الرجوع عن الشهادة وأثره في جرائم الحدود بين الفقه الإسلامي والقانون اليمني

القاضي/ أحمد عبد الله علي المهدي

6/13/2026

يمكنك تنزيل الدراسة من هنا

المقدمة:
أحمدُ الله السميع العليم رب العالمين، وأصلي وأسلم علي سيد المرسلين، سيدنا محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين وأصحابه الراشدين، وبعد:
من المعلوم كمال الشريعة الإسلامية، ومرونتها، وصلاحها لكل زمان،  لما اشتملت عليه من قواعد أكسبتها الخلود، مستوعبة كل قديم وحديث، وذلك لأنها منزلة من حكيم عليم، خبير بما يصلح الناس في دينهم ودنياهم.
والإنسان جُبل على حب المال والسعة فيه، وقد يسعى إلى تحقيقه بشتى السبل، الجائز منها وغير الجائز، وعلاقات الناس ببعضهم حتمية، وكثيراً ما يدخلها التجاحد والتناكر، ما يجر بهم إلى الخصومة، وما يتبعها من إهدار للوقت وزرع للحقد والبغضاء، وقد عالجت الشريعة كل ذلك من خلال الإثبات، بطرقه المختلفة، قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: (على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين) فقطعُ النزاع وفصل الخصومة في حاجة إلى وسائل الإثبات ليعملها القاضي في قضائه، ومن أهم هذه الوسائل الشهادة، التي كثيراً ما تكون الفيصل في الخصومات أمام القضاء، لذلك نالت حظاً وافراً من الدراسة في كتب الفقه تأصيلاً وتعريفاً وتفريعاً، ومن ذلك إفرادهم باباً للرجوع عن الشهادة، وهو موضوع بحثي، وسأتناوله في أربعة مباحث، المبحث التمهيدي أتطرق فيه إلى مفهوم الشهادة ونصابه وأهميته، والمبحث الثاني أتناول فيه مفهوم الرجوع عن الشهادة، ومشروعية الرجوع وركنه وشروطه، والكيفية التي يتم بها الرجوع، وفي المبحث الثالث سأتناول الرجوع عن الشهادة من حيث وقت الرجوع قبل الحكم وبعد الحكم قبل التنفيذ وبعد التنفيذ، وسأخصص المبحث الثالث لآثار الرجوع عن الشهادة في جرائم الحدود بشكل عام وأثره في جريمة الزنا بشكل خاص، متناولاً كل ذلك من منظور الفقه الإسلامي وموقف القانون اليمني من ذلك، وسأنهي البحث بخاتمة وتوصيات.
سبب اختيار البحث: 
كان اختياري لموضوع البحث نظراً لأهميته، ولاتصاله بعمل القاضي والقانوني، فمن الناس من يقدم على الشهادة ويرجع عنها، وهو أمر ينبغي معرفة حكمه، وأثره على الدعوى والحكم والشاهد، وأمرٌ كذلك جديرٌ بأن يكون موضوع بحث، إضافة إلى أنّ شراح القانون اليمني لم يعيروا الرجوع عن الشهادة– في دراستهم- الأهمية التي يحظى بها هذ الموضوع في ساحات القضاء، بل إن كلامهم عن الرجوع عن الشهادة لم يتجاوز حدود النص القانوني.
أهمية البحث:
1-    التعريف بالرجوع عن الشهادة.
2-    الآثار المترتبة على الرجوع عن الشهادة بالنسبة إلى الحكم وما يرتبه من أوضاع، وإلى الشاهد.
3-    موقف القانون اليمني من الرجوع عن الشهادة، وكيف عالجه.
منهج البحث:
سأنهج المنهج الوصفي، بصفة رئيسة، وذلك باستقراء كتب الفقه الإسلامي التي تناولت موضوع الرجوع عن الشهادة، والمنهج التحليلي فيما يتعلق بقوة الأدلة وضعفها والترجيح بينها.
خطة البحث:
المقدمة.
•    المبحث التمهيدي.
المطلب الأول: تعريف الإثبات وطرقه.
المطلب الثاني: تعريف الشهادة ومشروعيتها.
المطلب الثالث: شروط الشهادة وأهميتها.
•    المبحث الأول: تعريف الرجوع عن الشهادة، وحكمه وكيفيته. 
المطلب الأول: تعريف الرجوع عن الشهادة ومشروعيته.
المطلب الثاني: حكم الرجوع عن الشهادة وركنه وشروطه.
المطلب الثالث: كيفية الرجوع عن الشهادة.
•    المبحث الثاني: وقت الجوع عن الشهادة.
المطلب الأول: الرجوع عن الشهادة قبل الحكم.
المطلب الثاني: الرجوع بعد الحكم وقبل التنفيذ.
المطلب الثالث: الرجوع بعد التنفيذ.
•    المبحث الثالث: الأثر المترتب على الرجوع عن الشهادة في جرائم الحدود.
المطلب الأول: الأثر المترتب على رجوع الشهود قبل الحكم.
المطلب الثاني: الأثر المترتب على رجوع الشهود بعد الحكم.
المطلب الثالث: الأثر المترتب على رجوع المزكي وشهود الإحصان.
المبحث التمهيدي
ويشتمل على ثلاثة مطالب، على النحو الآتي:
المطلب الأول
تعريف الإثبات وطرقه
أولاً: تعريف الإثبات:
1-    لغةً: الثبت وهو المحجة، يقال: أثبت الشيء   باتاً وثبوتاً دام واستقر وثبت الأمر تحقق
وتأكد..... يقال: أثبته وثبته أي عرفه حق المعرفة وأكد بالبيَنات.
2-    اصطلاحاً: استعمل مصطلح الإثبات بمعنى عام وبمعنى خاص: المعنى العام هو إقامة الحجة مطلقاً، سواء كان ذلك عند التنازع أو قبله، والمعنى الخاص: إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون على وجود واقعة قانونية ترتب عليها آثارها.
وعرفه أبو زهرة: «إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددتها الشريعة على حق أو على واقعة تترتب عليها الآثار».
تعريف قانون الإثبات اليمني: الإثبات: إقامة الدليل بالطرق القانونية لإثبات الحق المتنازع عليه أو نفيه.
ثانياً: طرق الإثبات:
هناك خلاف فقهي قانوني في طرق الإثبات بين المقيد لطرق الإثبات والمطلق لها والمذهب المختلط بين الإطلاق والتقييد.
وبما أن موضوع طرق الإثبات ليس صميم بحثي وإنما عرضت له في هذا المبحث التمهيدي باعتباره من الأولويات التي هي بمثابة بوابة الولوج إلى موضوع البحث ولهذا لم أعرض لما ثار بين الفقهاء من خلاف حول طرق الإثبات، وإنما أكتفي بإيراد الطرق التي حددها القانون اليمني.
لقد حصر القانون اليمني طرق الإثبات في الآتي:
1-    شهادة الشهود
2-    الإقرار.
3-    الكتابة.
4-    اليمين وردها والنكول عنها.
5-    القرائن الشرعية والقضائية.
6-    المعاينة.
7-    تقرير الخبير.
8-    استجواب الخصم.
ونص قانون الإجراءات الجزائية في المادة (323): «تعد من أدلة الإثبات في الدعوى الجزائية:
أ-    شهادة الشهود.
ب- تقرير الخبراء.
ج-    اعتراف المتهم.
د-    المستندات بما فيها تقارير رسمية مرتبطة بشخص المتهم أو وقائع الجريمة والقرائن والأدلة الأخرى.
المطلب الثاني
تعريف الشهادة وركنها ومشروعيتها وحكم تحملها
أولاً: تعريف الشهادة وركنها:
1-    تعريف الشهادة لغة: «شَهدَ شَهوداً على كذا، أخبر به خبراً قاطعاً فهو شاهد». 
    «الشهادة خبر قاطع تقول فيه: أشهد الرجل على كذا، وقولهم: أشهد بكذا، أي: أحلف، وأصل الشهادة الإخبار عما شاهده».

2-    تعريف الشهادة اصطلاحاً:
-    تعريف الزيدية: «هي إخبار بما شاهد وعلم بلفظ الشهادة في مجلس الحكم، وحقيقتها لفظ مخصوص من عدد مخصوص في محضر حاكم لاستيفاء حقوق».
-    تعريف المالكية: «الشهادة قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه».
-    تعريف الشافعية: «إخبار عن الشيء بلفظ خاص».
-    تعريف الحنفية: «هي الإخبار عن أمر حضره الشهود وشاهدوه، إما معاينة نحو القتل والزنا أو سماعاً كالعقود والإقرار».
-    تعريف الحنابلة: «إخبار الشخص بحق على غيره بلفظ خاص».
تعريف القانون اليمني: «الشهادة إخبار في مجلس القضاء من شخص بلفظ «أشهد» لإثبات حق لغيره على غيره»(11).
ركن الشهادة:
ركنها لفظ «أشهد» لا غير لأن النصوص اشترطت هذا اللفظ، إذ الأمر القرآني ورد فيها بهذه اللفظة، ولأن فيها زيادة تأكيد، فإن قوله: «أشهد» من ألفاظ اليمين، وهي تتضمن معنى المشاهدة أي الاطلاع على الشيء، فلو قال: «شهدت» لا يجوز؛ لأن الماضي موضوع الإخبار عما وقع، والشهادة يقصد بها الإخبار في الحال.
ثانياً: مشروعية الشهادة وحكم تحملها:
الأصل في مشروعية الشهادة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
أما السنة: فقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (شاهداك أو يمينه).
وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للسائل: (هل ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد أو دع).
أما الإجماع: فلا خلاف في كونها مشروعة عمل بها النبي والصحابة من بعده والتابعون.
أما المعقول: ففي أعمال الشهادة حفظ للحقوق وتطبيق للحدود لحصول التجاحد بين الناس، (قال شريح: القضاء جمرة فادرأها عنك بعودين: «يعني الشاهدين» وإنما الخصم داء والشهود شفاء فأفرغ الشفاء على الداء).
حكم تحمل الشهادة:
بالنظر إلى أدلة مشروعية الشهادة السابق إيرادها لا يخلو الأمر من حالتين، الحالة الأولى: ألا يوجد من الشهود إلا النصاب، فهنا يكون تحمل الشهادة فرض عين، قال في البيان الشافي: «فإن كانوا اثنين تعين عليهم أداؤها»، الحالة الثانية: أن يزيد عدد الشهود على اثنين فهنا تكون فرض كفاية، والشهادة بعد تحملها حق على الشاهد للمشهود له فمتى طلبها وجب أداؤها ولو مرة بعد مرة حتى يحصل على حقه.
أما الدخول في الشهادة فقد يكون واجباً إذا خشي تلف المال إذا لم يشهد عليه وفي النكاح, وقد يكون مندوباً وذلك في البيع والمعاملات والرجعة، وقد يكون محظوراً وهو فاسد الدين وطلاق البدعة، وقد يكون مباحاً في الزيادة على الشاهدين.
وفي قانون الإثبات نصت المادة (57) على أنه: «يجب على متحمل الشهادة أصالة أو إرعاءً أداؤها عند طلب المشهود له».
المطلب الثالث
شروط الشاهد والشهادة ونصابها وحجيتها
أولاً: شروط الشاهد والشهادة:
أ-شروط الشاهد: 
الشهادة من أدلة الإثبات بها تثبت الحقوق وتستعاد وتوثق المعاملات، وتطبق الحدود، فوجب توافر شروط في الشاهد ليعتدّ بشهادته، وقد عرض لها الفقهاء عند كلامهم عن الشهادة واكتفي في هذا المبحث باعتباره تمهيدياً أن أورد الشروط التي نص عليها القانون اليمني وهي ذاتها التي قال بها الفقهاء، وهي كما يلي:
1-    أن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً عدلاً.
2-    أن يكون قد عاين المشهود به بنفسه إلا فيما يثبت بالسمع، واللمس، ويستثنى أيضاً النسب والموت والزوجية وأصل الوقف فإنه يجوز إتيانه بالشهرة.
3-    ألّا يكون مجلوداً في حد أو مجروحاً في عدالة ما لم تظهر توبته، وصلاح عدالته، والعدالة هي الصلاح في الظاهر في الشاهد.
4-    أن لا يجر لنفسه نفعاً، أو يدفع عنها ضرراً.
5-    أن لا يكون خصماً للمشهود عليه.
6-    ألّا يشهد على فعل نفسه مع مظنة التهمة.
7-    أن يكون عالماً بالمشهود به ذاكراً له وقت الأداء.

