الإطـار القانونـي لحمايـة الأطفـال في البيئة الرقمية في القانون اليمني

الباحث/ محمد علي حطرم

6/13/2026

يمكنك تنزيل الدراسة من هنا

أولاً: مقدمــــة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم وآله الكرام الطاهرين وأصحابه الأخيار المنتجبين.. أما بعـد:
فإن الحماية القانونية في مجال البيئة الرقمية تحتل أهمية كبيرة، لاسيما في ظل التقدم والتطور المستمر في هذا المجال بشكل متسارع وواسع يغطي مختلف المجالات، والتوسع السريع لشبكة الإنترنت على الصعيد العالمي، وسهولة الوصول خصوصاً بواسطة الهواتف الذكية التي باتت في متناول الجميع، وتزايد عدد مستخدمي شبكة الإنترنت في العالم من سنة لأخرى بشكل متسارع وبنسب عالية جداً، والتأثير الكبير الذي ينعكس على الأشخاص والأسر والمجتمعات في كافة دول العالم.
وتتعاظم تلك الأهمية في مجال حماية الأطفال كونهم الفئة الأكثر عرضة لهذه المخاطر، نظراً لضعف الإدراك النقدي لدى الطفل وعدم امتلاكه القدرة الكافية على تمييز النوايا الخبيثة أو التحقق من صحة المعلومات، والفضول الطبيعي الذي قد يقود الطفل إلى محتويات خطيرة دون وعي، وقلة الخبرة الحياتية لدى الأطفال في تقدير عواقب مشاركة الصور أو الدخول في محادثات مع غرباء، وغير ذلك من السمات الطبيعية لدى الأطفال التي تجعلهم أكثر عرضة للمخاطر في البيئة الرقمية.
ومن هنا تولي معظم الدول اهتماماً متزايداً بأطر حماية الأطفال في البيئة الرقمية، وتزايدت الجهود الدولية ومنها قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن سلامة الأطفال في البيئة الرقمية، وبالتالي يناقش هذا البحث الإطار القانوني لحماية الأطفال في البيئة الرقمية في اليمن التي تبلغ شريحة الأطفال فيها ما نسبته 49.5% من إجمالي عدد السكان بحسب الإحصائيات للعام 2022م. 
ثانياً: مشكلة البحث:
تتمحور المشكلة التي يناقشها هذا البحث حول الإجابة على تساؤل رئيسي مفاده: ما التنظيم القانوني لحماية الأطفال في البيئة الرقمية في القانون اليمني؟ وكذلك الإجابة على مجموعة من التساؤلات الفرعية المنبثقة عن هذه المشكلة الرئيسية، وأهمها: ما أوجه الحماية القانونية للأطفال في القانون اليمني مقارنة بمضامين قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن سلامة الطفل في البيئة الرقمية؟ وما الأساليب التي تتبعها الدول في تقنين هذا النوع من الحماية؟ وما الأسلوب الذي انتهجه المقنن اليمني؟ وهل كانت النصوص القانونية الواردة في القوانين واللوائح النافذة في اليمن كافية لتغطية جميع أوجه حماية الطفل في البيئة الرقمية؟ 
ثالثاً: أهداف البحث:
تتركز أهداف البحث– فضلاً عن الإجابة على التساؤلات المنبثقة عن مشكلة البحث– في استجلاء نقاط القوة والضعف في القوانين واللوائح النافذة في اليمن من حيث التناسب مع متطلبات التعامل مع الوسائل والآليات التي انتجتها الوسائل الرقمية والتكنولوجية، والتعرف على أوجه القصور والتحديات التي تواجه النصوص القانونية النافذة لتطبيقها في مجال البيئة الرقمية، ومحاولة التوصل إلى الحلول والمعالجات الممكنة لمواجهة هذه التحديات.
رابعاً: منهج البحث:
لما كان البحث يدور حول الإطار القانوني لحماية الأطفال في البيئة الرقمية في القانون اليمني، فقد تم الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي مع اتباع المنهج المقارن مع بعض التجارب الدولية كلما عنّت الحاجة لذلك، وسيقوم الباحث بعرض موضوعات البحث مستخدماً المنهج العلمي في مناقشة وتحليل النصوص القانونية والآراء الفقهية المرتبطة بها، ثم التعقيب وإبداء الرأي وفقاً لما تقتضيه ضرورات البحث.
خامساً: خطة البحث:
المبحث الأول: أوجه الحماية القانونية للأطفال في مجال البيئة الرقمية.
المبحث الثاني: أساليب تقنين حماية الأطفال في مجال البيئة الرقمية.
المبحث الثالث: موقف المقنن اليمني من حماية الأطفال في البيئة الرقمية.
الخاتمــــــــــة: النتائـــــــــــــــج والتوصيــــــــــــات.

المبحث الأول 
أوجه الحماية القانونية للأطفال في مجال البيئة الرقمية
يتمحور الإطار القانوني لحماية الأطفال في البيئة الرقمية وفقاً لقرار مجلس حقوق الإنسان في ثلاثة جوانب وهي (تدابير قانونية لحماية الأطفال من مخاطر البيئة الرقمية، تدابير آليات الإبلاغ وحصول الأطفال على سبل الانتصاف، تدابير وقائية وتعزيز الفهم والتوعية الرقمية)، ونتناول في هذا المبحث أوجه الحماية القانونية في هذه الجوانب الثلاثة من خلال المطالب التاليــــة:
المطلب الأول
وضع تدابير قانونية لحماية الأطفال من مخاطر البيئة الرقمية
تضمنت الفقرة الأولى من قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن سلامة الطفل في البيئة الرقمية أن المجلس يحث جميع الدول على اعتماد وتنفيذ تشريعات واستراتيجيات وسياسات لضمان حماية وتعزيز وإعمال حقوق الطفل وسلامته في البيئة الرقمية. 
وتشمل سلامة الطفل في البيئة الرقمية حمايته من العنف والضرر والتسلط عبر الإنترنت والمضايقة والترويج للانتحار وإيذاء النفس، وحمايته من التمييز والعنصرية والدعوة للكراهية، وحمايته من الاتجار والتهريب والاستغلال الاقتصادي وتسويق السلع الضارة أو غير الملائمة كالقمار والمخدرات والاحتيال وسرقة الهوية والتعرض لآثار الخوارزميات وآليات التصميم الضارة والمسببة للإدمان، وتمنع حصاد البيانات والمعلومات الخاطئة. 
كما تتضمن حماية الأطفال من المخاطر المحتملة في ظل البيئة الرقمية، لاسيما الاستغلال في المواد الإباحية والاستغلال الجنسي وبغاء الأطفال والمقاطع القصيرة التي لا تتناسب مع الفئة العمرية للأطفال، فضلاً عن استخدام التزييف العميق بالذكاء الاصطناعي.
وبالتالي يمكن تصنيف المخاطر المحتملة للبيئة الرقمية على الأطفال إلى مخاطر متعلقة بالمحتوى، وأخرى متعلقة بالاتصال، ومخاطر متعلقة بالسلوك، ومخاطر متعلقة بالخصوصية والأمان، والمخاطر الصحية الجسدية والنفسية.
فالمخاطر المتعلقة بالمحتوى حين يتعرض الأطفال لمحتوى لا يتناسب مع أعمارهم أو يهدف إلى إيذائهم، كالمحتوى المحتوى العنيف أو الإباحي، والمعلومات المضللة، والترويج للسلوكيات الضارة، ويختلف الأمر بحسب الموقف التفاعلي للطفل مع هذه المحتويات فأحياناً قد يكون ضحية وأحياناً أخرى قد يكون مشاركاً في أذية الآخرين، مما يتطلب تنظيماً قانونياً فاعلاً ومتناسباً، ووعياً من أولياء الأمور للتعامل مع مثل هذه الأخطار من خلال الحلول الوقائية وأخذ الاحتياطات التقنية التي تحول دون وصول الطفل إلى المحتوى الضار.
أما المخاطر المتعلقة بالاتصال حين يقوم الطفل بالتواصل مع الآخرين في البيئة الرقمية، والتفاعل مع أفراد قد تكون لديهم نوايا سيئة لارتكاب أفعال ضد الطفل، كالتسلط الإلكتروني والتنمر عبر الإنترنت، والاستمالة الإلكترونية تحت هويات مزيفة، والابتزاز الجنسي بمحاولة إقناع الطفل بمشاركة صور أو مقاطع ثم استخدامها لابتزازه مادياً ونفسياً.
وفيما يخص المخاطر المتعلقة بالسلوك فهي تتعلق بما يفعله الطفل أو ما يُفعل به نتيجة قلة الوعي، كالإفراط في مشاركة البيانات الشخصية دون إدراك للعواقب، والإدمان الرقمي من خلال قضاء ساعات مفرطة أمام الشاشات، مما يؤدي إلى اضطرابات النوم، وضعف التحصيل الدراسي، والعزلة الاجتماعية وغيرها من الآثار السلبية، فضلاً عن دخول الطفل في نزاعات مع أسرته وأصدقائه.
أما المخاطر المتعلقة بالخصوصية والأمان فهي ترتبط باستغلال بيانات الأطفال من خلال التطبيقات والمنصات مما يعرضهم لانتهاك الخصوصية، وكذلك سرقة الهوية واستخدام معلومات الطفل لفتح حسابات احتيالية، فضلاً عن الاختراقات والقرصنة والوصول غير مصرح به إلى كاميرات الأجهزة أو حسابات العائلة الخاصة بالطفل.
وأخيراً المخاطر الصحية «الجسدية والنفسية» على الطفل كمتلازمة رؤية الكمبيوتر «إجهاد العين»، وآلام الظهر والرقبة، والسمنة بسبب الخمول، وكذلك القلق والاكتئاب نتيجة المقارنة الاجتماعية أو التعرض للتنمر، وتشويه صورة الجسد بسبب فلاتر التجميل ومعايير الجمال غير الواقعية على بعض المنصات، واضطراب نقص الانتباه بسبب سرعة وتيرة المحتوى القصير التي تقلل من مدى التركيز الطويل.
