القانون، أو أنها غير مختصة بإصدار الحكم، أو أن شمول الحكم بالتنفيذ المعجل غير جائز، أما المشرع السعودي فقد نص في المادة (196) من نظام المرافعات على أنه: «لا يترتب على الاعتراض لدى المحكمة العليا وقف تنفيذ الحكم، ما لم ينص النظام على خلاف ذلك، وللمحكمة أن تأمر بوقف تنفيذ الحكم مؤقتًا إذا طلب ذلك في مذكرة الاعتراض وكان يُخشى من التنفيذ وقوع ضرر جسيم يتعذر تداركه، ولها عندما تأمر بوقف التنفيذ أن توجب تقديم ضمان، أو كفيل غارم مليء، أو تأمر بما تراه كفيلاً بحفظ حق المعترض عليه».
المطلب الثاني
مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع أمام المحكمة العليا
يمكن أن يُقدم الدفع بالانعدام أمام المحكمة العليا، إذا استدل بالحكم المدعى بانعدامه أو كان الحكم مطعونًا فيه بالنقض أمامها، وفقًا لنص المادة (57/أ/4) مرافعات يمني، كما أن المشرع اليمني في المادة (129) من قانون المرافعات أتاح للخصوم أن يطلبوا من المحكمة العليا في أي وقت سحب وإلغاء حكمها وإعادة نظر الطعن بالنقض من جديد أمام دائرة أخرى إذا قام في الحكم الصادر منها سبب من أسباب عدم الصلاحية التي رتب على توافرها انعدام العمل القضائي، أما إذا لم يتوافر سبب من أسباب عدم الصلاحية فإنه لا يترتب على ذلك انعدامه، وقد انتقد بعض الفقه اليمني موقف المشرع اليمني من صياغة الفقرة الرابعة من المادة (57) مرافعات، حيث إنه لم يتبنى صياغة واضحة لها، وأنه كان يجب عليه أن يتبنى صياغة واضحة لهذا النص تكون كالتالي: «يواجه الحكم المنعدم بدفع أمام المحكمة العليا إذا كان الحكم مؤيداً منها، أو كانت قد فصلت فيه في الحالات التي يجوز فيها ذلك أو كان مطعوناً عليه بالنقض»، كما أن المشرع المصري أجاز في أي وقت سحب الحكم الصادر من محكمة النقض المعيب بعيوب جسيمة، وإن كان ذلك في نطاق ضيق جداً، ومن ذلك ما نصت عليه المادة (2/147) من قانون المرافعات من جواز سحب الحكم الصادر من محكمة النقض وإعادة النظر في الطعن في حال قيام سبب من أسباب عدم الصلاحية بأحد قضاة محكمة النقض الذين أصدروا الحكم في الحالة المنصوص عليها تحديداً وحصراً، وعلى ذلك فقد أجاز المشرع المصري في المادة (2/147) مرافعات تحديداً وحصراً أن يطلب الخصوم من محكمة النقض إلغاء حكمها وإعادة نظر الطعن، بالنقض أمام دائرة أخرى، وذلك إذا قام في حق أحد مستشاري المحكمة الذين نظروا الطعن سبب من أسباب عدم الصلاحية، فهذا هي الحالة الوحيدة التي يحق فيها للدائرة المدنية بمحكمة النقض أن ترجع عن قضاءها وتسحب حكمها، وذلك زيادة في الاحتياط والتحوط لسمعة القضاء.
وعلى هذا قضت محكمة النقض المصرية بأنه: «يحضر الطعن في الأحكام الصادرة من الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض بأي طريق من طرق الطعن العادية أو غير العادية بما في ذلك التماس إعادة النظر، ويغلق السبيل إلى إلغائها إلا استنادًا إلى توافر سبب من أسباب عدم الصلاحية بأحد القضاة الذين أصدروه م (147/1/2) مرافعات مصري وذلك زيادة في الاستيطان والتحوط لسمعة و هيبة وكرامة القضاء، كما قضت أيضًا بأنه لا يجوز الطعن في القرار الصادر من محكمة النقض في غرفة المشورة بقبول أو عدم قبول الطعن بأي طريق من طرق الطعن مثله مثل الحكم الصادر منها سواء بسواء إلا بسبب يندرج ضمن أسباب عدم الصلاحية المنصوص عليها على سبيل الحصر والتحديد في المادة (146) مرافعات مصري».