ب- شروط قبول الشهادة:
يشترط في الشهادة شروط منها:
1-    أن تكون بلفظها بأن يقول: «أشهد» أما إن قال: «أعلم»، أو في اعتقادي، أو أرى، فلا تعد شهادة ولا تقبل, ويقول المالكية: بعدم اشتراط التلفظ بالشهادة وشرطها (العلم) باللغة العربية وإلا فلا.
2-    أن يتقدمها دعوى شاملةً لها، وذلك فيما يتعلق بحق الآدمي المحض، والشهادة على
القذف، والسرقة، أما الشهادة المتعلقة بحق محض لله فلا يشترط فيها ذلك.
3-    أن تكون في مجلس القضاء وفي حضور المشهود عليه، أو وكيله، أو المنصوب عنه.
4-    أن تكون موافقة للدعوى.
5-    ألّا تكون بالنفي الصرف إلا إذا اقتضى الإثبات وألّا يكذبها الواقع.
6-    ألّا يؤدي الخلاف فيها إلى بطلانها، وقد نص قانون الإثبات اليمني على الاختلاف الذي لا يبطل الدعوى فنصت المادة (49) بأنه لا تبطل الشهادة في الأحوال وبالشروط الآتية: 
أ-    اختلاف الشاهدين في الألفاظ إذا اتفقا في المعنى.
ب- اختلاف الشاهدين في زمان ومكان الإقرار والإنشاء إذا احتمل التعدد.
ج-    اختلاف الشاهدين في مقدار المشهود به، ويصح ما اتفقا عليه، معنى ويستثنى من ذلك مقدار عوض العقد إذا كان العقد محجوراً فيبطل الشهادة واختلاف الشاهدين فيه.
د-    اختلاف الشاهدين في صفة المشهود به, تكمل من طابقت شهادته للدعوى بشهادة آخر ويمين المدعي.
7-    أن يكون الشاهد عالماً بالمشهود، ذاكراً له وقت الأداء.
8-    أن تكون عن علمٍ أو يقين لا عن ظن، قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (على مثل الشمس فاشهد أو فدع).
شروط شهادة الحدود:
1-    الذكورة وهو شرط بإجماع الفقهاء؛ لأن الحدود مبناها على الدرء بالشبهة وفي شهادة النساء شبهة؛ لأنهن جبلن على السهو، وذهب الظاهرية إلى جواز شهادة النساء في الحدود والقصاص؛ واستدلوا بعموم أدلة الشهادة.
2-    التفصيل وذلك بكشف ما يعتور اللفظ من الغموض في السرقة وكيفيتها, وزمانها, ومكانها، وجنس المسروق، وصفة الحرز.
3-    الاتفاق في الزمان والمكان وجنس المشهود به وقدره.
4-    الأصالة، بأن يرى الشاهد الواقعة بنفسه، فلا تقبل النيابة.
ثانياً: نصاب الشهادة وحجيتها:
نص القانون اليمني على نصاب الشهادة في قانون الإثبات في المادة (45) وهو النصاب الذي اعتبره الفقه الإسلامي حسب ما يلي:
1-    في الزنا أربعة رجال.
2-    في سائر الحدود والقصاص رجلان.
3-    في الأموال والحقوق ونحوها رجلان, أو رجل وامرأتان، ويجوز أن يقبل غير ذلك فيما استثنى بنص كشهادة المرأة فيما لا يطلع عليه الرجال، وشهادة الصبيان بعضهم على بعض.
حجية الشهادة:
تعد الشهادة من أدلة الإثبات ذات الأهمية البالغة، فكثيراً ما تكون الشهادة هي الفيصل في الحكم بالإدانة أو البراءة، وقد تكون الدليل الوحيد الذي يستند إليه القاضي في حكمه دون الحاجة إلى دليل آخر، وانطلاقاً من أهميتها عنيت الشريعة الإسلامية بها تفصيلاً، وتأصيلاً، وشروطاً، وأحكاماً، فلا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الشريعة الإسلامية، فبها تراق الدماء وتعصم، وتعاد الحقوق إلى أهلها، ولأهميتها حرص المشرع على ضبطها بضوابط تُراعى فيها حال الشاهد والمشهود عليه، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع» والشهادة ضرورية لقيام الحياة الاجتماعية وما يصاحبها من أحداث، وما يعتبر من وقائع مادية وتصرفات إرادية، ومعاملات عائلية .

المبحث الأول
تعريف الرجوع عن الشهادة، وحكمه، وكيفيته
ويشتمل على ثلاثة مطالب، على النحو الآتي:
المطلب الأول  
تعريف الرجوع عن الشهادة ومشروعيته وركنه وسأتناوله في فرعين
الفرع الأول
تعريف الرجوع عن الشهادة لغة واصطلاحاً
أولاً: تعريف الرجوع عن الشهادة لغةً:
(رجع يرجع رجعاً ورجوعاً ورجعاناً ومرجِعاً ومرجعةً انصرف، ومنها عاد يعود عودةً وعوداً)، (ورجع آب إلى الشيء يؤوب أوباً أو إياباً وأوبة)، (ورجع عاد إليه يعود عودةً وعود)اً، (والرجوع العود إلى ما كان فيه البدء)، رجع من سفره وعن الأمر، ورجعتُ عن الكلام وغيره أي رددته، والرجوع نقيض الذهاب، ورجع من سفر وعن الأمر رجوعاً ورجعى ومرجعاً، قال ابن السكيت: هو نقيض الذهاب.
ثانياً: تعريف الرجوع اصطلاحاً: 
تعريف الزيدية: (هو قول الشهود رجعنا عما شهدنا به أو كذبنا).
تعريف فقهاء الحنفية: (هو نفي ما أثبته)، (أو يقول رجعت عما شهدت به ونحوه)، (الرجوع: هو فسخ الشهادة).
تعريف فقهاء الشافعية: (المراد بالرجوع التصريح به فيقول: رجع عن شهادتي).
التعريفات الفقهية المعاصرة للرجوع عن الشهادة: 
عرفه وهبه الزحيلي بقوله: «الرجوع عن الشهادة بقول الشاهد: رجعت عما شهدت به ونحوه».
وعرفه الباحث السعودي محمد البعيث: «هو القول الذي يصدر من الشاهد ويفهم منه نقضه لشهادته».
تعريف القانون اليمني: (هو أن يقول الشاهد: رجعت عن شهادتي أو بأن يكذب نفسه).
من تعريفات الفقهاء للرجوع عن الشهادة أجدهم متفقين على اعتبار اللفظ في الرجوع سواءً من قال منهم بلزوم التصريح بالرجوع أو من قال بصحة الرجوع، بأي لفظ يدل عليه، لكنهم لم يتطرقوا في تعريفاتهم إلى الرجوع بالفعل إن دلّ عليه كامتناع الشهود في جريمة الزنا عن البدء بالرجم، ولهذا رأيت أن أعرف الرجوع بما يشمل اللفظ والفعل.
تعريف الباحث للرجوع عن الشهادة:
هو كل قول أو فعل دلّ على الرجوع عن الشهادة صراحةً أو ضمناً.

الفرع الثاني
مشروعية الرجوع عن الشهادة وركنها
أولاً: مشروعية الرجوع عن الشهادة:
استدل الفقهاء على مشروعية الرجوع عن الشهادة بأدلة من السنة وأقوال الصحابة وبالمعقول:
1- من السنة:
أ-    ما رواه المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في شاهد شهد ثم رجع عن شهادته بعد أن حكم بها رسول الله: (تمضي شهادته الأولى لأهلها والآخرة باطلة)، واستدل بهذا الحديث المالكية.
ب- عن المسيّب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا شهد الرجل بشهادتين قبلت الأولى وتركت الأخرى وأنزلت منزلة الكلام)، وعنه قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرجل يغير شهادته قال: (يؤخذ بالأولى).
2- من أقوال الصحابة: 
ما روي عن أمير المؤمنين علي أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة فقطع يده، ثم جاء بالآخر، وقال: هذا هو السارق وأخطأنا في الأول، فرد شهادتهما على الثاني وغرمهما دية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما ، وبهذا استدل فقهاء الزيدية والحنفية واعتبره الحنفية أصل المشروعية، وأضاف صاحب الاختيار إلى هذا الأصل قول عمر رضي الله عنه في كتاب القاضي: (فلا يمنعك قضاء قضيته وراجعت فيه نفسك، وهديت لرشدك أن ترجع فيه إلى الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل) فكذلك الشاهد لأن الرجوع عن الشهادة الباطلة رجوع من الباطل إلى الحق.
3- المعقول:
إن الشاهد بشهادته تسبب بإتلاف المال على المشهود عليه بإخراجه من ملكه
يداً، وتصرفاً، وإذا أزاله بغير عوض ضمن الجميع، وإن كان بعوض إن كان مثلاً له لا ضمان عليه، وإن كان أقل منه ضمن الناقص، وفي إصرار الشاهد على الشهادة زوراً ارتكاب كبيرة من الكبائر.
ثانياً: ركن الرجوع عن الشهادة:
تعريف الركن: تفرد الحنفية بالنص على ركن الرجوع عن الشهادة، «وهو أن يقول الشاهد: رجعت عما شهدت به، أو ما شهدت به فهو زور، أو كذبت في شهادتي».
وقد سبق أن أشرت في المبحث التمهيدي إلى أن ركن الشهادة التلفظ بها بأن يقول الشاهد: أشهد، فاعتبره الفقهاء ركناً في الأداء لا تقبل الشهادة من دونه وكذلك اعتبر ركناً في الرجوع.

