المقدمـــــة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آلة الطيبين الطاهرين، وبعد:
فإن موضوع الإعسار في القضايا الجنائية من المواضيع التي لم يسبق البحث فيها رغم وجود إشكالات نظرية في التشريع القانوني وأخرى عملية في الواقع القضائي، والحاجة قائمة إلى إيجاد معالجات للحد من مشكلة بقاء بعض المعسرين سنوات طويلة في الحبس على ذمة الحقوق الخاصة أو غيرها، ومما زاد من هذه المشكلة العملية في الواقع هو توجه القضاء اليمني نحو رفض سماع دعوى الإعسار في القضايا الجنائية، وأن المحكمة العليا قد أيدت هذا التوجه في بعض أحكامها المؤيدة لرفض سماع دعوى الإعسار، لاسيما في الحقوق الخاصة المتعلقة بالحكم الجنائي في واقعة خيانة الأمانة ونحوها، كما أن بعض أهل الخير يحجم عن المساعدة في هذه القضايا بحجة أن الدين المترتب عليها ناتج عن جريمة جنائية، وهو ما يمكن القول معه أن الواجب الشرعي يقتضي على العاملين في القضاء البحث في هذا الموضوع وإيجاد الحلول الشرعية والقانونية التي تساعد في حل هذه المشكلة والتخفيف من بقاء الكثير من المحابيس سنوات كثيرة في الحبس على ذمة الحقوق الخاصة رغم أنهم معسرون، لذلك فإن هذا البحث الموسوم «بأحكام الإعسار في الفقه الإسلامي والقانون اليمني» يعد مساهمة في إيجاد هذه الحلول ولإنجاز هذا البحث ووضع الحلول الشرعية والقانونية على هدى وبصيرة من الأمر فقد تم تقسيمه وتحديد موضوعاته في الفقه الإسلامي والقانون اليمني وفقاً للخطة الآتية:
• المبحث الأول: أحكام الإعسار في الفقه الإسلامي.
- المطلب الأول: مفهوم الإعسار وحكم حبس المدين المعسر في الفقه الإسلامي.
- المطلب الثاني: حكم الإعسار في الديات والأروش في الفقه الإسلامي.
- المطلب الثالث: حكم الإعسار في التعويض المتعلق بجريمة جنائية في الفقه الإسلامي.
• المبحث الثاني: أحكام الإعسار في القانون اليمني.
- المطلب الأول: مفهوم الإعسار وحكم حبس المدين المعسر في القانون اليمني.
- المطلب الثاني: حكم الإعسار في الديات والأروش في القانون اليمني.
- المطلب الثالث: حكم الإعسار في التعويض المتعلق بالجريمة الجنائية في القانون اليمني.
• الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات.
والله تعالى أسأله القبول والتوفيق والسداد إنه ولي ذلك والقادر عليه.
المبحث الأول
أحكام الإعسار في الفقه الإسلامي
المطلب الأول
مفهوم الإعسار وحكم حبس المعسر في الفقه الإسلام
في هذا المطلب سيكون الحديث عن تعريف الإعسار لغة واصطلاحاً وبيان حكم حبس المعسر في الفقه الإسلامي وفقاً لما يلي:
أولاً: تعريف الإعسار لغة واصطلاحاً:
تعريف الإعسار في اللغة: مصدر للفعل أعسر، يقال: أعسر فلان إذا افتقر، واستعسر الأمر إذا اشتد، والعُسرُ ضد اليُسر، فالإعسار يعني الضيق والشدة وقلة ذات اليد. ومصداق ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه وتعالى: ﴿فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً﴾ سورة [الشرح:6-5]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسراً﴾ [الطلاق:7]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:280].
أما تعريف الإعسار في الاصطلاح الشرعي: فإن فقهاء الشريعة الإسلامية قد تحدثوا عن الإعسار في النفقة والمهر والدين، وكذلك عند حديثهم عن الغارمين في باب الصدقات، ولا تخرج تعريفات فقهاء الشريعة للإعسار عن القول بعدم قدرة المدين على سداد المال الذي في ذمته، سواءً كان المال حقاً لله سبحانه وتعالى كالزكاة والنذر أو كان حقاً للعباد كالنفقة أو الدين، وزاد الحنابلة فيما يتعلق بالإعسار في النفقة القول بعدم القدرة على السداد بماله أو كسبه، ومن أحسن التعاريف ما جاء في شرح الأزهار بأن المعسر: من لا يملك شيئاً غير ما استثني له والمفلس من لا يفيء ماله بدينه.
والذي يظهر لي من خلال الاطلاع على تعريفات فقهاء الشريعة للمعسر أنه يمكن تعريف المعسر في الفقه الإسلامي بأنه: من حل أجل الدين الذي في ذمته وهو لا يملك من المال غير حاجته، ويستفاد من هذا التعريف ما يلي:
1- أن المعسر من لا يملك مالاً لسداد دينه عند حلول أجل الدين بدون حيلة ولا تعمد منه بالإعسار فإن تعمد أو احتال لم يعد معسراً.
2- أن الدين المتعلق بالإعسار يطلق على كل مال في ذمة المدين، سواءً كان أصله مالاً كالقرض أو مقابل عوض كثمن المبيع، أو لزم المدين باختياره كالكفالة والمهر وعوض الخلع، أو لزمه بغير اختياره كأرش الجناية وضمان المتلف والغرامة ونفقة الأقارب والزوجات.
3- أن المقصود بحاجة المدين ما استثناه الشرع من مال المعسر، وهو المال الذي لا يجوز الحجر عليه أو بيعه، كمسكنه وثيابه وآله حرفته أو كتب العلم الخاصة به فضلاً عن مطعمه ومشربه، مع خلاف بين العلماء بشأن ذلك.
ثانياً: حكم حبس المدين المعسر في الفقه الإسلامي:
قال ابن المنذر في كتاب الإجماع: وأجمعوا على أن يحبسوا في الديون وانفرد عمر بن عبد العزيز، فقال: يقسم ماله ولا يحبس، وأجمعوا على أن ما كان من دين للمفلس إلى أجل أن ذلك إلى أجله لا يحل بإفلاسه. وقد اتفق الفقهاء على عدم جواز حبس المدين المعسر إذا تبين إعساره بالبينة أو بالإقرار أو النكول عن اليمين، والواجب إنظاره إلى ميسرة لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة:280].
كما قرر بعض الفقهاء وهم الشافعية والإمامية جواز حبس المدين أو بيع ماله إذا تبين إيساره بالبينة أو بإقراره أو بنكوله عن اليمين، وذلك حتى يسلم ما في ذمته من دين بشرط حلول أجل الدين وثبوت المماطلة بالوفاء وطلب الدائن حبسه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) رواه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان، ويقصد بحل عرضه: شكايته وبعقوبته: حبسه، ويرى الحنابلة أنه: يحبس أولاً فإذا لم يسلم ما بذمته بيع ماله جبراً عنه، ويرى الحنفية والمالكية وجوب حبسه وعدم بيع ماله بدون رضاه، وذهب ابن حزم إلى عدم جواز حبسه وأن يباع كل ماله ويسدد دينه.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: إذا ادعى المدين الإعسار وله بينة، فهل تسمع البينة قبل الحبس أو بعده، وإذا لم توجد البينة على الإعسار أو الإيسار هل يحبس المدين أم أن لأحدهما طلب اليمين من الآخر؟، والجواب على الشق الأول: من السؤال أن فقهاء الشريعة مختلفون في ذلك فمنهم من يرى حبس المدين لاستظهار حاله قبل سماع الدعوى، وعلى هذا القول الزيدية والحنفية، والعلة من ذلك استبراء لحاله ومعرفه فقره من غناه، ولأن الحبس يضيق عليه فيضجر ويسلم ما في ذمته، ومنهم من يرى سماع البينة في الحال وعلى هذا القول الشافعية والحنابلة والمالكية، ويعللون ذلك بأن سماع هذه البينة مثل غيرها تسمع في الحال ولأن حبس الاستظهار ليس عليه دليل والحبس عقوبة.