المطلب الثاني
وضع تدابير وآليات الإبلاغ وحصول الأطفال على سبل الانتصاف
تضمنت الفقرتان الثالثة والرابعة من قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن سلامة الطفل في البيئة الرقمية أن المجلس يحث جميع الدول على أن تتيح للأطفال الذين تتعرض حقوقهم للانتهاك أو إساءة الاستعمال إمكانية الحصول على سبل انتصاف قضائية وغير قضائية فعالة ومناسبة، بما في ذلك جبر الضرر وضمان عدم التكرار عند الاقتضاء. وفي سبيل ذلك تحث الدول على أن تسن وتنفذ التدابير التشريعية اللازمة بما في ذلك التدابير الجنائية وغيرها، لمنع جميع أشكال انتهاك وإساءة استعمال حقوق الطفل، والمعاقبة عليها وقمعها، سواءً على شبكة الإنترنت أو خارجها، بما في ذلك توزيع المواد الإباحية للأطفال عبر الإنترنت وغيرها من مواد الاستغلال الجنسي للأطفال والاعتداء الجنسي عليهم، وكفالة وجود آليات مناسبة للتمكين من الإبلاغ عن وجود هذه المواد وإزالتها، ومقاضاة منتجيها وموزعيها وجامعيها عند الاقتضاء. 
وبالتالي يفترض اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتوفير مثل تلك الضمانات التي تمكن الطفل من الإبلاغ عما يتعرض له من انتهاكات أو جرائم في البيئة الرقمية، وتنظم الإجراءات اللازمة لمعاقبة مرتكبيها، غير أن هناك عدداً من التحديات التي تواجه مثل تلك التدابير، وأهمها: كون الجرائم الإلكترونية عادة ما تكون عابرة للحدود، وصعوبة اكتشاف الجريمة المعلوماتية، وسرعة تنفيذ مثل هذه الجرائم إذ قد يتحقق الركن المادي بمجرد ضغطة زر، كما أن الجرائم الإلكترونية من الجرائم المستحدثة وعادة ما يقل الإبلاغ عنها، ومن التحديات أيضاً أن الجريمة الإلكترونية أسرع تطوراً من التقنين الوضعي نظراً للتطور التكنولوجي الهائل والمتسارع الذي تجسده شبكة الإنترنت وابتكار وسائل وطرق غاية في التعقيد لم تعرفها القوانين قبل سنها.
وفي هذا السياق، تثور إحدى الإشكاليات الرئيسية التي تتمثل في ضرورة وجود تعريف محدد ودقيق للجرائم المرتكبة عبر الإنترنت، ذلك أن غياب مثل هذا التعريف يخلق فراغاً قانونياً يتعلق بالمسؤولية الجنائية التي تمثل مبدأ رئيسياً في قوانين الجرائم والعقوبات، وتتعاظم الإشكالية مع غياب قواعد واضحة تنظم استعمال شبكات التواصل الاجتماعي من قبل الأطفال، مما يفضي إلى ضعف القدرات المؤسسية في حماية هذه الفئة في البيئة الرقمية. ويرتبط بتلك الإشكالية تحديات أخرى تتعلق بإجراءات ووسائل الإثبات وما تثيره من تحديات تتعلق بمدى اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي والإلكتروني إحدى وسائل إثبات الجريمة أو التعامل معها باعتبارها قرينة فحسب.
المطلب الثالث
وضع تدابير وقائية لتعزيز الفهم ورفع مستوى الوعي الرقمي
تضمنت الفقرة السابعة من قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن سلامة الطفل في البيئة الرقمية، حث جميع الدول على اتخاذ التدابير التشاركية اللازمة للمساعدة في التخفيف من المخاطر المحتملة للبيئة الرقمية على الأطفال، عن طريق وسائل الإعلام والإلمام بالتكنولوجيا الرقمية واكتساب الدراية والمهارات لكفالة المشاركة، فضلاً عن الاستعانة بالألعاب لتحقيق هذه الأغراض باعتبارها تتيح تدابير تكميلية لتعزيز فهم الأطفال. 
ويندرج في هذا الإطار العمل على منع أو تخفيف نشوء الآثار الضارة على حقوق الطفل التي ترتبط ارتباطاً مباشرة بتصاميم المؤسسات أو عملياتها أو منتجاتها أو خدماتها، ووضع وتنفيذ أطر تنظيمية ومدونات وشروط قطاعية تلتزم بالمعايير الأخلاقية من حيث تصميم منتجاتها وخدماتها الإلكترونية وهندستها ووضعها وتشغيلها وتوزيعها وتسويقها بما يكفل احترام حقوق الطفل.
وفي هذا السياق، يمكن العمل على تنمية الاندماج الرقمي والاجتماعي، حيث أدمجت بلدان مثل فرنسا والنرويج الإلمام الرقمي الذي يعرف بأنه فهم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتعاطي معها بشكل يومي والتفاعل معها كجزء من المنهاج الدراسي الأساسي، بينما أدمجت بعض الدول كبريطانيا التشفير الحاسوبي والبرمجة في الصفوف الابتدائية في شكل ألعاب إلكترونية، كما اهتمت بعض البلدان مثل فنلندا بمراجعة كيفية تركيب المنهاج الدراسي التقليدي من أجل تركيزه حول المهارات التي يحتاجها الطلاب في عالم التكنولوجيا المتغيرة بسرعة وقد حولت فنلندا ما نسبته 60% من محتوى المناهج إلى مهارات رقمية وعملية كتحليل البيانات، ودولاً أخرى كإستونيا أطلقت منصة مجانية لتعليم البرمجة للأطفال من سبع سنوات وشارك فيها ما نسبته 89% من طلاب المرحلة الابتدائية.
ومن الإجراءات الوقائية التي اتخذتها بعض الدول في هذا السياق القانون الفرنسي الذي حدد سن الرشد الرقمي بخمسة عشر عاماً ما لم يتم الحصول على ترخيص بهذا التسجيل من قبل ولي أمر الطفل، ومنح ولي الأمر إمكانية طلب تعليق حساب الطفل، وغير ذلك من الضوابط المتعلقة بأوقات الاستخدام والمحتوى والالتزامات الأخرى.
ومن خلال كل ما سبق تناوله في هذا المبحث، تتضح حدود ونطاق الحماية القانونية للأطفال في البيئة الرقمية وفقاً لقرار مجلس حقوق الإنسان، ومسؤوليات الدول في تنفيذ مقتضياته وفقاً لدساتيرها وأنظمتها وآلياتها في وضع التدابير القانونية، ونتناول الأساليب التي تنتهجها الدول من خلال المبحث التالي تباعاً.

المبحث الثاني 
أساليب تقنين حماية الأطفال في مجال البيئة الرقمية
عند الحديث عن الحماية القانونية في مجال البيئة الرقمية يثور التساؤل عن ماهي الأساليب التي تعتمدها الدول عند إجراء هذا التقيين، وما العوامل المؤثرة في اتخاذ القرار بتقنين الحماية في مجال البيئة الرقمية، وما الأسلوب الذي اتبعه القانون اليمني بهذا الشأن، وبالتالي نحاول الإجابة على هذه التساؤلات وما يتفرع عنها من تساؤلات وذلك من خلال المطالب التاليـــة:
المطلب الأول
أسلوب وضع قانون أو قوانين مستقلة ومتخصصة
تنوعت قوانين الدول فيما يتعلق بالحماية القانونية في البيئة الرقمية ما بين دول أوجدت قوانين خاصة بها كفرنسا وكندا والصين ومصر، ودول اكتفت بالنصوص في القوانين التقليدية– كاليمن– وبلغ بعض الدول في الحماية ومواجهة جرائم تقنية المعلومات إلى النص عليه في دساتيرها مثل النمسا والبرتغال وإسبانيا.
وفي هذا المطلب نستعرض أسلوب سن قوانين خاصة للحماية في مجال البيئة الرقمية والمعلوماتية، حيث تلجأ الدول التي تعتمد هذا الأسلوب إلى إصدار قوانين مستقلة تنظم الحماية الرقمية، وعادة ما تشتمل هذه القوانين على إيراد تعريفات المصطلحات ذات الصلة بالبيئة الرقمية والجرائم الإلكترونية بشكل دقيق، وإيراد نصوص قانونية تحدد نطاق تجريم الأفعال بشكل واضح كالاختراق، والابتزاز الإلكتروني، ونشر المحتوى الضار، وتحديد عقوبات رادعة لكل نوع من أنواع وصور الجرائم التي ينظمها القانون.
ومن أبرز الأمثلة على هذا الأسلوب هو «قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المصري» الذي وضع إطارًا قانونيًا واضحًا للتعامل مع الجرائم عبر الإنترنت، ويمثل خطوة مهمة لمواكبة التطورات الرقمية وحماية الأطفال في البيئة الإلكترونية، ويوفر إطارًا قانونيًا لتطبيق العقوبات وملاحقة الجناة بفاعلية، ويسهم في رفع وعي المجتمع بمخاطر الإنترنت ويشجع على الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، حيث يهدف هذا القانون إلى حماية الأفراد والمؤسسات من الجرائم التي تُرتكب عبر الشبكة الدولية للاتصالات، وتجريم السلوكيات الضارة على الإنترنت، مثل جرائم القرصنة، والابتزاز الإلكتروني، ونشر المحتوى الضار، وحماية الأطفال من الاستدراج الإلكتروني والاستغلال الرقمي، ووضع إجراءات واضحة للتحقيق والملاحقة القضائية في الجرائم الرقمية.
وقد اشتمل هذا القانون على التعاريف للمصطلحات ذات الصلة، لاسيما تعريف الجرائم الإلكترونية الذي يشمل الاختراق غير القانوني للأنظمة، ونشر الفيروسات، والسرقة الإلكترونية، والابتزاز الرقمي، كما تضمن هذا القانون أوجه حماية الأطفال وتجريم الاستدراج الإلكتروني للأطفال، وحماية خصوصية الطفل وبياناته على الإنترنت، وفرض عقوبات صارمة تصل إلى السجن والغرامات المالية، لضمان الردع، كما اشتمل على الإجراءات القانونية التي تنظم التحقيق في الجرائم الإلكترونية وتحديد جهات الاختصاص القضائي، وكذلك نظم التعاون الدولي وتسهيل التعاون بين الدول لمكافحة الجرائم العابرة للحدود، كما اشتمل على مسؤولية مزودي الخدمات الإلكترونية، وإلزام شركات الإنترنت والمنصات الرقمية بالمسؤولية في إزالة المحتوى الضار والإبلاغ عن الانتهاكات.