على أنه لا يجوز الاستناد إلى عدم صلاحية الهيئة التي أصدرت حكم النقض)، فعدم الصلاحية يجب أن ينصب على أحد مستشاري النقض، دون الهيئة بكاملها، كذلك يراعى أن مجرد إحالة الطعن إلى دائرة أخرى من دوائر النقض بوجود مانع لدى الهيئة دون بيان هذا المانع لا يدل بذاته على توافر سبب من أسباب عدم الصلاحية، ويستوي في ذلك أن يكون العيب المؤدي للانعدام قد شاب حكم المحكمة العليا ذاته أو شاب حكماً مؤيداً من هذه المحكمة ويقدم الدفع بالانعدام أو طلب السحب أمام محكمة النقض في أي وقت دون التقيد بميعاد معين فإذا ثبت للمحكمة صحة الدفع أو الطلب فإن عليها سحب أو إلغاء الحكم المنعدم وإحالة الطعن الذي صدر فيه الحكم المنعدم إلى دائرة أخرى لنظره من جديد، لأنه لا يُعد طعناً، وإنما هو بمثابة دعوى انعدام أصلية، ومن ثم لا يجري عليه الميعاد المقرر للطعن.
أما المشرع السعودي فقد جعل حالات الانعدام من ضمن الحالات التي يجوز للمحكوم عليه الطعن فيها بالنقض أمام المحكمة العليا حيث نصت المادة (193) على أن: للمحكوم عليه الاعتراض بطلب النقض أمام المحكمة العليا على الأحكام والقرارات التي تصدرها أو تؤيدها محاكم الاستئناف متى كان محل الاعتراض على الحكم ما يلي:
۱- مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض معها. ٢- صدور الحكم من محكمة غير مشكلة تشكيلاً سليماً طبقاً لما نص عليه نظامهاً. 3- صدور الحكم من محكمة أو دائرة غیر مختصة. 4- الخطأ في تكييف الواقعة أو وصفها وصفاً غير سليم».

الخاتمة
بعد الانتهاء من دراستنا - مواجهة العمل الإجرائي المنعدم بدفع فقد خلصنا إلى جملة من النتائج، والتوصيات نعرض أهمها على النحو الآتي:
أولاً: النتائج:
1- يُعد الدفع بانعدام العمل الإجرائي وسيلة من وسائل التمسك بالانعدام كجزاء إجرائي سواء كان هذا العمل صادراً أثناء سير الخصومة، أو كان على الخصومة بأكملها التي تعرض، كانعدام العمل الأخير فيها وهو الحكم القضائي.
2- يحق لكل ذي مصلحة التمسك بانعدام العمل الإجرائي سواءً كان صادراً أثناء سیر الخصومة أو بعد انقضائها كما يحق له التمسك به في أية حالة تكون عليها الإجراءات، وأمام أية مرحلة من مراحل التقاضي، ويكون ذلك عن طريق إنكاره، أو في صورة دفع إجرائي يطلق عليه الدفع بالانعدام، أو عن طريق طلب عارض أثناء سير الخصومة حتى قفل باب المرافعة، أو الطعن في الحكم الصادر في الخصومة على أساس انعدام العمل الإجرائي باعتباره عيباً إجرائياً منهياً للخصومة.
3-    يتم مواجهة الإجراء المنعدم الصادر أثناء سير الخصومة بدفع يرفع أمام المحكمة التي تنظر الدعوى حيث تقرر انعدامه، أو من تلقاء نفسها، وعند الحكم فيه، فإنه يتم الطعن فيه مع الحكم المنهي للخصومة، لما قد يترتب على هذا الإجراء المنعدم انعدام الخصومة ولا تسري على ذلك الإجراء قواعد الطعن في الحكم المنعدم.
4-    إن على قاضي التنفيذ إذا رأى أن الحكم المراد تنفيذه منعدم، أن يمتنع عن تنفيذ ذلك الحكم وأن يكلف أصحاب الشأن برفع دعوى بالانعدام أمام المحكمة المختصة، وهي المحكمة العليا.