المطلب الثاني
حكم الرجوع عن الشهادة وشروطه
الفرع الأول
الحكم التكليفي للرجوع عن الشهادة:
الشهادة لا تخلو من حالين: إما أن تكون بحق، أو تكون زوراً ولكل حالة حكمها، الحالة الأولى: أن تكون عن صدق ومتعلقة بحق من حقوق العباد أو بحق من الحقوق الخالصة لله غير الحدود، فهنا لا يجوز الرجوع عنها ويأثم من رجع فيها لأن الشهادة في هذه الحالة مأمور بها شرعاً لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾، والأمر هنا للوجوب، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ فالنهي عند الدعاء أمرٌ بالحضور للأداء، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وشهادة الزور من الكبائر، والشهادة إذا كانت عن حق فأن الرجوع عنها تضييع للحقوق، الحالة الثانية: أن تكون شهادة الشاهد زوراً: من المعلوم في الدين وجوب اجتناب الزور، فإذا ما شهد الشاهد بزور فإنه يجب عليه الرجوع عنها، إذ الرجوع أمرٌ مرغوب فيه ديانةً لأن فيه خلاصاً من عقاب الكبيرة، وشهادة الزور وكتمان الحق سواء، ولأن الرجوع عن شهادة الزور رجوع إلى الحق والعدل والصدق، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، فلا يمنع الاستحياء من الناس من الرجوع عنها، فالاستحياء من الله أولى بكثير من الاستحياء من الناس، وتحمل عقوبة في الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وشهادة الزور من الكبائر نهى عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: نعم، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فاستوى جالساً ثم قال: ألا وقول الزور) فجعل يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وحديث سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الشاهد بالزور لا يرفع قدميه من مكانهما حتى تلعنه الملائكة في السماء والأرض) وجاء في سنن البيهقي: (وشاهد الزور لا تزول قدماه حتى توجب له النار).
الفرع الثاني
شروط الرجوع عن الشهادة
لصحة الرجوع عن الشهادة شروط أوردها الفقهاء– خاصة فقهاء الحنفية– وسأعرض لآراء الفقهاء في على النحو الآتي:
الشرط الأول: أن يكون الرجوع في مجلس القاضي:
رأي الزيدية: جاء في الأزهار «ومن شهد عند عدل ثم رجع عنده أو عند مثله بطلت قبل الحكم»، أما إذا لم يشهدوا عند حاكم عدل أو لم يرجعوا عند حاكم عدل لم يصح رجوعهم قد اتضح دعوى كونهم قد رجعوا، فالزيدية اشترطوا للقول بصحة الرجوع أن يكون الرجوع في مجلس القاضي إذا كان الرجوع قبل الحكم أمّا بعد الحكم فإن الرجوع يصح وإن لم يكن في مجلس القاضي، وشرط الرجوع في مجلس القاضي هو شرط للحكم بالضمان، فلا إشكال أنه لا يحكم بشهادتهم إذا صح له وتواتر إليه أنهم قد رجعوا، ولو كان رجوعهم في غير حضرة حاكم، فالرجوع عن الشهادة عند الزيدية ينتج أثره في عدم الحكم بشهادتهم ولو كان رجوعهم في غير مجلسه إذا تواتر إليه الرجوع، أمّا فيما يتعلق بالحكم بالضمان فلا يكون إلا إذا كان الرجوع في مجلسه، وذلك لأن الضمان مختلف فيه، فلا يحسب إلا بحكم الحاكم عليهم بالضمان.
رأي الحنفية: لا يصح الرجوع عن الشهادة عند الحنفية إلا بحضرة الحاكم، لأنه فسخ للشهادة فيختص بما تختص به الشهادة من المجلس وهو مجلس القاضي– أي قاضٍ– ولأن الرجوع توبة، والتوبة على حسب الجناية، فالسر بالسر، والإعلان بالإعلان، وبهذا فالرجوع عندهم لا يتبع أثره إلا إذا كان في مجلس القاضي، فلو أن المشهود عليه ادّعى رجوع الشهود وطلب منهما اليمين فلا يقبل، لأنه ادّعى رجوعاً باطلاً.
حجتهم:
1-    لأن الرجوع فسخ للشهادة، فيختص بما تختص به الشهادة من شروط المجلس.
2-    لأن الرجوع توبة، والتوبة على حسب الجناية، السر بالسر، والإعلان بالإعلان.
3-    مجلس القاضي شرط لابتداء الشهادة، فكذلك يكون شرطاً لفسخها.
ومما سبق يظهر اتفاق الزيدية والحنفية في اشتراط المجلس للحكم بالضمان، أمّا فيما يتعلق بالشهادة ذاتها فأكثر الزيدية يرون صحة الرجوع ولو بغير حضرة الحاكم، وفارقهم الحنفية في هذا.
رأي المالكية: لم يشترط المالكية مجلس القاضي للرجوع عن الشهادة، فالرجوع عنها ينتج أثره ولو في غير مجلسه.
الشافعية والحنابلة: لم أعثر لهم على رأي فيما يتعلق بشرط المجلس.
القانون اليمني: ما موقف القانون اليمني من شرط المجلس؟ وهل اعتبره؟
نصت المادة (50) من قانون الإثبات (يصح الرجوع عن الشهادة قبل الحكم وبعده؛ بأن يقول الشاهد: رجعت عن شهادتي أو يكذب نفسه، ولا بد أن يكون الرجوع أمام المحكمة التي سمعت الشهادة إذا كانت قد حكمت بشهادته، لا قبل الحكم فيكفي لتوقفها عن الحكم بشهادته ثبوت رجوعه أو إكذابه نفسه ولو خارج المحكمة).
يتضح من هذا النص أن القانون اليمني فرق بين حالتين، الحالة الأولى: الرجوع عن الشهادة قبل الحكم: وفي هذه الحالة لم يشترط المشرع أن يكون الرجوع في مجلس القاضي، بل يكفي القاضي للتوقف عن العمل بالشهادة ثبوت رجوع الشاهد عنها أو إكذابه لنفسه ولو خارج مجلسه، الحالة الثانية: الرجوع عن الشهادة بعد الحكم: في هذه الحالة اشترط المشرع أن يكون الرجوع أمام المحكمة التي سمعت شهادته ليصح الرجوع وينتج أثره.
وبهذا فإن القانون اليمني أخذ برأي الزيدية كما أوضحناه سابقاً.
ترجيح الباحث: أقول وبالله التوفيق: إن المذهب الزيدي هو الراجح لما يأتي:
1-    إذا ثبت للقاضي رجوع الشهود عن شهادتهم خارج مجلسه، أو في مجلسه حصل له بذلك شك في شهادتهم، ومن ثم زعزعة في عقيدته، والحكم لا يبنى إلا على أدلة قوية.
2-    إن الشهود قد يتحرجون عن الرجوع عن الشهادة في مجلس القاضي.
3-    إن التوبة لا تختص بزمان ولا مكان معين، فإذا ثبت للقاضي أنهم رجعوا عن شهادتهم ثبت له سقوط شهادتهم فلا يعمل بها.
الشرط الثاني: أن يكون رجوع الشاهد عن إرادة حرة وسليمة:
تعتبر سلامة الإرادة من شروط صحة الرجوع عن الشهادة، فإذا كانت شهادته بحق ثم رجع عنها تحت ظرف الإكراه والتهديد، وعلم القاضي بهذا الظرف فلا عبرة بالرجوع هنا.
الشرط الثالث: أن يحكم القاضي برجوع الشهود:
قال ابن الهمام: «وزاد جماعة في صحة الرجوع أن يحكم القاضي برجوعهم ويضمنهما المال»، وقال ابن نجيم: «وشرطه كونه بعد القضاء».
الشرط الرابع: أن يكون حال الشاهد عند الرجوع أعدل من حاله عند الشهادة:
تفرد بهذا الشرط الحنفية، ويراد به أنَّ على القاضي معرفة حال الشاهد من عدالة، أو فسق، أو تهمة يوم رجوعه، ويقارنها بحالة يوم شهادته، فإذا كان يوم رجوعه أعدل منه في يوم شهادته عمل بالرجوع، وإلا فلا يعمل بالرجوع، وهذا الشرط هو شرط أبي حنيفة، وقيل: إنه رجع عنه.

المطلب الثالث 
الكيفية التي يتم بها الرجوع عن الشهادة
الرجوع عن الشهادة إما أن يكون صريحاً، وإما أن يكون ضمنياً، وتحت كل منهما صور، لذلك سأقسم هذا المطلب إلى فرعين:
الفرع الأول
الرجوع الصريح 
صور الرجوع الصريح هي كالتالي:
الصورة الأولى: قول الشاهد: رجعت عن شهادتي، أو كذبت في شهادتي، أو ما شهدت به فهو زور.
يعتبر الرجوع بلفظه عن الحنفية ركناً في الرجوع، يقول ابن نجيم: «وركنه هو قول الشاهد: رجعت عما شهدت به»، والرجوع في هذه الصورة مسقط للشهادة بإجماع الفقهاء.
الصورة الثانية: قول الشهود: أخطأنا: هذه الصورة صريحة في الرجوع، والرجوع عن الخطأ فضيلة فلا جناح على الشاهد إذا أخطأ ورجع عن خطئه، وهذا فيما يتعلق بينه وبين خالقه، أما فيما يتعلق بالعباد فله حكمه وسأعرض له لاحقاً.
الصورة الثالثة: الأمر بالتوقف: إذا شهد الشاهد ثم قال للقاضي: توقفت عن الحكم هل يتحقق الرجوع بقوله توقفت؟
قال الإمام النووي: «إن قال الشهود للقاضي بعد الشهادة توقف في القضاء وجب التوقف، فإن قالوا بعد ذلك: اقض فنحن على شهادتنا ففي جواز ذلك وجهان أصحهما الجواز»، ويظهر بذلك أن الأمر بالتوقف يكون رجوعاً عن الشهادة إذا لم يستأنف القول بأن يحكم.
الصورة الرابعة: فسخ الشهادة والقول ببطلانها: تتم هذه الصورة بأن يقول الشاهد بعد أداء شهادته: هي مفسوخة، أو هي باطلة؛ لأن ذلك إخبار، أو منقوضة، لكن إذا قال الشاهد: أبطلت شهادتي، أو فسختها، ففي دلالتها على الرجوع خلاف، القول الأول: إذا قال بطلت شهادتي أو فسختها، فمن الرجوع الصحيح، القول الثاني: لا يعتبر من الرجوع؛ لأن الشاهد لا يستطيع أن ينشئ إبطالها ما دام قد أداها أمام الحاكم صحيحة وقبلت.
الصورة الخامسة: تكذيب الأصل فرعه، أو تكذيب الفرع أصله.
الفرع الثاني
الرجوع غير الصريح
للرجوع غير الصريح صور وهي:
الصورة الأولى: امتناع شهود الزنا عن البدء في الرجم، حد الشاهد في الزنا إذا ثبت بشهادة الشهود وكان الزاني محصناً هو الرجم، فإذا امتنع الشهود عن البدء بالرجم فهل يعتبر امتناعهم رجوعاً عن شهادتهم أم لا؟ للفقهاء قولان، القول الأول: إن إحجام الشهود عن البدء بالرجم يعتبر رجوعاً ويدرأ الحد، وهذا القول لجمهور الحنفية، وذلك لأن مذهبهم يوجب بدء شهود الزنا بالرجم، القول الثاني: لا يرون إحجام الشهود عن البدء بالرجم رجوعاً عن الشهادة، فعندهم أن بدء الشهود بالرجم ليس واجباً، بل مستحباً، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية ورواية عن أبي يوسف من الحنفية.
أدلة القول الأول: 
أ-    إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال حين رجم شراحة الهمدانية: «إن الرجم سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان شهد على هذه أحد لكان أول من يرمي، الشاهد يشهد ثم يتبع شهادته حجره، ولكنها أقرت فأنا أول من رماها».
ب- إن الإنسان قد يجرؤ على شهادة الزور فإذا عرف أن البدء في تنفيذ الحد منه فإنه قد يستعظم الأمر فيتوقف عن الرجم، فإذا شهد ولم يبدأ بالرجم كان دليلاً على رجوعه، وأن شهادته كانت كذباً فيسقط الحد لوجود الشبهة.
أدلة القول الثاني:
قاسوا حد الرجم على حد القطع والجلد في عدم لزوم بدء الشاهد بتنفيذ الحد.
ترجيح الباحث: أقول وبالله التوفيق: برجحان القول الأول لقوة أدلته، فالشاهد قد يجسر على الشهادة زوراً لكن أن ينفذ الحد وهو يعلم أنه بني على باطل فلا، وذلك يورث شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
الصورة الثانية: طلب التوقف عن الحكم: قد يدلي الشاهد بشهادته في مجلس القاضي، ثم يطلب منه التوقف عن الحكم فهل يكون هذا رجوعاً عن الشهادة؟
للفقهاء في ذلك ثلاثة أقوال، القول الأول: اعتبر التوقف رجوعاً عن الشهادة قال بهذا القول ابن المرتضى «فإن قالوا بعد أن شهدوا: نتوقف حتى نستثبت شهادتنا، فوجهها تبطل شهادتهم لترددهم»، القول الثاني: لا يكون ذلك رجوعاً، جاء في أسنى المطالب: «فإن قالوا للحاكم بعد شهادتهم: توقف عن الحكم ثم قالوا: احكم فنحن على شهادتنا، حكم لأنه لم يتحقق رجوعهم ولا بطلت أهليتهم»، القول الثالث: يرجع إلى اجتهاد القاضي، قال بهذا الهيثمي.

الصورة الثالثة: ادعاء الشهود الفسق: إذا شهد الشهود ثم أقروا على أنفسهم بالفسق أو الجرح، هل يكون ذلك رجوعاً عن شهادتهم؟
من استقرائي لآراء الفقهاء وجدتهم لم يعرضوا لمثل هذا إلا ما جاء في الفقه الزيدي بأن ادعاء الشهود الفسق أو الجرح لا يعد رجوعاً عن الشهادة، وعللوا ذلك بجواز أن يكون فسقهم أو جرحهم مما يختلف فيه.
الصورة الرابعة: إنكار الشهادة هل يكون رجوعاً؟
قال العنسي في التاج المذهب: «وأما إذا أنكروا الشهادة فلا يلزمهم شيء من ذلك ولا يكون رجوعاً» وجاء في كشاف القناع «وإنكار أصل الشهادة لا يكون رجوعاً».
حكم الرجوع عن الرجوع في الشهادة:
تعريفه: هو أن يشهد الشاهد ثم يرجع عن شهادته وبعد ذلك يرجع عن رجوعه الأول.
ما موقف الفقه الإسلامي من الرجوع عن الرجوع؟
جاء في التاج المذهب وشرح الأزهار: «لا يصح الرجوع عن الرجوع لأنه بالرجوع قد لزمهم حق وصار كالإقرار بحق لآدمي فلا يصح الرجوع عنه»، وهو ما قال به فقهاء المالكية وعللوا ذلك بقولهم: لأن رجوعهم عن الرجوع يعد ندماً ولأنه بمنزلة من أقر به ورجع عن إقراره.
وبعدم قبول الرجوع عن الرجوع في الشهادة أخذ المشرع اليمني حيث نص قانون الإثبات في المادة (51): «لا يصح الرجوع عن الرجوع في الشهادة»، ويكمن تعليل موقف الفقه والقانون بحصول الشك في رجوعه عن الرجوع الأول فلا يقبل منه الرجوع عن الرجوع في الشهادة.