والظاهر بأن حبس الاستظهار مسألة اجتهادية من باب السياسة الشرعية، وقد لا ينفع مع بعض الناس إلا حبسهم لتسليم حقوق الآخرين، لاسيما في هذا الزمان، والذين يرون عدم الحبس يستدلون أيضاً بما أثر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يحبس في دين قط، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لغرماء المفلس الذي لم يكن له ما يوفي دينه: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك) رواه مسلم، ولما أثر عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان لا يحبس في الدين، وكان يقول إنه ظلم، وقد روى أبو داود في غير كتاب السنن عن محمد بن علي، قال: قال علي رضي الله عنه: (حبس الرجل في السجن بعد معرفة ما عليه من الحق ظلم) ولأن الحبس عقوبة لا تصح إلا فيمن كان قادراً ومماطلاً، لحديث: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته).
كما أن الظاهر هو جواز تقدير مدة حبس الاستظهار قبل سماع بينه الإعسار؛ لأن المسألة اجتهادية وليس فيها نص شرعي، وقد رأى بعض العلماء التقدير وهذا الرأي هو الأولى في زماننا هذا لكثرة المحابيس والقضايا المعروضة على القضاة، وفي تحديد المدة موجب لسماع بينه مدعي الإعسار وسماع رد خصمه على ذلك أو بينته إذا كان له بينة على الإيسار والترجيح بينهما، وفيه البت بشأن أمر المحابيس ورفع ضرر الحبس عنهم لاسيما من كان معسراً منهم حقيقة.
وأما الجواب على الشق الثاني: من السؤال المتعلق بعدم وجود البينة، فهل يحبس المدين أم يطلب أحدهما اليمين؟ فقد ذكر القاضي أبو الوليد ابن رشد القرطبي في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد الإجماع على أن المدين إذا ادعى الإفلاس ولم يعلم صدقه أنه يحبس حتى يتبين صدقه، أو يقر له الدائن بذلك، وأضاف قائلاً: إنما صار الكل إلى القول بالحبس في الديون، وإن لم يأت في ذلك أثر صحيح لأن ذلك أمر ضروري في استيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض، وهذا دليل على القول بالقياس الذي يقتضي المصلحة وهو الذي يسمى بالقياس المرسل، وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام حبس رجلاً في تهمة فيما أخرجه أبو داود.
والظاهر أن قول ابن رشد يُحمل على ما إذا كان المدين مجهول الحال أو ظاهره اليسار؛ لأن القول قول الدائن، وأما إذا كان ظاهرة الإعسار فإن معظم الفقهاء قد قروا أنه لا يحبس إلا إذا نكل عن اليمين لأن القول قوله، كما أنه قد يفهم من تقرير الفقهاء حبس مجهول الحال أو ظاهر اليسار حتى يثبت الإعسار أنه ليس لمدعي الإعسار طلب اليمين من الدائن، غير أن فقهاء الشريعة قد قرروا أيضاً بأن للمدين أن يطلب من الدائن أن يحلف أنه لا يعلم بأنه معسر، وذلك إذا كان ظاهره اليسار أو أثبت عليه الدائن بالبينة أنه موسر؛ فإذا حلف الدائن بعدم العلم حبس المدين إلى أن يثبت إعساره، وإذا نكل حلف المدين وأخلي سبيله.
وبالتالي يمكن القول أن المدين إذا ادعى الإعسار وله بينة؛ فإن دعواه لا تسمع ولا بينته إلا بعد حبسه لاستظهار حاله عند الزيدية والحنفية، وأن دعواه تسمع وبينته عند بقية الفقهاء في الحال، وإذا لم توجد البينة على الإيسار أو الإعسار فإن الفقهاء قد قرروا حبس المدين إذا كان مجهول الحال أو ظاهره اليسار حتى يثبت إعساره، وأن لمدعي الإعسار أن يطلب اليمين من الدائن أنه لا يعلم بأنه معسر إذا كان القول قول الدائن، كما أن للدائن أن يطلب من مدعي الإعسار اليمين إذا كان القول قول مدعي الإعسار، كما أن جمهور العلماء على أن القول قول مدعي الإعسار إذا كان الدين عن غير عوض مالي كأرش الجناية وضمان المتلف والمهر والنفقة ونحوه، وماعدا ذلك من الديون فالقول قول الدائن.
ومما يلزم التأكيد عليه في هذا المقام هو عدم وجود اختلاف بين فقهاء الشريعة الإسلامية في مسألة إنظار المدين المعسر بشأن الدين، سواء كان ذلك الدين مدنياً أو شخصياً أو جنائياً، ومما يؤكد ذلك أن الفقهاء في تعريفاتهم للمعسر لم يقيدوا التعريف بالدين المستخدم في طاعة مثلما قيد أغلبهم ذلك في تعريف الغارم المستحق للصدقة، كما أن الفقهاء عند تقسيمهم للدين محل الإعسار قد ذكروا من ضمن ذلك التقسيم الدين الذي لزم المدين من غير اختياره، ومثلوا لذلك بأرش الجناية والضمان والغرامة ونحو ذلك، وذكر الحنفية ضمن ما وجب حكماً دية القتل العمد والخطأ وذلك عند حديثهم عن أحوال مدعي الإعسار، ومن يكون القول قوله في تلك الحالات الدائن أو المدين، وهو ما يستدل من خلاله على أن الظاهر أن كل مدين معسر في كل دين يجب إنظاره وعدم حبسه أو عدم الاستمرار في ذلك، سواء كان الدين مدنياً أو شخصياً أو جنائياً، لعموم قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:280]، كما أن القول بعدم النظرة إلى ميسرة بالنسبة للدين الجنائي لاسيما ما يتعلق بدية العمد والرد والتعويض المتعلق بجرائم السرقة والحرابة والنصب وخيانة الأمانة ليس له وجه شرعي إلا من باب الاستحسان أي استثناء ذلك من عموم الآية الكريمة، ولم نجد أحداً من الفقهاء صرح بذلك إنما هو اجتهاد من بعض القضاة العاملين في القضاء في بلادنا وهو اجتهاد غير مخالف للشريعة من وجهة نظري لأن الاستحسان مصدر من مصادر التشريع، وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله، لذلك يجب أن يكون الإنظار في هذه القضايا بشروط تضمن حقوق المحكوم لهم، ومن ذلك أن يحبس المحكوم عليه حبس استظهار ثم تسمع البينة على الإعسار والإيسار، وإذا تقرر إخلاء سبيل المحكوم عليه فيلزم أن يكون ذلك بعد الاتفاق على مدة محددة لتسديد الدين وأن يحضر المعسر كفيلاً لإحضاره عند الطلب، يقول الدكتور عبدالوهاب خلاف في كتابه علم أصول الفقه وللاستحسان معنيان، أحدهما: استثناء جزئيه من حكم كلي بدليل، والدليل هو المصلحة التي اقتضت ذلك وهو الذي يعبر عنه بوجه الاستحسان، ويضيف أن ذلك ليس مجرد تشريع بالهوى، كما ذهب إلى ذلك البعض واستشهد على ذلك من واقع العمل القضائي بقوله: «وكل قاض قد تنقدح في عقله في كثير من الوقائع مصلحة حقيقية تقتضي العدول في هذه الجزئية عما يقضي به ظاهر القانون وما هذا إلا نوع من الاستحسان»، والله تعالى أعلم.
