ضوابطاستنباط الحكم الشرعي كمصدر للقاعدة القانونية[1]
الأستاذ. الدكتور/ محمد عبد الملك محسن المحبشي
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
إن مبدأ الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات يعد أهم مبدأ قانوني دستوري في النظام القانوني اليمني، منذ دخول الإسلام اليمن سنة (10هـ). فالشريعة الإسلامية في المجتمع اليمني لا تمثل قواعد أخلاقية تنظم الأخلاق والآداب في المجتمع اليمني فحسب، ولكنها تمثل قواعد تنظيم العلاقات بين الأفراد في المجتمع، لتكون بذلك القانون الذي ينظم سلوك الأفراد في المجتمع، وهذا المبدأ نابع من شعور الأفراد في المجتمع اليمني بأهمية تطبيقه بينهم كون ذلك هو عنوان دينهم وحضارتهم ورقيهم، والعجيب أننا نسمع بعض الآراء الشاذة والغريبة عن المجتمع اليمني والتي تنادي بإغفال هذا المبدأ من النص عليه في الدستور، بل نجدها تصرح–أحياناً- بأن هذا المبدأ هو سبب لتأخر المجتمع عن ركب الحضارة، وأن الشريعة لا تواكب التطورات العلمية الحديثة، وأنها تخالف قواعد الدولة المدنية الحديثة وقواعد القانون الدولي الحديث. ولا شك أن هذا الكلام فيه افتراء وتعدٍ على الشريعة الإسلامية.
كما أن هذه الآراء لا يوجد لها أي مبررات علمية، وإنما هي قائمة على العاطفة وردة فعل خطأ بسبب الانحراف في تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية.
والعجيب أن من يعارض هذا المبدأ في تطبيق الشريعة الإسلامية، يدعي أنه وطني وقومي، ولكن نجده يتنكر عن تراث المجتمع اليمني القانوني القائم على دين الإسلام الحنيف.
إلا أننا نجد الفكر القانوني الغربي يقوم بإحياء التراث القانوني الروماني القائم على الوثنية، بل نجدهم يعتزون بذلك، بينما نجد مفكرينا يحاربون تراثنا القانوني، ويحاولون طمسه، والأخذ من القوانين الغربية القائمة على التراث الفكري والقانوني الوثني لدى الرومان واليونان، ولا شك أن هؤلاء قد ظلموا أنفسهم وظلموا مجتمعاتهم باستيراد تلك القوانين الغربية عن المجتمع اليمني المسلم.
وبالجانب الآخر نجد أن المدرسة الفقهية التقليدية تحاول أن تفسر الشريعة الإسلامية بتفسير ضيق تقتصر به على فتاوى فقهية اجتهادية قديمة، وجدت بسبب مصالح وقتية لظروف المجتمع والبيئة التي كانوا يعيشون فيها، ويريدون أن يسقطوا تلك الفتاوى على الوقت المعاصر متجاهلين كثيراً التغيير الكبير في ظروف المجتمع بسبب التطور العلمي وغيره، ويحاولون أن يوهموا الناس أن هذه هي أحكام الشريعة الإسلامية، متجاهلين أنها أحكام فقهية اجتهادية تتغير بتغيير ظروف الزمان والمكان حسب القاعدة الفقهية الاجتهادية بتغيير الفتوى واختلافها بحسب تغير الزمان والمكان. والقواعد التي تجعل العرف مصدراً للتشريع، كقاعدة «العادة محكمة» وقاعدة «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً»[2]. ولما كان من الطبيعي أن قواعد العرف تتغير حسب تغيير حالة المجتمع، فإذن تتغير هنا الفتوى من زمان لآخر وهكذا.
وسنتناول موضوعنا هذا في مطلب تمهيدي ومبحثين كما يلي:
مطلب تمهيدي: مفهوم مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات».
• المبحث الأول: المبررات الفلسفية والعلمية لتطبيق هذا المبدأ في اليمن.
• المبحث الثاني: ضوابط تطبيق المبدأ في اليمن والرقابة عليه.
مطلب تمهيدي
مفهوم مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»
وسنتناول في هذا المطلب الموضوعات التالية:
• الفرع الأول: التعريف بمصطلحات مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات».
• الفرع الثاني: لمحة تاريخية عن دور الأديان في تنظيم المجتمعات (كمصدر للقانون).
• الفرع الثالث: لمحة تاريخية خاصة عن دور الدين (الشريعة الإسلامية) في تنظيم المجتمع اليمني (كمصدر للقانون اليمني).
الفرع الأول
التعريف بمصطلحات مبدأ
«الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»
يتضمن مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» عدة مصطلحات من الضرورة التعرف عليها أولاً قبل تعريف المبدأ باعتباره مصطلحاً مركباً. وسنتناول تعريف المفردات، ثم التعريف المركب، كما يلي:
(أ) تعريف مفردات مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»:
تضمن مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» مفردات (الشريعة الإسلامية) و(مصدر) و(تشريعات)، وسنذكر تعريف كل مصطلح كما يلي:
1) تعريف الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي والقانون:
الشريعة لغة: هي مورد الماء. واصطلاحاً: هي مجموعة الأحكام التي شرعها الله للناس على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهي تشبه المعنى اللغوي في كون تلك الأحكام هي مورد المسلمين لتنظيم حياتهم كموردهم إلى الماء[3].
1. أما الفقه الإسلامي: فالفقه لغة يطلق على الفهم الدقيق والعميق للأشياء.
ويعرف الفقه اصطلاحاً: بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة المكتسبة من أدلتها التفصيلية[4].
فالشريعة الإسلامية هي الأحكام التي شرعها الله تعالى عن طريق الأدلة الشرعية. أما الفقه الإسلامي فهو العلم بتلك الأحكام الشرعية، فطريق معرفة أحكام الشريعة الإسلامية هو الفقه الإسلامي، فالعلاقة بين الشريعة والفقه أن الفقه هو طريق معرفة الشريعة[5].
ولما كانت الشريعة الإسلامية قائمة على رعاية المصالح بجلب المنافع ودرء المفاسد، فإن طريق معرفة أحكام الشريعة الإسلامية بطريق مباشر أو غير مباشر والمصالح التي جاءت فيها عن طريق الفقه الإسلامي إما مباشر أو غير مباشر.
أ) أما الطريق المباشر لمعرفة أحكام الشريعة الإسلامية في حالة وجود مصلحة نص عليها من الوحي المتلو (الكتاب) وغير المتلو (السنة)، فيكون دور الفقيه هنا البحث عن هذا النص الذي وردت فيه المصلحة مع التأكد من صحته إذا كان غير متواتر، من حيث السند والمتن، ثم معرفة دلالته على الحكم الشرعي عن طريق قواعد تفسير النصوص الشرعية، فيكون دور الفقيه هنا ناقلاً لحكم شرعي سابق، فهو تشريع إلهي محض.
ب) أما الطريق غير المباشر لمعرفة أحكام الشريعة الإسلامية، فيكون في حالة عدم وجود نص شرعي من الوحي فيكون دور الفقيه هنا الاجتهاد والبحث عن مصلحة حكم شرعي سابق يشبه الواقعة الجديدة فيلحقها بها وهو القياس، والمصلحة المشابهة تسمى العلة، وقد يكون بالبحث عن مصالح كاملة نصت عليها مجموعة من النصوص الشرعية، تدخل الواقعة الجديدة في تلك المصلحة، ويسمى ذلك بالاستصلاح أو المصلحة المرسلة. وتُعرف المصالح العامة بمقاصد الشريعة، وهي المحافظة على الدين والنفس والعرض والمال والعقل. ويكون دور الفقيه هنا هو كاشف لحكم الشريعة على ضوء قواعدها، ويعرف هذا بالاجتهاد[6].
2. تعريف القانون: ولما كان القانون هو المصطلح المقابل للشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، فإن القانون يعرف لغة بمعنى الأصل وبمعنى العلاقة الثابتة بين شيئين[7].
وهو اصطلاحاً: القواعد التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع تنظيماً مقترناً بالجزاء[8].
وهكذا نلاحظ التشابه بين مصطلح الشريعة والقانون في أن موضوع كل منهما ينظيم حياة الأفراد في المجتمع، ويختلفان من حيث المصدر، فهو في الشريعة وحي إلهي من الله سبحانه وتعالى الذي يعلم مصلحة تنظيم حياة الأفراد في المجتمع؛ لأنه هو الخالق لهم ويعلم ما ينفعهم، قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الملك:14].
أما القانون فهو وضعي من وضع البشر، ولذلك فهو قاصر بسبب قصور البشر المنظمين له وهو خاضع لأهوائهم وشهواتهم وثقافتهم ونحو ذلك[9].
2) تعريف المصدر:
المصدر لغة: هو السبب المنشئ والأصل الذي يرجع إليه. وفي اصطلاح القانونيين هو الأصل الذي يرجع إليه عند وضع قاعدة قانونية أو لمعرفة حكم القانون أو تفسيره، وتتنوع مصادر القانون حسب الحاجة إليه كما يلي:
1- حسب الحاجة إلى وضع قانونية (مصدر مادي): ويقصد بالمصدر المادي هي المراجع العلمية للمشرع عند وضعه لقاعدة قانونية مكتوبة لإيجاد حل قانوني لظاهرة معينة. وبعد وضع تلك القاعدة وصياغتها في تشريع مكتوب يصير المصدر المادي هنا هو المصدر التاريخي لتلك القاعدة.
2- حسب الحاجة إلى معرفة حكم القانون (مصدر رسمي): وهو المرجع الذي تستمد منه القاعدة القانونية الملزمة ويلجأ إليه القاضي عند إصدار حكمه في قضية معينة، ويلجأ إليه الفقيه القانوني عند إصداره آراء قانونية ونحوه.
3- حسب الحاجة إلى تفسير القانون (مصدر تفسيري): وهو ذلك المصدر الذي يفسر النصوص القانونية الغامضة لتوضيح مبهمه ويقوم به الفقه والقضاء[10].
3) تعريف التشريعات:
يعرف التشريع بأنه: «القواعد القانونية المكتوبة الصادرة عن السلطة المختصة». وعملية صياغة هذه القواعد تسمى بالتقنين، وتختلف أنواع التشريع كما يلي:
1- التشريع الأساسي (الدستور): وهي مجموعة القواعد القانونية المكتوبة التي تبين الأسس العامة لتكوين الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، وتبين سلطاتها. ويتم إصدارها عن طريق الشعب بالاستفتاء.
2- التشريع الرئيسي (القوانين): وهي مجموعة القواعد القانونية المكتوبة الصادرة عن السلطة التشريعية (مجلس النواب).
3- التشريع الفرعي (اللوائح): وهي مجموعة القواعد القانونية المكتوبة الصادرة عن السلطة التنفيذية (الحكومة والأجهزة التنفيذية التابعة لها). ويكون الغرض منها إما تنفيذ قانون صادر عن السلطة التشريعية وتسمى لوائح تنفيذية، أو تنظيم عمل مرفق عام ويطلق عليها لوائح تنظيمية، أو بغرض المحافظة على الأمن والسكينة وحماية المصلحة العامة وتسمى لوائح الضبط[11].