5-    يجب أن يمنح قاضي التنفيذ سلطة من حيث قبول الدفع بانعدام الحكم أو عدم قبوله، وألا يوقف التنفيذ إذا حكم بعدم قبول الدفع حتى يصدر حكم من المحكمة العليا بوقف التنفيذ، حتى لا يتعطل تنفيذ الأحكام القضائية.

ثانياً: التوصيات:
نوصي المشرع اليمني بالآتي:
1-    أن يمنح قاضي الموضوع أياً كان الفصل في الدفع بالإجراء المنعدم الصادر أثناء سیر الخصومة، وأنه يتم الطعن فيه مع الحكم المنهي للخصومة، لما قد يترتب على هذا الإجراء المنعدم من انعدام الخصومة، ولا تسري على ذلك الإجراء قواعد الطعن في الحكم المنعدم.
2-    أن يتم إضافة جملة (ولقاضي التنفيذ الحق بقبول الدفع أو عدم قبوله، وله أن يمتنع عن تنفيذ ذلك الحكم، إذا رأى أنه منعدم، وأن يكلف أصحاب الشأن برفع دعوى بالانعدام أمام المحكمة العليا)، بعد الفقرة الأولى من المادة (57/أ) بحيث يصير نص المادة كالاتي: 1- بدفع أمام قاضي التنفيذ على الحكم- أي السند التنفيذي- ولقاضي التنفيذ الحق بقبول الدفع أو عدم قبوله، وألا يوقف التنفيذ إذا حكم بعدم قبول الدفع، حتى يصدر حكم
    من المحكمة العليا بوقف التنفيذ، وله أن يمتنع عن تنفيذ ذلك الحكم، إذا رأى أنه منعدم، وأن يكلف أصحاب الشأن برفع دعوى بالانعدام أمام المحكمة العليا.
3- إعادة صياغة الفقرة الرابعة من المادة (57) مرافعات بحيث يصير النص كالتالي: «يواجه الحكم المنعدم بدفع أمام المحكمة العليا إذا كان الحكم مؤيداً منها، أو كانت قد فصلت فيه في الحالات التي يجوز فيها ذلك أو كان مطعوناً عليه بالنقض».

قائمة المصادر والمراجع
أولاً: القرآن الكريم.
ثانياً: كتب اللغة والمصطلحات
1]    ابن منظور لسان العرب مرجع سابق، الجزء الثاني عشر.
2]    أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا المتوفى عام (395هـ): معجم مقاييس اللغة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الجزء الرابع 1979م، قام بتحقيقه وضبطه عبد السلام محمد هارون.
3]    محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: مختار الصحاح، المطبعة الكلية، مصر، الطبعة الأولى، سنة 1329هـ.
4]    مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي المتوفى سنة 817هـ: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة.
ثالثاً: المراجع القانونية:
المؤلفات العامة
5]    إبراهيم محمد الشرفي: الوجيز في شرح قانون المرافعات اليمني، دراسة تأصيلية في قانون المرافعات اليمني رقم (40) لسنة 2002م وتعديلاته بالقانون رقم (2) لسنة 2010م وقانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م وتعديلاته، طبعة جديدة ومزيدة ومنقحة وفقاً لآخر التعديلات، 2023م.
6]    أحمد الوفاء: نظرية الأحكام في قانون المرافعات، منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة السادسة، بدون ذكر سنة النشر.
7]    أحمد فتحي سرور الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الجزء الأول، الطبعة العاشرة 2016م.
8]    سعيد خالد علي جباري الشرعبي: الموجز في أصول قانون القضاء المدني اليمني، مكتبة ومركز الصادق، صنعاء، الطبعة الرابعة 2022م.
9]    صادق يحيى علي العري: الوجيز في أصول قانون المرافعات اليمني، دار الكتب اليمنية للطباعة والنشر والتوزيع، صنعاء، مكتبة خالد بن الوليد للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 2022م.
10]    عادل علي محمد النجار: التنفيذ الجبري وفقاً لقانون المرافعات اليمني، مركز الصادق للطباعة والنشر والتوزيع، صنعاء، الطبعة الرابعة، 2021م.