المبحث الثاني 
وقت الرجوع عن الشهادة
ويشتمل على ثلاثة مطالب على النحو الآتي:
المطلب الأول
الرجوع عن الشهادة قبل الحكم
الشهادة في مجلس القاضي يترتب عليها أثر في توجيه الحكم، وقد تكون هي الدليل المعتمد عليه في القضية دون أن تؤازره أدلة أخرى فيبنى عليها القاضي حكمه، فإذا ما أدلى الشهود بشهادتهم في مجلس القاضي ثم رجعوا عنها بعد ذلك فهل للقاضي أن يعمل برجوعهم عن الشهادة ومن ثم لا يقيم لها وزناً، أم له الالتفات عن الرجوع بأعمال الشهادة في قضائه؟
لمعرفة ذلك نعرض أقوال الفقهاء في ذلك، وموقف القانون اليمني:
أولاً: موقف الفقه الإسلامي: باستقراء آراء فقهاء المذاهب الإسلامية المتناولة في هذا المبحث أجد لهم قولين، القول الأول: إن رجوع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم يوجب على القاضي عدم العمل بشهادتهم، وهو قول جمهور الفقهاء الزيدية، والحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنبلية، والإمامية، والظاهرية، قال ابن المرتضى: «وإذا رجع الشهود قبل الحكم لم يحكم بها مطلقاً»، وعلى الراجع أن يعلم الحاكم لئلا يحكم، فإذا رجع الشهود قبل الحكم سقطت؛ لأن الحق إنما يثبت بالقضاء.
أدلة القول الأول: 
استدل أصحاب القول الأول بالآتي:
1-    الشهادة شرط الحكم فيشترط استدامتها إلى انقضائه كعدالتهم.
2-    لأن الحكم تابع للشهادة، وقد نقضت، فلا يدري أصدقوا في الأول أو في الثاني، فلا يبقى ظن الصدق فيها.
3-    إنه يحتمل أن يكونوا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع، ويحتمل أن يكونوا كاذبين في الشهادة صادقين في الرجوع، فلا يحكم بها قبل الحكم مطلقاً.
4-    لأن الحق إنما يثبت بالقضاء، والقاضي لا يقضي بكلام متناقض.
القول الثاني: حكي عن أبي ثور, أن رجوع الشاهد قبل الحكم لا يعمل به، بل يفضي القاضي بتلك الشهادة، ويهدر رجوعهم.
أدلة القول الثاني:
1-    قاس الرجوع عن الشهادة على الرجوع في الإقرار بعد الحكم.
نوقش في هذا: أن الرجوع عن الإقرار إسقاط حق قد لزمهم، والحكم بعد نفوذه لا ينقض بالشك، فافترقا.
2-    إن الشهادة قد أديت، فلا تبطل برجوع من شهد كما لو رجع بعد الحكم.
نوقش قولهم بأن هذا فاسد، لأن الشهادة شرط الحكم، فإذا زالت قبله لم يجز، كما لو فسق، ولأن رجوعه يظهر به كذبه.
ترجيح الباحث: أقول وبالله التوفيق: إن القول الأول هو الراجح، لقوة الأدلة التي ساقها جمهور الفقهاء، أما ما استدل به أبو ثور فهو فاسد إذ الشهادة شرط الحكم، فإذا انهارت قبل الحكم لم يعد للعمل بها محل، وقياسه على الرجوع عن الإقرار قياس مع الفارق، إذ الرجوع عن الإقرار يكون في حال قد لزمهم الحكم، فلا ينقض فافترقا، كما أنه من المعلوم أن من مبادئ الإثبات في الشريعة الإسلامية أن يكون الدليل يقيناً، وأن تستمر يقينيته حتى الحكم والتنفيذ، فإذا لم تستمر اليقينية بحيث شك فيها فلا يعمل بها.
موقف القانون اليمني: تنص المادة (52) من قانون الإثبات «إذا كان الرجوع قبل الحكم فلا يحكم بالشهادة، ويكون الحكم بها بعد الرجوع باطلاً، ويحاكم القاضي إذا كان الرجوع في مجلسه».
يتبين من النص أخذ القانون اليمني بالقول الأول, وهو قول جمهور الفقهاء، فإذا رجع الشاهد عن شهادته قبل الحكم، فإن القاضي لا يقضي بشهادته، وإن أعملها في قضائه بطل، بل إن القانون اليمني زاد على بطلان الحكم محاكمة القاضي إذا كان الرجوع في مجلسه، أما إن كان الرجوع في غير مجلسه فيفهم عدم محاكمته ويحمد للقانون اليمني هذا الاتجاه.
المطلب الثاني
الرجوع عن الشهادة بعد الحكم وقبل التنفيذ

إذا أدلى الشاهد بشهادته في مجلس القاضي ثم رجع عنها بعد أخذ القاضي بها والحكم بمقتضاها، وقال: رجعت عن شهادتي، أو أخطأت، أو غير ذلك من الألفاظ المعتبرة في الرجوع فما إثر ذلك على الحكم في الفقه الإسلامي والقانون اليمني؟
أولاً: في الفقه الإسلامي: اختلف الفقهاء في حكم الرجوع في هذه الحالة على ثلاثة أقوال، القول الأول: فرقوا بين ما إذا كان المحكوم به مالاً وما في معناه، أو حداً وقصاصاً:
أ-    إذا كان المحكوم به مالاً أو ما في معنى المال، فإن رجوع الشاهد عنه غير مؤثر ولا يعمل به.
ب- إذا كان حداً أو قصاصاً فتسقط الشهادة وينقض الحكم.
وقال بهذا: فقهاء الزيدية، والشافعية، والحنابلة، ووجه عند المالكية، والإمامية، والإباضية.
أدلتهم:
1-    إن رجوعهم في الحدود والقصاص شبهة فتسقط العقوبة بخلاف المال فلا يتأثر بالشبهة.
2-    إن رجوعهم في الحدود شبهة، أما في غيرها فيجب استيفاؤه، لأن حق المشهود قد وجب، وحكم به، فلم يسقط بقولهم المشكوك.
القول الثاني: إذا رجع الشهود بعد الحكم فلا يعمل برجوعهم، وينفذ الحكم، سواء كان المحكوم به مالاً أو غير مال، وهو مذهب الحنفية، وقول للمالكية.
أدلتهم:
1-    لأن آخر كلامهم يناقض أوله، فلا ينقض الحكم بالتناقض، ولأنه في الدلالة على الصدق مثل الأول وقد ترجح لاتصال القضاء به.
2-    لأن الكلام الثاني يناقض الأول، والكلام المتناقض ساقط العبارة عقلاً وشرعاً، فلا ينقض به حكم الحاكم، لئلا يؤدي إلى التسلسل.
3-    إن الرجوع عن الشهادة يحتمل الصدق والكذب، والقضاء بالحق للمشهود به يعد تذليلاً من حيث الظاهر، وهو الشهادة عند القاضي، فلا ينقض الثابت ظاهراً بالشك والاحتمال.
القول الثالث: ينقض الحكم برجوع الشهود سواء كان المحكوم به مالاً أو غيره.
وقال بهذا الهادي، وسعيد بن المسيب، والأوزاعي، وابن حزم، وهو قول أبي حنيفة الأول ثم رجع عنه، واعترض عليهم بما يلي:
1-    أن قياس الرجوع على الشهادة على ظهور الشهود كفاراً قياس مع الفارق، لأنه في الحالة الثانية تبين أنه لم يوجد شرط الحكم، وهو شهادة العدول من الأصل، أما الرجوع فإن الشهادة كانت صحيحة ومستوفية الشروط، بالإضافة إلى أن الرجوع يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، وقد اقترن بالشهادة فلا ينقض.
2-    إن الشهادة لازمة للجميع بعد الحكم، أما الرجوع فهو إقرار فلا يجوز أن ينقض به الحكم لئلا يصير إقراره... لغيره.
ترجيح الباحث: أقول وبالله التوفيق: إن الراجح هو القول الأول لما يلي:
1-    لقوة الأدلة التي استدل بها القول الأول.
2-    الحدود مبينة على الدرء والإسقاط بالشبهات، وفي رجوعهم أكبر شبهة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ادرؤوا الحدود ما استطعتم).
3-    الأموال يمكن جبرها بتضمين الشهود، خلاف الحدود.
4-    لأنه يحتاط في الحد ما لا يحتاط في غيره.
موقف القانون اليمني: نص قانون الإثبات: «إذا كان الرجوع بعد الحكم جاز للمشهود عليه طلب إعادة النظر من الحكم، وإذا ألغى القاضي الحكم فيضمن الراجع ما نفذ وتعذر إرجاعه ويعاقب بعقوبة شاهد الزور»، ونص قانون العقوبات المادة (266): «يسقط حد الزنا وما في حكمه إذا ثبت أمام المحكمة لتوافر حالة من الحالات الآتية:
3-    عجز الشهود أو أحدهم عن البدء بالرجم بعد الحكم به.
4-    اختلاف الشهادة أو تخلف شرط من شروطها أو الرجوع فيها قبل التنفيذ.
يتبين من نصوص القانون اليمني أنه قد ميز بين حالتين للرجوع، الحالة الأولى: رجوع الشاهد في قضايا الأموال، الحالة الثانية: رجوعه في الحدود والقصاص.
ففي الرجوع في قضايا الأموال، أجاز القانون للمشهود عليه طلب إعادة نظر الحكم إذا كان الرجوع بعد الحكم، ويفهم من هذا النص إعطاء القانون اليمني القاضي سلطة تقديرية في إلغاء الحكم بناءً على طلب المشهود عليه إذا رأى أن الرجوع مؤثر في الشهادة، وأنه إذا كان إلغاء القاضي للحكم قبل التنفيذ فلا ضمان على الشهود، أما بعده فيضمنهم ما نفذ وتعذر إرجاعه.
كيفية الطعن في الحكم: نص قانون الإجراءات الجزائية في المادة (357) «إذا تبين للمحكمة أن أحد الشهود أو الخبراء أو المترجمين كاذب فللمحكمة أن تحيله للنيابة العامة للتحقيق معه من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب النيابة»، فإذا ثبت أن الشاهد شهد زوراً فإن النيابة تطعن في الحكم، والحكم إما أن يكون ابتدائياً أو نهائياً، أو باتاً ويختلف الطعن باختلاف صفة الحكم إذ تنص المادة (412) من قانون الإجراءات الجزائية على طرق الطعن «يكون الطعن في الأحكام والقرارات عن طريق الاستئناف وعن طريق النقض والتماس إعادة النظر».
الطعن بالاستئناف: ويكون التقرير بالطعن في دائرة المحكمة التي أصدرت الحكم في دائرة محكمة الاستئناف فإذا حكمت المحكمة الابتدائية في الموضوع ورأت محكمة استئناف المحافظة أن هناك بطلاناً في الإجراءات تصحح الحكم وتحكم في الدعوى.
الطعن بالنقض: وذلك في الأحكام النهائية التي لا تقبل الطعن بالاستئناف، وذلك بتقرير في دائرة المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه أو في المحكمة العليا.

أسباب الطعن بالنقض: من أسباب الطعن في الحكم ما نصت عليه المادة (435) في الفقرة (3): (إذا وقع بطلان في الحكم). 
آثار الطعن بالنقض: تنص المادة (450): «لا يترتب على الحكم بالطعن بالنقض وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه إلا إذا كان صادراً بالقصاص، أو بالحد الذي يؤدي إلى النفس أو عضو بالجسم»، وتنص المادة (452): (إذا كان نقض الحكم مبنياً على مسألة قانونية وجب على محكمة الموضوع التي أعيد إليها الحكم أن تتبع حكم محكمة النقض في هذه المسألة).
التماس إعادة النظر: أجاز المشرع اليمني طلب التماس إعادة النظر وذلك إذا صار الحكم باتاً وقد عبر عنه المشرع اليمني بالنهائي، وهو يعني البات الذي لا يقبل الطعن بالنقض، وجواز الطعن بالنقض يكون في حال توافر حالة من الحالات التي نص عليها القانون في المادة (457)... ومنها: (3- إذا حكم على شخص وبعد صدور الحكم قضي بشهادة الزور على أحد الشهود أو الخبراء الذين كانوا قد شهدوا عليه........). 
آثار الطعن بالالتماس: وتنص المادة (460) على أنه: (لا يترتب على تقديم طلب التماس إعادة النظر إلى النائب العام وقف تنفيذ الحكم ما لم يكن صادراً بالإعدام أو بحد أو قصاص يؤدي إلى ذهاب النفس أو عضو من الجسم)،  ونص على أنه «إذا حكم بالبراءة عند إعادة النظر وجب أن يعلق الحكم على باب مقر الشرطة في البلدة التي صدر فيها الحكم الأول في محل وقوع الجريمة وفي موطن طالب الإعادة وفي الموطن الأخير للمحكوم عليه، وفي الجريدة الرسمية، وفي جريدتين يعينهما صاحب الشأن، وذلك بناءً على طلبه أو طلب النيابة العامة، وتنص المادة (468): (إذا ألغي الحكم بناءً على إعادة النظر) ترتب على ذلك من خلال النظر في نصوص القانون يتبين طرق الطعن في الأحكام الصادرة من المحكم إذا كانت تلك الأحكام مبنية على شهادة الشهود، وثبت على الطعن في تلك الأحكام وسلطة المحكمة في الحكم.