(ب) التعريف المركب لمبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»:
من خلال تعريف مصطلحات المفردات المكونة لهذا المبدأ، وهي مصطلح الشريعة الإسلامية وما يتعلق به من مصطلحي الفقه والقانون، ومصطلح المصدر ومصطلح التشريعات نستطيع أن نستخلص التعريف المركب لمبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» كالآتي:
حيث يعني هذا المبدأ أن أحكام الشريعة الإسلامية والتي نعرفها عن طريق الفقه الإسلامي بطريقتيه النقلية والاجتهادية، يجب أن تكون هي مصدر للمشرع اليمني عند وضعه للقاعدة القانونية (مصدر مادي وتاريخي)، وللقاضي والفقيه القانوني لمعرفة حكم القانون عند إصدارهما لحكم قضائي أو رأي قانوني في حالة عدم وجود تشريع، وهي مصدر أيضاً للقاضي أو الفقيه عند تفسير قاعدة قانونية. وتكون الشريعة الإسلامية مصدراً للعمل القانوني المطلق لكافة صور التشريعات سواء الأساسية (الدستور) أو الرئيسية (القوانين) أو الفرعية (اللوائح) بما في ذلك القوانين المصادقة على الاتفاقيات الدولية ونحوها من قواعد القانون الدولي.
وهكذانجد أنه يجبعلى كل من يمارسعملاً قانونياً كوضعقاعدة (قانونية التشريع،النص) أو معرفةحكم القانون (القضاء- استشارة قانونية)،أو تفسير القانون،أياً كان موضوعالعمل القانوني تشريعاأساسيا (الدستور) وتشريعاً رئيسياً (القوانين) وتشريعاً فرعياً (اللوائح). وأياً كانموضوع التشريع عاماً (دستوري- إداري- مالي- جنائي) أو خاصاً (أحوال شخصية– مدني-تجاري- عمل) أو إجرائياً (مرافعات- إثبات- تحكيم... إلخ).
الفرع الثاني
لمحة تاريخية عن دور الأديان في تنظيم المجتمعات (كمصدر للقانون)
يعرف الدين لغة بأنه كل خضوع على وجه ما لشيء ما تقديساً له وتقرباً إليه.
أما تعريف الدين اصطلاحاً: فهو الاعتقاد بوجود قوة غيبية (الله عند الأديان السماوية- الآلهة لدى الأديان الوضعية) هي التي أوجدت الكون، وتدبره وتسيره وتدين لهذه القوة بالخضوع والعبادة[12].
والتدين فطرة ضرورية في الإنسان خلقها الله فيه؛ لأنها غذاء جانبه الروحي[13].
والأصل في تاريخ الإنسانية وجود الدين، أي السماوي والذي يرسله الله عن طريق الأنبياء عليهم السلام بدءاً من النبي آدم عليه السلام وانتهاءً بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أما وجود الأديان الوضعية فهي حالة شاذة تحصل بسبب انحراف البشر وبعدهم عن الوحي، ومع هذا تأتي الرسالات لتصحح هذا الانحراف عن طريق الأنبياء والرسل عليهم السلام[14].
ولما كانت قواعد الأديان تقتضي الخضوع والتقديس فإن قواعده ستكون ملزمة، وبالتالي فإنها ستكون مصدراً للقانون، سواء أكانت أدياناً سماوية أم وضعية[15].
وقد عرف تاريخ الإنسانية للأديان دور في التشريعات والقواعد القانونية في تنظيم حياة الحضارات القديمة، كالحضارة البابلية (قانون حمورابي) حيث وجدت فيه قواعد دينية وضعية، ومنها الحضارة الفرعونية، كما كان للدين الوثني أثر في الحضارة اليونانية القديمة والحضارة الرومانية (القانون الروماني)[16].
كما كان للأديان السماوية أيضاً دور في تنظيم حياة المجتمعات الموجودة فيها، فالدين اليهودي كان مصدراً للقانون اليهودي والشريعة اليهودي طيلة مراحله التاريخية، كما كان للدين المسيحي أيضاً دور في القانون الروماني في مراحله المتأخرة، بينما نجد أيضاً ظهور القانون الكنسي باعتباره قانوناً دينياً مصدره رجال الكنيسة في القرون الوسطى في الحضارة الأوروبية.
إلا أنه يُعاب على القواعد الدينية المأخوذة من الأديان الوثنية أو من الأديان السماوية المحرفة، أنها تتسم بالجمود واحتكار رجال الدين لمعرفتها وإحاطتها بشكليات غير مفهومه، كل ذلك يجعل تلك القواعد الدينية لا تناسب أن تكون قواعد قانونية[17].
كما كان للدين الإسلامي دور بارز كمصدر للشريعة الإسلامية والقانون الإسلامي طيلة فترات الحضارة الإسلامية. وكان لوجود قواعد الدين الإسلامي كمصدر قانوني ينظم حياة المجتمع الإسلامي أثر واضح في ازدهار الحضارة الإسلامية في جميع جوانبها العلمية والعمرانية والإنسانية، وذلك بسبب استقرار المجتمع الناتج عن تنظيمه بالقانون الإسلامي، وهي أحكام الشريعة الإسلامية، إلا أن أحكام الشريعة لم تتسم بصفات القواعد الدينية الأخرى من الجمود ونحوه، وهو ما سندلل عليه[18].
الفرع الثالث
لمحة تاريخية خاصة عن دور الدين (الشريعة الإسلامية) في تنظيم المجتمع اليمني (كمصدر للقانون له)
وسنتناول هنا دور الدين كمصدر للقانون اليمني في مراحل التاريخ اليمني المختلفة.
(أ) دور الدين كمصدر للقانون اليمني في مرحلة تاريخ اليمن القديم:
ومرحلة تاريخ اليمن القديم هي مرحلة ما قبل الإسلام، وظهرت في اليمن حضارات تاريخية قديمة ودول سياسية مشهورة (معين- سبأ- حمير)، وظهرت فيها الأديان الوثنية، حيث عبد اليمنيون مجموعة من الآلهة، كما عرف اليمن القديم أيضاً الديانات السماوية حيث دخلت اليهودية بعد إسلام بلقيس ملكة سبأ في عهد نبي الله سليمان عليه السلام، كما دخلت النصرانية عن طريق بعثة رومانية ثم انتشرت عن طريق الأحباش، وكان لهذه الأديان في تاريخ اليمن القديم دور بارز في تنظيم المجتمع اليمني كمصدر للقانون اليمني وكان له أثر في كافة النظم القانونية (الحكم والإدارة- التقاضي- العقوبات-الأسرة- الملكية- العقود والالتزامات)[19].
(ب) دور الدين كمصدر للقانون اليمني في مرحلة تاريخ اليمن الوسيط:
ومرحلة تاريخ اليمن الوسيط هي مرحلة دخول اليمن الإسلام سنة (10هـ)، إلى مرحلة الدولة العثمانية الثانية (1265هـ-1833م)، والتي بدخول الإسلام أصبح غالبية اليمنيين مسلمين، وهنا أصبح الدين الإسلامي الحنيف هو مصدر تنظيم حياة المجتمع اليمني، وكان القانون الإسلامي المتمثل في الشريعة الإسلامية هو السائد في كل فترة تاريخ اليمني الوسيط، إلا أن معرفة الشريعة الإسلامية اصطبغت حسب المدرسة القانونية التي يتبعها النظام السياسي، ففي عصر الدولة الزيدية مثلاً تمثلت الشريعة الإسلامية بمدرسة الفقه الزيدي، وفي عهد الدولة الصليحية تمثلت الشريعة الإسلامية بمدرسة الفقه الإسماعيلي، وفي عهد الدولة الأيوبية والرسولية والطاهرية تمثلت الشريعة هنا بمدرسة الفقه الشافعي. وفي عهد الدولة العثمانية الأولى تمثلت الشريعة هنا بمدرسة المذهب الحنفي، وكان القانون هنا عبارة عن آراء فقه كل مذهب، وعند عمل المتون الفقهية لدى فقهاء المذاهب كمتن الأزهار في فقه الزيدية، ومتن أبي شجاع والزبد في الفقه الشافعي، أصبحت تلك المتون بمثابة القواعد القانونية المكتوبة (التشريعات)[20].
(ج) دور الدين كمصدر للقانون اليمني في مرحلة تاريخ اليمن الحديث:
وتمتد هذه المرحلة من تاريخ الدولة العثمانية في اليمن (1265هـ/1833م) مروراً بعهد أئمة بيت حميد الدين إلى قيام الثورة اليمنية (1962/1963م)، وتعد أيضاً هذه المرحلة امتداداً للتاريخ الوسيط إلا أنها امتازت بكون قواعد الشريعة الإسلامية هنا رسمية مكتوبة تمثلت في العهد العثماني بمجلة الأحكام العدلية، وفي عهد بيت حميد الدين باختيارات الأئمة. مع وجود الشريعة الإسلامية كقواعد قانونية غير مكتوبة في المناطق الجنوبية والشرقية فيما كان يعرف بالمحميات. أما في محمية عدن خاصة فقد تقلص دور الدين (الشريعة الإسلامية) كمصدر للقانون في المجال المدني والجنائي، بينما كان موجوداً في مجال الأحوال الشخصية كقواعد قانونية غير رسمية أي غير مكتوبة[21].
(د) دور الدين كمصدر للقانون اليمني في مرحلة تاريخ اليمن المعاصر:
ويمتد هذا التاريخ من قيام الثورة اليمنية في الشمال 26 سبتمبر 1962م ضد الأئمة (بيت حميد الدين) وفي الجنوب 10 أكتوبر1963م ضد الاحتلال البريطاني، ومروراً بالوحدة اليمنية 22/5/1990م إلى مرحلة الحوار الوطني الحالي. ولا يزال في هذه المرحلة للدين (الشريعة الإسلامية) دور في تنظيم المجتمع اليمني باعتباره مصدراً للقانون، إلا أنه هنا تحول مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» من قاعدة دستورية عرفية غير مكتوبة إلى قاعدة دستورية مكتوبة رسمية؛ وذلك بسبب ظهور القواعد الدستورية المكتوبة بنشأة الدساتير في تاريخ اليمن المعاصر، بدءاً من دستور ثورة 1948م وانتهاءً بدستور 2002م، حيث تضمنت دساتير اليمن هذا المبدأ، كدستور 1948م، والدساتير المؤقتة بعد ثورة سبتمبر 1962م في الشمال كدساتير 64،63،62، والدستور الدائم 1970م.
- أما في الجنوب فإنه بعد أن كانت قاعدة تطبيق الشريعة الإسلامية قبل ثورة أكتوبر 1963م قاعدة دستورية عرفية، فإن هذه القاعدة بعد قيام ثورة أكتوبر بدأت تنحسر كثيراً، وتم استبعادها من دستور دولة اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1970م وانحسر تطبيق هذا المبدأ في النظام القانوني في الجنوب بسبب وجود النظام الاشتراكي العلماني. إلا أنه مازال موجوداً في قوانين الأحوال الشخصية مع تغيير في أحكامها، كمنع تعدد الزوجات، وتقييد الطلاق بالقضاء ونحوه. وبعد الوحدة عاد تطبيق المبدأ من جديد في المناطق الجنوبية بسبب وجود المبدأ كقاعدة دستورية مكتوبة في دستور دولة الوحدة 1990م وتعديلاته[22].