وبالنظر إلى هذا الأسلوب، يلاحظ أنه يتسم بعدد من الجوانب الإيجابية كالوضوح التعريفي للمصطلحات ذات الصلة بالحماية في البيئة الرقمية، لاسيما وضع تعريف دقيق للجرائم الرقمية وتعريفات دقيقة لكل فعل إلكتروني مخالف، كما أنه يحدد العقوبات الرادعة والمتناسبة مع كل فعل والتي تأخذ في الاعتبار خطورة الجرائم الرقمية على الأطفال والمجتمع، ويضع إطاراً مؤسسياً وتنفيذياً كتحديد الجهات القضائية المسؤولة وإلزام مزودي الخدمات الإلكترونية بمسؤوليات واضحة.
غير أنه يمكن استخلاص بعض الجوانب السلبية لهذا الأسلوب، ومنها: صعوبة الإحاطة بكافة الجوانب والتفاصيل الدقيقة في إطار البيئة الرقمية، كما أن معظم الدول التي تعتمد على هذا الأسلوب عادة ما تركز على الجوانب الجنائية للمسائل ذات الصلة بالبيئة الرقمية والمعلوماتية، في حين أن الحماية القانونية في البيئة القانونية يفترض أن تغطي كافة الحقوق، لاسيما حقوق الأطفال في مختلف الجوانب، كما أن وضع قانون مستقل– في الواقع– يتطلب إجراء العديد من التعديلات القانونية في كثير من القوانين النافذة بما يتناسب مع متطلبات تنفيذ نصوص القانون المستقل الذي قد يتعارض مع نصوص القوانين لاسيما تلك المتعلقة بالإجراءات ووسائل الإثبات وغيرها من الجوانب ذات الصلة.
المطلب الثاني
أسلوب إدماج أوجه الحماية ضمن القوانين التقليدية
ذكرنا فيما سبق أن مجموعة من الدول قد اعتمدت على الأسلوب الثاني في تقنين الحماية القانونية في البيئة الرقمية الذي يعتمد على إيراد أوجه الحماية القانونية في مجال البيئة الرقمية ضمن القوانين التقليدية النافذة، ومن هذه الدول اليمن، والعراق.
وبمقتضى هذا الأسلوب يتم إيراد مواد ونصوص قانونية في قانون أو أكثر من القوانين النافذة وتنظم مسألة أو أكثر من المسائل ذات الصلة بالحماية في مجال البيئة الرقمية، وهذه المواد والنصوص القانونية قد تكون مباشرة بأن تتضمن صراحة الإشارة إلى الموضوعات الرقمية بشكل واضح، وقد تكون غير مباشرة بأن تشير إلى وجه من أوجه الحماية غير أنه ينطبق على الجوانب التقليدية والرقمية على السواء، كأن يشتمل النص على حظر نشر بيانات أو معلومات لفئة من الأشخاص بأي وسيلة من وسائل النشر، وبالتالي تندرج الوسائل الرقمية والمعلوماتية ضمن هذا الحظر.
وبالنظر إلى هذا الأسلوب، نجد أنه يتسم ببعض الجوانب الإيجابية ومنها المرونة التي تتيح تطبيق النص القانوني بشكل أوسع نطاقاً يغطي كافة الوسائل التقليدية والرقمية، ويتيح الفرصة لشمولية أي وسائل أو آليات رقمية جديدة قد تظهر مستقبلاً، كما أن هذا الأسلوب يتسم بعدم التقييد، حيث يمنح صناع القرار ومسؤولي إنفاذ القانون مساحة لابتكار وتنفيذ الإجراءات والحلول المناسبة للمسائل التي تستجد في مجال البيئة الرقمية، دون التقيد بنصوص قانون مستقل قد لا يكون شاملاً لكافة الآليات والوسائل الجديدة التي يتم تحديثها وتطويرها بشكل مستمر.
ورغم ذلك، فإن هذا الأسلوب لا يخلو من الجوانب السلبية ومنها أن النصوص التقليدية عادة ما تحول دون تطبيقها في مجال البيئة الرقمية إذا ما كانت محددة ومقيدة، فمثلاً قد يتحدد نطاق التجريم في جريمة نشر البيانات على وسيلتي الإذاعة والتلفزيون، مما يحول دون دخول وسائل التواصل الاجتماعي ضمن نطاق التجريم، ومن جانب آخر يعيب هذا الأسلوب صعوبة الوصول للنصوص القانونية التي نظمت المسائل الرقمية، خصوصاً إذا لم تنص صراحة على ذلك، كما أن الاعتماد على التحليل والقياس لتطبيق النص التقليدي على النص الرقمي يجعل الأمر خاضعاً للاجتهاد والتقدير من قبل مسؤولي إنفاذ القانون، فضلاً عن الإشكاليات القانونية المتعلقة بالنصوص الجنائية التي يرى كثير من فقهاء القانون عدم جواز القياس فيها، وأخيراً فإن النصوص القانونية التقليدية تعاني من قصور في مواجهة الجرائم الرقمية الحديثة.
المطلب الثالث
الأسلوب المتبع في القانون اليمني
يعتمد المقنن اليمني على الأسلوب الثاني الذي يقوم على تقنين الحماية القانونية في البيئة الرقمية من خلال إيراد أوجه الحماية القانونية في مجال البيئة الرقمية ضمن القوانين التقليدية النافذة، ومنها قانون الجرائم والعقوبات، وقانون الصحافة والمطبوعات، وقانون حقوق الطفل، وقانون رعاية الأحداث، وغيرها من القوانين التي اشتملت على نصوص قانونية تنظم مسألة أو أكثر من المسائل ذات الصلة بالبيئة الرقمية، غير أن هذه النصوص لا تغطي سوى جزء محدود من أوجه الحماية القانونية للأطفال في البيئة الرقمية– وسنتناولها تفصيلاً في المبحث الثالث من هذا البحث.
على أن هناك بعض القوانين واللوائح المستقلة الخاصة التي نظمت جوانب محددة ذات صلة بالبيئة الرقمية، ومنها: القانون رقم (40) لسنة 2006م بشأن أنظمة الدفع والعمليات المالية والمصرفية الإلكترونية، واللائحة الوزارية رقم (20) لسنة 2017م بشأن لائحة تنظيم الصحافة الإلكترونية. ورغم ذلك، فإن اليمن لا تعتبر من الدول التي تعتمد على الأسلوب الأول؛ وذلك لعدم وجود قانون مستقل ومتخصص للحماية القانونية في البيئة الرقمية، حتى مع صدور القانون واللائحة– المشار إليهما في الفقرة السابقة– ذلك أنهما تنظمان جوانب جزئية ومحدودة لبعض المسائل الرقمية، على عكس الدول التي تعتمد على الأسلوب الأول التي تخصص قانوناً مستقلاً ينظم جميع الموضوعات ذات الصلة بالبيئة الرقمية أو معظمها على الأقل.
ويرى البعض بأن غياب القوانين المنظمة للبيئة الرقمية في اليمن يشكل سبباً رئيسياً في ضعف البنية المعلوماتية الاتصالية، في ظل ضعف البنية التحتية الرقمية وقصورها في أخذ الأمن السيبراني على محمل الجد، وكقضية مصيرية باتت أحد أهم أساسيات العالم اليوم وفي المستقبل، وهو ما يزيد من فرص التعرض لمختلف أنواع التهديدات المختلفة والمتزايدة في الفضاء الرقمي والجرائم الإلكترونية، ويعمل على البقاء في حالة عجز عن مواجهتها، وعدم القدرة على سد الثغرات التي قد يتم استغلالها، وأن هذا ما يفسر كون اليمن تعد من أكثر الدول التي تتكرر وتزيد فيها الجرائم التي تعتمد على البيئة الرقمية في ظل غياب القوانين التي تنظم آليات الإبلاغ والتحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية بحق مرتكبيها.
والجدير بالذكر، أن هناك عدداً من الخطوات والإجراءات التي يتم اتخاذها خلال الآونة الأخيرة في اليمن، وذلك في سبيل سن قانون لتنظيم الجرائم ذات الصلة بتقنية المعلومات، ولازال العمل جارياً على مشروع القانون حتى الآن، وبهذا الشأن يوصي الباحث بضرورة الاستفادة من كافة نتائج ومخرجات الدراسات المنفذة في مجال البيئة الرقمية من قبل اللجنة المسؤولة عن مراجعة وتحديث مشروع القانون.
ونستخلص من كل ما سبق تناوله في هذا المبحث، أن الدول عادة ما تنتهج أحد أسلوبين، الأول: يعتمد على سن قانون مستقل ومتخصص، والثاني: يعتمد على إدماج نصوص قانونية في القوانين التقليدية النافذة. وفي ذات السياق، يرى الباحث أن هناك عوامل تحدد مدى انتهاج الدول أحد الأسلوبين أهمها مدى اعتماد الدولة على نظم المعلومات والتكنولوجيا الرقمية، ومدى تطورها في مجال التحول الرقمي، ومدى الاحتياج والإشكاليات القائمة ذات الصلة بالبيئة الرقمية، ومدى قيام الدولة بتنفيذ دراسات ومؤتمرات وورش عمل لمناقشة هذه الموضوعات، ومشاركتها في مؤتمرات وفعاليات ذات صلة، وأن كل ذلك ينعكس على التقنين وأسلوب التقنين المتبع.
ولما كان القانون اليمني يعتمد على الأسلوب الثاني الذي يرتكز على إيراد نصوص قانونية في القوانين التقليدية النافذة، فإننا سنتناول موقف القانون اليمني تفصيلاً من خلال المبحث التالي تباعاً.


المبحث الثالث 
موقف المقنن اليمني من حماية الأطفال في البيئة الرقمية
ذكرنا فيما سبق أنه لا يوجد قانون مستقل ومتكامل يحمل اسم «قانون حماية الطفل في البيئة الرقمية» بشكل صريح ومباشر، وأن هناك مجموعة من النصوص القانونية المتفرقة التي وردت في عدد من القوانين النافذة التي تغطي بعض جوانب الحماية التي تضمنها قرار مجلس حقوق الإنسان– على النحو المبين في المبحث الأول من هذا البحث– ونتناول في هذا المبحث مدى تغطية القانون اليمني لتلك الجوانب الثلاثة، وذلك من خلال المطالب التاليــــة: 
المطلب الأول
موقف المقنن اليمني من تدابير الحماية من المخاطر الرقمية
بالنظر إلى واقع القانون اليمني– بشكل عام– نجد أن الدستور قد نص صراحة على أن: «تكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصيـة وتحافظ على كرامتهم وأمنهم، ويحدد القانون الحالات التي تقيد فيها حرية المواطن، ولا يجوز تقييد حرية أحد إلا بحكم من محكمة مختصة»، كما نص على أن: «حرية وسرية المواصلات البريدية والهاتفية والبرقية وكافة وسائل الاتصال مكفولة ولا يجوز مراقبتها أو تفتيشها أو إفشاء سريتها أو تأخيرها أو مصادرتها إلا في الحالات التي يبينها القانون وبأمر قضائي».