المطلب الثالث
الرجوع عن الشهادة بعد الحكم والتنفيذ
إذا أدلى الشهود بشهادتهم ثم رجعوا عن شهادتهم بعد التنفيذ فما أثر ذلك على الحكم والشهادة؟
اختلف الفقهاء على قولين، القول الأول: ذهب إلى أن رجوع الشهود بعد التنفيذ لا أثر له على الحكم فلا ينقض. قال بهذا الزيدية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، والإمامية.
أدلتهم:
1-    لأن هذا الحكم قد أكد بالتنفيذ إما بنقل الملكية، أو بتطبيق العقوبة.
2-    لأن الشهادة والرجوع عنها سواء في احتمال الصدق والكذب، إلا أن الأول ترجح بالقضاء، فلا ينقض بالثاني.
3-    لوجود الشهادة على وجه التعدي وأنه موجب للضمان كحافر البئر، ولا وجه إلى تضمين المدعي لأن الحكم ماض.
4-    لاحتمال الكذب في رجوعهم.
5-    لأن آخر كلامهم يناقض أوله، فلا يُنقض الحكم بالتناقض، ولأنه في الدلالة على الصدق مثل الأول، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به.
القول الثاني: ينقض الحكم برجوع الشهود. قال بهذا سعيد بن المسيب، والأوزاعي، وابن حزم، والشوكاني، وحجتهم أنهم برجوعهم غير شهود.
المناقشة:
ناقش الإمام الماوردي قولهم «بأنه فاسد من وجهين، أحدهما: أن الرجوع مخالف للشهادة فلا تخلوا إحداهما من الكذب فصار كل واحد من الشهادة والرجوع محتملاً للصدق والكذب، وقد اقترن بالشهادة حكم واستبقاء، ولم يجز نقضها لرجوع محتمل، والثاني: أن الشهادة إلزام والرجوع إقرار، بدليل أنه وارد بغير لفظ الشهادة والإقرار لازم في حق المقر دون غيره فلم يجز أن ينقض به الحكم لأنه يصير إقراره إلزاماً لغيره».
موقف القانون اليمني: نص قانون الإثبات في المادة (52): «إذا كان المنفذ به حداً أو قصاصاً وألغي الحكم ضمن الراجع أرش الحد أو القصاص إلا أن يقر بأنه تعمد الحد أو القتل بشهادته، فيحد ويقتص منه» ويظهر من النص أن المشرع اليمني أخذ بالقول الثاني وأجاز نقض الحكم برجوع الشهود بعد التنفيذ.