- وهكذا نلاحظ أن مبدأ «الشريعة مصدر جميع التشريعات» وتطبيق الشريعة الإسلامية كان هو المبدأ المطبق على كافة مراحل التاريخ اليمني الوسيط والحديث والمعاصر، وأن اليمن لم يتأثر كباقي الدول الإسلامية بموجة غزو القوانين الغربية الوضعية، وذلك بسبب الاستقلال السياسي لليمن، وبسبب تدين الشعب اليمني باستثناء فترة وجيزة في الجنوب، ثم عاد المبدأ ليطبق من جديد في اليمن ليعود إلى وضعه الطبيعي باعتبار شعب الجنوب، شعب كله مسلم ومتدين، وكان لهم دور كبير في نشر الإسلام خارج اليمن كإندونيسيا وجنوب شرق آسيا[23].
المبحث الأول
المبررات لتطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»
بعد استعراضنا لمفهوم مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»، وعرفنا الوجود التاريخي العريق لهذا المبدأ طيلة التاريخ اليمني الوسيط والحديث والمعاصر، وكيف تحول من قاعدة دستورية عرفية غير مكتوبة إلى قاعدة دستورية رسمية مكتوبة، نصت عليها كافة الدساتير اليمنية المكتوبة. سنذكر في هذا المبحث مبررات لتطبيق هذا المبدأ في اليمن. وسنذكر المبررات الفلسفية والعلمية، ثم نؤكد على هذه المبررات بالرد على دعاوى وجود معوقات لتطبيق هذا المبدأ، كما يلي:
- المطلب الأول: المبررات الفلسفية لتطبيق هذا المبدأ.
- المطلب الثاني: المبررات العلمية لتطبيق هذا المبدأ.
- المطلب الثالث: الرد على مزاعم وجود معوقات لتطبيق هذا المبدأ.
المطلب الأول
المبررات الفلسفية لتطبيق هذا المبدأ
وهي المبررات الفلسفية لعلماء تاريخ وفلسفة القانون، وهي تقوم على مبادئ فكرية وفلسفية تجعل تطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» وجوباً عقلياً ومنطقياً وأن الحياد عنه سيخالف المنطق والعقل وفيه خروج عن الفطرة. وسنتناول هذه المبررات الفلسفية في الفروع الآتية:
- الفرع الأول: احترام أفراد المجتمع اليمني لهذا المبدأ والتزامهم به.
- الفرع الثاني: الهدف من تنظيم الشريعة الإسلامية لحياة المجتمع هو تحقيق مصالح الأفراد في المجتمع.
- الفرع الثالث: مرونة قواعد الشريعة وقابليتها للتطور.
- الفرع الرابع: واقعية قواعد أحكام الشريعة الإسلامية.
الفرع الأول
احترام أفراد المجتمع اليمني لهذا المبدأ والتزامهم به
يقرر فقهاء فلسفة القانون أنه يجب في القواعد التي تنظم علاقات الناس كي تكون قواعد قانونية أن يعتقد الناس الالتزام بها؛ وذلك ليسهل تطبيقها عملياً.
وبتطبيق ذلك على الحكم الشرعي، نجد أن أفراد المجتمع اليمني يحترمون مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات، وهذا ناتج عن العقيدة الإسلامية للشعب اليمني وتمسكهم بالدين الإسلامي عقيدة وسلوكاً. هذا الاحترام لمبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية جعلت الشريعة الإسلامية تمثل النظام العام للمجتمع اليمني بمعنى أن قواعد الشريعة بالنسبة للمجتمع اليمني تعد القواعد الجوهرية التي يقوم عليها المجتمع في أساسه، سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
كما أن قواعد الشريعة تمثل أيضاً بالنسبة للمجتمع اليمني ما يعرف بالآداب العامة في الفكر الفلسفي القانوني، وهي تعني مجموعة القواعد الخلقية التي يعتبرها المجتمع أساساً لا يجوز الخروج عليه[24].
وبالتالي تصبح قواعد الشريعة الإسلامية قواعد ملزمة، من السهل جداً تضمينها في قواعد قانونية ملزمة؛ لأن الأفراد كانوا يلتزمون بها مسبقاً. وهذا يحقق غرض القواعد القانونية؛ ولذلك كان من الصعب الإتيان بقواعد غريبة عن المجتمع وثقافته لتكون قانوناً، وهي وإن نفذت فلن تكون ذات جدوى ولن يحقق القانون هدفه في تنظيم المجتمع ورقيه وتطوره. ولذلك نجد أن المشرعين عند وضع قواعد قانونية مكتوبة يأخذونها من قواعد العرف التي يطبقها الأفراد في المجتمع ويحترمونها. ولما كان أفراد المجتمع اليمني يطبقون أحكام الشريعة الإسلامية في تنظيم العلاقات فيما بينهم. ويعتبرون أن تلك الأحكام بالنسبة لهم ملزمة لهم ليمثل لهم مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية قاعدة دستورية عرفية غير مكتوبة، وبالتالي فإنه يجب أن تتحول إلى قاعدة دستورية مكتوبة[25].
ويرجع سبب اعتقاد أفراد المجتمع اليمني لإلزامية مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»، ووجوب تطبيق الشريعة الإسلامية على جميع نواحي الحياة في المجتمع اليمني يرجع ذلك إلى أمرين:
- الأمر الأول: العقيدة الإسلامية للفرد اليمني المسلم، الذي يعتقد بالله رباً خالق الكون ومالكه ومدبره ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 85 قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ 87﴾ [سورة المؤمنون]. فكانت النتيجة العقلية والمنطقية للاعتراف لله سبحانه وتعالى بالخلق والملك الاعتراف له سبحانه وتعالى بالحكم والأمر والنهي في ملكه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف:55]. فالعدل أن الخالق والمنشئ والمالك هو الحاكم. ولذلك وصف الله سبحانه وتعالى العدول عن حكم الله هو الظلم ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة المائدة:45]. كما وصفه الله بالفسق وهو الخروج عن طاعة الله بعدم امتثال حكمه ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة:47]. كما أن الحكم بغير ما أنزل الله يعد إنكاراً لحق الله في الربوبية والتي من آثارها الحكم. فإنكار الإنسان- مثلاً- على شخص التصرف في ملكه هو إنكار لملكيته. وإنكار الإنسان لحكم الله في خلقه هو إنكار لربوبية الله. ولذلك كان الحكم بغير ما أنزل الله كفراً ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة:44]. ولذلك كان عدم تطبيق الشريعة في الحياة هو كفر وخروج عن الدين الإسلامي، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة:85].
- أما الأمر الثاني: للالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية: هو أن الاعتقاد بأن هذه الشريعة هي من عند الله سبحانه وتعالى الذي خلق الخلق ويعلم ما ينفعهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الملك:14]، وبالتالي فإن الله راعى في تشريعه مصالح الخلق المادية والروحية الخاصة والعامة. بينما قانون البشر لا يراعي ذلك كونه التشريع الذي يصدر ممن هم قاصرون عن العلم بدقائق أنفسهم وأموالهم. وبالتالي ستخضع مصالح التشريع لأهواء المشرعين ومصالحهم الخاصة وثقافتهم. بينما الشريعة الإسلامية هي موافقة للفطرة البشرية التي فطر الناس عليها.
وهناك نتيجة أخرى ناتجة عن كون الاعتقاد بأن الشريعة من عند الله سبحانه وتعالى وهو سبحانه وتعالى الحكم العدل الذي لا يظلم أحداً من خلقه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ [سورة آل عمران:182]، كما أنه سبحانه وتعالى لا يفرق بين أحد من خلقه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات:13]. ولذلك جاءت الشريعة بمبدأ المساواة بين الناس بغض النظر عن اختلافهم في اللون أو اللغة أو الجنس، وإن وجد بعض التفريق في الجنس فهو تفريق ناشئ من الفطرة وطبيعة اختلاف الخلق بين الذكر والأنثى ليس فيه أي جور أو ظلم، وإنما الظلم يكون في تشريع أحكام مخالفة لطبيعة خلق الإنسان مما يكلفه ويشق عليه [26].
فهذا يدلل على أن أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة لليمنين هي قواعد قانونية غير مكتوبة أي أنها عرفية، وبالتالي من السهولة تحويلها إلى قواعد قانونية مكتوبة (التقنين).
الفرع الثاني
الهدف من تنظيم الشريعة الإسلامية لحياة المجتمع
هو تحقيق مصالح الأفراد في المجتمع
يقرر فقهاء تاريخ القانون للقواعد القانونية التي تنظم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد أن تحقق مصالح الأفراد ويضمن لهم الاستقرار.
ولما كانت الشريعة من عند الله سبحانه وتعالى، فإنه مما لا شك فيه أن الله سبحانه وتعالى ليس له مصلحة في امتثال عباده لشريعته فهو غني عن العالمين، فإيمان الناس وكفرهم لن يزيد في ملك الله شيئاً، ولن ينقص من ملك الله شيئاً. وبالتالي فإن الغرض والهدف من أحكام الشريعة الإسلامية هو تقرير مصالح العباد، ولذلك قرر الفقهاء قاعدة عامة بعد استقرائهم لجزئيات وفروع الشريعة الإسلامية، وهي أن الشريعة الإسلامية قامت على رعاية المصالح، وتكون رعاية المصالح بجانبيها الإيجابي (جلب منفعة) والسلبي (درء مفسدة). ورعاية تلك المصالح ناتج عن علم الله بخلقه وأحوالهم في الحاضر والمستقبل، ولذلك قررت الشريعة الإسلامية أن في القصاص حياة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة:179]. فذو النظرة القاصرة مثلاً قد لا يفهم أن مصلحة الإعدام قصاصاً هو سبب لحفظ الحياة للمجتمع. ولكن المتأمل أن تطبيق القصاص سيمنع القاتل من القتل فسينتج وجود الحياة والأمن للمجتمع. بينما نجد المشرع الوضعي (البشر) تحكمهم العاطفة والقصور في تحقيق مصلحة المجتمع ومراعاة مصلحة القاتل دون المقتول، وينادون بإلغاء حكم الإعدام، مما جرأ الناس على القتل لأن القاتل يعلم أنه لن يُقتل، بينما لو علم القاتل أنه سيُقتل فلن يتجرأ الإقدام على القتل، وبالتالي سيتحقق حفظ حياة ونفس المقتول وحفظ الأنفس في المجتمع[27].
وقد راعت الشريعة الإسلامية مراعاة خمس مصالح عامة للمجتمع عرفت بمقاصد الشريعة يتحقق بحفظ هذه المقاصد، حفظ النظام في المجتمع واستقراره.