وفيما يخص الحماية القانونية في البيئة الرقمية– على وجه الخصوص– يلاحظ وجود نوعين من النصوص القانونية، الأولى: نصوص قانونية أشارت صراحة للمسائل المتعلقة بالبيئة الرقمية، والثانية: نصوص قانونية أخرى لم تشر صراحة لذلك، ولكن يمكن تطبيقها في مجال البيئة الرقمية كونها وردت دون تخصيص أو تقييد.
ومن أمثلة النوع الأول ما ورد في لائحة تنظيم الصحافة الإلكترونية التي تهدف إلى وقاية وحماية المجتمع من آثار الممارسات الخاطئة والعشوائية الناتجة عن أعمال وأنشطة الصحافة والإعلام الإلكتروني بكافة أنواعه ومعالجة قضايا المجتمع عبرها». 
ولقد اشتملت هذه اللائحة على مجموعة من التعريفات لبعض المصطلحات الهامة في مجال البيئة الرقمية، وأهمها ما يلي: 
-    المحتوى الإلكتروني: المواد النصية أو السمعية أو المرئية الثابتة أو المتحركة أو المتعددة والتي تشمل أياً منها، والذي يتم تطويره وإنتاجه وتحديثه وتداوله ونقله بوسائط إلكترونية أو أي نوع من أنواع المواد السابقة تم تحويلها إلكترونياًن والذي يتم نشره والنفاذ إليه من خلال وسائل شبكات البث أو شبكات الاتصالات المتنوعة أو شبكة الإنترنت.
-    الصحافة الإلكترونية: نوع من الاتصال بين البشر يتم عبر الفضاء الإلكتروني (الإنترنت) وشبكات المعلومات والاتصالات الأخرى، تستخدم فيه الفنون وآليات ومهارات العمل في الصحافة المطبوعة، مضافاً إليها مهارات وآليات تقنيات المعلومات التي تناسب استخدام الفضاء الإلكتروني كوسيط أو وسيلة اتصال، بما في ذلك استخدام النص والصوت والصورة والمستويات المختلفة من تفاعل مع المتلقي لاستقصاء الأنباء الآنية وغير الآنية ومعالجتها وتحليلها ونشرها على الجماهير عبر الفضاء الإلكتروني بسرعة.
-    الموقع أو الوسيلة الإعلامية الإلكترونية: الصفحة أو الرابط أو التطبيق الإلكتروني الذي يصدر باسم معين وله عنوان ونطاق إلكتروني محدد، وينشأ أو يستضاف أو يتم النفاذ إليه من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) أو شبكة اتصالات أخرى.
-    وسائل التواصل الاجتماعي: مجموعة التطبيقات على شبكة الإنترنت التي تسمح بالتواصل بين شخصين أو أكثر عبر النص أو الصوت أو الصورة أو بهما جميعاً يمكن من خلالها إنشاء وتبادل المحتوى الإلكتروني بكافة أشكاله.
-    الموقع الشخصي: موقع تواصل ينشئه شخص لعرض معلومات، سواءً سيرته الذاتية أو أخبار أو اهتمامات، تمكنه من التواصل مع الغير أو النشر للغير.
-    التطبيق الإلكتروني: برنامج يمكن الوصول إليه واستخدامه من خلال شبكة الإنترنت.
-    العنوان الإلكتروني: الأحرف والأرقام والرموز التي تستخدم للدلالة على موقع معين في شبكة الإنترنت، وتمكن المتصفح من الوصول إليه والتواصل عبره.
-    النشر الإلكتروني: نقل أو بث أو إرسال أو استقبال أو نشر البيانات والمعلومات والمواد المسموعة والمرئية والمكتوبة، سواءً كانت نصوصاً أو أصواتاً أو مشاهد أو رسومات أو رموزاً أو صوراً ثابتة أو متحركة باستخدام الأجهزة الإلكترونية وغيرها من الأجهزة الحديثة بجميع أنواعها ومسمياتها من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) وغيرها من وسائل التقنية الحديثة والمتطورة وذلك بقصد التداول.
-    مزود خدمة الموقع: من يتولى إتاحة التواصل مع الكافة عبر المواقع الصحفية (الإعلامية) الإلكترونية وذلك عن طريق التمكين من النفاذ إلى الموقع أو من يتولى توفير المحتوى المتضمن تداول ونشر المعلومات والبيانات والمواد التي ليس لها طابع المراسلات الشخصية.
-    البث: كل عملية إرسال أو نشر للمواد والبرامج عبر المواقع أو الوسائل الإعلامية الإلكترونية، سواءً كانت رموزاً أو كتابات أو أصواتاً أو صوراً أو معلومات كيفما كان نوعها تمكن الجمهور من استقبالها.
-    الحجب: منع عرض أو وصول المحتوى الإلكتروني ويكون المنع جزئياً أو مؤقتاً.
-    البث عبر الهاتف المحمول: (رسائل، أخبار، إعلانات، صور... إلخ) البث عبر الهاتف الجوال للرسائل القصيرة عبر خدمتي (SMS وMMS) وغيرها سواءً كانت أخباراً أو إعلانات أو صوراً أو غير ذلك.
-    البــــرامج: كل ما يتم إعداده من مواد وبرامج للنشر المباشر عبر المواقع والوسائل الإعلامية الإلكترونية أو لغرض إعادة النشر بهدف استقباله من قبل الجمهور.
وبالنظر إلى تلك التعريفات يلاحظ أنها تحمل أهمية كبيرة في سياق تحديد مجموعة من المفاهيم المرتبطة بالبيئة الرقمية، إلا أن هذه اللائحة لم تشتمل على أوجه الحماية القانونية إلا في نطاق محدود، ورغم ذلك فإن هذه التعريفات لا تخلو من فائدة لتفسير النصوص الواردة في القوانين واللوائح التي تنظم مسألة أو أكثر مما يتصل بالبيئة الرقمية.
على أن هذه اللائحة قد اشتملت على تنظيم شروط وإجراءات منح التراخيص وحالات إلغائها والمحددات والقواعد ذات الصلة بالعمل في هذا المجال، وهو ما يمثل جانباً من أوجه الحماية القانونية للأطفال في البيئة الرقمية.
وفيما يخص فئة الأطفال على وجه الخصوص نصت المادة (95) من قانون حقوق الطفل على أن: «يحظر نشر أو عرض أو تداول أي مطبوعات أو ملصقات فنية مرئية أو مسموعة خاصة بالطفل تخاطب غرائزه الدنيا أو تزين له السلوكيات المخالفة للعقيدة الإسلامية ولقيم المجتمع وتقاليده أو يكون من شأنها تشجيعه على الانحراف». 
على أن مصطلح (المطبوعات) الوارد في نص المادة المذكورة في قانون حقوق الطفل يشمل كافة المرئيات والصوتيات على البيئة الرقمية بما فيها شبكة الإنترنت، وتنضوي في إطار أوجه الحماية التي يغطيها هذا القانون، حيث ورد تعريف «المطبوعات» في المادة الثانية من قانون الصحافة والمطبوعات بأنها: «كل الكتابات والرسوم وأشرطة التسجيل الصوتية أو المرئية أو القطع الموسيقية أو الصور الشمسية متى نقلت بطرق علمية أو تقنية حديثة أو غير ذلك من وسائل التعبير القابلة للتداول».
كما يحظر القانون اليمني طباعة ونشر وتداول كل ما يؤدي إلى الإخلال بالآداب العامة وما يمس كرامة الأشخاص والحريات الشخصية بهدف الترويج والتشهير الشخصي، وكذلك حظر أية إعلانات تتضمن عبارات أو صوراً تتنافى مع القيم الإسلامية والآداب العامة أو قذف وتشويه سمعة الأشخاص أو الاعتداء على حقوق الغير..، ورتب على انتهاك هذا الحظر عقوبة الحبس أو الغرامة فضلاً عن إغلاق المؤسسة التي نشرت ذلك مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد وردت في القوانين الأخرى.
ومن جانب آخر، نصت المادة (96) من قانون حقوق الطفل على أن: «يحظر على مرتادي دور السينما والأماكن العامة المماثلة لها اصطحاب الأطفال عند دخولهم لمشاهدة العروض التي تقدمها ولا تتناسب مع أعمارهم، وعلى مديريها أن يعلنوا ما يفيد الحظر بطريقة واضحة وباللغة العربية وفقاً للشروط والإجراءات التي يقررها وزير الثقافة والسياحة».
كما أن هذا القانون قد نص على أوجه حماية الأطفال من جميع أنواع الاستغلال، وأوجب على الدولة حماية الطفل من جميع أشكال الاستغلال الجنسي والاقتصادي وعليها اتخاذ الإجراءات والتدابير المشددة لحماية الأطفال من مزاولة أي نشاط لا أخلاقي، ومن استخدامهم واستغلالهم في الدعارة أو غيرها من الممارسات غير المشروعة. ولما كان النص قد جاء عاماً فإن يمكن تطبيقه في مجال البيئة الرقمية وبالتالي يمثل أحد أوجه الحماية القانونية للأطفال في البيئة الرقمية.
كما نصت المادة الثالثة من قانون رعاية الأحداث على اعتبار الحدث معرضاً للانحراف إذا قام بأعمال تتصل بالدعارة أو الفسق أو فساد الأخلاق أو القمار أو المخدرات أو نحوها أو بخدمة من يقومون بها، وبالتالي اعتباره من المشمولين بأوجه الحماية التي ينظمها هذا القانون.
والواقع أنه على الرغم من تأكيد قانون حقوق الطفل على حماية الطفل من الاستغلال والإيذاء، إلا أنه لا يتضمن تنظيمًا صريحًا لجرائم حديثة مثل الاستدراج الإلكتروني أو الاستغلال والابتزاز عبر المنصات الرقمية، وهو ما يكشف عن قصور تشريعي في مواكبة التطور التكنولوجي. ويزداد هذا القصور حدة في ظل غياب إطار قانوني متكامل للجرائم الإلكترونية، مما ينعكس سلبًا على فعالية إنفاذ القانون، خاصة مع ما تثيره الجرائم الرقمية من إشكاليات تتعلق بالإثبات الرقمي والاختصاص القضائي العابر للحدود، كما أن تنظيم هذا القانون لحماية الطفل على مقاربة تقليدية لا تستوعب التحولات العميقة التي أفرزتها البيئة الرقمية، ولعل إصدار لائحة تنفيذية لهذا القانون تمثل حلاً لهذه الإشكاليات والتحديات.