المبحث الثالث
الآثار المترتبة على الرجوع عن الشهادة في جرائم الحدود
قبل التعرض لأثر الرجوع عن الشهادة في جرائم الحدود ينبغي أن أتطرق لمفهوم جرائم الحدود ونصاب الشهادة في جرائم الحدود.
الحد في اللغة: أصل الحد والفصل بين الشيئين فكأن فصل حدود الشرع، والحد هو الحاجز بين السبيلين، وحد الشيء منتهاه، وحده أقام عليه الحد.
الحد اصطلاحاً: هو العقوبة المقررة حقاً لله تعالى، أو هو العقوبة المقررة لمصلحة الجماعة.
تعريف القانون اليمني لجرائم الحدود: هي ما بيّن عقوبتها نص شرعي وكانت حقاً خالصاً لله.
وجرائم الحدود عند جمهور الفقهاء: هي سبعة حدود «حد الزنا، والقذف، والشرب، والسرقة، والحرابة، والبغي، والردة» وهي ذاتها في القانون اليمني.
ويخرج بعض الفقه كالظاهرية حد البغي، ويضيف حد العارية، ويضيف بعض الفقه كالشيعة الإمامية حد اللواط، والمساحقة، وأضاف الزيدية حد السحر.
نصاب الشهادة في جرائم الحدود: يتطلب الفقه الإسلامي لإثبات جرائم الحدود شاهدين رجلين باستثناء جريمة الزنا، فيجب لإثباتها توافر أربعة شهود ذكور؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، واشتراط الذكورة في شهود جرائم الحدود هو مذهب جمهور الفقه الإسلامي وخالفهم في ذلك ابن حزم الظاهري.
موقف القانون اليمني: نص قانون الإثبات اليمني على أن نصاب الشهادة في الحدود هي:
1-    في الزنا أربعة رجال.
2-    في بقية الحدود رجلان أو رجل وامرأتان.
وهو موقف مخالف لما هو عليه جمهور الفقه الإسلامي، وقد تعرض القانون للنقد مما حدا بالمشرع إلى تعديل النص على النحو الآتي:
1-    في الزنا أربعة رجال.
2-    في سائر الحدود رجلان.
وبهذا التعديل ساير القانون اليمني جمهور الفقه الإسلامي في اشتراط الذكورة لإثبات جرائم الحدود، وهو تعديل موفق.
وسيشتمل هذا المبحث على ثلاثة مطالب على النحو الآتي:
المطلب الأول
أثر رجوع الشهود على الضمان قبل الحكم
الفرع الأول
أثر رجوع الشهود في جرائم الحدود بشكل عام
سبق القول في المبحث السابق إن رجوع الشهود قبل إصدار القاضي للحكم يوجب عليه عدم إعمال الشهادة وهو قول جمهور الفقه الإسلامي الزيدية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية والظاهرية وخالفهم أبو ثور كما سبق، ومن ثم إذا حكم القاضي بعد رجوع الشهود فلا يلزم الشهود الضمان، استدل جمهور الفقهاء بالآتي: 
1-    إن الشهادة لا تكون حجة إلا بالقضاء، فلا تقع سبباً للإتلاف بدون الحكم.
2-    إن الشهادة شرط للحكم فيشترط استدامتها إلى انقضائه كعدالتهم.
3-    لأن الحق إنما يثبت بالقضاء والقاضي لا يقضي بكلام متناقض.
وبهذا فإن رجوع الشهود قبل الحكم يوجب على القاضي عدم العمل بشهادتهم، لكن إذا أعمل القاضي شهادتهم ولم يلتفت إلى رجوعهم فما الحكم ومن يلتزم بالضمان؟
الجواب: إذا حكم القاضي بعد رجوع الشهود فإن حكمه باطل يجب نقضه، لأن الشهادة شرط الحكم وقد زالت قبل الحكم فلم يعد له أساس يركن إليه، وهذا قول جمهور الفقه الإسلامي، وهو ما اعتد به المشرع اليمني، حيث اعتبر الحكم بعد رجوع الشهود باطلاً، وأوجب محاكمة القاضي إذا حكم بعد رجوع الشهود، ويطعن في الحكم بالتماس إعادة النظر، حيث تنص المادة (304) من قانون المرافعات: «لا يجوز للخصوم اتباع التماس إعادة النظر في الأحكام إلا عند تحقق إحدى الحالات التالية: (2) إذا كان الحكم قد بني على شهادة، أو يمين قضي بعد صدوره بأن الشهادة زور، أو بأن اليمين كاذبة»، كما أجاز المشرع اليمني مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة إذا توافر سبب من أسباب دعوى المخاصمة وهي:
1-    إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة غش في عمله القضائي.
2-    إذا وقع منه خطأ مهني جسيم.
3-    إذا امتنع صراحةً أو ضمناً عن النظر في الدعوى، أو الفصل فيها بدون عذر شرعي.
4-    إذا اعترف القاضي أنه تعمد الجور في حكمه، أو أنه قضى بغير الحق، أو بناءً على رشوة.
وتتبع الإجراءات التي نص عليها قانون المرافعات في مخاصمة القضاة وإذا ثبت صحة الدعوى المرفوعة على القاضي فقد نصت المادة نصت المادة (153) مرافعات على الآتي: «3- إذا ثبت لهيئة الحكم صحة دعوى المخاصمة فتحكم للمدعي بالتقويض المناسب، وبنفقات المحاكمة وببطلان الحكم وأي عمل قضائي متعلق به، وبإيقاف القاضي أو عضو النيابة عن العمل، وإحالته إلى مجلس القضاء لإيقاع العقوبة التي يراها مناسبة»، ونص قانون الإثبات في المادة (52) «إذا كان الرجوع بعد الحكم جاز للمشهود عليه طلب إعادة النظر في الحكم وإذا ألغى القاضي الحكم فيضمن الراجع ما نفذ وتعذر إرجاعه، ويعاقب بعقوبة شاهد الزور».
من نصوص القانون يظهر بطلان حكم القاضي إذا حكم بعد رجوع الشهود عن شهادتهم، وهو قول جمهور الفقهاء كما يظهر من النص أن الضمان على القاضي إضافة إلى إيقافه عن عمله، وإحالته إلى مجلس القضاء لإيقاع العقوبة عليه.
الفرع الثاني
أثر رجوع شهود الزنا قبل الحكم
ما سبق هو أثر رجوع الشهود قبل الحكم على الضمان في جرائم الحدود بشكل عام، لكن ما هو الأثر لرجوع شهود جريمة الزنا، هل يحدونهم للقذف باعتبارهم قاذفين؟
أ-    إذا رجع الأربعة الشهود، اختلف الفقهاء على قولين، القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا رجع الشهود عن شهادتهم في جريمة الزنا بما يخرم نصاب الشهادة فإنهم يحدون للقذف إذا رجع الأربعة جميعهم، أما إذا رجع من لا ينخرم برجوعه النصاب فلا يحد لأن المقذوف غير عفيف.
أدلتهم: من الكتاب قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، ومن السنة روي عن عبدالرحمن بن أبي بكر أن أبا بكرة وزياداً ونافعاً وشبل بن معبد كانوا في غرفة والمغيرة في أسفل الدار فهبت ريح ففتحت الباب ورفعت الستر فإذا المغيرة بين رجليها، فقال بعضهم لبعض: قد ابتلينا فذكر القصة قال: فشهد أبو بكرة ونافع وشبل وقال زياد لا أدرى نكحها أم لا، فجلدهم عمر رضي الله عنه إلا زياداً، فقال أبو بكرة رضي الله عنه: أليس قد جلدتموني؟ قال: بلى. قال: فأنا أشهد بالله لقد فعل. فأراد عمر أن يجلده أيضاً، فقال على: إن كانت شهادة أبي بكرة شهادة رجلين فارجم صاحبك وإلا فقد جلدتموه.
من المعقول: كما أنه إذا لم يكتمل عدد شهود الزنا، فإنهم يحدون باعتبارهم قاذفين، لأنه كان يجب عليهم التثبت، القول الثاني: لابن حزم الأندلسي، إن الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم في جريمة الزنا فلا يحدون، وعلل رأيه بأنه لم يرد في نص صريح الكتاب أو السنة بجلد الشاهد في الزنا.
ب- رجوع شاهد واحد: حد الأربعة هو في حال ما إذا رجع جميعهم، لكن إن رجع أحدهم وبقي الآخرون على شهادتهم هل يحد من بقي على شهادته؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال، القول الأول: يحد من رجع فقط، وهذا مذهب الزيدية، والشافعية، والإمامية.
أدلتهم: لأن من رجع مقر على نفسه بالكذب، أما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم، القول الثاني: يحد الثلاثة الباقين على شهادتهم، وبهذا قال الإمام الحنابلة.
أدلتهم: لأنه إذا رجع قبل الحد فهو مخالف كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله، فيسقط عنه الحد، كما أنَّ درء الحد عنه تمكين له من الرجوع خوفاً من الحد، فتفوت المصلحة، القول الثالث: يحد من رجع ومن بقي على شهادته، وهذا مذهب مالك.
أدلتهم: لأنه نقص عدد الشهود فتلزمه الحد كما لو كانوا ثلاثة، وجلد الشهود الراجعين في شهادتهم، هو العقوبة الأصلية، وهناك عقوبة تبعية هي عدم قبول شهادتهم إن تعمدوا الكذب، أما إذا قالوا: غلطنا فوجهان، أحدهما: المنع، لأنهم معذورون وأصحهما حدهم للقذف. 
رجوع شهود الإقرار على جريمة الزنا: ما سبق يتعلق برجوع شهود الزنا، أما رجوع شهود الإقرار على الزنا كأن يقر شخص بجريمة الزنا وشهد الشهود على الإقرار ثم رجعوا عن شهادتهم، لأنهم لم يقذفوه، وإنما شهدوا عليه.
موقف القانون اليمني من رجوع الشهود عن جريمة الزنا: نصت المادة (52) من قانون الإثبات اليمني على أنه:
أ-    إذا كان الرجوع قبل الحكم فلا يحكم بالشهادة، ويكون الحكم بها بعد الرجوع باطلاً ويحاكم القاضي إذا كان الرجوع في مجلسه، وهذا الحكم عام في جميع الوقائع التي يتطلب لإثباتها شهادة الشهود، ومنها جريمة الزنا، ونص قانون العقوبات في الفقرة (4) من المادة (266) على أنه:
«يسقط حد الزنا وما في حكمه إذا توافرت حالة من الحالات الآتية:.... 4- اختلال الشهادة أو تخلف شرط من شروطها، أو الرجوع فيها قبل التنفيذ.
من نصي قانون الإثبات والعقوبات يظهر أن المشرع اليمني اقتصر على النص على أثر رجوع شهود الزنا قبل الحكم والتنفيذ على الحكم والشهادة، ولم يتعرض لأثر الرجوع على الشهود أنفسهم، لكن نص المادة (289) من قانون العقوبات أشار بشكل غير صريح إلى حد من رجع من الشهود وذلك في تعريفه لمفهوم القذف «بأن كل من قذف محصناً بالزنا أو بنفي نسب وعجز عن إثبات ما رماه به يعاقب بالجلد ثمانين جلدة حداً»
المطلب الثاني
أثر الرجوع عن الشهادة بعد الحكم
المسألة هنا تتعلق بأثر رجوع الشهود في جرائم الحدود بعد إعمال القاضي لشهادتهم وإصدار الحكم على أساسها وتنفيذه، ومن ثم فإن الكلام في هذا المطلب سيكون حول أثر الرجوع على الحكم وأثره على الشهود وذلك في فرعين.
الفرع الأول
أثر الرجوع على الحكم
فيما يخص الحكم، وما أثر الرجوع عليه وهل ينقض الحكم أم لا ينقض، ويقتصر أثر الرجوع بالرجوع على ضمان الشهود فحسب؟
للإجابة على هذا السؤال يستلزم الأمر استقراء آراء الفقهاء حول أثر رجوع الشهود بعد التنفيذ على الحكم، وما هو موقف القانون اليمني من ذلك؟
باستقراء آراء الفقهاء حول أثر رجوع الشهود بعد الحكم والتنفيذ على الحكم وجدتهم على قولين، القول الأول: وهو لجمهور فقهاء الزيدية، والحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية، ذهبوا فيه إلى القول بعدم نقض الحكم بعد تنفيذه في جرائم الحدود.
أدلتهم: 
1-    إن الحكم قد تأكد بالاستيفاء.
2-    لأن الشهود على سواء في احتمال الصدق والكذب إلا أن الأول ترجح بالقضاء فلا ينقض.
3-    لأن الشهادة قد اقترن بها حكم واستيفاء.
القول الثاني: ذهب الأوزاعي وسعيد بن المسيب، وابن حزم، والشوكاني إلى القول بنقض الحكم بعد التنفيذ، وعللوا ذلك بأنهم برجوعهم غير شهود، وناقش الإمام الماوردي تعليلهم «بأنه فاسد من وجهين، أحدهما: أن الرجوع مخالف للشهادة فلا يخلو أحدهما من الكذب، فصار كل واحد من الشهادة والرجوع محتملاً الصدق والكذب، وقد اقترن بالشهادة حكم واستيفاء، ولم يجز نقضها برجوع محتمل، والثاني: أن الشهادة إلزام والرجوع إقرار، بدليل أنه وارد يعتبر لفظ الشهادة والإقرار لازم في حق المقر دون غيره، فلم يجز أن ينقض به الحكم، لأنه يصير إقراره إلزاماً لغيره.
موقف القانون اليمني: نص قانون الإثبات في المادة (52) الفقرة (ج): «إذا كان المنفذ به حداً أم قصاصاً وألغي الحكم ضمن الراجع أرش الحد أو القصاص، إلا أن يقر بأنه تعمد الحد أو القتل بشهادته فيحد أو يقتص منه»، ويظهر من النص أن المشرع اليمني قال بنقض الحكم بعد التنفيذ، وهو بهذا أخذ بالقول الثاني.
الفرع الثاني
أثر الرجوع بعد التنفيذ على «الضمان»
الرجوع عن الشهادة إمّا أن يكون بقول الشهود: تعمدنا الزور، أو بقولهم: أخطأنا، أو بإقرارهم تعمد الشهادة وادعاء جهل الأثر المترتب عليها بكون التعمد من بعض الشهود وخطأ من البعض الآخر:
أ-    أن يرجع الشهود ويدَّعوا الخطأ في الشهادة، إذا كان الرجوع بهذه الكيفية فقد أجمع الفقهاء على أنه لا يقتص من الشهود وإنما يضمنون بالدية أو الأرش في أموالهم، وليس على العاقلة لأن العاقلة لا تحمل اعترافاً، واستدل بالأثر المروي عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب- كرم الله وجهه– أنه شهد عنده رجلان على رجل بالسرقة فقطعه، ثم فقالا: أخطأنا ليس هذا هو السارق، فقال علي– رضي الله عنه-: «لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما».
ب- إذا قالوا تعمدنا الشهادة فما الحكم؟ إذا قالوا: تعمدنا في شهادتنا وأدّى ذلك إلى إتلاف نفس المشهود عليه أو إتلاف عضو من أعضائه فقد اختلف الفقهاء على قولين، القول الأول: لا يقتص من الشهود وإنما الدية المغلظة، وهو قول الحنفية، وجمهور المالكية.
أدلتهم:
1-    إن الشاهد إنما تسبب في القتل والتسبب لا يوجب القصاص، كحافر البئر، وإن المعتبر في القصاص المساواة، ولا مساواة بين السبب والمباشرة.
2-    لأنهم لم يباشروا القتل ولم يحصل منهم إكراه عليه.
3-    لأن المباشرة قطعت السبب.
4-    إن التسبب يعتبر شبهة والشبهة تدرأ الحدود.
القول الثاني: وجوب القصاص على من رجع من الشهود إذا أدت شهادتهم إلى إتلاف نفس أو ما دون النفس، وهو قول الزيدية، والشافعية، والحنابلة، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والأوزاعي.
أدلتهم:
1-    ما رواه الشعبي أن رجلين شهدا عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على رجل ثم جاءا بآخر فقالا: أخطأنا. فأبطل شهادتهما، وأخذ بدية الأول، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما.
    وجه الدلالة: إن قول الإمام علي كانه بمحضر من الصحابة فكان إجماعاً.
2-    قياس المتسبب على المباشر، لأن شهادته كانت السبب الذي حدى بالقاضي إلى الحكم.
3-    لأنهما ألجآ القاضي إلى قتله بغير حق، فلزمهما القود، كما لو أكرهاه على قتله.
المناقشة:
أ-    اعترض أصحاب القول الأول على ما استدل به أصحاب القول الثاني بأن قول الإمام علي كان على سبيل التهديد، كما ثبت من مذهبه– رضي الله عنه– أن اليدين لا يقطعان بيد واحدة.
ب- الشهادة تختلف عن الإكراه، لأن الإكراه يفضي إلى القتل غالباً، بعكس الشهادة فإنها لا تؤدي إلى ذلك في الغالب، فلا يصح قياس الشهادة على الإكراه.
    ترجيح الباحث: من خلال الأدلة التي استدل بها كلا الفريقين يظهر في قوة ما استدل به القول الثاني القائل بالقصاص، ممن رجع من الشهود؛ إذ القاضي يحكم بما يحضره من البينة فالقاضي إنما أعمل السبب، فقام السبب مقام المباشرة، كما إن في القول بعدم القصاص فتح باب الجريمة.
ج- أن يقروا بالتعمد ويدّعوا جهل الأثر المترتب على شهادتهم: إذا ما أقر الشهود بتعمد الشهادة وادّعوا الجهل بأن شهادتهم تؤدي إلى القتل، فإن الضمان باتفاق الفقهاء يتمثل في وجوب الدية المغلظة من أموالهم، وليس على العاقلة شيء، لاعترافهم والعاقلة لا تتحمل اعترافهم.
د-     أن يقرَّ بعض الشهود بالتعمد ويدعي البعض الخطأ: اختلف الفقهاء على قولين، القول الأول: يجب القصاص على من أقر بالعمد، والدية على من أقر بالخطأ، وتكون من ماله بمقدار قسطه من الدية، لأن كلاً من الشهود يؤخذ بإقراره، ولا يؤخذ بإقرار صاحبه. وبهذا قال فقهاء الزيدية، والشافعية في قول، والحنابلة في قول، والإمامية، القول الثاني: لا يجب القصاص وإنما تجب الدية المغلظة على المتعمد، وذلك بقدر قسطه من الدية، وعلى مدعي الخطأ قسطه من الدية المخففة، وبهذا قال الحنفية، والمالكية، والشافعية في قول، وهو قول للحنابلة، واستدلوا بالآتي: (لا قود على العامد لمشاركته الخاطئ).
ترجيح الباحث: أرجح القول الأول لتوفر القصد الجنائي في جانب العامد.
هـ- أن يقول الشاهد تعمدت وأخطأ صاحبي: لا قود على الجميع في الأصح.
و- أن يقر بعمد نفسه وجهل حال صاحبه: في هذه الحالة بعمل بقولهما في العمد والخطأ.
موقف القانون اليمني: نص قانون الإثبات في المادة (52) في الفقرة (ج): «إذا كان المنفذ به حداً أم قصاصاً وألغي الحكم ضمن الراجع أرش الحد أو القصاص، إلا أن يقر بأنه تعمد الحد أو القتل بشهادته فيحد أو يقتص منه»
من خلال النص يظهر أن المشرع اليمني أوجب الضمان «الأرش» على الراجع من الشهود إذا لم يقر بالعمد، ومن باب أولى إذا ادعى الخطأ، وأوجب الحد أو القصاص إذا أقر بالعمد، وبهذا فإن القانون اليمني أخذ بقول الزيدية والشافعية، وهو رأي موفق يتميز بالوضوح.