المطلب الثاني
حكم الإعسار في الدية والأروش في الفقه الإسلامي
من المعلوم في فقه الشريعة الإسلامية أن الدية في القتل العمد إنما تجب إذا سقط القصاص لسبب من الأسباب الشرعية ومنها: عفو أولياء الدم بشرط الدية، وقد أجمع أهل العلم على أن دية العمد تكون في مال القاتل، ولا تكون على عاقلته لقول النبي- صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يجني جان إلا على نفسه» أخرجه الترمذي وأحمد، ولأنه يجب بدل المتلَف على المتلِف، ويجب أن يختص الجاني بضرر جنايته، لأنها أثر فعله ولأن العاقلة إنما تحمل عن الجاني الدية في الخطأ وشبه العمد للتخفيف، والقتل العمد لا يستحق التخفيف إلا أن تساعده العاقلة عن طيب نفس منها.
وأما دية وأرش شبه العمد فإنها تكون على عاقلة الجاني لحديث: «اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بدية المرأة على عاقلتها» رواه البخاري ومسلم، وهو مذهب الجمهور، وخالف ابن سيرين وغيره، فقالوا: الدية والأرش في مال الجاني لأنها مغلظة تشبه ديه العمد، ورأي الجمهور هو الراجح للحديث المذكور. وأما دية وأرش الخطأ فتكون على العاقلة بالإجماع فإن لم يكن للجاني عاقلة أو من يقوم مقام العاقلة فعليه أن يؤديها من ماله إذا كان له مال وإذا لم يكن له مال فيؤدى عنه من بيت المال، غير أن مما يلزم الإشارة اليه أن العاقلة لا تحمل دية شبه العمد والخطأ على إطلاقه إنما بشروط، ومنها أن لا يحكم بالدية بناء على اعتراف الجاني ولا صلحاً لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تحمل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً» وروي عن ابن عباس موقوفاً عليه، ولم يعرف له في الصحابة مخالف فكان إجماعاً.
ذلك أن من المعلوم أن غير القادر على دفع دية الخطأ وشبه العمد ممن تحمل دية الخطأ أو العمد فإنه يعد غارماً وله حق في سهم الغارمين في الصدقات، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:60]، وأما من مات وعليه دين من دية أو غيرها فيجب أداؤها من بيت المال، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا وارثُ من لا وارثَ له، أعقلُ عنه وأرثُه، ..» أخرجه ابن ماجه وأحمد واللفظ لهما وأبو داود، ومن الحالات التي ذكر فيها الفقهاء أن الدية على بيت المال ما جاء في شرح الأزهار للعلامة أبي الحسن عبدالله بن مفتاح في دية القتل الخطأ وأرش الخطأ موضحة فما فوق أنها تكون على العاقلة ولا شيء عليه، فإذا لم توجد له عاقلة أو قلت أو تمردت فمن ماله إذا كان له مال، فإذا لم يكن له مال فعلى بيت المال وكذلك من لم يعرف قاتله حتى لا يهدر دمه.
وكذلك ما جاء في الفقه الميسر للطيال بأن الدية تكون من بيت المال في الحالات الآتية:
1- إذا مات أحد المسلمين وعليه دين أو دية أو غيرها، ولم يخلف وفاء، فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال كما ثبت بالأحاديث الصحيحة.
2- إذا قتل أحد خطأ أو شبه عمد، ولم تكن له عاقلة موسرة، فالدية تؤخذ من الجاني، فإن كان معسراً أخذت من بيت المال.
3- كل مقتول لم يُعلم قاتله كمن مات في زحام، أو طواف، أو نحوهما، فديته من بيت المال.
4- إذا حكم القاضي بالقسامة ونكل الورثة عن حلف الأيمان ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال.
والسؤال الذي يضع نفسه إذا تبين أن القاتل عمداً قد سقط القصاص في حقه لسبب من الأسباب الشرعية ووجبت عليه الديه ثم تبين أن لا مال له فهل يعد غارماً ويجب أن تؤدى الدية عنه من بيت المال أم لا؟ والجواب على ذلك: أن ابن حزم الظاهري قد ذهب إلى أن دية العمد تكون في بيت المال إذا كان الجاني فقيراً ولا مال له، فقد جاء في المحلى لابن حزم ما نصه: (والدية في العمد والخطأ مائة من الإبل.... وهي في الخطأ على عاقلة القاتل وأما في العمد فهي في مال القاتل وحده... فمن لم يكن له مال ولا عاقلة، فهي في سهم الغارمين في الصدقات- وكذلك من لم يعرف قاتله). كما ذهب الحنفية إلى ذلك ولكن مع الكراهة، بينما يرى جمهور فقهاء الشريعة أنه يشترط في الغارم الذي يستحق الإعانة من مال الزكاة أن يكون في طاعة ولا يكون في معصية لأن الإعانة في المعصية من التعاون على الإثم، ويرى بعضهم استثناء حالة واحدة وهي إذا تاب الجاني المعسر إلى الله توبة صادقة فإنه يعتبر من الغارمين في آية الصدقات وسببوا ذلك أن التوبة تجب ما قبلها وأن تسليم الدين بعد التوبة لا يعد من التعاون على الإثم، بل من البر والخير ويرى البعض بأن المدين المعسر في معصية أو بسبب معصية لا يعطى من الصدقات مطلقا.
والظاهر بأن الأولى عدم إعطاء القاتل عمداً من مال الزكاة لاختلاف القتل العمد عن الخطأ وشبه العمد، ويؤكد ذلك إلزام الشرع العاقلة أن تتحمل الدية في الخطأ دون العمد من باب المواساة والتخفيف، والعامد لا يستحق المواساة ولا التخفيف من أموال الصدقات وللحاجة لصرف أموال الزكاة للفقراء والمساكين والغارمين في غير معصية، وعليه أن يبذل كل جهدة لتسديدها ولو أن يستدين أو يبحث عمن يساعده من أقربائه وفاعلي الخير، إلا على سبيل الاستثناء لمن حكم بإعساره وطال حبسه ولم يجد أحداً لمساعدته أو الضمان عليه إذا ثبتت توبته وصلاحه والاعتقاد بعدم ارتكابه للجريمة مرة أخرى عملا بقول بعض فقهاء الشريعة الإسلامية في حدود القدرة على ذلك، والله أعلم.
المطلب الثالث
حكم الإعسار في التعويض المتعلق بجريمه جنائية في الفقه الإسلامي
ليس ثمة خلاف بين الفقه الشرعي والفقه القانوني بشأن وجوب التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي تصيب المجني عليهم بسبب ارتكاب الجرائم الجنائية ومسألة الضمان أو الغرم في الفقه الإسلامي تتعلق بكل الأضرار التي تصيب المرء في جسده أو ماله أو عرضه، سواءً كانت أضراراً مادية أو معنوية، فالضمان في الفقه الإسلامي يقابل التعويض بنوعيه المادي والمعنوي. غير أن ما يتعلق بالأضرار الجسدية فإن الشريعة قد قدرتها بالديات والأروش ولا تدخل في التعويض المدني إلا بشأن الخسارة في العلاج والتعطيل عن الكسب ومخاسير التقاضي، بالإضافة إلى أن الضرر المعنوي يورث لجميع الورثة في الفقه الشرعي ولا يقتصر على بعضهم كما هو في الفقه القانوني.
وثمة مسألة هامة في الفقه الشرعي متعلقة بالتعويض، وهي أن بعض فقهاء الشريعة أسقطوا الضمان أو التعويض في بعض الحالات، لاسيما ما يتعلق بجريمة السرقة الحدية وجريمة الحرابة إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه، فقد اتفق الفقهاء في جريمة السرقة على وجوب أخذ المال المسروق من السارق إذا وجد بعينه، واتفقوا على الغرم إذا لم يجب القطع، واختلفوا في الجمع بين القطع والغرم إلى ثلاثة أقوال، القول الأول: أن على السارق الغرم مع القطع، وبه قال الشافعي وأحمد والليث وجماعة، وحجتهم في ذلك أنه اجتمع في السرقة حقان، حق الله وحق آدمي، فاقتضى كل حق موجبه، كما أنه إذا أجمعوا على أخذ المال المسروق منه إذا وجد بعينه لزم إذا لم يوجد بعينه عنده أن يكون في ضمانه قياساً على سائر الأموال الواجبة، القول الثاني: ليس عليه غرم إذا لم يجد المسروق منه متاعه بعينه، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة والثوري وجماعة وحجتهم في ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد» رواه النسائي والبيهقي والدارقطني وهذا حديث ضعيف عند أهل الحديث، كما قالوا بأن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول وأن القطع بدل من الغرم، القول الثالث: إذا كان موسراً اتبع بقيمة المسروق، وإن كان معسراً لم يتبع به إذا أثرى واشترط مالك دوام اليسر إلى يوم القطع، وهذا القول من باب الاستحسان من غير قياس.