على أن قانون مكافحة جرائم الاتجار قد نص صراحة على أن: «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف ريال ولا تتجاوز خمسة ملايين ريال كل من أنشأ أو استخدم موقعاً إلكترونياً أو نشر معلومات على الشبكة المعلوماتية بقصد ارتكاب جريمة من جرائم الاتجار بالبشر مع الحكم بإغلاق الموقع نهائياً ومصادرة الأموال المتحصلة. ومن جرائم الاتجار التي نظمها هذا القانون «الاستغلال الجنسي» الذي عرفه بأنه استخدام شخص ذكراً كان أو أنثى لإرضاء شهوات الغير بأي صورة كانت أو إتيان أي من أفعال الاغتصاب أو هتك العرض أو فعل فاضح أو الاستغلال في إنتاج رسومات أو صور أو مشاهد أو أفلام إباحية أو تأدية أعمال أو أداء عروض أو غير ذلك من الممارسات الإباحية. وشدد العقوبة إذا كانت الضحية من النساء أو الأطفال أو عديمي الأهلية أو من ذوي الإعاقة.
وقد أحسن المقنن اليمني في هذا القانون بأن نص على تعريفات ذات صلة بالبيئة الرقمية، أهمها: (الشبكة المعلوماتية) التي عرفها بأنها ارتباط بين أكثر من وسيلة لتقنية المعلومات للحصول على المعلومات وتبادلها، و(الموقع الإلكتروني) الذي عرفه بأنه مكان إتاحة المعلومات على الشبكة المعلوماتية. كما أحسن بأن وسع نطاق وسائل وطرق وآليات ارتكاب مثل هذه الجرائم بحيث يعد مرتكباً لجريمة الاتجار بالبشر كل من قام بتطويع أو نقل أو تنقيل أو إيواء أو تسلم أو تسليم أو استقبال شخص أو أكثر– سواءً داخل الجمهورية أم عبر حدودها الوطنية– بقصد استغلالهم إذا تم ذلك بواسطة استعمال القوة أو التهديد أو بهما، أو بواسطة القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع، أو إساءة استعمال السلطة، أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة، أو الوعد بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا مقابل الحصول على موافقة شخص على الاتجار بشخص آخر له سيطرة عليه، كما يعد مرتكباً لجريمة الاتجار بالبشر كل من أهدى أو باع أو عرض للبيع أو الشراء شخصاً أو أكثر أو وعد بهما.
وفيما يخص «حماية البيانات وخصوصيتها» فقد نص قانون الجرائم والعقوبات على تجريم انتهاك حرمة المراسلات، والاعتداء على حرمة الخصوصية، والتهديد بإذاعة الأسرار الخاصة، ورغم الصياغة القوية في نصوص هذه المواد التي اعتبرت كل عدوان يحصل بالقول «بأي جهاز» وشملت «كافة وسائل الاتصال» إلا أن جرائم الحاسوب متعددة ومتجددة ومتنوعة ولا يعرف إذا ما كانت تشمل الوسائل في البيئة الرقمية، وفيما يخص إفشاء الأسرار فالنص قاصر عن الإحاطة بوسائل تقنية أخرى كالبريد الإلكتروني.
كما أورد قانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر مجموعة من العقوبات على عدد من الأفعال التي تنطوي على إفشاء ونشر المعلومات ذات الصلة بهذا النوع من الجرائم، وكون هذا القانون قد عرف المواقع الإلكترونية والشبكة المعلوماتية، فإنه يبدو أفضل حالاً من قانون الجرائم والعقوبات عند تطبيقه في مجال البيئة الرقمية.
وكذلك في مجال الصحافة والمطبوعات حيث تفرض لائحة القانون الامتناع عن تسوية المعلومات الصحيحة أو نقل معلومات غير موثوقة بصحتها، والامتناع عن نسب أقوال وأفعال أي شخص أو جهة دون التحقق من صحة نسبتها أو إضافة أقوال عن شخصية أو جهة دون الرجوع إليها، وهذه أيضاً تبدو أفضل حالاً كونه يمكن تطبيقها في مجال البيئة الرقمية باعتبار أن قانون الصحافة والمطبوعات قد شمل في تعريفها الوسائل التقنية الحديثة.
وفيما يخص الأطفال الأحداث على وجه الخصوص أوجب القانون أن تجري محاكمة الحدث بصورة سرية، وأنه يحظر نشر اسم وصورة الحدث أو نشر وقائع المحاكمة أو ملخصها في أية وسيلة من وسائل النشر. ورغم أن هذا الحظر يشمل كافة وسائل النشر في إطار البيئة الرقمية كون النص قد جاء عاماً، إلا أنه يظل قاصراً على فئة الأحداث فحسب، ولا يشمل جميع فئات الأطفال الأخرى.
ومن خلال ما سبق، يتضح بأن المقنن اليمني قد أورد بعض أوجه الحماية في البيئة الرقمية في بعض الجوانب المحددة، وفيما عدا ذلك من أوجه الحماية مما يندرج ضمن أي صورة من صور «الجريمة المعلوماتية»، فلا مناص من تطبيق النصوص العامة «مع مراعاة ما يمكن أن يتسع منها ليشمل البيئة الرقمية»، ومنها جرائم العرض والآداب، وهتك العرض، والفعل الفاضح، والتحريض على الفجور، وجريمة الابتزاز بالتهديد بالتشهير أو بنشر صور أو وقائع بقصد الحصول على مال أو منفعة، وجريمة السب والقذف، ورغم أن نصوص المواد التي نظمت هذه الجرائم لم تنص صراحة على الوسائل الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه إذا تم تنفيذ أي منها بالوسائل الإلكترونية أو بأية وسيلة في البيئة الرقمية فإنها تعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، غير أن الإشكالية تبدو في أن الأمر سيظل خاضعاً للسلطة التقديرية والاجتهاد في تفسير النص من قبل مسؤولي إنفاذ القانون، مما قد يؤدي إلى تباين الأحكام وضعف الحماية الفعلية.
ولذلك فالأحرى بالمقنن اليمني– كونه يعمل حالياً على استصدار قانون بشأن جرائم تقنية المعلومات كما ذكرنا آنفاً– أن يراعي كافة التفصيلات الدقيقة ذات الصلة بالبيئة الرقمية بما يساعد على فاعلية مضامين القانون المزمع إصداره وتعزيز أوجه الحماية لجميع الفئات المشمولة بأحكامه وعلى وجه الخصوص فئة الأطفال.
المطلب الثاني
موقف المقنن اليمني من تدابير وآليات الإبلاغ وسبل الانتصاف
يتمثل الجانب الثاني من جوانب الحماية وفق قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن سلامة الأطفال في البيئة الرقمية في «تدابير وآليات الإبلاغ وسبل الانتصاف» التي تتضمن أن يتاح للأطفال الذين تتعرض حقوقهم للانتهاك أو إساءة الاستعمال إمكانية الحصول على سبل انتصاف قضائية وغير قضائية فعالة ومناسبة، ومنع جميع أشكال انتهاك وإساءة استعمال حقوق الطفل، والمعاقبة عليها وقمعها، سواءً على شبكة الإنترنت أو خارجها، وكفالة وجود آليات مناسبة للتمكين من الإبلاغ عن وجود هذه المواد وإزالتها، ومقاضاة منتجيها وموزعيها.
ففيما يخص آليات الإبلاغ عن الانتهاكات التي تقع على الأطفال في البيئة الرقمية فهي ذات آليات الإبلاغ المقررة لأي جريمة من الجرائم والتي يحكمها قانون الإجراءات الجزائية وهو القانون العام الذي يحكم الإجراءات الواجب اتباعها بشأن جميع الجرائم، سواءً الواقعة على الأطفال أو النساء أو غيرهم من الأشخاص مع وجود بعض الاستثناءات في قانون رعاية الأحداث فيما يخص قضايا الأطفال.
ويمكن تسمية هذا النوع من آليات الإبلاغ بـ (الإبلاغ القضائي) الذي يجري عن طريق «التبليغ» الذي يعني إخطار الجهة المختصة بوقوع الجريمة، أو عن طريق «الشكوى» التي تعني الادعاء الشفهي أو الكتابي المقدم إلى النيابة العامة بأن شخصاً ما معلوماً كان أو مجهولاً قد ارتكب جريمة.
وبالنظر إلى هذه الآليات نجد أن القانون قد نظمها وأورد التفاصيل والأحكام المرتبطة بها، إلا أنها في الواقع العملي تفتقر إلى مزيد من الاهتمام لتطبيقها على نطاق واسع يغطي جميع حالات الانتهاكات الواقعة على الأطفال لاسيما في البيئة الرقمية، على أن معالجة هذه الإشكاليات قد لا يتطلب إجراء تعديلات قانونية لتوسيع آليات الإبلاغ لتشمل البيئة الرقمية، بل يمكن تنفيذ إجراءات إدارية في ضوء النصوص القانونية كإصدار تعميمات ومنشورات تتيح لجميع المواطنين أو الأطفال أنفسهم إجراء الإبلاغ بشأن أية انتهاكات تقع على الطفل في البيئة الرقمية.
على أن قانون حقوق الطفل قد اشتمل على آليات استثنائية أخرى لضمان إنفاذ النصوص القانونية التي تحظر نشر أو عرض أو تداول أي مطبوعات أو ملصقات فنية مرئية أو مسموعة خاصة بالطفل تخاطب غرائزه الدنيا وتشجعه على الانحراف، وتتمثل هذه الآليات في منح صلاحية إصدار قرارات بمنح صفة الضبطية القضائية لموظفين من وزارة الثقافة لإثبات ما يقع من انتهاكات وافعال بالمخالفة لهذه النصوص القانونية. 
كذلك قانون رعاية الأحداث الذي تضمن نصاً مشابهاً أتاح صدور قرارات بمنح موظفين من الشؤون الاجتماعية صفة الضبطية القضائية بتقصي حالات جنوح الأحداث وتعقبهم وتلقي وفحص البلاغات والشكاوى وجمع الاستدلالات والمعلومات عنهم وإثباتها في محاضر وإرسالها إلى الجهة المختصة. 
