جريمة إفشاء السر المصرفي في القانون اليمني (دراسة مقارنة بفقه القانون الوضعي)

القاضي/ إبراهيم محمد أحمد الشامي

3/17/2026

يمكنك تنزيل الدراسة من هنا

 

 

جريمةإفشاء السرالمصرفي فيالقانون اليمني (دراسةمقارنة بفقهالقانون الوضعي)

 

 

 

 

القاضي/ إبراهيم محمد أحمد الشامي 

 القائم بأعمال وزير العدل وحقوق الإنسان

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلاةً وسلاماً على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين وبعد:

التعريف بموضوع البحث وأهميته:

إن موضوع بحثي المتواضع هذا هو جريمة إفشاء السر المصرفي، وهذا الموضوع يعد من المواضيع القانونية الهامة والمتصلة بالنظم الاقتصادية الحديثة، وذلك لارتباطه بنشاط المصارف لما تضطلع به من دور فعال في الحياة الاجتماعية والاقتصادية نظراً للدور الكبير الذي تلعبه في دفع عجلة التنمية الوطنية، وتوجيه الاقتصاد باعتبارها محوراً أساسياً يرتكز عليه الائتمان، وتمويل المشروعات التجارية والخدمية المختلفة التي تعود على المجتمع ككل، فالبنوك كما قيل وبحق تملك حق الحياة أو الموت بالنسبة للمشروعات الاقتصادية، إذ لا تكاد تخلو عملية تجارية في الوقت الحاضر من تدخل المصارف، ولا غنى عن هذا التدخل لإتمامها سواء بفتح الحسابات أو فتح الاعتمادات أو تلقي الحوالات وغيرها من العمليات المصرفية.

وعمل المصارف يقوم على الثقة، فالثقة هي العمود الفقري للنشاط المصرفي، وهي الرابطة بين الزبائن (عملاء المصارف) والمصارف، ولولاها لفضل الزبون حفظ أمواله في منزله، ومن هنا نجد أن للمصارف دور هام في كسب ثقة الزبائن واستقبالها لأموالهم، منذ ضمنت لهم عدم إفشاء أسرارهم، وعدم الكشف عن تلك الأموال، فتوطدت أواصر الثقة بالنظام المصرفي.وهذه الثقة تعتبر عنصراً أساسياً من عناصر المناخ الاستثماري العام الذي يجب توفره لقيام وضع اقتصادي ومالي ومصرفي سليم، في ظل دولة تؤمن الاستقرار والعدل والأمن السياسي والاجتماعي والقانوني، وهدفها أصلاً اجتذاب رؤوس الأموال وحماية الإيداعات ذات المصادر المشروعة، وتوفر الحماية للمودعين أصحاب المتحصلات القانونية والمشروعة، بحيث تجعل من المصرف الذي يفشي بالمعلومات عرضة للملاحقة، بالإضافة إلى ملاحقة كل من يطلع على هذه المعلومات بحكم مهنته أو وظيفته باعتباره من الأمناء الضروريين على هذه المعلومات (الأسرار)  ومع ذلك يقوم بإفشائها دون مسوغ قانوني لذلك.

والسر المصرفي كان مجرد واجب أدبي تدعو إليه مكارم الأخلاق، ثم أملته بعد ذلك الأعراف والتقاليد المصرفية المستقرة في التعامل، ثم تطور ليصبح واجباً دينياً مقدساً، ونتيجة لازدياد حدة الأزمة الأخلاقية والدينية أمام كل تحضر مادي جديد وانحسار سلطان الأخلاق والدين، صار حتماً أن تنقلب هذه القواعد الأخلاقية والدينية السامية إلى التزامات قانونية تتميز بالجبر والإكراه المادي المتمثل في العقاب الصادر من الدولة على كل من يخل بهذه الالتزامات. والالتزام بالسر المصرفي لم يعد قاصراً على ما يعهد به إلى الأمين تحت طابع السر، ولكنه اشتمل علاوة على ذلك كل واقعة لها طبيعة سرية يفضى بها إليه بموجب التعامل القائم به.