كما اتفق الفقهاء في جريمة الحرابة على أنه يجب على المحارب حق لله وحق للآدميين قبل التوبة، أما بعد التوبة فقد اختلفوا حول ما تسقطه التوبة من حقوق إلى أربعة أقوال، أحدها: أن التوبة إنما تسقط عنه حد الحرابة، ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الآدميين، وهو قول مالك، والثاني: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنى والشراب والقطع في السرقة، ويتبع بحقوق الناس من الأموال والدماء إلا أن يعفو أولياء المقتول، والثالث: أن التوبة ترفع جميع حقوق الله ويؤخذ بالدماء وفي الأموال بما وجد بعينه في أيديهم ولا تتبع ذممهم، والرابع: إن التوبة تسقط جميع حقوق الله وحقوق الآدميين من مال ودم إلا ما كان من الأموال قائماً بيده.
والظاهر بأن الأقوال الفقهية التي تسقط الضمان أو التعويض كما في آراء بعض الفقهاء في جريمتي السرقة والحرابة هي أقوال مرجوحة، وليست راجحة؛ لأن أحكام الشريعة وقواعدها العامة توجب الضمان على المتعدي والمتسبب بإضرار الغير، وأن حقوق الآدميين لا تسقط إلا بعفو أصحابها أو تنازلهم، كما أنه ليس لولي الأمر الشرعي إسقاطها أو العفو عنها، ولأن في إسقاطها أكل لأموال الناس بالباطل، وذلك محرم شرعاً، وقد ورد في الحديث النبوي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» رواه أحمد وغيره وصححه الحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، أما الحديث الذي استدل به بعض العلماء على عدم جواز الجمع بين القطع والغرم فهو حديث ضعيف. وإذا تبين لنا أنه لا خلاف بشأن التعويض في الفقه الشرعي والقانوني فإنه لا خلاف أيضاً في وجوب الحكم بالتعويض على الجاني، وأن تنفيذ الحكم بالتعويض يكون على ماله طالما كان ميسوراً، كما أنه ضامن لما حكم به في التعويض حتى لو كان معسراً، ولا يسقط عنه إلا بعفو المحكوم عليه أو تسليمه لما في ذمته.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هل يعد المحكوم عليه المعسر في جريمة جنائية حدية أو تعزيرية كالسرقة أو خيانة الأمانة أو النصب وغيرها غارماً بالمعنى الشرعي أم أنه لا يعد غارماً ولا يستحق المعونة والمساعدة؟ والجواب على ذلك: أن أغلب فقهاء الشريعة الإسلامية وهم أصحاب المذاهب الأربعة والمذهب الزيدي يشترطون في الغارم أن لا يكون دينه في معصية كمن استدان لشراء الخمر أو لعب القمار أو بسبب معصية كمن تعدى على مال الغير بالإتلاف وكل من يضار المسلمين بأفعاله كالسارق والمحارب والباغي ونحوهم، ويعلل الفقهاء ذلك بأن صرف الزكاة للعاصي إعانة له على المعصية والإعانة على المعصية لا تجوز لأنها نوع من التعاون على الإثم والعدوان، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة:2] كما أن إعانته قد يعد تشجيعاً له ولغيره لارتكاب مثل هذه المعاصي، وبالتالي فإن من كان دينه بسبب جريمة جنائية لا يعد غارماً، ولا يستحق الإعانة من الصدقات، وإذا كان هذا هو الأصل في الفقه الشرعي فإن بعض الفقهاء وهم الشافعية والحنابلة وغيرهم قد استثنوا حالة واحدة يجوز فيها اعتبار المدين المعسر في معصية أو بسبب معصية غارماً ويجب إعانته من الصدقات، وذلك إذا تبين توبته من هذه المعصية إلا أنه لا يعطى من الزكاة لمجرد قوله أنه قد تاب، بل لا بد أن يغلب على الظن توبته وصلاحه والمسوغ الشرعي لذلك أن العلة التي منعت اعتبار المدين المعسر غارماً قد زالت بالتوبة والصلاح، والتوبة بدون شك تجب ما قبلها، كما أن إعانة التائب تعد من البر والإحسان لا من الإثم والعدوان.
والظاهر بأن الأولى هو عدم إعطاء المعسر في التعويص المدني المتعلق بجريمة جنائية عمدية كجرائم السرقات والنصب وخيانة الأمانة وغيرها من سهم الغارمين في الصدقات؛ لأن الأولى في مال الصدقات هم الفقراء والمساكين والغارمون في طاعة، أما الغارم في معصية فيجب أن يسدد التعويض المحكوم به مما فاض من كسبه وعمله، أو يستدين ويبحث عمن يساعده استثناء من القاعدة العامة في أحكام المعسرين، ويستثنى من ذلك المعسر الفقير الذي لا يجد حتى من يضمنه للخروج من الحبس إذا تبين صلاحه وتوبته والاعتقاد بعدم ارتكابه الجريمة مرة أخرى عملاً برأي بعض فقهاء الشريعة وفي حدود القدرة على ذلك، والله تعالى أعلم.
المبحث الثاني
أحكام الإعسار في القانون اليمني
المطلب الأول
مفهوم الإعسار وحكم حبس المعسر في القانون اليمني
أولاً: مفهوم الإعسار في القانون اليمني:
عرف القانون اليمني المعسر، وكذلك المفلس والميسور وحدد مال المعسر الذي لا يجوز الحجز عليه ولا بيعه ضمن أحكام نص المادة (259) من القانون المدني النافذ، فقد عرف القانون المدني المعسر بأنه: من لا يملك شيئاً غير ما استثني له مما لا يجوز الحجز عليه أو بيعه، ثم حدد ما هو الذي لا يجوز الحجز عليه ولا بيعه من مال المعسر وهو: ما يحتاجه من مسكن وثياب صالحين لمثله، وآلة حرفته إن كان ذا حرفة، وكتبه إن كان ذا علم، وقوته ومن تلزمه نفقته من الدخل إلى الدخل، ويعد هذا التعريف من أفضل التعاريف للمعسر في الفقه الإسلامي، كما سبق الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن مفهوم الإعسار في الفقه الإسلامي، فمن لا يملك غير ما يحتاجه ضرورة من مقومات الحياه كالسكن والثياب والوسيلة التي يتعيش بها، فهو معسر وغير قادر على تسديد الدين الذي عليه، كما عرف القانون المدني المفلس في المادة سالفة الذكر بأنه: من لا يفي ماله بديونه.
ومن خلال هذا التعريف يتضح الفرق بين المعسر والمفلس، فالمفلس لديه مال لكن هذا المال لا يكفي لتسديد الدين الذي عليه، أما المعسر فلا يملك مالاً سوى ما هو ضروري للحياة، بل قد يكون فقيراً لا يجد شيئاً، وأما الموسر فقد عرفه القانون المدني في المادة سالفة الذكر بأنه: من يفي ماله بديونه وقد يزيد عليها، وبالتالي فالموسر يختلف عن المفلس والمعسر بوجود مال لديه يكفي لسداد ديونه، وقد يزيد عليها ويترتب على هذه المفارقة بين الإعسار والإفلاس والإيسار وفقاً لنصوص القانون المدني الآثار والأحكام الآتية:
1- إذا كان المدين موسراً فلدائنه طلب حبسه لإكراهه على الوفاء، ثم حجز أمواله، ثم طلب بيعها طبقاً لما هو منصوص عليه في القانون المدني، وقانون المرافعات والتنفيذ المدني (م/360 مدني).