المطلب الثالث
رجوع المزكي وشهود الإحصان والزنا
الفرع الأول
حكم الرجوع عن الشهادة بالنسبة للمزكي
أولاً: مفهوم المزكي:
التزكية لغة: من زكى بمعنى نما وظهر، وصلح، ومدح، فزكى الرجل بمعنى صلح، وصار زكياً، زكى نفسه، أي مدحها وتزكية الشهود هي تعديلهم ووصفهم بأنهم أزكياء.
اصطلاحاً: هي إثبات عدالة الشهود، وصلاحهم لأداء الشهادة.
ثانياً: أثر رجوع المزكين عن تزكيتهم في الحدود بعد التنفيذ، وفيه قولان، القول الأول: لا ضمان على المزكي وبه قال الزيدية، والمالكية، وقول عند الشافعية، وقال به بعض الحنابلة.
أدلتهم:
1-    لأن التزكية خبرٌ لا شهادة، فلم تتعلق به جناية.
2-    لأن الحكم تعلق بشهادة الشهود ولا تعلق له بالمزكي.
3-    لأنه أخبر بظاهر حال الشهود، أما الباطن فلا يعلمه إلا الله.
القول الثاني: على المزكي الضمان، قال بهذا الحنفية، وقول للشافعية، وجمهور الحنابلة.
أدلتهم:
1-    إن التزكية في معنى الشهادة في وجوب الضمان، فلولا التزكية لما صدر الحكم من القاضي.
2-    المزكون بتزكيتهم ألجؤوا القاضي إلى إصدار الحكم المفضي إلى القتل، وهو إتلاف فلزم الضمان.
3-    إن المزكين شهدوا شهادة زور، اقتضت إلى كشهود الزنا إذا رجعوا.
ترجيح الباحث: أقول وبالله التوفيق: برجحان القول الأول لأن التزكية خبر والمزكي أخبر بظاهر حال الشاهد، أما باطنه فما يعلمه إلا الله، والحكم إنما استند إلى الشهادة وقام بها.
موقف القانون اليمني: أخذ القانون اليمني بالقول الأول القائل بعدم وجوب الضمان وهو مذهب الزيدية، والمالكية حيث نص على: «لا ضمان على المزكي والجارح».
الفرع الثاني
رجوع شهود الإحصان والزنا بعد التنفيذ
إذا رجع شهود الإحصان وشهود الزنا بعد تنفيذ الحكم فهل يجب عليهم الضمان برجوعهم؟
أ-    إذا رجع شهود الإحصان والزنا معاً: اختلف الفقهاء على قولين، القول الأول: يجب على شهود الإحصان الضمان، وهو مذهب الزيدية، وزفر وأشهب من الحنفية، والشافعية في وجه، وهو قول الحنابلة، ودليلهم على وجوب الضمان على شهود الإحصان والزنا هو أن الرجم وقع بمجموع شهادتهم شهود الإحصان وشهود الزنا، القول الثاني: لا ضمان على شهود الإحصان، قال بهذا الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية.
دليلهم: لأن شهادتهم في نفسها لا توجب حداً، ولأن الإحصان شرط كون الزنا علة والحكم للعلة لا للشرط.
ترجيح الباحث: يترجح لدي القول بوجوب الضمان لقوة أدلتهم، والله أعلم، والضمان هو الحد إذا أقر شاهدو الإحصان بالعمد، أما إذا قالوا: أخطأنا فالدية، وهنا يثور تساؤل حول مقدار الضمان؟
اختلف الفقهاء القائلين بوجوب الضمان على شهود الإحصان، على أربعة أقوال، القول الأول: يضمن شاهدا الإحصان ثلث الدية إذا كانا غير شهود الزنا، وثلثيها إذا كانا من شهود الزنا الأربعة، لأن القتل وقع بمجموع شهادتهم، وهو مذهب الزيدية، القول الثاني: يضمنا دية كاملة، وهو قول عند الحنابلة، القول الثالث: يضمنا نصف الدية، وهو قول عند المالكية، والحنابلة، القول الرابع: لا يضمنا وهو قول الحنفية، لأن شهادتهما كانت شرطاً وليست سبباً للرجم، فلم يشهدا بالزنا وإنما بالإحصان.
ترجيح الباحث: أرجح القول الثاني بوجوب الدية كاملة لثبات شهود الزنا على شهادتهم.
ب- إذا رجع شهود الإحصان ولم يرجع شهود الزنا، وفيه قولان، القول الأول: للزيدية، وفي وجه عند الشافعية، والحنابلة، الحالة الأولى: إذا كان شاهدا الإحصان غير شهود الزنا فعلى شاهدي الإحصان ثلث الدية وعلى شهود الزنا ثلثان، لأن القتل وقع بمجموع شهادتهم، والحالة الثانية: إذا كان شاهدا الإحصان من شهود الزنا الأربعة، يضمن شاهدا الإحصان الثلثان من الدية، لأن ثلثاً لزمهما لكونهما شهدا الإحصان وثلثها لكونهما شهدا بالزنا، القول الثاني: في وجه عند الشافعية، والحنابلة، يضمن شاهدا الإحصان نصف الدية وشهود الزنا نصفها الآخر، لأنه رجم بنوعين من البينة، الإحصان والزنا فقسمت الدية عليهما.
ترجيح الباحث: يترجح لدي القول الأول، لأن الرجم وقع بمجموع شهادتهم فيتحمل الشهود المسؤولية بالتساوي، والله أعلم.
ج- إذا رجع شهود الزنا دون شهود الإحصان: هنا يكون الضمان على شهود الزنا، لكن يثور تساؤل حول ضمان شهود الزنا إذا رجعوا بعد تطبيق الحد على المشهود عليه، وهذا التساؤل يتعلق بعدد من رجع من شهود الزنا في حال انخرام النصاب بمن رجع وذلك حين يكون شهود الزنا أكثر من أربعة، وكذلك في حال انخرام النصاب إذا كان الشهود هم النصاب.
أولاً: رجوع من لا ينخرم برجوعه النصاب: من المعلوم أن انخرام النصاب لا يكون إلا إذا كان عدد الشهود أكثر من أربعة، وذلك بأن يكونوا خمسة فأكثر فإذا ما رجع الشاهد الخامس فما الحكم؟ وهل يلزمه الضمان؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين، القول الأول: لا يلزم الراجع مع بقاء النصاب شيء، وهو مذهب الزيدية، والحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية.
أدلتهم:
1-    إن من شهد عليه أربعة ليس بعفيف.
2-    إن رجوع الزائد على النصاب لا يفوت الحجة.
القول الثاني: إن على الراجع قسطه من الدية إذا قال: أخطأنا، وإن قال: تعمدنا فعليه القصاص، وهو مذهب الحنابلة، وقول عند الشافعية.
أدلتهم:
1-    إن الإتلاف حاصل بشهادتهم، والراجع مقر بالمشاركة فيه عمداً وعدواناً لمن هو مثله في ذلك.
2-    لأن ما يضمنه محل واحد مع اتفاقهم على الرجوع يضمنه إذا انفرد بالرجوع، كما لو كانوا أربعة.
ثانياً: رجوع الشهود بما ينخرم به النصاب: يكون ذلك إذا كان عدد الشهود أربعة فإذا رجع شاهد أو شاهدان أو الجميع فما الحكم؟
إذا رجع شاهد واحد: إذا رجع الشاهد بعد التنفيذ بالحد وأقر بتعمد الشهادة زوراً، لزمه حد القذف إذا كان المشهود عليه غير محصن، فإن كان محصناً لزمه القصاص، وكذلك إن رجع أكثر من شاهد، أما إذا قال: أخطأت فربع الدية إذا رجم، ونصفها إن كانا اثنين، ثلاثة أرباع إن كانوا ثلاثة، وكذلك الأرش إذا جلد، وهو قول جمهور الفقهاء، وخالفهم زفر من الحنفية، وقال بعدم الحد على الشهود سواء من رجع عن شهادته، ومن ثبت عليه، وحجته: أنه تبين بعد رجوعهم بعد التنفيذ أن كلامهم وقع قذفاً من أوله فصار كما لو قذفوا ثم مات المقذوف، والقذف من الحقوق التي لا تنقل ميراثاً فسقط عنهم الحد.
المناقشة: إنه بالرجوع لا يظهر أن كلامهم كان قذفاً من حين وجوده وإنما يصير قذفاً وقت الرجوع، والمقذوف وقت الرجوع ميت قذفا بعد الموت يوجب الحد.
ترجيح الباحث: الراجح هو قول الجمهور لقوة أدلتهم.
موقف المشرع اليمني: في المادة (52) فقرة (ج) «إذا كان المنفذ به حداً أم قصاصاً وألغي الحكم ضمن الراجع أرش الحد أو القصاص، إلا أن يقر بأنه تعمد الحد أو القتل بشهادته فيحد أو يقتص منه»، ولم يشر المشرع إلى أثر رجوع شاهدا الإحصان بشكل صريح وإنما يفهم أنهما يأخذان حكم شهود الزنا إذ الحكم بالرجم يكون بشهادتهما مع شهود الزنا، ويدعم ذلك أن قانون العقوبات في تعديد مسقطات حد الزنا ذكر من ضمنها تخلف شرط من شروط الإحصان أو اختلاله، أو اختلال أحد شهوده، وبهذا يكون حكم رجوعهما حكم رجوع شهود الزنا، لكن المشرع لم ينص على مقدار الضمان، ونصت المادة (379) على عقوبة شاهد الزور «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بالغرامة، الشاهد الذي يدلي بعد حلف اليمين أمام المحكمة بأقوال غير صحيحة، أو يكتم كل، أو بعض ما يعلم من وقائع الدعوى.....، وإذا ترتب على الشهادة الحكم على متهم بعقوبة أشد لكون عقوبة الشاهد الزور هي العقوبة المقررة للجريمة التي حكم على المتهم فيها، ولو لم ينفذ الحكم في الحقيقة قبل صدور الحكم في موضوع الدين الذي أدى فيه الشهادة، وإذا ترتب على شهادة الزور الحكم على متهم بعقوبة الإعدام أو الرجم، أو القطع، تكون عقوبة شاهد الزور الحبس مدة لا تزيد على سبع سنوات، إذا لم ينفذ الحكم، أما إذا نفذ الحكم فعلاً فتكون عقوبة الشاهد الزور هي الإعدام أو الرجم، أو القطع»، ومن النص يتضح الآتي: 
عقوبة شاهد الزور: الحبس الذي لا يزيد على ثلاث سنوات، أو الغرامة فإذا ترتب على شهادة الزور الحكم على المتهم بعقوبة تزيد على ثلاث سنوات فإن عقوبة شاهد الزور تتمثل في الآتي:
أولاً: إذا نفذ الحكم: تكون عقوبة شاهد الزور نفس العقوبة المحكوم بها على المتهم.
ثانياً: إذا لم ينفذ الحكم: تكون العقوبة هي العقوبة المحكوم بها على المتهم، إلا إذا كانت العقوبة هي الإعدام، أو الرجم، أو القطع، فإن عقوبة شاهد الزور تكون الحبس الذي لا تزيد مدته على سبع سنوات. ومقتضى ذلك أنه لو حكم على المتهم بعقوبة الحبس أكثر من سبع سنوات ولم ينفذ الحكم عليه فإن عقوبة شاهد الزور هي نفس العقوبة، فإذا كانت العقوبة هي الإعدام، ولم ينفذ فتكون عقوبة شاهد الزور سبع سنوات، وبالتالي يصبح وضع شاهد الزور إذا ترتب على شهادته الحكم بالإعدام أو الرجم أو القطع، أفضل مما إذا شهد بشهادة ترتب عليها الحكم على المتهم بالحبس أكثر من سبع سنوات ولم ينفذ الحكم، وانتقد شراح القانون النص.
العفو من العقوبة: أعطى المشرع اليمني القاضي سلطة تقديرية في العفو عن العقوبة إذا رجع عن الشهادة قبل صدور الحكم، وكان الأولى أن يكون العفو وجوبياً، ليتيح للشاهد بحال الرجوع عن الشهادة إذا علم إنه لن تضيق عليه العقوبة.