وأيضاً ما تضمنته لائحة تنظيم الصحافة الإلكترونية بمنح صلاحية إصدار قرارات بمنح صفة الضبطية القضائية لموظفين من وزارة الإعلام لتنفيذ مهام الرقابة والتفتيش على الجهات المرخص لها، والاطلاع على سجلاتها ومستنداتها ونظام العمل بها للتأكد من الالتزام بالقوانين واللوائح والقواعد والشروط والإجراءات المنظمة لآليات النشر والمحتوى وأية ممارسات خاطئة أو انتهاكات تقع في إطار الصحافة الإلكترونية، وإمكانية إحالتها إلى الجهات المختصة إذا كانت تشكل جريمة.
كذلك ما ورد في قانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر من آليات استثنائية للإبلاغ عن الجرائم التي ينظمها هذا القانون، حيث أورد على سبيل الوجوب على كل من يعلم بارتكاب جريمة من الجرائم التي ينظمها هذا القانون أن يبلغ السلطات المختصة فوراً بذلك، كما قرر إيقاع عقوبة على كل شخص يعلم بارتكاب جريمة من الجرائم التي ينظمها هذا القانون أو حصل على معلومات أو إرشادات تتعلق بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة ولم يبلغ فوراً السلطات المختصة بذلك، مع تشديد العقوبة إذا كان الصمت والإحجام عن الإبلاغ مقابل الحصول على منفعة مادية أو معنوية.
وبالنظر إلى تلك الآليات المذكورة، سواءً الواردة في قانون حقوق الطفل، أو قانون رعاية الأحداث، أو لائحة تنظيم الصحافة الإلكترونية، أو قانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، يلاحظ أنها مقصورة على أنواع وصور محددة من الأفعال والانتهاكات التي تقع على الأطفال، ولا تغطي كافة صور وأنواع الانتهاكات التي قد تقع على الأطفال في ظل البيئة الرقمية.
وبالإضافة إلى تلك الآليات، هناك آليات أخرى يمكن تسميتها بـ (آليات الإبلاغ غير القضائي) التي تجري عن طريق الجهات والمؤسسات– الحكومية وغير الحكومية– التي تتيح خدمات أو منصات معينة لجميع المواطنين للتواصل والتبليغ عن حالات الانتهاكات ضد الأطفال، سواءً في البيئة الرقمية أو غيرها، ومن أمثلتها: الخط المجاني التابع للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، والخط المجاني التابع لوزارة العدل وحقوق الإنسان. ورغم الأهمية والفائدة التي تنطوي عليها هذه الآليات غير القضائية كـ «آليات مساعدة ومساندة» للآليات القضائية لما تتيحه من إمكانية وصول العلم إلى المؤسسات بخصوص وقوع أية انتهاكات أو جرائم على الأطفال وتمكنها من إحالتها للجهات المختصة؛ إلا أنها رغم ذلك لا تتسم بالطابع القضائي، وبالتالي فهي لا يمكن أن تحل محل الآليات القضائية.
وفيما يخص سبل الانتصاف القضائية فإنها تتمثل في الإجراءات القضائية، سواءً إجراءات التحقيق التي تتولاها النيابات العامة ضد منتهكي حقوق الطفل ومرتكبي الجرائم على الأطفال، أو إجراءات المحاكمة التي تقوم بها المحاكم المختصة التي تنتهي بإصدار الأحكام بشأنهم وإيقاع وتنفيذ العقوبات بحقهم، والتي ينظمها تفصيلاً قانون الإجراءات الجزائية.
ورغم أن هذه الإجراءات تمثل «سبل الانتصاف القضائي» التي تمثل صمام الأمان لتحقيق الحماية والأكثر ضماناً وصوناً لحقوق الطفل وضمان سلامته في البيئة الرقمية أو غيرها؛ إلا أن هناك عدداً من التحديات التي تحد من فاعليتها، منها التحديات المرتبطة بنصوص التجريم أساساً– التي تناولناها تفصيلاً في «المطلب الأول» من «المبحث الثالث» من هذا البحث– بأن النصوص القانونية التجريمية لا تغطي كافة صور الجرائم والأفعال والانتهاكات التي تقع على الأطفال في البيئة الرقمية، كما أن النصوص العامة الأخرى لازالت خاضعة للسلطة التقديرية والاجتهاد في التفسير كونها لم تنص صراحة على تجريم كافة صور الأفعال التي يتم ارتكابها في البيئة الرقمية.
كما أن هناك تحديات أخرى ترتبط بإجراءات الإثبات، حيث أن قانون الإثبات لا يواكب الجرائم المرتكبة في البيئة الرقمية، ورغم ذلك فالواقع العملي أثبت أن المحاكم اليمنية تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي والإلكتروني إحدى وسائل إثبات الجريمة على الرغم من أن قانون الإثبات يعتبرها من القرائن التي تحتاج للتعزيز والدعم من قبل دليل آخر لقبولها، كعرضها على الجاني للإقرار بصحتها لتعتبرها المحكمة دليلاً كاملاً بالاستناد لإقراره، لا بالاستناد لقوة الدليل الإلكتروني نفسه، أما إذا أنكر الجاني ما عرض عليه في الوسيلة الإلكترونية، فيتم عرض هذا الدليل على خبير فني تقني، ليحدد مدى صحة هذا الدليل من عدمه.
وفيما يتعلق بآليات المعالجة والحماية اللاحقــــة فقد نص قانون حقوق الطفل على إنشاء مكاتب ومؤسسات لتقديم خدمات الحماية والرعاية للأطفال، ومن بينهم الضحايا، كما أن قانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر نص على أن «تتخذ السلطات الوطنية المختصة بالتعاون والتنسيق مع الجهات الحكومية وغير الحكومية من نقابات ومؤسسات المجتمع المدني ذات الصلة التدابير الكفيلة بتوفير الحماية المناسبة للضحايا وتعمل على تهيئة الظروف المناسبة لمساعدتهم على التعافي الجسدي والنفسي والاجتماعي وإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع مع مراعاة الحقوق الأساسية والجوانب الإنسانية»، كما استحدث هذا القانون عدداً من الأحكام التفصيلية لحماية ومعالجة ضحايا جرائم الاتجار بالبشر، مثل: توفير دور وأماكن مناسبة لإقامة ضحايا جرائم الاتجار بالبشر تكون منفصلة ومستقلة تكفل الرعاية اللازمة للضحايا مع إيلاء عناية خاصة بالنساء والأطفال وذوي الإعاقة وتطبيق سائر الضمانات المقررة بهذا الشأن. 
المطلب الثالث
موقف المقنن اليمني من تدابير الوقاية والتوعية الرقمية
تمثل تدابير الوقاية والتوعية الرقمية الجانب الثالث من جوانب الحماية التي تضمنها قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن سلامة الطفل في البيئة الرقمية، التي تشتمل على اتخاذ التدابير التشاركية اللازمة للمساعدة في التخفيف من المخاطر المحتملة للبيئة الرقمية على الأطفال، عن طريق وسائل الإعلام والإلمام بالتكنولوجيا الرقمية واكتساب الدراية والمهارات لكفالة المشاركة الفعالة، فضلاً عن الاستعانة بالألعاب لتحقيق هذه الأغراض باعتبارها تتيح تدابير تكميلية لتعزيز فهم الأطفال، ووضع وتنفيذ أطر تنظيمية ومدونات وشروط قطاعية تلتزم المؤسسات بالمعايير الأخلاقية من حيث تصميم منتجاتها وخدماتها الإلكترونية وهندستها ووضعها وتشغيلها وتوزيعها وتسويقها بما يكفل احترام حقوق الطفل ومنع أو تخفيف نشوء الآثار الضارة على الطفل في البيئة الرقمية.
وبالنظر إلى القانون اليمني نجد أنه قد كفل حرية المعرفة والفكر والتعبير والاتصال والحصول على المعلومات باعتباره حقاً من حقوق المواطنين لضمان الإعراب عن فكرهم بالقول والكتابة أو التصوير أو الرسم أو بأية وسيلة أخرى من وسائل التعبير، وهي حقوق مكفولة لجميع المواطنين بمن فيهم الأطفال». 
كما أن قانون حقوق الطفل قد نص صراحة على أن لكل طفل حق التعبير عن آرائه بحرية وتؤخذ هذه الآراء بما تستحق من الاعتبار وفقاً لسن الطفل ودرجة نضجه، كما نص على أن تشجع الدولة إمكانية حصول الطفل على المعلومات ذات المنفعة الدينية والتربوية والاجتماعية والثقافية التي تعزز رفاهيته الاجتماعية والمعنوية من المصادر المحلية والعربية والدولية، كما نص على أن لكل طفل الحق في تكوين الجمعيات والنوادي التي يمارس من خلالها نشاطاته الاجتماعية والثقافية بما يتناسب وسنه ودرجة نضجه، وخص الأطفال المعاقين بنص يمنحهم الحق في إنشاء وتكوين جمعيات تعاونية خاصة بهم.
كما نص قانون حقوق الطفل صراحة على تنمية فكر الأطفال في مجال (التكنولوجيا) من خلال وضع استراتيجية إعلامية للبرامج الموجهة للطفل تستوعب ما تقدمه الحضارة الحديثة والتشجيع على: أ- ممارسة التفكير العلمي والقدرة على التعامل مع آليات التكنولوجيا. ب- تنمية عادة القراءة والتعلم الذاتي والبحث عن مصادر المعرفة. وأن تكفل الدولة تلبية حاجات الأطفال الثقافية في شتى مجالات الأدب والفنون والمعرفة، والمعلومات بما يسهل عليهم الانطلاق من وحي التراث الإسلامي والعربي واليمني والاستفادة من التطورات العلمية والثقافية الحديثة.
إلزام الدولة بإنشاء مكتبات عامة ونوادٍ لثقافة الطفل وتحدد شروط وإجراءات إنشائها وتنظيم العمل بها بقرار من الوزير المختص، وأن تعمل المؤسسات الثقافية ودور النشر والمكتبات على توفير الكتب والوسائل التي ترفع من مستوى وعي الأطفال وتنمية معارفهم ومهاراتهم، على أن تكون متاحة للإطلاع أو البيع بأسعار مناسبة، كما ألزم وزارة الإعلام بأن تقوم ببث ونشر البرامج المعدة من الجهة المختصة والموجهة للأطفال في كافة الوسائل الإعلامية المتاحة، وإدماجها في الخطط القطاعية لمؤسساتها المختلفة.