والحماية القانونية الجنائية للسر المصرفي جاءت لاعتبارات عدة منها ما يتعلق بمصلحة العميل (زبون المصرف) وحريته الشخصية، ومنها ما يحقق المصلحة العامة في الالتزام بالسر المصرفي. حيث تبرز أهمية هذا الموضوع لارتباطه كما قلنا بإحدى أسمى الحريات التي كلفتها الدساتير وهي الحرية الشخصية، فالسر المصرفي يتعلق بالذمة المالية للشخص (العميل)، والذمة المالية جزء من حياة الفرد الخاصة، والحياة الخاصة تعتبر جزءاً من حرية الفرد الشخصية، وحمى دستورنا اليمني[1] هذه الحرية بالنص على ذلك في المادة (48/أ) منه بقولها « تكفل الدولة للمواطنين  حريتهم الشخصية»، كما يرتبط تجريم إفشاء الأسرار المصرفية بضمانة دستورية أساسية كفلها الدستور في المادة (47) منه والتي نصت على أن «المسؤولية الجنائية شخصية» أي تتعلق بشخص من ارتكبها ولا تتعداه إلى غيره.

كما أن أهمية هذا الموضوع تبرز عندما نجد أنه يتعلق بالقانون الجنائي الذي يهدف إلى حماية القيم والمصالح الاجتماعية والفردية معاً، حيث يجسد المبادئ الدستورية ويحميها في نصوص عقابية تقرر العقوبة المناسبة لمن خالف هذه المبادئ والحريات، واكتملت بفعله المحظور أركان جريمة إفشاء السر المصرفي، كما أن هذا القانون يهدف كذلك إلى إرضاء الشعور العام بالعدالة وإصدار إنذار قوي لكل من تسول له نفسه القيام بأي سلوك أو تصرف يشكل جريمة من هذا النوع، مما يؤدي إلى تحقيق الأمن والطمأنينة والاستقرار القانوني عند أفراد المجتمع حتى يضمن لهم العيش بسلام واستقرار في المجتمع.

وأخيراً تكتسب دراسة السر المصرفي أهمية خاصة في الوقت الحاضر، وترجع هذه الأهمية إلى توسع البنوك في استخدام الأجهزة الالكترونية، والأساليب العلمية الحديثة في مجال معالجة المعلومات الخاصة بالعملاء، مما يثير العديد من المشاكل القانونية نظراً لسهولة الكشف عن هذه المعلومات والأسرار المسجلة على أجهزة الكمبيوتر داخل البنك، وهذا التطور التكنولوجي مثل خطراً على مصالح العملاء، الأمر الذي تطلب معه ضرورة إيجاد وسائل تكفل حماية هذه الأسرار ومنها التشدد في حمايتها بتجريم  إفشاء هذه الأسرار في غير الأحوال التي يبيح القانون مثل هذا الفعل.

أسباب اختيار هذا الموضوع:

تم تكليفي من قبل إدارة البحوث بالمعهد العالي للقضاء بإعداد بحث استكمالاً لمتطلبات دبلوم القانون الخاص في هذه السنة الدراسية، ونظراً لأن موضوع جريمة إفشاء السر المصرفي يعد أحد الموضوعات القانونية الأساسية الذي يرتبط فيه القانون الخاص بالقانون العام، ويجسد حقيقة أن فروع القانون المختلفة لا تنفصل عن بعضها البعض فهي نسيج واحد، ومنظومة متكاملة، فهذا الموضوع له اتصال وثيق بالقانون التجاري الذي يعد من فروع القانون الخاص، والذي يعتبر معاملات البنوك (المصارف) أعمالاً تجارية بصرف النظر عن صفة القائم بها هذا من جهة، ومن جهة أخرى لهذا الموضوع ارتباط وثيق وأساسي بالقانون الجنائي، وعلى وجه الخصوص بقانون الجرائم والعقوبات الذي ينص على تجريم إفشاء أسرار المهنة ومنها السر المصرفي.