2- إذا كان المدين مفلساً فلدائنه حق طلب الحجر عليه طبقاً لما هو مبين في الكتاب الأول من القانون المدني المواد (71 وما بعدها (م/362مدني).
3- من كان ظاهر حاله الإعسار قبل قوله مع يمينه ويحلف كلما ادعي إيساره ومضت مدة يمكن الإعسار فيها عادة (م/363 مدني).
4- إذا التبس الأمر بين إيسار الشخص وإعساره تسمع البينة على إعساره أو إيساره، ويرجح القاضي وتقدم البينة المثبتة على النافية (م/364 مدني).
5- إذا ثبت بحكم القضاء إعسار المدين حيل بينه وبين دائنة إلى أن يثبت إيساره (م/365مدني). وهذا الأمر ثابت بإجماع الفقهاء، إنما اختلفوا هل يلازمه وهل يؤاجره بدينه أم لا؟
6- إن المعسر لا يجبر على أن يستأجره الدائن بدينه ولكن عليه أن يسعى بأي طريقة لإبراء ذمته من الدين، ويلزمه قبول الهبة عند تضييق الدائن عليه، ولا يلزمه أخذ أرش جناية العمد الموجب للقصاص، ولا يلزم المرأة المعسرة التزوج لقضاء دينها من المهر، كما لا يلزمها التزوج بمهر مثلها ويجوز لها التزوج بأقل.
ثانياً: حكم حبس المدين المعسر في القانون اليمني:
من المعلوم في القانون اليمني جواز طلب المحكوم له حبس المحكوم عليه الميسور، وطلب بيع ماله وتسديد ديونه جبراً عنه إذا لم يقم بالوفاء بناء على أمر المحكمة له بذلك بأن امتنع أو ماطل، بشرط أن يكون الحكم القضائي واجب التنفيذ وفقاً لما نصت عليه المادة (360) مدني، والمادة (360) مرافعات، كما أن الأصل في القانون اليمني عدم جواز حبس من ثبت إعساره أو إفلاسه بحكم قضائي، ووجوب إنظاره إلى ميسرة وفقاً لما نصت عليه المادة (365) مدني، والمادة (363) مرافعات.
وأما بالنسبة للقضايا الجنائية فإنه يمكن القول بأن للتنفيذ فيها وفقاً للقانون اليمني أربع حالات، وهي الحالات الآتية:
الحالة الأولى: إذا كان الأمر متعلقاً بتنفيذ دية وأرش العمد فإن قانون الإجراءات لم يتطرق لما يجب في حالة إيسار المحكوم عليه أو إعساره إذا حكم عليه بالدية أو الأرش بدلاً عن القصاص، وإنما تطرق إلى ما يجب قانوناً عند حصول العفو بعد صدور الحكم بالقصاص، وذلك في نص المادة (56) عقوبات التي بينت بأنه في حاله العفو عن القصاص بشرط الدية فإن الجاني إذا دفع الدية أو الأرش بحسب الشرط يتم توقيف القصاص، وإذا لم يفِ أجري القصاص عليه، وفي حالة العفو المطلق إذا لم يفِ الجاني بالدية أو الأرش استوفي من ماله، ولم تتطرق المادة المذكورة إلى الحكم إذا لم يكن له مال يستوفى منه. وقد أرشدت التعليمات العامة في المادة (671) تعليمات إلى تنفيذ الأحكام المتعلقة بالدية والأرش الصادر فيها حكم في خصومة عن طريق النيابة العامة بالطرق العادية، والصادر فيها حكم من غير خصومة بواسطة المحكمة وفقاً لقانون المرافعات، ومعلوم أن الطريق العادي للتنفيذ في مثل هذه الحالة يتمثل في حبس المحكوم عليه حتى يؤدي ما عليه أو الاستيفاء من ماله، وأما ما يتعلق بإعسار الجاني فلم يتطرق إليه القانون ولا التعليمات العامة، وبالتالي فإن ما سكت عنه المشرع بشأن إعسار الجاني في دية وأرش العمد يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية.
الحالة الثانية: إذا تعلق الأمر بالدية أو الأرش الخطأ وشبه العمد فإنه يحكم فيها بالثلث على الجاني وبالثلثين على العاقلة، ويلزم بشأن العاقلة صدور قرار شرعي بشأنهم يحدد فيه ما يجب على كل واحد منهم، وأن التنفيذ في ذلك يتم عن طريق المحكمة وفقا لقانون المرافعات، ويجوز للقاضي أن يأمر بحبس من يمتنع بعد التأكد من قدرته حتى يؤدي وفقاً لما نصت عليه المادة (512) إجراءات وما بعدها، كما نصت المادة (99) عقوبات بأنه إذا كان للجاني أو عاقلته مال، فيجب حبس من يمتنع حتى يؤدي ويجوز الاستيفاء من ماله. بالتالي إذا كان المحكوم عليه ليس له مال وظاهرة الإعسار، سواء كان الجاني أو عاقلته فإنه لا يحبس لأن القانون أشترط فيمن يحبس أن يكون له قدرة على الوفاء ويفهم من ذلك أن من لا مال له لا يحبس، لكن ذلك لا يكون إلا بثبوت الإعسار بأن يسمع القاضي دعوى الإعسار بالحال، ويكون القول فيها هو قول مدعي الإعسار مع يمينه وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.
الحالة الثالثة: إذا كان الأمر متعلقاً بتنفيذ التعويض وما يجب رده من أموال الدولة في قضية جنائية، فإن المحكوم عليه يجوز التنفيذ عليه بطريق الإكراه البدني، أي الحبس مدة لا تزيد على سته أشهر ويخصم من دينه عن كل يوم مائة ريال وفقاً لما نصت عليه المادة (523) إجراءات، وأن التنفيذ بهذه الطريقة يتم ولو كان المحكوم عليه معسراً وما زاد عن مدة الستة الأشهر من ديونه فتنفذ بالطريق المدني وفقاً لما أرشدت إليه التعليمات العامة في (692) تعليمات، كما يجوز للمحكوم عليه أن يطلب من النيابة استبدال الإكراه البدني بالعمل في أي جهة من جهات الدولة أو الهيئات أو الشركات العامة بلا مقابل لمدة ست ساعات يومياً وفقاً لما نصت عليه المادة (527) إجراءات، كما يجوز الإفراج عن المحكوم عليه بالضمان إلى أن تتيسر أحواله؛ لأن المادة المذكورة لم توجب الإكراه البدني، إنما أجازت ذلك ولمدة لا تزيد على سته أشهر والإفراج بالضمان هو الأولى والأقرب إلى أحكام الشريعة الإسلامية.
الحالة الرابع: إذا كان المحكوم عليه مديناً بما يجب رده وبالتعويض المحكوم به لأحد المواطنين في قضية جنائية، فالمعلوم أن التنفيذ يتم وفقاً لقانون المرافعات للإحالة عليه في المادة (470) من قانون الإجراءات، وبالتالي إذا طلب المحكوم له التنفيذ وامتنع المنفذ ضده عن السداد بعد إمهاله المدة المحددة قانوناً؛ فإنه يجب حبسه ولكن بشرط أن يكون ظاهرة الإيسار، وليس له أموال ظاهرة يمكن الحجز عليها وبيعها ولم يثبت إعساره أو إفلاسه بحكم قضائي، وذلك وفقاً لنص المادة (360) مرافعات، ولا تسمع من المنفذ ضده دعوى الإعسار أو طلب الحكم بالإفلاس وفقاً لما نصت عليه المادة (362) مرافعات، ويجب حبسه حتى تتوفر في حقه إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة (363) مرافعات، أو يترجح لدى القاضي توافر حالة الإعسار أو الإفلاس بعد تحريه، وفي هذه الحالة للقاضي أن يسمع دعوى الإعسار أو طلب الحكم بالإفلاس في حضور الخصوم وفقاً للقانون، وإذا ثبت بحكم قضائي إعسار أو إفلاس المنفذ ضده وجب الإفراج عنه وفقاً لنص المادة (363) مرافعات إلى أن يثبت إيساره أو تمضي مدة يمكن فيها الإيسار عادة.