وهذه المصالح هي:
1- مصلحة الدين: وهي مصلحة تراعي القوام الروحي في الإنسان وهو جانب التدين والذي هو فطرة الإنسان التي جُبل عليها، وينتج عن هذه المصلحة مراعاة الشريعة لأهم حقوق الإنسان المتعلقة بجانبه الروحي كحقه في التدين وحرية الاعتقاد، وهذا الحق مرتبط بالعقل والفكر، وحرية الإرادة والاختيار، والقناعة الشخصية للإنسان، وممارسة الشعائر الدينية، وهذه العقيدة تنبع من القلب ولا سلطان لأحد عليها إلا الله تعالى. ومن تطبيقات مراعاة مصلحة الدين في الشريعة الإسلامية وجود عدة مبادئ وحقوق منها التسامح الديني وحرية الاعتقاد لغير المسلم، واحترام بيوت العبادة، والمعاملة الإنسانية لغير المسلمين.
2- مصلحة النفس: وهي مصلحة تراعي الجانب المادي للإنسان وهي أعظم مقومات وجود الإنسان وهي الحفاظ على حياته، وتقرر من رعاية الشريعة الإسلامية لها تقرير حق الحياة، وتحريم قتل الإنسان، وتحريم الانتحار، وتحريم الإذن بالقتل والإجهاض، وحرمة إفناء النوع البشري باستخدام وسائل الدمار الشامل، ويلحق بحق الحياة وجوب المحافظة على الكرامة الإنسانية.
3- مصلحة العقل: وهي مصلحة يراعى فيها الجانب العقلي والفكري للإنسان، فالعقل الجانب الذي يميز الإنسان عن كافة المخلوقات، ولذلك شرع الإسلام أحكاماً تراعي العقل من حيث الدعوة إلى التفكير وتحريم استخدام كل ما يؤثر في العقل كاستخدام المسكرات والمخدرات ونحوها. ومن نتائج مراعاة مصلحة العقل حرية التفكير وحرية الرأي والتعبير.
4- مصلحة العِرض: وهذه المصلحة هي فرع عن مصلحة النفس كون حفظ العرض سيؤدي إلى حفظ النسل، ويؤدي إلى عدم اختلاط الأنساب وفيه محافظة على الكرامة الإنسانية وإلا كان الإنسان كالحيوان تختلط فيه الأنساب ومن تطبيقات هذه المصلحة حرمة الزنا وحرمة الإجهاض ومنع تحديد النسل المطلق، وحماية حقوق الأسرة ونحوها.
5- مصلحة المال: وراعت الشريعة مصلحة المال كونها الوسيلة المحققة لتحقيق مصالح الإنسان المادية والمعنوية والفكرية ونحوها، ومن نتائج رعاية هذه المصلحة رعاية حق التملك وحرمة أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم إتلاف المال، وتحريم الربا[28].
وهذا يدل على صلاحية جعل أحكام الشريعة الإسلامية قواعد قانونية؛ كون القانون هدفه تنظيم سلوك الأفراد في المجتمع.
الفرع الثالث
مرونة قواعد الشريعة وقابليتها للتطور
يقرر فقهاء تاريخ وفلسفة القانون للقواعد القانونية أن تكون مرنة وغير جامدة، ولذلك يستبعدون قواعد الدين لجمودها.
والمتأمل في أحكام الشريعة الإسلامية يجدها مرنة وقابلة للتطور، وهذا ناتج عن مراعاة الشريعة لمصالح الأفراد في المجتمع، والتي تتطور هذه المصالح بسبب تطور ظروف المجتمع السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية. ولكن درجة هذا التطور تختلف من حال إلى حال، فدرجة تطور المصالح المتعلقة بالأسرة قليلة جداً وتكاد تكون نادرة، ولذلك جاءت الأحكام الشرعية المنظمة لشئون الأسرة بأحكام شرعية أكثر تفصيلاً كأحكام الزواج والطلاق والحضانة والإرث ونحوها.
- أما الأحكام الشرعية المتعلقة برعاية مصلحة المال فنجدها أقل عنها في الأسرة كون المعاملات المالية قد تطورت كثيراً؛ ولذلك نجد الأحكام الشرعية تناولت تنظيم المصالح الأساسية والثابتة المتعلقة بالمال، كمصلحة دفع مفسدة أكل أموال الناس بالباطل عن طريق اشتراط التراضي في العقود، وتحريم الغرر والتدليس والإكراه، وكذا دفع مفسدة أكل الربا بتحريمه لضرره على اقتصاد الأمة الإسلامية.
- وفي مجال تنظيم حفظ الأمن في المجتمع فقد راعت الشريعة الإسلامية الحفاظ على تجريم ما يخل بمصلحة حماية الدين (حد الردة)، وحماية النفس (القصاص)، وحماية العِرض (حد الزنا)، وحماية المال (حد السرقة)، وحماية العقل (حد الشرب)، وحماية الأمن العام والسكينة العامة (حد الحرابة)، تاركة للفقهاء تحريم وتجريم ما يُستحدث من مفاسد فيما يُعرف بالتعزير.
- أما في مجال تنظيم العلاقات السياسية كالحكم ونحوه، فإنه لما كانت هذه العلاقات قابلة للتطور كثيراً فإن الأحكام الشرعية جاءت بقواعد عامة كالشورى، والعدالة، والمساواة ونحوها.
- ومثلها أيضاً الأحكام الشرعية المنظمة للعلاقات الدولية فقد جاءت بمبادئ عامة، سواء ما كان في حالة السلم كاحترام المواثيق والعهود، واحترام العهد الدولي الذي لا يخالف الشريعة الإسلامية والعدالة والمعاملة بالمثل. ومثلها الأحكام المتعلقة بالحرب كتحريم الإضرار بالبيئة وتحريم قتل الأبرياء وحماية حقوق الأسرى ونحوها.
- كما أن مرونة وتطور الشريعة الإسلامية، لم يقتصر على قواعدها الموضوعية، بل تعدى ذلك ليشمل تطور مصادرها، فبعد أن كانت مصادر الشريعة الكتاب والسنة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، جاء الاجتهاد ليكون مصدراً في العصور اللاحقة والذي تطور من إجماع وقياس واستحسان ومصالح مرسلة...الخ[29].
كل ذلك يدلل على وجوب تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية.
الفرع الرابع
واقعية قواعد أحكام الشريعة الإسلامية
يقرر فقهاء تاريخ وفلسفة القانون للقواعد القانونية أن تكون واقعية تعالج واقع المجتمع لا مثالية، كالقواعد الدينية المثالية لا الواقعية.
والشريعة الإسلامية وإن كانت مثالية تسعى للإنسان بأن يصل إلى المثالية والمتمثلة في الوصول إلى الفطرة التي خلق الله العباد لها وهي طاعته المطلقة كباقي المخلوقات. إلا أن الشريعة راعت الجانب الواقعي والذي كان بسبب ترك الله للإنسان الحرية في الاختيار ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [سورة البلد:10]؛ لذلك كله نجد أن الشريعة قد راعت واقع الناس وظروفهم، ويظهر ذلك فيما يلي:
1. في جانب رعاية المصالح والمقاصد الشرعية، راعت واقع الاختلاف في أهميتها من مصالح ضرورية التي تقوم عليها مصالح الناس ولا غنى لهم عنها، كحفظ الدين والنفس. وهناك مصالح حاجية، وهي المصالح والأمور التي تخفف على الناس أعباء وتبعات التكاليف وترفع الحرج والمشقة كإباحة التعاقد ونحوه. وهناك مصالح تحسينية، وهي التي تحسن بها حياة الناس وتكمل، كشرعية الترويح عن النفس بالمأكل والمشرب ونحوه.
2. كما تظهر جوانب واقعية الشريعة في تقريرها للحدود والعقوبات من أجل زجر الناس، فواقع الناس لن ينزجروا لأحكام الشريعة إلا بالحدود والعقوبات فكانت زواجر لهم.
3. كما راعت واقع الناس وحاجتهم لإشباع حاجتهم الجنسية فشرعت الزواج والتعدد.
4. كما راعت واقع استحالة بقاء الزواج فشرعت الطلاق. وهكذا[30].
فكل ما سبق يدلل على إمكانية أن يكون الحكم الشرعي قاعدة قانونية.
المطلب الثاني
المبررات العلمية لتطبيق هذا المبدأ
ونقصد بها المبررات العلمية لدى علماء القانون، وهي مبررات تبرر علمياً حسب علم القانون اعتبار أحكام الشريعة الإسلامية قواعد قانونية. ومعرفة ذلك تأتي من مدى توافر خاصية القواعد القانونية على الحكم الشرعي. وخصائص القواعد القانونية من خلال تعريف القانون بأنه «القواعد العامة والمجردة التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع ومقرون بجزاء مادي توقعه السلطة العامة». وهي بهذا قواعد عامة ومجردة وقواعد اجتماعية وقواعد ملزمة، وسنتناول هذه القواعد كما يلي:
- الفرع الأول: أحكام الشريعة الإسلامية عامة ومجردة.
- الفرع الثاني: أحكام الشريعة الإسلامية تخاطب السلوك الخارجي للفرد.
- الفرع الثالث: أحكام الشريعة الإسلامية مقرونة بالجزاء المادي الذي توقعه السلطة العامة.
الفرع الأول
أحكام الشريعة الإسلامية عامة ومجردة
يقرر الفقه القانوني لصحة أن تكون القاعدة المنظمة للعلاقات الاجتماعية قاعدة قانونية أن تكون عامة ومجردة بمعنى أنها تخاطب عموم الأفراد بصفاتهم لا بذواتهم وتنطبق على الوقائع بشروطها لا بأعيانها[31].
وبالتأمل في أحكام الشريعة الإسلامية نجد أنها تخاطب كافة المكلفين، ولذلك عرف علماء الأصول الحكم الشرعي بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وقرر الأصوليون أيضاً قاعدة شرعية، وهي أن «العبرة في الحكم الشرعي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، فالحكم الشرعي وإن ورد لسبب واقعة معينة فهي لا تخصها فقط بل تعم جميع الوقائع المتشابهة معها، ويستثني العلماء الأفعال الخاصة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كجواز التعدد بأكثر من أربع من الحكم الشرعي؛ كونه لا يعم الناس فلا يعتبرونه حكماً شرعياً، كذلك حوادث الأعيان الخاصة ببعض الصحابة كشهادة خزيمة باثنين، لا تكون حكماً شرعياً لكافة المكلفين[32].
الفرع الثاني
أحكام الشريعة الإسلامية تخاطب السلوك الخارجي للفرد
يقرر الفقه القانوني أن القاعدة المنظمة للعلاقات الاجتماعية يجب أن تخاطب السلوك الخارجي للفرد، وبالتالي فلا تخاطب السلوك الداخلي للفرد من اعتقاد ونية[33].
وبالتأمل في الأحكام الشرعية نجد وجود نوعين من الأحكام.
• النوع الأول: أحكام تخاطب سلوك الفرد الداخلية المتعلقة بنواياه واعتقاده كالعبادات ونحوها، فهذه أحكام تعرف بالديانة.