ورغم أن كل تلك النصوص القانونية السابقة في قانون حقوق الطفل تمثل إطاراً عاماً وتشتمل على تدابير وإجراءات هامة في سياق التعلم والتوعية في مجال البيئة الرقمية؛ إلا أنها لا تغطي كافة الجوانب التوعوية في البيئة الرقمية والتكنولوجية، ولم تنص صراحة على الوسائل والتطبيقات الإلكترونية التي تطورت بشكل كبير منذ تاريخ صدور القانون، ولعل إصدار لائحة تنفيذية للقانون قد تشكل حلاً لهذه الإشكالية.
وفيما يخص التعليم الرسمي حدد قانون حقوق الطفل (مراحل التعليم) وحدد المرحلة الثالثة منها بأنها (التعليم التقني بعد المرحلة الأساسية) والمرحلة الخامسة بأنها (التعليم والتدريب المهني والفني والتقني). 
وقد حدد القانون اليمني أهداف التعليم الفني والتدريب المهني بأنه يشمل: الارتقاء بالكفاءة الفنية والمهنية للعمالة اليمنية في التعامل مع التقنيات الحديثة؛ بهدف زيادة القدرات الإنتاجية والخدمية للمنشآت، لا سيما الصغيرة والأصغر منها، والإسهام في النهوض بالاقتصاد الوطني، وإرساء نظام الإعداد والتأهيل وتطوير الكوادر الفنية والإدارية العاملة في مجال التعليم الفني والتدريب المهني وفقاً للمتغيرات التقنية، وتنمية وتطوير مشاركة المجتمع على الصعيدين الوطني والمحلي، وتفعيل مشاركة القطاع الخاص في إدارة وتمويل وتقييم التعليم الفني والتدريب المهني وتشجيعه على الاستثمار في هذا المجال، والعمل على نقل وتوطين التقنيات والتكنولوجيا الحديثة والاستفادة منها.
وعرف قانون التعليم الفني والتدريب المهني (التعليم الفني التقني) بأنه جميع أشكال مستويات العملية التعليمية التي تتضمن بالإضافة إلى المعارف العامة دراسة التكنولوجيا والعلوم المتعلقة بممارسة المهنية في شتى الاختصاصات، والذي يكتسب فيه الطالب مهارات مهنية حديثة ملائمة مع التطور التقني، ويستهدف رفع مستوياته وتجديد وتطوير معارفه وفقاً للتطوير التقني. كما حدد منهجية إعداد المواد بأن تعد مناهج وبرامج التعليم الفني والتدريب المهني وفقاً لأحدث الأساليب المنهجية العلمية الحديثة تربوياً وفنياً وبما يلبي احتياجات سوق العمل ومواكبة احتياجاته، ويعزز المفاهيم والقيم الاجتماعية المستمدة من روح العقيدة الإسلامية، ويحقق أهداف ومبادئ السياسات والإستراتيجيات التربوية والتعليمية في مجال المهن والتدريب في الجمهورية، ويرسخ مفاهيم وقيم العمل وقواعد الصحة والسلامة المهنية، والحفاظ على البيئة وتطوير المعارف والأداء، وأن تكون المناهج موجهة نحو تشجيع الإبداع والابتكار؛ لتشمل التعامل مع التقنيات الحديثة المستخدمة في العمليات الإنتاجية والخدمية لرفع القدرة الإنتاجية لمواقع العمل والإنتاج، لا سيما الصغيرة والمتوسطة منها.
ورغم أن تلك النصوص القانونية تمثل أهمية كبيرة كمنطلق لتطوير مناهج التطوير المعرفي التقني، إلا أنها في الواقع محصورة على فئة من الأطفال وهم الملتحقون ببرامج التأهيل الفني والمهني، ولذلك فهي لا تشمل كافة الفئات العمرية، كما أن تعزيز الوعي التقني قد لا يكون بالضرورة تأهيلياً في جميع الظروف والحالات، بل قد يكتفى بأن يكون توعوياً يساعد على تعزيز حماية وسلامة الأطفال في البيئة الرقمية، وتنمية مهاراتهم بواسطة تطبيقات وبرامج ومواقع وألعاب خاصة بأطفال اليمن تعزز الهوية الإيمانية والثقافية اليمنية، وتمكينهم من الإبلاغ عن الإساءة فيما يخص التهديدات التي يتعرضون لها عن طريق الإنترنت، وتعزيز وعيهم بمخاطر استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما يجب أن تمتد برامج التوعية إلى الوالدين ومتولي الرعاية.

 

الخاتمـــــة
تناولنا في هذا البحث الإطار القانوني لحماية الأطفال في البيئة الرقمية في القانون اليمني، ومن خلالها تم التوصل إلى النتائــج والتوصيـات التاليــــة:
أولاً: النتائــــــــــج:
1)     أن التدابير القانونية يفترض أن تغطي مختلف تصنيفات المخاطر المحتملة للبيئة الرقمية على الأطفال من مخاطر متعلقة بالمحتوى، ومخاطر متعلقة بالاتصال، ومخاطر متعلقة بالسلوك، ومخاطر متعلقة بالخصوصية والأمان، ومخاطر متعلقة بالصحة الجسدية والنفسية.
2)    تشمل التدابير القانونية أن يتاح للأطفال الذين تتعرض حقوقهم للانتهاك أو إساءة الاستعمال آليات إبلاغ مناسبة وفعالة، والحصول على سبل انتصاف قضائية وغير قضائية فعالة ومناسبة، بما في ذلك جبر الضرر وضمان عدم التكرار عند الاقتضاء، ومعاقبة مرتكبيها.
3)    تمتد التدابير القانونية لتشمل التدابير اللازمة للمساعدة في التخفيف من المخاطر المحتملة للبيئة الرقمية على الأطفال، عن طريق وسائل الإعلام والإلمام بالتكنولوجيا الرقمية واكتساب الدراية والمهارات والمعرفة لدى الطفل والأسرة، وأن كثيراً من دول العالم قد عمدت إلى تطوير آليات ومناهج التعليم والتوعية بما يتواكب مع التطور والتقدم المتسارع في مجال البيئة الرقمية.
4)    أن الدول تنتهج في تقنين حماية الأطفال في مجال البيئة الرقمية أحد أسلوبين: إما بوضع قانون أو قوانين مستقلة ومتخصصة، أو بإدماج أوجه الحماية ضمن القوانين التقليدية النافذة.
5)    أن أسلوب القوانين المستقلة والمتخصصة يتسم بعدد من الجوانب الإيجابية، كالوضوح التعريفي للمصطلحات ذات الصلة بالحماية في البيئة الرقمية، والتحديد الدقيق للعقوبات الرادعة والمتناسبة مع كل فعل التي تأخذ في الاعتبار خطورة الجرائم الرقمية على الأطفال والمجتمع، ووجود إطار مؤسسي وتنفيذي للجهات القضائية المسؤولة ومزودي الخدمات الإلكترونية؛ كما أن هناك جوانب سلبية كصعوبة الإحاطة بكافة الجوانب والتفاصيل الدقيقة في إطار البيئة الرقمية، وعدم إحاطة معظم هذه القوانين بكافة أوجه الحماية والاكتفاء بالجوانب الجنائية، فضلاً عن التحديات المتعلقة بإجراء العديد من التعديلات القانونية في كثير من القوانين بما يتناسب مع متطلبات نصوص القانون المستقل.
6)    أن أسلوب إدماج أوجه الحماية ضمن القوانين التقليدية يتسم ببعض الجوانب الإيجابية كالمرونة التي تتيح تطبيق النص القانوني بشكل أوسع نطاقاً بما يغطي كافة الوسائل التقليدية والرقمية، ويتيح الفرصة لشمولية أي وسائل أو آليات رقمية جديدة قد تظهر مستقبلاً، ويمنح صناع القرار ومسؤولي إنفاذ القانون مساحة لابتكار وتنفيذ الحلول المناسبة للمسائل التي تستجد في مجال البيئة الرقمية دون التقيد بنصوص قانون مستقل قد لا يغطي كافة الآليات والوسائل الجديدة دائمة التطور والتحديث، كما أنه ينطوي على عدد من الجوانب السلبية منها أن النصوص التقليدية عادة ما تحول دون تطبيقها في مجال البيئة الرقمية إذا ما كانت محددة ومقيدة، وصعوبة الوصول للنصوص القانونية التي تنظم المسائل الرقمية خصوصاً إذا لم تنص صراحة على ذلك، فضلاً عن الإشكاليات المتعلقة بالتحليل والقياس لتطبيق النص التقليدي على النص الرقمي الذي يجعل الأمر خاضعاً للاجتهاد والتقدير من قبل مسؤولي إنفاذ القانون، وقصور النصوص التقليدية في مواجهة الجرائم الرقمية الحديثة.
7)    أن المقنن اليمني يعتمد على الأسلوب الثاني الذي يقوم على إدماج الحماية ضمن القوانين التقليدية النافذة، ولكن هذه النصوص لا تغطي سوى جزء محدود من أوجه الحماية للأطفال في البيئة الرقمية.
8)    أن هناك بعض القوانين واللوائح المستقلة الخاصة في اليمن التي نظمت جوانباً محددة ذات صلة بالبيئة الرقمية، كقانون أنظمة الدفع والعمليات المالية والمصرفية الإلكترونية، ولائحة تنظيم الصحافة الإلكترونية، ورغم ذلك لا تعتبر اليمن من الدول التي تنتهج الأسلوب الأول نظراً لعدم وجود قانون مستقل ومتخصص للحماية القانونية في البيئة الرقمية.
9)    تضمنت لائحة تنظيم الصحافة الإلكترونية تعريفات هامة لتحديد مجموعة من المفاهيم المرتبطة بالبيئة الرقمية، وتحمل فائدة لتفسير النصوص الواردة في القوانين واللوائح التي تنظم مسألة أو أكثر مما يتصل بالبيئة الرقمية؛ إلا أن هذه اللائحة لم تشتمل على أوجه الحماية إلا في نطاق محدود.
10)    أن القوانين اليمنية تشتمل على نوعين من النصوص القانونية، الأولى نصوص قانونية أشارت صراحة للمسائل المتعلقة بالبيئة الرقمية، والثانية نصوص قانونية أخرى لم تشر صراحة لذلك، ولكن يمكن تطبيقها في مجال البيئة الرقمية كونها وردت دون تخصيص أو تقييد.