ويفهم من نص المادة (360) مرافعات أن من كان ظاهرة الإعسار فإنه لا يحبس إلا إذا نكل عن اليمين؛ لأن دعوى الإعسار تسمع منه في الحال، وأن القول قوله مع يمينه ويعرف من كان ظاهره الإعسار بعدم وجود مال سابق له، وأن يكون دينه من غير عوض مالي كالمهر والنفقة وعوض الخلع وأرش الجناية والضمان ونحو ذلك في قول جمهور الفقهاء، وأن من كان ظاهره الإيسار يعرف بقرينة وجود مال سابق له والقول فيه قول الدائن، غير أن القانون لم يذكر تلك القرائن وترك للقاضي تقدير قرائن الإيسار والإعسار، ولم يتطرق القانون كذلك إلى ما ذكره عامة فقهاء الشريعة من جواز طلب مدعي الإعسار اليمين من الدائن أنه لا يعلم بأنه معسر إذا كان ظاهره الإيسار أو ثبت عليه الإيسار بالبينة، وأن المحكوم له إذا حلف حبس المدين وإذا نكل عن اليمين حلف مدعي الإعسار وأخلي سبيله، وإنظاره إلى أن يثبت إيساره.
المطلب الثاني
حكم الإعسار في الديات والأروش في القانون اليمني
لقد نظم القانون اليمني أحكام الديات والأروش في قانون الجرائم والعقوبات رقم 12 لعام 94م، وحدد مقدار الدية ومقدار الأروش بالتفصيل، ومتى تكون في مال الجاني، ومتى تحمل العاقلة أو من يقوم مقامها عنه ذلك، ومتى يتم الرجوع فيها إلى بيت المال.
فبالنسبة لدية وأرش العمد أي الدية البديلة والأرش البديل عن القصاص فإنها تكون في مال الجاني ولا تحمل عنه عاقلة ولا غيرها فقد نصت المادة (72) عقوبات على أنه (تجب الدية والأرش في مال الجاني وحده في أحوال سقوط القصاص وإبدالها به...)، وبالتالي فإن دية وأرش العمد لا تكون إلا من مال الجاني وحده دون سواه من أقاربه أو من غيرهم، وذلك لأن العامد لا يستحق التخفيف ولا المواساة لأنه أقدم على ارتكاب هذه الجريمة عمداً وعدواناً، وإذا سقط القصاص بالعفو بعد صدور الحكم القضائي بالقصاص بشرط الدية أو بالعفو المطلق فقد بين القانون الحكم في ذلك في المادة (56) عقوبات والتي نصت على أنه (إذا صدر العفو ممن يملكه بعد الحكم بالقصاص بشرط الدية أو الأرش وجب التوقف عن تنفيذ القصاص إذا دفع الجاني الدية أو الأرش بحسب الشرط فإذا لم يوف الجاني أجري القصاص فيه وفي العفو المطلق إذا لم يف الجاني بالدية أو الأرش استوفي من ماله)، وأما بالنسبة لدية وأرش الخطأ وشبه العمد فإن الجاني لا يتحمل إلا ثلث الدية وثلث الأرش الباضعة فما فوقها وتتحمل العاقلة الثلثين إذا كان للجاني مال، أما إذا لم يكن له مال فتتحمل العاقلة الدية والأرش كاملاً، فقد نصت المادة (72) عقوبات: (... وتكون الدية والأرش في الخطأ على العاقلة ويتحمل الجاني ثلثها إن كان له مال ويوزع الباقي) ونصت المادة (92) عقوبات على أنه (يتحمل الأغنياء من العاقلة ما يلزمهم من دية وأرش شبه العمد والخطأ وهو الثلثان ومالا يقدر عليه الجاني من الثلث)، والعاقلة هم عصبة الجاني المعروف نسبهم بالتدريج إلى جد ينسب إليه القاتل أو الجارح البالغون العاقلون الموافقون له في الدين ويستوي في ذلك الحاضر والغائب والصحيح والمريض ويخرج منهم أبناء الجاني والزوج إذا كان من العصبة وفقاً لما بينته المادة (91) عقوبات. كما أن العاقلة المحددة سلفاً لا تحمل دية وأرش الخطأ وشبه العمد مطلقاً، وإنما بشروط، وهي أن لا تثبت الجريمة بصلح ولا باعتراف الجاني إلا بموافقة العاقلة أو بنكولها عن اليمين في القسامة، ولا تتحمل الأرش إذا كان أقل من موضحة كالسمحاق والمتلاحمة والباضعة والدامية الكبرى والصغرى، وغيرها فإنه يتحملها الجاني فقد نصت المادة (94) عقوبات على أنه (لا تتحمل العاقلة شيئاً إذا ثبتت الجريمة بصلح أو باعتراف الجاني إلا أن تصادقه العاقلة أو تنكل عن اليمين، ولا تتحمل العاقلة شيئاً إذا لم يبلغ أرش الجناية أرش موضحة فصاعداً)، وإذا لم يكن للجاني عاقلة فتقوم قبيلته أو أهل وظيفته أو مهنته أو حرفته مقام العاقلة، ويستوفى منهم بقدر دخل ثلاثة أيام وفقاً لما بينته أحكام المادة (93) عقوبات.
والسؤال الذي يضع نفسه: إذا كان الجاني العامد لا مال له والجاني الخطأ وشبه العمد لا عاقلة له ولا من يقوم مقام العاقلة فهل يعتبر غارماً ويستحق المساعدة من بيت المال أم لا؟ والجواب على ذلك بالنسبة لدية وأرش العمد فإن القانون قد سكت عن ذلك ولم يقل بالجواز ولا بالمنع، وبالتالي فإن اللازم الرجوع في ذلك لأحكام الشريعة الإسلامية، وقد سبق بيان موقف علماء الشريعة الإسلامية في ذلك عند الحديث عن حكم الإعسار في الدية والأرش في الفقه الإسلامي.
كما سبق ذكر ذلك في أحكام حبس المعسر في الفقه الإسلامي، أما بشأن هل يستحق من تبين صلاحه والاعتقاد بعدم عودته لارتكاب الجريمة مرة أخرى المساعدة من الدولة؟ فقد سبق ذكر ذلك عند الحديث عن حكم المعسر في التعويض المدني في الفقه الإسلامي فليرجع إليه.
وأما بالنسبة لدية وأرش الخطأ وشبه العمد، فإن القانون قد أوجب الرجوع إلى بيت المال إذا لم يكن للجاني مال ولا عاقلة له أو من يقوم مقامها أو لم تف ما حملته العاقلة أو من في حكمها بالمستحق من الدية أو الأرش، فقد نصت المادة (97) عقوبات على أن (الدولة ولي من لا ولي له ترثه وتعقل عنه ولا عفو منها إلا لمصلحة)، كما نصت المادة (98) عقوبات على أنه (إذا لم يف ما حملته العاقلة ومن في حكمهم بالمستحق من الدية أو الأرش لزم الباقي من بيت المال).
ومن المعلوم إذا كانت الدولة هي الملزمة بدفع الدية أو الأرش فلابد من صدور قرار بذلك من المحكمة، فقد نصت المادة (516) إجراءات على أنه (إذا تبين للمحكمة أن الدية أو الأرش كلها أو بعضها مستحقة من بيت المال تصدر قراراً بذلك يكون واجب التنفيذ فوراً طبقاً للقانون)، وأرشدت التعليمات في المادة (672) تعليمات بأنه في حال صدور قرار بذلك من المحكمة فإن على النيابة المختصة أن ترفع الأمر إلى النائب العام مشفوعاً بمذكرة بالرأي القانوني؛ ليتولى إرساله إلى وزير العدل، كما يعرض على مجلس الوزراء طبقاً للإجراءات المتبعة في هذا الشأن، وأن على أعضاء النيابة مراجعة هذا النوع من الأحكام بكل دقة واستئناف ما يجب استئنافه.