• النوع الثاني: أحكام تخاطب سلوك الأفراد الخارجية ويمكن إثباتها قضاءً فتعرف بالأحكام القضائية. وهنا فرق العلماء بين الواجب ديانة والواجب قضاء على اعتبار أن الأحكام الشرعية القضائية أي التي يجوز للقضاء النظر فيها هي القواعد القانونية لدى الفقه القانوني مما يدل على وجود هذه الخاصية في الأحكام الشرعية القضائية، فتصح أن تكون الأحكام الشرعية قواعد قانونية[34].
الفرع الثالث
أحكام الشريعة الإسلامية مقرونة بالجزاء المادي
الذي توقعه السلطة العامة
يقرر الفقه القانوني أن من خصائص القاعدة القانونية أن تكون مقرونة بالجزاء المادي الذي توقعه السلطة العامة، واشترطوا في هذا الجزاء أن يكون مادياً دنيوياً لا معنوياً وأخروياً. ومن صور الجزاء لديهم الجزاء الجنائي كالعقوبات، والجزاء والمدني كالتعويض، والجزاء الإداري كالفصل من الخدمة، والجزاء المهني كالوقف من ممارسة المهنة. ونتيجة لذلك يقرر الفقه القانوني أن قواعد الدين لا يمكن أن تكون قواعد قانونية تنظم حياة المجتمع لأن جزاءها أخروي[35].
وبالتأمل في أحكام الشريعة الإسلامية نجد أن الأصل في جزاء مخالفة أحكام الشريعة (المعاصي) هو أخروي وهو النار وذلك عام في كافة أحكام الشريعة، سواء ما كانت أحكامه ديانة أو قضاء. إلا أنه ونظراً لواقعية الشريعة الإسلامية فقد قررت جزاءً دنيوياً لمخالفة أحكامها. ويأتي سبب تقرير الجزاء المادي الدنيوي بسبب تعدي ضرر المعصية إلى الأفراد، مما يخل بنظام الأمن في المجتمع وقررت نوعين من الجزاء:
• النوع الأول: الجزاء الجنائي والذي عُرف بأحكام الحدود والقصاص والجنايات والديات، حيث تقرر على بعض المعاصي الكبيرة عقوبات زاجرة، وعلل العلماء سبب وجود العقوبات بكونها زواجر للناس لكيلا يقترفوا تلك المعاصي؛ لأنها ضارة ضرراً كبيراً بالأفراد والمجتمع، كعقوبة القتل بالقصاص وحد السرقة والزنا...إلخ.
• والنوع الثاني: من الجزاء هو الجزاء غير الجنائي أو الجزاء المالي. وسموا هذه الجزاءات بالضمان، كالتعويض عن معصية إتلاف مال الغير، وقرروا أن هذه الضمانات إنما هي جابرة للضرر الذي وقع لصاحبه.
كما أن الجزاء في الشريعة الإسلامية بنوعيه الجنائي (الحدود) والمالي (الضمانات) يقرر الفقهاء إيقاعه بواسطة الدولة. ففي الجزاء الجنائي لا يكون تنفيذها إلا بواسطة ولي الأمر ولا يجوز للأفراد تنفيذها ولو بالتراضي. أما الجزاء المالي (الضمانات)، فيجوز للأفراد تنفيذها اختياراً لا جبراً، أما التنفيذ الجبري للضمانات فلا يكون إلا عن طريق القضاء[36].
المبحثالثاني
تطبيقالمبدأ في اليمن (الضوابط والرقابة)
بعد تقرير وجوب تطبيق مبدأ الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات في اليمن، سنتناول في هذا المبحث تطبيق هذا المبدأ والرقابة عليه، من خلال ما يلي:
- المطلب الأول: ضوابط تطبيق المبدأ.
- المطلب الثاني: الرقابة على تطبيق المبدأ.
المطلب الأول
ضوابط تطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر التشريعات»
سنتناول ضوابط تطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» في حالة وجود حكم شرعي سابق ينظم العلاقات القانونية المراد تنظيمها، وفي ضوابط تطبيق هذا المبدأ في حالة عدم وجود حكم شرعي سابق. ونبدأ قبلها بالكلام عن مفهوم تقنين أحكام الشريعة الإسلامية وأهميته وأساسه باعتباره الوسيلة لضبط تطبيق مبدأ الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات وسنتناولها كما يلي:
- الفرع الأول: وسيلة تطبيق المبدأ هو تقنين أحكام الشريعة الإسلامية.
- الفرع الثاني: ضوابط تطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» في حالة وجود حكم شرعي سابق.
- الفرع الثالث: ضوابط تطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» في حالة عدم وجود حكم شرعي سابق.
- الفرع الرابع: الوسيلة العملية المعينة على تطبيق الضوابط السابقة.
الفرع الأول
وسيلة تطبيق المبدأ هو تقنين أحكام الشريعة الإسلامية
يزعم المعارضون لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية أن تطبيق الشريعة الإسلامية هنا غير منضبط؛ كون أحكامها مختلفة ومتشعبة بسبب اختلاف المذاهب الفقهية، فالأقوال فيها كثيرة حتى في المذهب الواحد، وهنا يكون على القاضي صعوبة كبيرة في الإلمام بتلك المذاهب، كما أنه قد تختلف أحكام القضاء في ذلك من محكمة لأخرى.
ولذلك كان الطريق لضبط تطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» بالتقنين.
ويقصد بمفهوم تقنين أحكام الشريعة الإسلامية: هو صياغة الأحكام الشرعية في صورة مواد قانونية وفقاً لرأي واحد، إذا كانت المسألة محل خلاف بين المذاهب، دون الاقتصار على مذهب معين، لكي يجري القضاء على هذا الرأي المختار في جميع المحاكم وبين سائر المتقاضين.
والهدف من التقنين هو ضبط تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، والذي ينتج عنه توحيد الأحكام القضائية في المسائل والقضايا المتشابهة، بحيث لا يقضي قاض برأي في مسألة، ويقضي آخر في قضية متشابهة لها بحكم آخر مختلف. كما أنه ييسر على القضاة والمحامين والقانونيين الرجوع إلى حكم الشريعة في مواد ميسرة وسهلة ومضبوطة دون الرجوع للحكم من بطون أمهات كتب فقه الشريعة الإسلامية.
ويرجع أساس جواز التقنين وإلزام القضاة برأي واحد إلى قاعدتين أصوليتين:
• الأولى: طاعة ولي الأمر واجبة إذا أمر بمباح أو نهى عنه، وطاعة أوامره ونواهيه واجبة ما لم تكن بمعصية متيقنة، متى كان الباعث عليها هو مصلحة الأمة، ويُعرف هذا بالسياسة الشرعية، والتي تعرّف بأنها: التصرف في شئون الرعية على وجه المصلحة.
• والأساس الثاني: لجواز التقنين هي قاعدة أن ولاية القضاء مما يقبل التخصيص بالزمان والمكان والحوادث، فلولي الأمر أن يخصص القضاة برأي معين، حيث عرفت الحضارة الإسلامية تخصيص القضاء بمذهب معين فقد كان في عهد الدولة العباسية على المذهب الحنفي، وفي عهد الدولة الأيوبية على المذهب الشافعي، وهكذا[37].
وللنظام القانوني اليمني الريادة في تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، حيث تم إنشاء الهيئة العلمية لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية بالقانون رقم (7) لسنة 1975م، والتي أصبحت هذه اللجنة من لجان مجلس النواب السلطة التشريعية. وكان لهذه اللجنة دور كبير في إصدار الكثير من القوانين الشرعية كقانون المواريث الشرعية، وقانون الوصية، وقانون الأسرة، وقانون الوقف، وقانون المعاملات الشرعية (القانون المدني) ...إلخ[38].
ونشأت فكرة تاريخ تقنين أحكام الشريعة الإسلامية منذ القرن الثاني الهجري، حيث اقترح ابن المقفع على أبي جعفر المنصور أن ينظر في الأقضية المختلفة، ويختار من بينها الرأي الذي يحقق المصلحة وتشهد له الحجة، ثم يأمر القضاة به وينهاهم عن مخالفته. وتتابعت فكرة التقنين، بوجود المتون الفقهية المختصرة في كل مذهب، والتي كان غالباً ما يلتزم بها القضاة إلا أنها غير مرقمة. ومن آخر محاولات التقنين مجلة الأحكام العدلية على المذهب الحنفي الصادرة سنة 1293هـ الموافق 1896م، وهناك محاولات غير رسمية للتقنين كمجموعة قدري باشا على المذهب الحنفي وعلى القارئ في مجلة الأحكام الشرعية في المذهب الحنبلي، وأعمال الشيخ محمد عامر الليبي في التقنين على المذهب المالكي. إلا أن ميزة التجربة اليمنية في التقنين تمتاز بعدم التزامها بمذهب معين، وإنما يكون باختيار أقوى الأقوال المدعم بأقوى الأدلة الشرعية[39].
الفرع الثاني
ضوابط تطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» في حالة وجود حكم شرعي سابق
يجب على المشرع اليمني عند تطبيقه لمبدأ الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات أن يفرق بين حالتين، وهي حالة وجود حكم سابق في الشريعة الإسلامية وفقهها، وحالة وعدم وجود حكم سابق.
ولما كانت أحكام الشريعة الإسلامية السابقة وصلت لنا عن طريق التراث الفقهي، فإنه مما لا شك فيه أن المشرع سيرجع عند تشريعه لأحكام الشريعة الإسلامية إلى التراث الفقهي العظيم بمدارسه المختلفة (المذاهب الفقهية).
وهذا التراث الفقهي إما أن يكون قائماً على النص الشرعي، وإما أن يكون قائماً على الاجتهاد ولكل منهما ضوابط يجب مراعاتها عند الأخذ منهما.
أولاً: ضوابط الرجوع إلى الفقه الإسلامي القائم على النصوص الشرعية (الكتاب والسنة):
وهنا يفترض أن الأحكام الفقهية التي أخذ بها الفقه الإسلامي مأخوذة من الوحي إما بطريق مباشر (الكتاب)، أو غير مباشر (السنة). وهنا يجب على المشرع عند التشريع مراعاة الضوابط الآتية:
1- أن يكون النص الشرعي من الكتاب والسنة قطعي الثبوت، ويتحقق هذا في كل من القراءات القرآنية المتواترة والأحاديث النبوية المتواترة. أما بالنسبة للقراءات غير المتواترة والأحاديث الآحاد، فإنه يجب فيها الضوابط العلمية المتعلقة بصحتها، والمقررة في علمي أصول الفقه ومصطلح الحديث، وهذه الضوابط منها ما يرجع إلى السند، بالتحقق من اتصال السند، وعدالة وضبط رجاله، ومنها ما يرجع إلى المتن، بخلوه من الشذوذ والعلة[40].
2- أن يكون النص الشرعي من الكتاب والسنة قطعي الدلالة على الحكم الشرعي بالتأكد من عدم كونه منسوخاً، وأنه غير مبني على علة مؤقتة يزول الحكم بزوالها، وأنه غير مبني على عرف تغير فيما بعد. كما يجب مراعاة قواعد التفسير لألفاظ النص الشرعي فيما يعرف في علم أصول الفقه بمبحث الدلالات من عام وخاص ومشترك، ومطلق ومقيد، وأمر ونهي، ومنطوق ومفهوم، وظاهر ومؤول...إلخ[41].