11]    عادل علي محمد النجار البطلان المؤثر في حكم التحكيم، مكتبة ومركز الصادق للطباعة والنشر والتوزيع صنعاء، الطبعة الثانية، 2017م.
12]    عبدالله أحمد عبد القادر الملحاني: الشرح العملي لقانون المرافعات والتنفيذ المدني وفقاً لتعديلات القانون رقم (1) لسنة 2021م، بدون دار نشر، الطبعة الثانية، فبراير2022م.
13]    غالب عبدالله القعيطي شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية مكتبة خالد بن الوليد ودار الكتب اليمنية للطباعة والنشر والتوزيع، صنعاء، الطبعة الأولى2020م-1442هـ.
14]    فتحي والي الوسيط في قانون القضاء المدني، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 2001م، بدون تحديد للطبعة.
التشريع
15]    مأمون محمد سلامة: الإجراءات الجنائية في المصري، دار النهضة العربية، القاهرة، الجزء الثاني، 1992م.
16]    محمد كمال عبد العزيز: تقنين المرافعات في ضوء القضاء والفقه، الطبعة الثالثة، 1995م، بدون ذكر دار النشر.
17]    مروان كركبي: أصول المحاكمات المدنية والتحكيم، المنشورات الحقوقية صادر، الجزء الأول، الطبعة الرابعة.
18]    نجيب أحمد عبدالله الجبلي: قانون المرافعات اليمني، مكتبة ومركز الصادق صنعاء، الطبعة الأولى، م2008م.
19]    هشام موفق عوض: أصول المرافعات الشرعية في نظام القضائي السعودي وفقاً لنظام المرافعات الشرعية الجديد ولائحته التنفيذية ولائحة الاستئناف، مكتبة الشقري للنشر وتقنية المعلومات، المملكة العربية السعودية- الرياض، الطبعة الخامسة 1443هـ- 2022م.

المؤلفات الخاصة
20]    إبراهيم التجاني أحمد نظرية البطلان وأثرها على الحقوق الشرعية مركز الدراسات والبحوث، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، الطبعة الأولى، 1433هـ-2012م.
21]    أحمد ماهر زغلول: أعمال القاضي التي تحوز حجية الأمر المقضي وضوابط، حجيتها، دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة حول نطاق حجية القرارات والإحكام القضائية دار أبو المجد للطباعة بالهرم، مصر، الطبعة الثانية.
22]    أحمد ماهر زغلول: الحجية الموقوفة أو تناقضات حجية الأمر المقضي في تطبيقات القضاء المصري، دراسة لقاعدة ثبوت الحجية للحكم بمجرد صدوره ونطاق تطبيقها في القانون المصري، مكتب الرسالة الدولية للطباعة، الطبعة الثانية، 1996م.
23]    أحمد هندي: التمسك بالبطلان في قانون المرافعات، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 1999م.
24]    أحمد عوض هندي: أحكام محكمة النقض آثارها وقوتها، دراسة تحليلية في القانونين المصري والفرنسي، دار الجامعة الجديدة، 2006م.
25]    الأنصاري حسن النيداني: العيوب المبطلة للحكم وطرق التمسك بها دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية2009م.
26]    الأنصاري حسن النيداني: القاضي والجزاء الإجرائي، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2009م.
27]    سيد أحمد محمود أصول التقاضي وفقاً لقانون المرافعات، بدون تحديد، طبعة، بدون دار نشر، 2005م- 1425هـ.
28]    صادق يحيى علي العري: انعدام الحكم القضائي في قانون المرافعات اليمني دراسة تحليلية وصفية لأسباب انعدام الحكم القضائي ووسائل مواجهته والأثار المترتبة عليه وفقاً لآراء الفقه وقواعد القانون وأحكام القضاء، مكتبة ومركز الصادق للطباعة والنشر والتوزيع، صنعاء، الطبعة الأولى، 2017م.
29]    طلعت يوسف خاطر: نظرية الانعدام في قانون المرافعات المدنية والتجارية دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2015م.

30]    عبد الحكيم فوده البطلان في قانون الإجراءات المدنية والتجارية دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1991م.
31]    غنام محمد غنام: نظرية الانعدام في الإجراءات الجزائية، دراسة مقارنة في القانونين الكويتي والمصري، لجنة التأليف والتعريب والنشر، الكويت، الطبعة الأولى، 1999م.