المطلب الثالث
حكم الإعسار في التعويض المدني المتعلق بجريمة جنائية في القانون اليمني
التعويض المدني في القضايا الجنائية له معنى عام ومعنى خاص، فالمعنى العام يتمثل في التعويض المادي أو الأدبي عن الأضرار التي نتجت عن الجريمة، ويدخل في ذلك الرد العيني والقيمي أي رد الشيء بعينه أو بقيمته فضلاً عن وجوب إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل ارتكاب الجريمة، بالإضافة إلى مخاسير التقاضي فالتعويض بهذا المعنى الواسع يشمل ما حكم به في الحق الخاص وللتعويض المدني معنى خاص يشمل جبر الضرر المادي أو المعنوي، ويدخل فيه رد قيمة الشيء، ولا يدخل فيه الرد العيني ولا المصاريف ويترتب على هذه التفرقة بأن القاضي لا يحكم بالتعويض بالمعنى الخاص إلا بطلب المضرور ويحكم بالرد العيني وبالمصاريف دون طلب وبموجب القانون. ونقصد بالتعويض في هذا المقام: ما حكم به في الدعوى المدنية التبعية للدعوى الجنائية، سواء كان الحكم في التعويض الخاص أو العام أي ما حكم به في الحق الخاص للمجني عليه دون الحق العام.
والحقيقة أنه لا إشكال إذا كان الجاني ميسوراً ومقتدراً على ما حكم به عليه من حقوق خاصة مدنية للمحكوم عليهم، أو تم التصالح بينهم فإن العقوبة في الحق العام بمجرد انتهائها يتم إخلاء سبيل المحكوم عليه وإنهاء إجراءات التنفيذ من قبل النيابة العامة، إنما الإشكال في الواقع القضائي فيما يتعلق بالمعسرين في الحقوق الخاصة ويتمثل هذا الإشكال في ما الذي يجب القيام به حيال المعسرين الذين انتهت مدة عقوباتهم في الحق العام، ولا يزالون محبوسين في الحق الخاص رغم عجز بعضهم عن الرد والتعويض، فهل يتم الاستمرار في حبسهم ولو دون طلب من المحكوم لهم أم يلزم الإفراج عنهم؟ وإذا تقدم المحكوم له بالطلب هل يظل المحكوم عليه محبوساً أم أن له الحق في تقديم دعوى الإعسار والإفراج عنه إذا كان فعلاً معسراً؟ والجواب على ذلك أن القانون اليمني ليس فيه أي غموض أو لبس في هذه المسألة إنما بعض العاملين في القضاء من أعضاء النيابة وقضاة التنفيذ لا يقومون بتطبيق القانون بحجة عدم مساواة الدين المدني والدين الجنائي في النظرة إلى ميسرة، ويرى بعضهم أن المحكوم عليه في قضايا جنائية في الحق الخاص يظل محبوساً حتى يتم تسليم الحق الخاص ولو كان معسراً، ولا تسمع منه دعوى الإعسار، بل صدرت أحكام من بعض القضاة بعدم قبول دعوى الإعسار في وقائع خيانة أمانة والنصب وأيدت المحكمة العليا أحد هذه الأحكام، وهو ما يمكن القول معه بأن القضاء اليمني لا يساوي في إجراءات التنفيذ بين الأحكام المدنية والجنائية في مسألة وجوب النظرة إلى ميسرة وهو ما يعني استثناء القضايا الجنائية عدا دية وأرش الخطأ وشبه العمد من عموم قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:80]، وأما بالنسبة للقانون اليمني فإنه بشأن تنفيذ ماحكم به في الدعوى المدنية بالتبعية قد أوجب التنفيذ وفقاً لما هو مقرر في قانون المرافعات بصريح المادة (470) إجراءات، وبالتالي فقد حسم قانون الإجراءات الأمر بأنه لا فرق في إجراءات التنفيذ بين الدين في قضية مدنية أو قضية جنائية، بل أجاز قانون الإجراءات الإفراج الشرطي عمن ثبت عجزه عن الوفاء بالالتزامات المالية المحكوم بها عليه طالما توفرت فيه شروط الإفراج الشرطي وفقاً لما نصت عليه المادة (508) إجراءات، كما أن قانون المرافعات قد أوجب في نص المادة (360) إجراءات حبس من كان ظاهره الإيسار وليس له مال ظاهر وأنه يحبس أولاً حبس استظهار المدة التي يراها القاضي ثم تسمع منه دعوى الإعسار وفقاً لصريح نص المادة (362) مرافعات، وإذا صدر حكم بإعساره فيجب الإفراج عنه.
ومن خلال النصوص القانونية سالفة الذكر يتضح الآتي:
1- أن الحقوق الخاصة في القضايا الجنائية تنفذ بنفس إجراءات الديون المدنية ولا فرق بينهما بشأن وجوب الحبس، وأن يكون حبس استظهار المدة التي يراها القاضي ليعرف فقر المحكوم عليه من غناه ثم تسمع دعوى الإعسار.
2- لم يجز القانون حبس من كان ظاهرة الإعسار وهو من لا يعرف له مال سابق، وكذا من عرف أثناء تنفيذ عقوبة الحق العام بفقره وحاجته، فهذا لا يجوز حبسه قانوناً حبس استظهار لحاله، ويجب أن تسمع دعواه حول إعساره في الحال بمجرد انتهاء مدة عقوبته في الحق العام، ولا شك أن القول قوله مع يمينه، فإذا لم يثبت المحكوم له إيساره حلف وأخلي سبيله، وأمهل إلى ميسرة ويفهم ذلك من خلال اشتراط نص المادة (360) لمن يجب حبسه أن يكون ظاهر الإيسار ولا مال ظاهر له للحجز عليه وبيعه، وهو ما يعني أن من ظاهره الإعسار لا يحبس، بل تسمع دعواه في الحال.
3- إن القانون لم يحدد من القول قوله في دعوى الإعسار غير ما ورد في القانون المدني من أن مدعي الإعسار إذا كان ظاهره الإعسار فالقول قوله مع يمينه ويحلف كلما ادعي إيساره ومضت مدة يمكن فيها الإيسار عادة المادة (363) مدني، أما قانون المرافعات فلم يرد فيه ذكر بشأن ذلك، وهو ما يلزم الرجوع بشأن ذلك إلى أحكام الشريعة فمن كان ظاهره الإعسار فالقول قوله، أي أن البينة على الإيسار على الدائن كما أشير إليه في القانون المدني، ومن كان ظاهره الإيسار فالقول قول الدائن مع يمينه، أي أن بينة الإعسار على مدعي الإعسار.
4- لم يبين القانون بأن المحكوم له إذا أثبت إيسار المحكوم عليه بالبينة أو كان ظاهره الإيسار، بأن للمحكوم عليه طلب توجيه اليمين إلى المحكوم له بأنه لا يعلم بأنه معسر، وهذا القول هو قول عامة الفقهاء، كما لم يأخذ القانون بقول جمهور العلماء بأن مدعي الإعسار إذا أثبت إعساره بالبينة فيجب أن يحلف إلى جوار بينته وهذا هو الأولى.
وبالتالي فإن الواجب قانوناً سماع دعوى الإعسار في الحقوق الخاصة والإفراج عن المعسر بالضمان إلى أن يثبت إيساره، وإذا أخذنا باجتهاد القضاء اليمني بشأن المعسر في القضايا الجنائية، فيمكن اشتراط بعض الضمانات بأن يكون الإنظار إلى ميسرة، ونلزم المحكوم عليه بتدبير ما حكم عليه خلال مدة محددة بالإضافة إلى الضمان الحضوري.