3- أن يكون النص الشرعي جاء بهدف التشريع وتنظيم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد جميعاً، وهذا يتحقق بأن يكون النص تشريعياً لعموم الأمة، وبالتالي إذا كان النص غير تشريعي بأن كانت له خصوصية معينة أو مبني على حالة معينة فلا يصح أن يكوم مصدراً لقاعدة قانونية، مثل: تصرف النبي باعتبار الإمامة القائم على مصلحة وقتية، أو الأفعال التي هي من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم التي مصدرها اجتهاده بصفته الإنسانية، ومثلها الحكام ببعض الصحابة ونحوه.[42].
4- مراعاة سلطة ولي الأمر في حالة وجود مصلحة قطعية وضرورية من الأمر بالمندوب والمباح ليصير واجباً، أو المنع من المباح والمكروه ليصير محرماً[43].
ثانياً: ضوابط الرجوع إلى الفقه الإسلامي القائم على الاجتهاد:
وهنا يفترض وجود أحكام شرعية سابقة مصدرها اجتهاد الفقهاء، وفي هذه الحالة يجب مراعاة الضوابط الآتية:
1- التأكد من دعوى الإجماع وعلته ومستنده، وهل هو إجماع قطعي، أو هو عبارة عن توارد أقوال وموافقة، والتأكد من عدم وجود المخالف.
2- التأكد من كون الحكم الاجتهادي السابق قائماً على عرف أو مصلحة مناسبة للمجتمع في الوقت المعاصر الذي تطورت فيه حالة المجتمع تطوراً كبيراً، قد لا تتناسب معه الأحكام الاجتهادية السابقة التي خدمت المجتمع في زمانهم.
3- التأكد من صحة استخدام الفقهاء في الفقه الاجتهادي لضوابط الاجتهاد من قياس مع التأكد من علته، والبحث عنها بالطرق العلمية المقررة في علم الأصول، وكذا التأكد من الأخذ بضوابط المصلحة المرسلة، والاستحسان، ونحوه حسب القواعد العلمية المقررة في علم أصول الفقه أيضاً[44].
الفرع الثالث
ضوابط تطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» في حالة عدم وجود حكم شرعي سابق
وهنا يفترض أن الواقعة المراد وضع تقنين لها تضبطها واقعة جديدة، لم يسبق لها حكم شرعي سابق، لا من نص ولا من اجتهاد، وسواء كانت هذه الواقعة موجودة في تشريع داخلي أو جاءت بطريق معاهدة دولية للمصادقة عليها، وهنا يجب مراعاة ما يلي:
1- العلم بأن الغرض من الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصالح العباد، وهنا يجب ضبط المصلحة ويقوم بتقرير وجود مصلحة من عدمه أهل الخبرة، والتي تختلف حسب موضوع كل علاقة كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والطب وعلم النفس...إلخ.
2- بعد ضبط المصلحة القطعية القائمة، سواء في جانبها الإيجابي جلب المنفعة أو السلبي درء المفسدة على أسس البحث العلمي لأهل الخبرة كل في مجاله، تقوم على البحث عن وجود مصلحة جزئية اعتبرتها الشريعة الإسلامية في حكم سابق، وهذه المصلحة الجزئية تسمى العلة، فنقيس هنا الحكم الجديد على الحكم القديم، ويعرف هذا بالقياس، وهنا يجب مراعاة القواعد العلمية المقررة في علم أصول الفقه في البحث عن العلة والتأكد من وجودها في الواقعة الجديدة، فيما يُعرف علميا بتخريج المناط وتحقيق المناط.
3- إن لم توجد مصلحة جزئية سابقة في حكم شرعي سابق، فهنا يتم البحث عن مصلحة عامة كلية في مجموعة أحكام شرعية سابقة، فتدخل تلك المصلحة الجديدة تحت المصلحة العامة القديمة فيما يعرف بالاستصلاح أو المصالح المرسلة.
4- عند عدم وجود مصلحة جزئية أو كلية لحكم شرعي سابق، فيكفي هنا أن تكون المصلحة الجديدة لا تعارض مصلحة جزئية اعتبرتها الشريعة بدليل قطعي الثبوت والدلالة، وكذا لا تعارض المقاصد العامة للشريعة الإسلامية التي راعتها وهي المحافظة على الدين والنفس والعرض والمال والعقل[45].
الفرع الرابع
الوسيلة العملية المعينة على تطبيق الضوابط السابقة
مما سبق نجد أن التقنين يتعلق بموضوع وهي واقعة نبحث منها عن حكم شرعي ينظمها، وبالتالي فإن مشكلتنا تتعلق بالبحث عن واقعة اجتماعية ومدى الحاجة إلى تنظيمها. والثاني البحث عن حكم شرعي لتنظم هذه الواقعة، فهناك وسائل متعلقة بالبحث بالواقعة ووسائل متعلقة بالبحث عن الحكم الشرعي، وسنبينها كما يلي:
أولاً: الوسيلة العملية المتعلقة بالواقعة الاجتماعية (المشكلة المراد تنظيمها):
وفي هذه الحالة يجب الاستعانة بأهل الخبرة المتخصصين في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والفكرية والتربوية والنفسية والطبية والبيئية والإدارية...إلخ. وهنا يجب مراعاة ما يلي:
1- إنشاء مراكز بحثية متخصصة ومجامع علمية متخصصة في كافة فروع العلوم المتعلقة بحياة المجتمع.
2- قيام هذه المراكز والمجامع بعمل الدراسات والأبحاث اللازمة حول توصيف المشكلة المراد تنظيمها، وذلك باستخدام قواعد البحث العلمي من إحصاءات واستبانات ونحوها، ومدى كونها ظاهرة عامة ودائمة تستلزم تنظيمها بقواعد قانونية.
3- يجب مراعاة دراسة هذه الظاهرة من الناحية التاريخية والاستفادة من تجارب الآخرين في حل لتلك المشكلات.
ثانياً: الوسيلة العملية المتعلقة بالبحث عن الحكم الشرعي:
والبحث عن الحكم الشرعي يكون عن طريق إنشاء المجمع الفقهي اليمني كدار للإفتاء اليمنية ومجمع للبحوث الإسلامية، ويقوم هذا المجمع بما يلي:
1- إصدار الفتوى والتقنيات بصورة جماعية مع ربطها بمصالحها.
2- الاستعانة بالمراكز البحثية المتخصصة في التوصيف الواقعي العلمي للمشكلة من أجل وضع التوصيف الشرعي لها.
3- تحقيق كتب التراث الفقهي والتنقيب عنها.
4- تشجيع الدراسات الفقهية المقارنة بكافة المذاهب الفقهية والقانون الوضعي.
5- الاهتمام بالدراسات التاريخية للأحكام الشرعية ومعرفة ظروف المجتمع عند نشوء تلك الأحكام.
6- عمل فهارس علمية أبجدية وموضوعية حسب موضوعات وفروع القانون لكتب التراث الفقهي بمذاهبه المختلفة.
7- إنشاء موسوعات فقهية متخصصة لكل فرع من فروع الفقه والقانون.
8- عقد مؤتمرات علمية داخلية وخارجية لأخذ رأي أهل العلم الشرعي في حكم معين.
9- وضع ضوابط لتدريس مواد الفقه الإسلامي والقوانين في الجامعات والمعاهد ونحوها.
10- نشر الثقافة الشرعية والقانونية.
المطلب الثاني
الرقابة علىتطبيق مبدأ «الشريعة الإسلاميةمصدر جميع التشريعات»
بعد أن ذكرنا الضوابط المتعلقة بتطبيق مبدأ الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات، فإن فعالية تطبيق هذا المبدأ لا تكون له فعالية إلا بالرقابة عليها، وهذه الرقابة الأصل أنها سابقة ومع ذلك تكون أيضاً لها رقابة لاحقة، وسنذكر هذه الصور، وقبلها سنتكلم حول أساس هذه الرقابة، وطرقها كما يلي:
- الفرع الأول: أساس الرقابة (مبدأ حماية الدستور).
- الفرع الثاني: الرقابة السابقة لتطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات».
- الفرع الثالث: الرقابة اللاحقة لتطبيق مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات».
الفرع الأول
أساس الرقابة (مبدأ حماية الدستور)
ذكرنا أن مبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» هو مبدأ وقاعدة دستورية، وبالتالي فإنه ينطبق حوله مبدأ سمو الدستور، ويعني هذا المبدأ أن القواعد الدستورية– مكتوبة كانت أو عرفية- تعلو على ما عداها من قواعد قانونية داخل الدولة، وتلتزم سائر السلطات باحترامها في كل ما يصدر عنها من أعمال. وينتج عن هذا المبدأ أن أي عمل قانوني تشريعي أو إداري أو قضائي يخالف القواعد الدستورية يكون عملاً غير دستوري. وبتطبيق مبدأ سمو الدستور على قاعدة «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات» باعتباره قاعدة دستورية فإن أي عمل قانوني من سن للقوانين واللوائح والمصادقة على الاتفاقيات وإصدار للقرارات مخالف للشريعة الإسلامية فإنه عمل غير دستوري باطل.
وتثور هنا مشكلة كيف يتم تلافي صدور مثل هذه الأعمال المخالفة للشريعة الإسلامية والتي بدورها تكون مخالفة للدستور أيضاً. وهنا يقرر فقهاء القانون الدستوري أن الوسيلة القانونية لحماية مبدأ سمو الدستور يكون بالرقابة على دستورية القوانين.
ويقصد بالرقابة على دستورية القوانين هي التحقق من أوجه مخالفة القوانين لدستور البلاد وعدم إصدارها إن كانت لم تصدر بعد، أو إلغائها والامتناع عن تطبيقها إن كانت قد صدرت.
وبتطبيق الرقابة الخاصة على دستورية القوانين بسبب مخالفتها لمبدأ الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات، نجد أنه تكون هناك رقابة سابقة وهي ما يعرف بالرقابة السياسية، وهنا الرقابة اللاحقة لتطبيق المبدأ وهذا ما يُعرف بالرقابة القضائية[46].
الفرع الثاني
الرقابة السابقة لتطبيق مبدأ
«الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»
وهذه الرقابة تسبق صدور القانون المخالف للشريعة الإسلامية، ويُطلق عليها الرقابة السياسية. وتعّرف هذه الرقابة بأنها: رقابة وقائية تحول دون صدور القوانين التي تتضمن خروجاً على القانون. وتختلف أساليب الدول في أسلوب استخدام هذه الرقابة، ما بين جعلها للسلطة التشريعية ذاتها، أو لهيئة سياسية تابعة لها، أو لهيئة سياسية مستقلة[47].
وبالنسبة للرقابة الدستورية السابقة الخاصة المتعلقة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، فإنه قد كان في ظل الدستور الدائم سنة 1970م يتم عن طريق هيئة مستقلة عرفت بالهيئة العلمية لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية، والتي تم إنشاؤها بالقانون رقم (7) لسنة 1975م، حيث تقوم هذه الهيئة بتقنين أحكام الشريعة السلامية وتقديم نتائجها للسلطة التشريعية، وبعد الوحدة تم تحويل هذه الهيئة من هيئة مستقلة إلى لجنة تابعة لمجلس النواب، مما يفيد أن الرقابة السابقة هنا تكون للسلطة التشريعية مع وجود الرقابة الدستورية السابقة العامة للسلطة التشريعية ممثلة في لجنة الشئون الدستورية والقانونية بمجلس النواب[48].