كما أن من أسباب اختيار هذا الموضوع  هو محاولتي اختيار موضوع من المواضيع الحديثة التي تهم المجتمع الدولي والمجتمع الوطني على حد سواء، فوجدت أن موضوع الأزمة المالية والاقتصادية التي تمر بها معظم دول العالم في هذه الأيام يمكن اعتباره حديث الساعة، وذلك بسبب نتائجه الخطيرة التي عصفت بالكثير من الأسواق المالية، وأدت إلى انهيار الكثير من البنوك والشركات التجارية العملاقة، ولدى بحثي عن أسباب هذه الأزمة وجدت أن أحد هذه الأسباب وقوع بعض البنوك في أخطاء فاحشة باندفاعها الأعمى في تغذية المضاربات في سوق العقارات والأسهم وعدم مراعاتها للاحتياطات الواجب اتباعها، وعدم اتباع القواعد المصرفية، وعدم كفاية الرقابة والإشراف عليها، بالإضافة إلى القصور التشريعي، كل ذلك دفعني إلى دراسة أحد هذه الأخطاء التي تؤدي إلى انهيار البنوك، ووجدت من هذه الأخطاء عدم الالتزام بواجب السرية المصرفية مما يزعزع الثقة بهذه البنوك، ويؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من هذه البنوك.

ومن خلال اطلاعي على ما كتب في المجال المصرفي في مراجع قانونية عدة، لمست أهمية هذا الموضوع، وقررت أن أخوض غمار الكتابة فيه، وأنا مدرك صعوبة ما أنا مقدم عليه باعتباره بحثاً جديداً من حيث مناقشته موضوع السر المصرفي بالذات، ومن الناحية الجزائية، حيث لم يتم تناوله بصورة مستقلة، وإنما تناوله بعض الفقه (وخصوصاً الفقه اليمني) في ثنايا موضوعات متفرقة بعضها تجاري وبعضها جنائي، محاولاً جمع شتات هذا الموضوع، لأضيف شيئاً متواضعاً في هذا المجال.

وفي الوقت نفسه أحاول أن أقدم إسهاماً متواضعاً في توضيح أراء الفقه القانوني بشأن هذا الموضوع، في سبيل تلافي ما يمكن أن يطلق عليه قصور تشريعي في قانوننا اليمني، والمتعلق بممارسة النشاط المصرفي، وحماية هذا النشاط لخلق مناخ ملائم لتنمية الاستثمارات التي نحن في أمس الحاجة إليها في بلدنا الحبيب اليمن، وتوفير الضمانات المختلفة للأموال المستثمرة ومنها ضمان حماية الأسرار المصرفية وعدم كشفها إلا في حالات نادرة واردة في القانون على سبيل الحصر، كما أرجو أن يعود هذا البحث بالنفع على كل باحث في القانون، سواء أكان مشتغلاً بالقضاء أو المحاماة أو غير ذلك من مجالات القانون، كون هذا الموضوع لم يحظ بقسطٍ كافٍ من الدراسات الفقهية والقانونية.

نطاق البحث وأسلوب كتابته:

نظراً لضيق الوقت، قمت في بحثي هذا بدراسة جريمة إفشاء السر المصرفي في القانون اليمني، متناولاً ما تعلق به من نصوص، وذلك في كل من قانون الجرائم والعقوبات، والقانون المدني، وقانون الإجراءات الجزائية، والقانون التجاري، وقانون الشركات، وقانون البنك المركزي، وقانون البنوك، وقانون الخدمة المدنية، وقانون العمل، وقانون ضرائب الدخل، وقانون مكافحة غسل الأموال، ولإثراء الموضوع لم أقتصر على القانون اليمني وإنما تطرقت في حدود ما تيسر لي لأراء فقهاء القانون الوضعي الحديث في سبيل الاستفادة منها.