خاتمة البحث
وتتضمن أهم النتائج والتوصيات.
أولاً: النتائج:
1- إن الفقه الإسلامي لم يفرق بين الإعسار في القضايا المدنية والجنائية في وجوب إنظار المعسر إلى ميسرة، ولم نجد من فقاء الشريعة من صرح باستثناء بعض القضايا الجنائية من عموم قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة:280]، أما في العصر الحديث فقد اطلعت لأحد الباحثين الشرعيين في بحثه عن أحكام الإعسار في الفقه الإسلامي يرى فيه بوجوب معاقبة المدين في معصية، ولو كان معسراً اجتهاداً منه واستناداً إلى أن المعسر تصرف في أموال الناس بتفريط أو تعد منه، وأن الله قد حرم الدماء والأموال والأعراض.
2- إن الفقه الإسلامي قد فرق بين المدين في معصية والمدين في غير معصية، من حيث عدم جواز مساعدة المعسر من بيت المال أو من سهم الغارمين في الصدقات إذا كان دينه في معصية، في قول الجمهور من العلماء وأجاز بعضهم مساعدته من أهل الخير ومن سهم الصدقات إذا تبين توبته وصلاحه والاعتقاد بعدم ارتكابه الجرم الجنائي مرة أخرى.
3- إن القانون اليمني قد شابه الغموضُ بشأن حال المعسر في دية وأرش العمد فقط، أما ما يتعلق بدية وأرش الخطأ وفي الحقوق الخاصة فقد كان واضحاً وضوحاً لا لبس فيه، وأحكامه تتفق مع عموم الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:80].
4- إن القانون اليمني لم يتطرق إلى مسألة دخول المعسر في القضايا الجنائية ضمن الغارمين من عدمه، فقد سكت عن ذلك وهو ما يوجب الرجوع في ذلك إلى أحكام الشريعة الإسلامية.
5- إن القانون اليمني لم يتعرض إلى بعض الأحكام المتعلقة بدعوى الإعسار، من حيث عدم النص على سماع دعوى الإعسار في دية وأرش العمد، ومن حيث عدم تحديد من القول قوله في دعوى الإعسار، ولم يأخذ برأي عامة الفقهاء في جواز طلب مدعي الإعسار توجيه اليمين للمحكوم له إذا أثبت عليه المحكوم له الإيسار بالبينة أو كان ظاهره الإيسار، ولم يأخذ بقول الجمهور في وجوب تحليف مدعي الإعسار إلى جانب بينته على الإعسار وهو الأولى لاسيما في هذا الزمان.
ثانياً: التوصيات:
1- أوصي أهل الخير والمقتدرون بمساعدة المعسرين في القضايا الجنائية، لا سيما من تبين توبتهم وصلاحهم وطال حبسهم ولم يجدوا من يساعدهم أو يضمن عليهم، لما لذلك من فضل عظيم عند الله سبحانه في الدنيا والآخرة في تفريج الكربات والتيسير على المعسرين.
2- أوصي قضاة التنفيذ من النيابة والمحكمة بالاهتمام في قضايا المحابيس المعسرين والبت بشأنهم وفقاً لأحكام القانون، والرجوع فيما لا نص فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية.
3- أوصي قضاة التنفيذ بسماع دعوى الإعسار فيما يتعلق بالديات والأروش والحقوق الخاصة في القضايا الجنائية، والتحري والتثبت في ذلك والفصل في الدعوى وفقاً للقانون وأحكام الشريعة الإسلامية، والإفراج عمن ثبت إعساره بحكم قضائي بشرط الضمان الحضوري، وأن يسدد ما عليه خلال مدة محددة من تاريخ الإفراج عنه استحساناً وإلا فالحكم العام هو الإنظار إلى ميسرة.
4- أوصي المشرع اليمني بالنص على تحديد مدة حبس الاستظهار المنصوص عليه في المادة (362) من قانون المرافعات، وعدم ترك ذلك لتقدير القاضي كون تحديد المدة سيؤدي إلى عدم إهمال قضايا المحابيس المعسرين، وستكون المدة ملزمة للقاضي لسماع دعوى الإعسار بمجرد انتهائها، كما أوصي المشرع بتحديد من القول قوله في دعوى الإعسار وفقاً لما يترجح له من أقوال فقهاء الشريعة الإسلامية.
5- أوصي المشرع اليمني بالنص على عدم أحقية المحكوم عليهم المعسرين في ديات وأروش العمد في المساعدة من أموال الصدقات للحاجة في صرف الزكاة للفقراء والمساكين والغارمين في غير معصية، إلا على سبيل الاستثناء لمن حكم بإعساره وطال حبسه ولم يجد أحداً لمساعدته أو الضمان عليه إذا ثبتت توبته وصلاحه، والاعتقاد بعدم ارتكابه للجريمة مرة أخرى عملاً بقول بعض فقهاء الشريعة الإسلامية وفي حدود القدرة على ذلك.
6- أوصي المشرع اليمني بالنص على عدم أحقية المحكوم عليهم المعسرين في الحقوق الخاصة في قضايا السرقة والنصب وخيانة الأمانة، ونحو ذلك من المساعدة من أموال الصدقات كون إعسارهم في معصية وليس في طاعة، وللحاجة لصرف أموال الزكاة للفقراء والمساكين والغارمين في غير معصية، إلا على سبيل الاستثناء لمن حكم بإعساره ولم يجد أحداً لمساعدته أو الضمان عليه إذا ثبتت توبته وصلاحه، والاعتقاد بعدم ارتكابه للجريمة مرة أخرى عملاً بقول بعض فقهاء الشريعة الإسلامية وفي حدود القدرة على ذلك.
قائمة المراجع
- د. طاهر صالح العبيدي: قانون الجرائم والعقوبات اليمني القسم العام، مكتبة دار اليمن الكبرى، 1997م.
- ابن المنذر المتوفى سنة 318هـ: الإجماع، الطبعة الأولى، 1408م.
- ابن حزم الأندلسي: المحلى.
- ابن رشد القرطبي: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار العقيدة، الطبعة الأولى عام 1425هـ.
- ابن قدامة المقدسي، المغني.
- ابن قيم الجوزية: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.
- عبدالله بن مفتاح: شرح الأزهار من فقه الأئمة الأطهار.
- أبو زكريا محيي الدين النووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين.
- أحمد بن عبدالله الجعفري، أحكام الإعسار في الفقه الإسلامي.
- د. محمد حسين الشامي: نظرية المسؤولية المدنية في القانون اليمني والمصري والفقه الإسلامي، مكتبة الجيل الجديد صنعاء، الطبعة الأولى، 1415ه.
- الشربيني: مغني المحتاج.
- القانون المدني رقم 14 لعام 2002م.
- حافظ محمد الفرح: أساسيات التحقيق والتصرف والتنفيذ في القضايا الجنائية.
- د. الهام محمد العاقل، قانون الإجراءات الجنائية اليمني الدعوى الجنائية والدعوى المدنية.
- د. عبدالباسط الحكيمي: شرح قانون الإجراءات الجزائية الدعاوى الناشئة عن الجريمة.
- د. محمد الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، المجلد السادس.
- عبدالقادر عودة: التشريع الجنائي الإسلامي، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الرابعة عشرة 1421هـ.
- عبدالله الطيال: الفقه الميسر.
- علاء الدين الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع.
- ق. أسامة محمد الجنداري: الإفلاس والإعسار والإيسار في الفقه الإسلامي وبعض التشريعات العربية دراسة مقارنة.
- مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي: القاموس المحيط، مكتبة الإيمان المنصورة، الطبعة الأولى، 1430هـ.
- محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، دار الحديث، القاهرة، طبعة عام 1424هـ.
- محيي الدين النووي: روضة الطالبين وعمدة المفتين.
- مشهور محمد حمدان، مصرف الغارمين وأثره في التكافل الاجتماعي، طبعة عام 1430هـ، فلسطين.