32]    محمد محمود إبراهيم أصول صحف الدعاوى على ضوء آخر أحكام النقض وقانون الشهر العقاري أمام محكمة أول درجة والاستئناف، دار الفكر العربي، القاهرة، 1986م.
33]    عادل سالم محمد اللوزي: الحكم القضائي المنعدم دراسة مقارنة رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الدراسات العليا، جامعة عمان العربية، الأردن، 2004م.
الرسائل العلمية
34]    عبد العزيز محمد العبد اللطيف: أحكام البطلان في نظام المرافعات السعودي على ضوء الفقه الإسلامي، دراسة تطبيقية مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في العدالة الجنائية، الرياض، 1425هـ الموافق 2004م.
35]    لبيب عبده دغيش هواش بطلان الحكم القضائي وانعدامه في قانون المرافعات اليمني، رسالة مقدمة للحصول على درجة الماجستير للأكاديمية اليمنية للدراسات العليا، 2014-2015م.
36]    أحمد عبد الحميد أحمد عبد الكريم: نظرية الانعدام في قانون الإجراءات الجنائية، دراسة مقارنة بين القانونين المصري والفرنسي رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق، جامعة الزقازيق، 2015م.
37]    أحمد فتحي سرور: نظرية البطلان في قانون الإجراءات الجنائية، رسالة دكتوراه، القاهرة 1959م.
38]    فتحي والي وحدثها أحمد ماهر زغلول: نظرية البطلان في قانون المرافعات رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، سنة 1958م، دار الطباعة الحديثة، الطبعة الثانية، 1997م.
39]    سحر عبد الجليل سيف المقطري: البطلان في قانون المرافعات اليمني، رسالة دكتوراه، مقدمة إلى كلية الحقوق جامعة عدن، 1442هـ- 2012م.
40]    هشام رشاد هيكل: انعدام الحكم القضائي، دراسة تحليلية في قضاء مجلس الدولة المصري والقضاء المقارن، رسالة دكتوراه مقدمة لكلية الحقوق جامعة عين شمس، 2010م.
41]    هشام قائد عبد السلام الشميري: الانعدام الإجرائي في قانون المرافعات والتنفيذ اليمني، رسالة دكتوراه، الخرطوم- السودان، 2019م.
42]    وجدي راغب فهمي: النظرية العامة للعمل القضائي في قانون المرافعات رسالة دكتوراه كلية الحقوق، جامعة عين، شمس 1967م، القاهرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1974م.
43]    أحمد محمد عبد الرؤوف غندور: الحكم المنعدم وآثاره القانونية، رساله مقدمه للحصول على درجة الدكتوراه بالحقوق جامعة الإسكندرية 2018م.
44]    محمد إبراهيم الششتاوي الغرباوي: نحو نظرية عامة لانعدام الإجراء، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 2016م.
الأبحاث والمقالات
45]    خيري عبد الفتاح السيد البيتانوني: نظرية الانعدام الإجرائي في قانون المرافعات بحث منشور في مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية بكلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، مصر، العدد الأول، سنة 2012م.
46]    عصام عبد الوهاب السماوي: نظرية الانعدام في قانون المرافعات اليمني وتطبيق أحكامه.
    في المحكمة العليا، ورقة عمل مقدمة في المؤتمر الخامس لرؤساء المحاكم العليا في الدول العربية المنعقدة في بيروت، بتاريخ 17/9/2014م.
47]    جعفر المغربي الفناطسه وخالد رضوان السمامعة ورائد لطفي صبح: الحكم القضائي المنعدم وآثاره في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، دراسة مقارنة، بحث منشور في مجلة جامعة الزيتونة الأردنية للدراسات القانونية، المجلد الأول، العدد الأول، 2020م.


القوانين
48]    قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، المعدل بالقانون رقم (2) لسنة 2010م، والقانون رقم (1) لسنة 2021م.
49]    قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري رقم (13) لسنة 1968م، وتعديلاته.
50]    نظام المرافعات الشرعية السعودي الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ 22/1/1435هـ ولائحته التنفيذية بقرار وزير العدل رقم (39933) وتاريخ 19/5/1435هـ.