الفرع الثالث
الرقابة اللاحقة لتطبيق مبدأ
«الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»
وهنا يفترض أن الرقابة الدستورية السابقة لم تقم بدورها على أكمل وجه، ولأهمية مبدأ سمو الدستور وحمايته، فإن غالبية الأنظمة القانونية تستدرك ذلك برقابة دستورية لاحقة، ويتم ذلك عن طريق القضاء فيما يعرف بالرقابة القضائية. ومعنى الرقابة القضائية على دستورية القوانين أن يتولى القضاء فحص القوانين التي أصدرتها السلطة التشريعية لبيان مدى مطابقتها أو مخالفتها للقانون. وغالب الدول تقرر هذه الرقابة لهيئة قضائية مستقلة تُعرف في بعض الدول بالمحكمة الدستورية العليا وفي بعضها بالمجلس الدستوري، أو مجلس صيانة الدستور[49].
-والدستور اليمني قد جعل الرقابة القضائية للمحكمة العليا ممثلة في الدائرة الدستورية بها. ويدخل فيها الرقابة الدستورية لمخالفتها لمبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات». وتقوم الرقابة الدستورية بطريقين:
• الأول: رقابة الامتناع وتكون عن طريق دفع يقدمه أحد الخصوم في إحدى المحاكم، يدفع فيه برفض الدعوى بسبب عدم دستورية القانون الذي رفعت الدعوى على أساسه لمخالفته للشريعة الإسلامية. وهنا يجب على قاضي الموضوع إذا رأى أن الدفع قائم على أساس توقف النظر في الخصومة ورفع القضية إلى الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا خلال ثلاثين يوماً من تاريخ قرار وقف الخصومة، وعلى الدائرة الدستورية الفصل فيه خلال مدة أقصاها سبعون يوماً من تاريخ وصول أوراق القضية إليها. فهنا الرقابة امتناعية تقوم على امتناع الدافع عن تطبيق القانون بسبب عدم دستوريته.
• أما الطريقة الثانية: للرقابة القضائية فيكون عن طريق رقابة الإلغاء، ويكون برفع دعوى مبتدأة للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، فالرقابة هنا هجومية يقوم الشخص بطلب الرقابة القضائية الدستورية عن طريق رفع دعوى مبتدأة يشترط فيها ما يشترط في أي دعوى من صفة ومصلحة مع مراعاة جعل المصلحة للهيئات الشرعية ودار الإفتاء. وتنظر الدائرة الدستورية للقضية هنا باعتبارها محكمة موضوع فقط، فتعقد جلسات يحضر فيها الخصوم، والمدعى عليه هنا هو السلطة التشريعية مصدرة القانون المخالف للشريعة أو السلطة التنفيذية مصدرة اللائحة المخالفة للدستور (الشريعة)[50].
ويجوز أن تكون الرقابة القضائية هنا سابقة على صدور القانون المخالف للدستور (الشريعة)، حيث يجوز في القانون اليمني الطعن في القرار المخالف للدستور، ويكون ذلك في حالة إصدار مجلس الوزراء قراراً بمقترح لمشروع قانون لعرضه على مجلس النواب، فإذا صدر مشروع القانون من مجلس الوزراء بصورة قرار فيجوز الطعن بعدم الدستورية في هذا المشروع على أساس أنه قرار مخالف للدستور بسبب مخالفته للشريعة الإسلامية[51].
وهكذا يمكن للرقابة القضائية الدستورية أن تكون سابقة على صدور القانون من السلطة التشريعية. وتصدر المحكمة حكمها بعدم دستورية القانون لمخالفته للشريعة الإسلامية في حالة مخالفة القانون لمصلحة قطعية معتبرة في الشريعة الإسلامية بدليل قطعي.
الخاتمة
أولاً: أهم النتائج:
1- أن التعريف المركب لمبدأ «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»: هو أن أحكام الشريعة الإسلامية هي مصدر لأي تشريع يوضع لتنظيم الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع اليمني.
2- أن المجتمع الإنساني- في تاريخه- قد عرف للدين دوراً كبيراً في تنظيم المجتمعات.
3- أن الشريعة الإسلامية كانت هي مصدر لأي تنظيم قانوني في تاريخ المجتمع اليمني الوسيط والحديث والمعاصر.
4- أن أحكام الشريعة الإسلامية لها احترام وقبول وشعور بقداستها وإلزاميتها في المجتمع اليمني؛ كون ذلك نابعاً من وجوب ديني لتطبيقها لهذا المبدأ؛ ليمثل لهم قاعدة دستورية عرفية، وأن غاية تنظيم المجتمع في الشريعة الإسلامية (تحقيق مصالح المجتمع)، وأن أحكام الشريعة الإسلامية مرنة، وقابلة للتطور بدليل قلة أحكامها في تنظيم المصالح القابلة للتطور، وأن أحكام الشريعة الإسلامية واقعية أي تنظم ظروف واقع المجتمع.
5- أن أحكام الشريعة الإسلامية عامة ومجردة تخاطب الأفراد في المجتمع بأوصافهم لا بذواتهم، وأن أحكام الشريعة الإسلامية تنظم السلوك الخارجي للفرد، وأن أحكام الشريعة الإسلامية ملزمة بسبب توقيع الجزاء المادي (الجنائي والمدني) على من يخالفها، إضافة إلى الجزاء الديني.
7- أن الوسيلة المناسبة لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية هي: تقنين أحكام الشريعة الإسلامية.
8- أنه عند الرجوع للنصوص الشرعية يجب التقيد بضوابط النصوص الشرعية القطعية الثبوت والدلالة.
9- أنه عند الرجوع للتراث الفقهي الإسلامي القديم يجب التعامل معه بالوسطية دون التقديس أو الانتقاص، فهو تراث عظيم يُعد مفخرة للأمة عالج أعقد المشاكل القانونية الحديثة حسب شهادات علماء القانون، بشرط التأكد من توفر المصلحة في العصر الحديث.
10- أنه في حالة عدم وجود حكم شرعي سابق يكون تطبيق مبدأ تحكيم الشريعة الإسلامية يكون بالاجتهاد بالبحث عن المصلحة القطعية التي لا تعارض مصلحة قطعية أتت بها الشريعة بنص شرعي قطعي الثبوت والدلالة.
11- أن الرقابة السابقة لتطبيق المبدأ (الرقابة السياسية)، تتمثل في لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، والتي يتمثل حسن عملها بكفاءة أعضائها، والتزامهم بضوابط التقنين.
12- أن الرقابة اللاحقة لتطبيق المبدأ تتمثل بالرقابة القضائية المتمثلة في رقابة القضاء الدستوري، بالطعن في التشريع المخالف للشريعة الإسلامية بعد الدستورية لمخالفته للمبدأ الدستوري «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات»، والتي يتمثل دور هذه الرقابة في التأكد من عدم مخالفة التشريع المطعون فيه للأحكام القطعية في الشريعة الإسلامية.
ثانياً: التوصيات والمقترحات:
1- وضع ضوابط عامة دستورية لتطبيق هذا المبدأ مع الإحالة لقانون خاص بذلك.
2- تفعيل دور دار الإفتاء الشرعي للرقابة السابقة لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية عن طريق الإفتاء الجماعي، ودعمها بالكفاءات الشرعية المتخصصة، والخبرات العلمية في المجالات المختلفة لوضع التوصيف الواقعي للحكم ومدى تحقق المصلحة القطعية.
3- تعزيز دور الرقابة القضائية اللاحقة لتطبيق المبدأ بتشكيل دائرة دستورية متخصصة في مجال الطعن بعدم الدستورية لمخالفة قواعد الشريعة الإسلامية.
قائمةالمصادر والمراجع
1. إبراهيم محمد الأهدل، الأقمار المضيئة شرح القواعد الفقهية، مكتبة جدة، ط1، 1407هـ، 1986م.
2. ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، دار المعارف، بيروت.
3. أحمد أبو الوفاء، الوسيط في القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، القاهرة، ط5، 1431هـ-2010م.
4. د. إكرامي بسيوني عبد الحي خطاب، القضاء الدستوري، دار الجامعة الجديدة– الإسكندرية، ط1، 1432هـ2011م.
5. بن زغيبة عز الدين، المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، مطابع دار الصفوة، القاهرة، ط1، 1417هـ 1996م.
6. ترتيب فروق القرافي وتلخيصها والاستدراك عليها، أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الباقوري، مؤسسة المعارف، بيروت، ط2، 1429هـ- 2008م.
7. د. جميل الشرقاوي، دروس في أصول القانون (المدخل لدراسة القانون)، دار النهضة العربية القاهرة.
8. د. حامدمحمود شمروخ، أحكامالمواريث في الشريعةالإسلامية،، 1410هـ- 1990م.
9. د. حسن عبد الحميد، تاريخ النظم القانونية والاجتماعية( مقدمة تاريخية لمفهوم القانون)، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999م.
10. د. حسن كيرة، المدخل إلى القانون، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1972م.
11. حقائق الإسلام في مواجهات المشككين، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة.
12. د. سمير عبد السيد تناغوا، المدخل لدراسة القانون، مكتبة وهبة، القاهرة، 1977م.
13. د. سهيل حسين الفتلاوي، تاريخ النظم القانونية، دار الفكر المعاصر- صنعاء، ط3، 2003م.
14. سيد عبد الله علي حسين، المقارنات التشريعية ين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي، دار السلام القاهرة، ط1، 1421هـ- 2001م.
15. الشحات إبراهيم محمد منصور، الضوابط التي تحكم فتوى المفتي وقضاء القاضي، دار الجامعة الجديدة بالإسكندرية، 2011م.
16. د. صالح الظبياني، القضاء والإثبات في الفقه الإسلامي، ط5، 1432هـ- 2011م.
17. د. صوفي حسن أبو طالب، تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، دار النهضة العربية، القاهرة، ط4، 1416هـ، 1997م.
18. د. عاصم عجيلة، القانون الدستوري، 1411هـ- 1991م.
19. د. عبد الرزاق أحمد السنهوري، علم أصول القانون، مطبعة فتح الله إلياس نوري وأولاده بمصر، 1936م- 1354هـ.
20. د. عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، مؤسسة التاريخ العربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان، ط1، 1417هـ- 1997م.
21. عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، مقارناً بالقانون الوضعي، مؤسسة الرسالة، ط12، 1413هـ- 1993م.
22. د. عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة-بيروت، ط13، 1714هـ-1996م.
23. د. عبد الكريم زيدان، المفصل في أحكام المرأة، مؤسسة الرسالة بيروت، ط1، 1413هـ- 1993م
24. د. عبد الكريم زيدان، نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، مؤسسة الرسالة، ط1، 1432هـ- 2011م.