الخاتمة
أحمد الله على توفيقه لي، في إتمام هذا البحث، وما أصبت فيه فمن الله، وما أخطأت فمن نفسي، ورغم الصعوبات التي واجهتها خاصة عدم السعة في الوقت المحدد للبحث إلا أني بذلت الوسع واستفرغت الجهد لإنهائه، مع الشعور بالقصور فالكمال لله، وقد توصلت فيه إلى النتائج التالية:
١- تعتبر الشهادة أهم وسائل الإثبات في شتى الخصومات.
٢- الرجوع عن الشهادة معناه كل قول أو فعل يدل على رجوع الشاهد عن شهادته التي أداها أمام القضاء.
٣- الرجوع عن الشهادة مشروع، ويكون واجباً إذا كانت الشهادة كاذبة.
٤- ركن الرجوع هو قول الشاهد: رجعت فيما شهدت به، ويشترط أن يكون في مجلس القاضي للحكم بالضمان، وأن يكون عن إرادة حرة.
٥- الرجوع إما أن يكون صريحاً أو ضمنياً، ومن الصريح أن يقول الشاهد: رجعت عن شهادتي، أو كذبت، أو شهدت بزور، أو يقول: أخطأت، والرجوع الضمني امتناع الشهود عن الرجم في جريمة الزنا وهو ما أخذ به القانون اليمني وما رجحناه، أما أمر الشهود للقاضي بالتوقف عن الحكم بعد الشهادة أو ادعاؤهم الفسق بعد أدائهم للشهادة فلا يعتبر ذلك رجوعاً.
٦- لا يعتد برجوع الشاهد عن رجوعه عن شهادته، لحصول الشك في رجوعه عن رجوعه الأول وهو ما أخذ به المشرع اليمني.
٧- الرجوع عن الشهادة له أوقات ثلاثة، الرجوع قبل الحكم، الرجوع بعد الحكم قبل التنفيذ، الرجوع بعد التنفيذ، فإذا رجع الشاهد قبل الحكم، فلا يعمل القاضي بشهادته، لأن الشهادة شرط الحكم فيشترط استدامتها، واذا كان الرجوع بعد الحكم فإما أن يكون المحكوم به مالاً أو يكون حداً أو قصاصاً، فإذا كان المحكوم به مالاً فلا يعتد برجوع الشاهد، وإذا كان المحكوم به قصاصاً،  فتسقط الشهادة وينقض الحكم، أما إن كان الرجوع بعد التنفيذ، فلا ينقض الحكم.
٨- إذا رجع الشهود قبل الحكم في جرائم الحدود، فلا ضمان على من رجع، فإن حكم القاضي بعد رجوعه فإن قضائه باطل، ويحاكم القاضي إن كان الرجوع في مجلسه.
٨- إذا رجع شهود الزنا قبل الحكم فيحدون للقذف، أما إذا رجع من لا ينخرم برجوعه النصاب فلا يحد، وإذا رجع شاهد واحد، فيحد من رجع فقط.
٩- إذا رجع شهود الإقرار على جريمة الزنا فلا يحدون لأنهم لم يقذفوا وإنما شهدوا عليه.
١٠- إذا رجع الشهود بعد الحكم في جرائم الحدود فإن الحكم ينقض، سواء نفذ الحكم أو لم ينفذ، وهو الراجح وبه أخذ القانون اليمني.
١١- إذا ادعى الشهود الخطأ يضمنون الدية في أموالهم.
١٢- إذا قالوا: تعمدنا الشهادة، فيقتص منهم.
١٣- إن أقروا بالتعمد وادعوا الجهل بأن شهادتهم تؤدي إلى القتل، فيجب عليهم الدية المغلظة من أموالهم.
١٤- إن أقر البعض بالتعمد وادعى البعض الخطأ، فيجب القصاص على المقر بالعمد والدية على مدعي الخطأ.
١٥- لا ضمان على المزكي.
١٦- يجب الضمان على شهود الإحصان.
١٧- إذا رجع شهود الإحصان ولم يرجع شهود الزنا، فإن كان شهود الإحصان غير شهود الزنا فعلى شهود الإحصان ثلث الدية، وعلى شهود الزنا ثلثا الدية لأن الحد وجب بمجموع شهادتهم، وإن كان شاهدا الإحصان من شهود الزنا فيضمن شاهدا الإحصان الثلثان من الديه ثلثها لكونهما شهدا بالإحصان والثلث الآخر لكونهما شهدا بالزنا.
١٨- إذا لم يرجع شهود الإحصان ورجع شهود الزنا فالضمان على شهود الإحصان، ويكون مقدار الضمان على النحو الآتي: إذا رجع الشاهد الخامس فلا يضمن. لأن من شهد عليه أربعة فليس بعفيف،  فإن رجع شاهد من الشهود الأربعة أو شاهدان أو ثلاثة أو الأربعة، فإن رجع واحد وأقر بالعمد ورجم المشهود عليه اقتص منه، وإن جلد المشهود عليه حد الشاهد للقذف، وهو حكم من زاد على الشاهد، أما إن ادعى الخطأ فالدية أو أرش الجلد، فإذا رجع شاهد فعليه ربع الدية، ونصفها إن كانوا اثنين، وثلاثة أرباع الدية إن كانوا ثلاثة.

١٩- أعطى المشرع اليمني سلطة تقديرية للقاضي بإعفاء من رجع من الشهود عن شهادته في جرائم الحدود من العقوبة، وكان الصواب أن يكون العفو وجوبياً.
التوصيات:
١-    ينبغي على المشرع اليمني، معالجة الآثار المترتبة على الرجوع عن الشهادة في نصوص قانونية، تكون أكثر وضوحاً من النصوص الحالية الموغلة في العمومية، كما أهيب بالمشرع إعادة النظر في نص الماد(١٧٩) من قانون العقوبات التي تعالج عقوبة جريمة شاهد الزور، وذلك بأن يلغي سلطة القاضي التقديرية، ويوجب عليه الحكم بالعفو عن الشاهد إذا رجع عن شهادته قبل إصدار الحكم، ليمكنه من الرجوع وهو مطمئن إلى أنه لن يعاقب على رجوعه.
٢-     أهيب بأساتذة القانون وشراحه أن يولوا في مؤلفاتهم الرجوع عن الشهادة الأهمية التي تتمتع بها الشهاد كدليل من أدلة الإثبات، وذلك بأن تكون دراستها أكثر تفصيلاً، لا أن يعدوا شرحاً عن ما نص عليه القانون.
٣-    أوصي بتعميم منشورات تعلق في مقار المحاكم والنيابات، تبين فيها الآثار المترتبة على الرجوع عن الشهادة.

 


              
قائمة المراجع
-    ابن أبي شيبة، عبدالله بن محمد، المصنف في الأحاديث والآثار، مكتبة الرشيد الرباط، ط١، 1409هـ.
-    ابن المرتضى، أحمد بن يحيى، البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، ط1، مؤسسة الرسالة بيروت، 1394هـ- ١٩٧٥م.
-    ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السكندري، شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت.
-    ابن عابدين، محمد بن عمر، حاشية رد المحتار، دار الفكر للطباعة والنشر، ٢٠٠٠م، ١٤٢١هـ‍.
-    ابن عبدالبر، أبو يوسف بن عبدالله بن محمد، الكافي في فقه أهل المدينة، تحقيق محمد محمد حيدر، ط2، ١٩٨٠م، ١٤٠٠ه.
-    ابن قدامة، عبدالرحمن بن إبراهيم بن أحمد، العدة شرح العمدة، دار الكتب العلمية، ط2- 1426ه-2000م.
-    ابن قدامة، عبدالرحمن بن محمد بن أحمد، الشرح الكبير، المكتبة الشاملة.
-    ابن قدامة، عبدالله بن أحمد، الكافي في فقه أحمد بن حنبل، المكتبة الشاملة.
-    ابن قدامة، عبدالله بن أحمد، المغني، ط/1، 1405ه.
-    ابن مازه، محمد بن أحمد بن الصدر الشهيد، المحيط البرهاني، دار إحياء التراث العربي، ط2.
-    ابن مظفر، عماد الدين بن يحيى بن أحمد، البيان الشافي، مكتبة غمضان، الناشر مجلس القضاء الأعلى.
-    ابن مفتاح، أبو الحسن عبدالله بن أبي القاسم، شرح الأزهار، مكتبة غمضان، ١٤٠١هـ.
-    ابن مفلح، محمد، الفروع، ط1، عالم الكتب، بيروت، ١٣٨٨هـ. 
-    ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين بن مكرم، لسان العرب، ط٢، دار إحياء التراث العربي.
-    ابن نجيم، زين الدين الحنفي، البحر الرائق شرح الدقائق، دار المعرفة بيروت.
-    الأنصاري، زكريا بن محمد بن أحمد، أسنى المطالب، تحقيق محمد تامر، دار الكتب العلمية، ٢٠٠٠م- ١٤٢٢هـ.
-    البخاري، أبوعبدالله محمد بن محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، 
-    برهان الدين مازه، محمود بن أحمد الصدر، المحيط البرهاني، دار إحياء التراث العربي.
-    البعيث، خالد محمد عبدالله بعيث، الرجوع عن الشهادة، رسالة ماجستير.
-    البهوتي، منصور بن يونس بن ادريس، كشاف القناع، دارالفكر، ١٤٠٢هـ.
-    البيهقي، ابو بكر احمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر، دار الكتب العلمية، ط3-2003م. 
-    التسولي، أبو الحسن بن علي بن عبدالسلام، البهجة في شرح التحفة.
-    الجوهري، إسماعيل بن محمد، الصحاح.
-    الحجاوي، شرف الدين بن موسى، الإقناع في فقه أحمد بن حنبل، دار المعرفة بيروت.
-    الخطاب، محمد، مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل، 
-    الخياري، عبدالله بن علي، حجية الشهادة في الإثبات، الناشر مركز الأمين.
-    الدسوقي، محمد عرفه، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر.
-    الدمشقي، عبدالغني الغنيمي، اللباب في شرح الكتاب، دار الكتب العربي.
-    الدمياطي، محمد سطا، حاشية إعانة الطالبين، دار الفكر بيروت.
-    الرازي، محمد بن ابي بكر عبد القادر، مختار الصحاح، دار الحديث
-    الرملي، شهاب الدين محمد بن ابي العباس، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الفكر للطباعة والنشر، ١٩٨٤م.
-    زاده، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان، ملتقي الأبحر، دار الكتب العلمية، ١٩٩٨م- ١٤١٩هـ.
-    الزبيدي، محمد بن محمد الحسني، تاج العروس، دار الهداية، ط١.
-    الزحيلي، محمد، وسائل الإثبات، مكتبة دار البيان، ط2-1414ه-1994م.
-    الزحيلي، وهبه، الفقه الإسلامي وأدلته، ط٤، دار الفكر، سورية.
-    الزركلي، خيرالدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الأعلام، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشرة، 2002م.
-    الزنداني، عبدالناصر، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، ط٥، الناشر مركز الصادق.
-    الزيلعي، فخرالدين عثمان بن علي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. 
-    السرخسي، محمد بن أحمد أبي سهيل، المبسوط، ط١، دار الفكر للطباعة والنشر بيروت، ٢٠٠٠م- ١٤٢١هـ.
-    السعدي، علي بن الحسين، النتف في الفتاوي، تحقيق صلاح الدين الناهي، مؤسسة الرسالة بيروت، ١٩٨٤م- ١٤٠٤ه.
-    السنهوري، عبدالرزاق، الوسيط في شرح القانون المدني، ١٩٥٦م.
-    الشامي، احمد محمد، شرح قانون الإثبات اليمني، ط١، الجيل الجديد، ٢٠١١م.
-    الشربيني، محمد الخطيب، مغني المحتاج إلى معرفة معاني الفاظ المنهاج، دار الفكر.
-    الشرواني، عبدالحميد المكي، حواشي الشرواني، دار الفكر.
-    الشوكاني، محمد بن علي، السيل الجرار المتدفق علي حدائق الأزهار، ط١، دار الكتب العلمية، ١٤٠٥هـ.
-    الشيخ نظام، أبو الظفر محيي الدين بن محمد، الفتاوي الهندية، دار الفكر، ١٩٩١م- ١٤١١هـ.
-    الشيرازي، أبو اسحاق ابراهيم بن علي، المهذب في فقه الامام الشافعي، المكتبة الشاملة.
-    الصاوي، أحمد بن محمد الخلوتي، حاشية الصاوي على الشرح الصغير. 
-    الصنعاني، عبدالرزاق بن همام، المصنف، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2
-    الضبي، أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد، اللباب في الفقه الشافعي، ط١، دار البحار المدينة المنورة، ١٤١٦هـ.
-    الضبياني، صالح بن عبدالله، القضاء والإثبات في الفقه الإسلامي والقانون اليمني.
-    الطحاوي، أحمد الطحاوي، حاشية الطحاوي، دار المعرفة بيروت، ط1975م.
-    الطرابلسي، شمس الدين، مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل، دار الكتب العلمية، ٢٠٠٠م- ١٤٢٣هـ.
-    العاصمي، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، حاشية الروض المربع، ط١، ١٣٧٩هـ.
-    العاملي، زين الدين بن علي، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، دار العالم الإسلامي بيروت. 
-    العبدري، محمد بن يوسف بن القاسم، التاج والإكليل، ١٣٨٩هـ.
-    العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري. 
-    العنسي، أحمد بن قاسم، التاج المذهب لأحكام المذهب، ط١، ١٩٤١م- ١٣٦٦هـ.
-    عودة، عبدالقادر، التشريع الجنائي الإسلامي، دار التراث للطباعة والنشر.
-    الغزالي، أبو حامد، الوسيط، دار السلام، ١٤١٧هـ.
-    الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس، المحيط، دار الجيل، بيروت.
-    القرافي، شهاب الدين احمد بن إدريس، الذخيرة، دارالغرب، ١٩٩٤م.
-    الكاساني، علاء الدين بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط١، دار الكتاب العربي، ١٩٨٢م- ١٤٠٢هـ.
-    مالك، مالك بن أنس، بن عامر الأصبحي، المدونة، دار الكتب العلمية.
-    الماوردي، ابو الحسن، الحاوي الكبير في فقه الشافعي، ط١، دار الكتب العلمية، ١٩٩٤م- ١٤١٤هـ 
-    المقري، أحمد بن محمد بن علي، الصباح المنير، دار الفكر.
-    المنجد، دار المشرق بيروت، ط٤٢.
-    الموصلي، عبدالله بن محمود بن مودود، الاختيار لتعليل المختار، دار الكتب العلمية، ١٩٧٣م.
-    النووي، مجدالدين بن يحيى، روضة الطالبين، دار الفكر، 1450ه.
-    الهيتمي، شهاب الدين احمد بن حجر، تحفة المحتاج بشرح المنهاج، المكتبة الشاملة.