11)    أن كلاً من قانون حقوق الطفل، وقانون رعاية الأحداث، وقانون الصحافة والمطبوعات، وقانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، تضمنت مجموعة من النصوص القانونية التي نظمت عدداً من أوجه حماية الأطفال في البيئة الرقمية، إلا أنها لا تغطي كافة جوانب الحماية.
12)    رغم أن بعض صور الجرائم في قانون الجرائم والعقوبات يمكن تطبيقها في مجال البيئة الرقمية، كجرائم العرض والآداب، وهتك العرض، والفعل الفاضح، والابتزاز بالتهديد بالتشهير أو بنشر صور، والسب والقذف؛ إلا أن الإشكالية تبدو في أن تطبيقها يظل خاضعاً للسلطة التقديرية والاجتهاد في التفسير من قبل مسؤولي إنفاذ القانون، وبالتالي تباين الأحكام وضعف الحماية الفعلية.
13) أن آليات الإبلاغ عن الانتهاكات على الأطفال في البيئة الرقمية هي ذات الآليات المقررة لأي جريمة من الجرائم التي ينظمها قانون الإجراءات الجزائية، ومع ذلك فهي تفتقر لمزيد من الاهتمام لتطبيقها على نطاق واسع يغطي جميع حالات الانتهاكات الواقعة على الأطفال لاسيما في البيئة الرقمية.
14)    اشتمل القانون اليمني على بعض الآليات الاستثنائية للإبلاغ في بعض القوانين واللوائح كقانون حقوق الطفل، وقانون رعاية الأحداث، وقانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، ولائحة تنظيم الصحافة الإلكترونية، غير أنها تظل مقصورة على أنواع وصور محددة من الأفعال والانتهاكات التي تقع على الأطفال، ولا تغطي كافة صور وأنواع الانتهاكات التي قد تقع على الأطفال في ظل البيئة الرقمية.
15)    أن هناك آليات إبلاغ غير قضائية تجري عن طريق الجهات والمؤسسات– الحكومية وغير الحكومية– تتيح خدمات ومنصات لجميع المواطنين للتواصل والتبليغ عن حالات الانتهاكات ضد الأطفال، وهي تحمل أهمية لمساندة الآليات القضائية في الوصول للعلم بشأن هذه الانتهاكات.

16)    أن سبل الانتصاف القضائي في اليمن تتمثل في إجراءات التحقيق والمحاكمة التي ينظمها قانون الإجراءات الجزائية؛ غير أن هناك بعض التحديات التي تحد من فاعليتها كون النصوص القانونية التجريمية لا تغطي كافة صور الجرائم والأفعال والانتهاكات التي تقع على الأطفال في البيئة الرقمية، كما أنها خاضعة للسلطة التقديرية والاجتهاد في التفسير، فضلاً عن التحديات المرتبطة بإجراءات الإثبات وعدم مواكبة قانون الإثبات للجرائم المرتكبة في البيئة الرقمية.
17) أن تدابير الوقاية والتوعية الرقمية الواردة في القانون اليمني اشتملت على تدابير وإجراءات هامة في سياق التعلم والتوعية في مجال البيئة الرقمية؛ إلا أنها لا تغطي كافة الجوانب التوعوية في البيئة الرقمية والتكنولوجية، ولم تنص صراحة على الوسائل والتطبيقات الإلكترونية التي تطورت بشكل كبير منذ تاريخ صدور القانون، ولم تشتمل على وسائل حديثة رقمية لتوعية الطفل والأسرة.
18) اشتمل قانون التعليم الفني والتدريب المهني على عدد من النصوص القانونية التي نظمت آليات ومناهج التطوير المعرفي التقني والتكنولوجي، إلا أنها محصورة على فئة الملتحقين ببرامج التأهيل الفني والمهني، ولا تشمل كافة الفئات العمرية للأطفال.
19)    أن هناك خطوات يجري اتخاذها خلال الآونة الأخيرة في اليمن في سبيل سن قانون لتنظيم الجرائم ذات الصلة بتقنية المعلومات، ولازال العمل جارياً على مشروع القانون حتى الآن.
20)    أن غياب قانون ينظم البيئة الرقمية في اليمن يشكل سبباً رئيسياً في ضعف البنية المعلوماتية الاتصالية والبنية التحتية الرقمية، وزيادة فرص التعرض لمختلف أنواع التهديدات المختلفة والمتزايدة في الفضاء الرقمي.

ثانياً: التوصيـــــــات:
1)    أن تعمل اللجنة المسؤولة عن إعداد مشروع القانون الخاص بجرائم تقنية المعلومات على تحليل ودراسة جميع القوانين واللوائح النافذة ذات الصلة لمعرفة أوجه ومتطلبات الموائمة والتناسب مع نصوص مشروع القانون الذي يجري العمل عليه.
2)    أهمية الاستفادة من كافة النتائج والمخرجات المنبثقة عن الدراسات ذات الصلة بموضوع البيئة الرقمية من قبل اللجنة المسؤولة عن إعداد مراجعة وتحديث مشروع القانون الخاص بجرائم تقنية المعلومات.
3)    أن يعمل المقنن اليمني على الاستفادة من مضامين هذا البحث وذلك بمراعاة كافة التفصيلات الدقيقة ذات الصلة بالبيئة الرقمية بما يساعد على فاعلية مضامين القانون المزمع إصداره وتعزيز أوجه الحماية لجميع الفئات المشمولة بأحكامه وعلى وجه الخصوص فئة الأطفال.
4)    تشكيل لجنة من الجهات ذات العلاقة لإعداد مشروع لائحة تنفيذية لقانون حقوق الطفل وفقاً للمادة (170) منه، مع مراعاة متطلبات التطور الرقمي والتكنولوجي وحماية الأطفال في البيئة الرقمية.
5)    أن تعمل الجهات ذات العلاقة على اتخاذ عدد من الإجراءات الإدارية كالتعاميم والمنشورات في ضوء القوانين واللوائح النافذة لتوسيع آليات الإبلاغ عن الانتهاكات الواقعة على الأطفال في البيئة الرقمية، بما يتيح لجميع المواطنين بمن فيهم الأطفال للإبلاغ عن أي انتهاك على الأطفال في البيئة الرقمية.
6)    استصدار التعاميم والمنشورات اللازمة بشأن تطبيق النصوص القانونية للأفعال التي ترتكب بواسطة الوسائل التقنية والإلكترونية التي تشكل جرائم وفقاً لقانون الجرائم والعقوبات وقانون العقوبات التكميلي.
7)    العمل على إنفاذ النصوص القانونية التي تنظم العملية التعليمية والتأهيلية والتدريبية لتعزيز الوعي التقني في مختلف المجالات الرقمية والتكنولوجية، وإدماجها بشكل أوسع في المناهج التعليمية.
8)    العمل على رفع مستوى الوعي المجتمعي لتنمية مهارات الأطفال بواسطة تطبيقات وبرامج ومواقع وألعاب خاصة بأطفال اليمن تعزز الهوية الإيمانية والثقافية اليمنية، وتعزيز وعيهم بمخاطر استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، على أن تمتد برامج التوعية إلى الأسر والوالدين ومتولي الرعاية.
9)    العمل على تحديد سن الرشد الرقمي ووضع عدد من الضوابط لتسجيل الأطفال في المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات في البيئة الرقمية.
10)    تنفيذ ورشة عمل يجري خلالها تنفيذ مناقشات مركزة في شكل مجموعات عمل تغطي كافة الموضوعات التي تناولها هذا البحث، وعلى وجه الخصوص مناقشة التدابير أو الموضوعات التي يجب إدراجها ضمن مشروع القانون الخاص بجرائم تقنية المعلومات الذي يجري العمل عليه حالياً بما في ذلك المبررات والأسباب لكل منها.

قائمــة المراجــع
1-    د/ إبراهيم عماري، ود/ أمينة عبيشات، البيئة الرقمية وعلاقتها بالجرائم الواقعة على الأطفال «الاستغلال الجنسي الإلكتروني أنموذجاً»، بحث منشور في مجلة دفاتر مخير حقوق الطفل، المجلد 13، العدد الأول، 2022م.
2-    د/ خالد محمد علي الكميم، حق الإنسان في الحماية من الجريمة المعلوماتية في القانونين الدولي واليمني، بحث منشور في مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية، العدد العاشر، المجلد الرابع، 2025م.
3-    د/ زوينة بوساق، الطفل والتكنولوجيا الرقمية «قراءة في الإيجابيات والسلبيات وآليات الحماية المبكرة»، بحث منشور في مجلة الجامع في الدراسات النفسية والعلوم التربوية، المجلد العاشر، العدد الأول، 2025م.
4-    م/ صفاء حسن نصيف، الحماية الجنائية للأطفال من المحتوى الرقمي الضار، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية والإنسانية، كلية القانون والعلوم السياسية، المجلد 14، العدد الأول، 2023م، جامعة ديالي– العراق.
5-    أ/ هشام الأصبحي، الجرائم الإلكترونية في اليمن «الواقع والتحديات والحلول»، ورقة صادرة عن مشروع مكافحة الجريمة الإلكترونية في اليمن، بحث منشور على الإنترنت.
6-    الباحثة/ زمال فاطيمة زهرة، حماية الطفل في البيئة الرقمية، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير في القانون العام، جامعة عبدالحميد بن باديس مستغانم، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2023-2024م.
7-    تقرير بعنوان: «من أجل بيئة رقمية دامجة توفر الحماية للأطفال»، وثيقة صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالمملكة المغربية، برقم 75 لسنة 2024م، المغرب.
8-    تقرير أهم مؤشرات الإحصاءات الاجتماعية الوطنية في اليمن 2022م، وثيقة صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في عام 2022م.
9-    قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م.
10-    قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994م.
11-    قانون حقوق الطفل رقم (45) لسنة 2002م.
12- قانون رعاية الأحداث رقم (24) لسنة 1992م وتعديلاته.
13- قانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر رقم (1) لسنة 2018م.
14- قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لسنة 1990م.
15-  قانون التعليم الفني والتدريب المهني رقم (23) لسنة 2006م.
16- لائحة الصحافة والمطبوعات رقم (49) لسنة 1992م.
17- لائحة تنظيم الصحافة الإلكترونية الصادرة بقرار وزير الإعلام رقم (20) لسنة 2017م.
18- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المصري رقم (175) لسنة 2018م.
19- قرار مجلس حقوق الإنسان رقم A/HRC/RES/56/6، الصادر في دورته السادسة والخمسين المنعقدة خلال الفترة 18/يونيو/2024م حتى 12/يوليو/2024م.