25. د. عبد الكريم عوض خليفة، القانون الدولي العام- دراسة مقارنة، دار الجامعة الجديدة- الإسكندرية، 2011م.
26. د. عبد المنعم البدراوي، مبادئ القانون، مكتبة وهبة، القاهرة، 1977م
27. د. عبد الودود يحيى، د. نعمان جمعة، دروس في مبادئ القانون، مركز جامعة القاهرة للتعليم المفتوح، 1998م.
28. عبد الوهاب خلاف، خلاصة التشريع الإسلامي، دار القلم، الكويت، ط3، 1416هـ-1996م.
29. علي حسب الله ، أصول التشريع الإسلامي، دار المعارف بمصر، ط5، 1396هـ- 1976م.
30. د. علي علي منصور، الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1390هـ- 1971م.
31. د. علي محمد الصلابي، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، دار ابن الجوزي القاهرة، ط4، 2012م.
32. د. فؤاد محمد النادي، د. أبكر أحمد الشافعي، النظم السياسية والقانون الدستوري، مكتبة الرسالة، القاهرة، 1998-1999م.
33. كتاب الفروق المسمى أنوار الفروق، أحمد بن إدريس القرافي، دار السلام، القاهرة، ط2، 1428هــ-2007م.
34. محمد أحمد أبو زهرة، المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، ملحق مجلة الأزهر ذي الحجة 1425هـ.
35. د. محمد السيد عمران، د. نبيل إبراهيم سعد، د. محمد يحيى مطر، الأصول العامة للقانون، الدار الجامعية.
36. د. محمد حسين الشامي، الوجيز في مدخل القانون، مكتبة الجيل الجديد، صنعاء، ط4، 1432هـ- 2011م.
37. د. محمد حسين الشامي، النظرية العامة للالتزام، الجزء الأول مصادر الالتزام، مكتبة الجيل الجديد، صنعاء، ط6،1426هـ-2002م.
38. د. محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية، دار الفكر المعاصر، بيروت، دمشق، 1412هـ-1991م
39. د. محمد سلام مدكور، مباحث الحكم عند الأصوليين، دار النهضة العربية، القاهرة.
40. د. محمد عبد العال السناري، القانون الدستوري، جامعة حلوان.
41. د. محمد عبد الملك محسن المحبشي، تاريخ وفلسفة القانون، مطبوعات جامعة العلوم والتكنولوجيا، ط1، 1433هـ 2012م.
42. محمد علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط4، 1414هـ - 1993م.
43. د. محمد محمود عوض سلامة، علم أصول الفقه، مكتبة الرشد، الرياض، 1429هـ- 2008م.
44. د. محمد مصطفى شلبي، المخل في التعريف بالفقه الإسلامي، دار النهضة العربية، 1388هـ- 1969م.
45. د. محمود عبد الرحمن محمد، المبادئ العامة في القانون، دراسة مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية، المعهد العالي للدراسات الإسلامية، القاهرة.
46. المعجم الوسيط، إصدار معجم اللغة العربية، القاهرة.
47. منهاج الوصول إلى معيار العقول في علم الأصول للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، دار الحكمة اليمانية، ط1، 1421هـ- 1992م.
48. موسوعة التشريع الإسلامي، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة،1427هـ- 2006م.
49. موسوعة الحضارة الإسلامية، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة،1426هـ- 2005م.
50. الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي، إعداد فريق البحوث والدراسات، مكتبة علاء الدين، الإسكندرية، 1998م.
51. د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر المعاصر، دمشق، ط4، 1425هـ- 2004م.
52. د. وهبة الزحيلي، أصول افقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، ط14، 1427هـ- 2006م.
53. د. يحيى قاسم علي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، ط1.
54. د. يوسف أحمد بدوي، تاريخ التشريع الإسلامي تاريخ الفقه الإسلامي وأصوله، مكتبة الرشد، الرياض، 1427هـ-2006م.
55. د. يوسف القرضاوي، الشريعة الإسلامية وخلودها وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان، دار المعرفة الدار البيضاء، ط1، 1429هـ- 1988م.
56. د. يوسف قاسم، مبادئ الفقه الإسلامي، دار النهضة العربية القاهرة،1417هـ- 1997م.
[1] أصل هذا البحث، بحث منشور للمؤلف بعنوان: «تطبيق الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات: المبررات والضوابط (دراسة تأصيلية)» منشور في المجلة العلمية للأكاديمية اليمنية للدراسات العليا، المجلد الأول – العدد الأول – 2018م.
[2] إبراهيم محمد الأهدل، الأقمار المضيئة شرح القواعد الفقهية، مكتبة جدة، ط1، 1407هـ، 1986م، ص26، د. محمد مصطفى شلبي، المخل في التعريف بالفقه الإسلامي، دار النهضة العربية، 1388هـ- 1969م، ص34.
[3] () ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، دار المعارف، بيروت، ج5، ص3759، المعجم الوسيط، إصدار معجم اللغة العربية، القاهرة، ص798.
[4] محمد علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط4، 1414هـ - 1993م، ص61، د. عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط13، 1714هـ-1996م، ص34، د. محمد مصطفى شلبي، المخل في التعريف بالفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص34.
[5] د. يوسف أحمد بدوي، تاريخ التشريع الإسلامي تاريخ الفقه الإسلامي وأصوله، مكتبة الرشد، الرياض، 1427هـ- 2006م، ص17.
[6] المرجع السابق، ص14.
[7] د. جميل الشرقاوي، دروس في أصول القانون (المدخل لدراسة القانون)، دار النهضة العربية القاهرة، ص11.
[8] المرجع السابق، ص11.
[9] د. يوسف قاسم، مبادئ الفقه الإسلامي، دار النهضة العربية القاهرة، 1417هـ- 1997م، ص56.
[10] د. جميل الشرقاوي، المرجع السابق، ص112، يحيى قاسم علي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، ط1، ص11.
[11] د. محمد حسين الشامي، الوجيز في مدخل القانون، مكتبة الجيل الجديد، صنعاء، ط4، 1432هـ- 2011م، ص84.
[12] د. محمد عبد الملك محسن المحبشي، تاريخ وفلسفة القانون، مطبوعات جامعة العلوم والتكنولوجيا، ط1، 1433هـ 2012م، ص86.
[13] المرجع السابق، ص86.
[14] د. عبد المنعم البدراوي، مبادئ القانون، مكتبة وهبة، القاهرة، 1977م، ص200.
[15] د. عبد الرزاق أحمد السنهوري، علم أصول القانون، مطبعة فتح الله إلياس نوري وأولاده بمصر، 1936- 1354هـ، ص65.
[16] د. سهيل حسين الفتلاوي، تاريخ النظم القانونية، دار الفكر المعاصر- صنعاء، ط3، 2003م، ص45.
[17] د. محمد عبد الملك محسن المحبشي، المرجع السابق، ص92.
[18] د. عبد الكريم زيدان، نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، مؤسسة الرسالة، ط1، 1432هـ- 2011م، ص14.
[19] د. سهيل حسين الفتلاوي، تاريخ النظم القانونية،، مرجع سابق، ص293.
[20] د. محمد عبد الملك محسن المحبشي، المرجع السابق، ص245.
[21] د. محمد حسين الشامي، المرجع السابق، ص85.
[22] د. محمد عبد الملك محسن المحبشي، المرجع السابق، ص267.
[23] د. محمد عبد الملك محسن المحبشي، المرجع السابق، ص267.
[24] د عبد الودود يحيى، د نعمان جمعة، دروس في مبادئ القانون، مركز جامعة القاهرة للتعليم المفتوح، 1998م، ص57.
[25] د حسن عبد الحميد، تاريخ النظم القانونية والاجتماعية( مقدمة تاريخية لمفهوم القانون)، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999م، ص489.
[26] د. يوسف القرضاوي، الشريعة الإسلامية وخلودها وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان، دار المعرفة الدار البيضاء، ط1، 1429هـ- 1988م، ص18.
[27] ترتيب فروق القرافي وتلخيصها والاستدراك عليها، أبو محمد عبد الله بن إبراهيم البقوري، مؤسسة المعارف، بيروت، ط2، 1429هـ- 2008م، ص31.
[28] بن زغيبة عز الدين، المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، مطابع دار الصفوة، القاهرة، ط1، 1417هـ 1996م، ص37.
[29] د. عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص35.
[30] د. يوسف أحمد بدوي، المرجع السابق، ص44.
[31] د. سمير عبد السيد تناغوا، المدخل لدراسة القانون، مكتبة وهبة، القاهرة، 1977م، ص14.
[32] د. عبد الكريم زيدان، نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، مرجع سابق، ص67.
[33] د. حسن كيرة، المدخل إلى القانون، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1972م، ص36.
[34] د. محمود عبد الرحمن محمد، المبادئ العامة في القانون، دراسة مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية، المعهد العالي للدراسات الإسلامية، القاهرة، ص45.
[35] د. محمد السيد عمران، د. نبيل إبراهيم سعد، د. محمد يحيى مطر، الأصول العامة للقانون، الدار الجامعية، ص11.
[36] كتاب الفروق المسمى أنوار الفروق، أحمد بن إدريس القرافي، دار السلام، القاهرة، ط2، 1428هــ- 2007م، 1/346، سيد عبد الله علي حسين، المقارنات التشريعية ين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي، دار السلام القاهرة، ط1، 1421هـ- 2001م، 1/82.
[37] موسوعة التشريع الإسلامي، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة،1427هـ- 2006م، ص307.
[38] د. محمد حسين الشامي، النظرية العامة للالتزام، الجزء الأول مصادر الالتزام، مكتبة الجيل الجديد، صنعاء، ط6،1426هـ- 2002م، ص10.
[39] المرجع السابق.
[40] علي حسب الله ، أصول التشريع الإسلامي، دار المعارف بمصر، ط5، 1396هـ- 1976م، ص20، 42.
[41] محمد محمود عوض سلامة، علم أصول الفقه، مكتبة الرشد، الرياض، 1429هـ- 2008م، جـ1، ص235 ، 291.
[42] د. وهبة الزحيلي، أصول افقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، ط14، 1427هـ- 2006م، جـ1، ص458.
[43] د. صوفي حسن أبو طالب، المرجع السابق، ص234.
[44] الشحات إبراهيم محمد منصور، الضوابط التي تحكم فتوى المفتي وقضاء القاضي، دار الجامعة الجديدة بالإسكندرية، 2011م، ص51.
[45] موسوعة التشريع الإسلامي، المرجع السابق، ص312.
[46] د. محمد عبد العال السناري، القانون الدستوري، جامعة حلوان، ص161.
[47] د. فؤاد النادي، المرجع السابق، ص64.
[48] د. محمد حسين الشامي، المرجع السابق، ص85، د. يحيى قاسم علي، المرجع السابق، ص142.
[49] إكرامي بسيوني عبد الحي خطاب، القضاء الدستوري، دار الجامعة الجديدة– الإسكندرية، ط1، 1432هـ2011م، ص10.
[50] د عاصم عجيلة، المرجع السابق، ص111.
[51] السابق، ص120.