وقد حاولت أن أتبع المنهج المقارن حسب قدرتي البسيطة,من خلال معرفة الأحكام العامة والخاصة المتعلقة بموضوع جريمة إفشاء السر المصرفي في القانون اليمني، حيث لا يوجد قانون خاص للسرية المصرفية لدينا على خلاف ما هو موجود في بعض البلدان العربية مثل جمهورية مصر العربية والجمهورية اللبنانية، وقارنت ما هو معمول به عندنا في القانون اليمني مع ما يراه فقه القانون الوضعي.

وقد اتخذت هذه الدراسة منهج التحليل التأهيلي للنصوص والمنهج الوصفي اللذان ينسجمان مع المنهج المقارن، لإبراز موقف القانون اليمني من خلال إيراد النصوص القانونية المتعلقة بكل جزئية تناولها البحث، وقد حرصت على الاستدلال في هذه الدراسة ببعض الأمثلة التي تخدم البحث في هذا الموضوع.

الصعوبات: 

لدى تناولي هذا الموضوع في بحثي المتواضع هذا، واجهتني العديد من الصعوبات والتي تتمثل في ضيق الوقت، وتزامن كتابة هذا البحث مع فترة التحصيل العلمي والدراسي لهذا العام، إضافة إلى شحة المراجع التي تناولت موضوع جريمة إفشاء السر المصرفي بصورة مستقلة، والتي تكاد تكون منعدمة في الفقه القانوني اليمني، نظراً للمسلك الذي سلكه مشرعنا اليمني في معالجة السر المصرفي، حيث اعتبر الالتزام به تطبيقاً من تطبيقات الالتزام بحفظ أسرار المهنة دون أن يفرد له نصوصاً خاصة وتنظيماً مستقلاً يضمن توفير حماية أكبر لهذا السر مع أهميته، مما دفعني إلى جمع شتات هذا الموضوع آخذاً بعين الاعتبار القواعد العامة مع التركيز على النص العام، وهو نص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني وتحليله والبحث عن مدى انطباقه على جريمة إفشاء السر المصرفي.

إضافة إلى أني كنت أرغب في توسيع هذا البحث وإثرائه بالأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم اليمنية إلا أنني لم أحصل على أحكام في هذا الجانب مع اجتهادي وسعيي الحثيث والمتواصل في البحث عنها. ومع ذلك كله حاولت أن أحرص على الأمانة العلمية في كتابة هذا البحث بقدر المستطاع.

وفي الأخير أرجو من القارئ الكريم غض الطرف عن بعض الهنات التي أكون قد وقعت فيها، ملتمساً العذر فيما قد يعتري بحثي المتواضع هذا من عيوب وثغرات، فالكمال لله وحده وهو حسبنا ونعم الوكيل. 

خطة البحث:

وللوقوف على موضوع جريمة إفشاء السر المصرفي في القانون اليمني، ومقارنة ذلك مع فقه القانون الوضعي، قسمت هذا البحث إلى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة.

-   ففي المقدمة تناولت التعريف بموضوع البحث وأهميته، وأسباب اختيار الموضوع، ونطاق البحث وأسلوب كتابته، والصعوبات التي واجهتني عند كتابته، وخطة البحث.

-   أما في المبحث الأول: فقد تناولت ماهية السر المصرفي من خلال تقسيمه إلى ثلاثة مطالب، أفردت المطلب الأول: لتعريف السر المصرفي، والمطلب الثاني: لنطاق السر المصرفي، والمطلب الثالث: للحماية الجنائية للسر المصرفي.

-   وفي المبحث الثاني: تطرقت لأركان جريمة إفشاء السر المصرفي، وذلك بتقسيمه إلى مطلبين، تناولت في المطلب الأول: أركان جريمة إفشاء السر المصرفي، وفي المطلب الثاني: عقوبة جريمة إفشاء السر المصرفي.

-   ثم في المبحث الثالث: عرضت للحالات التي يباح فيها إفشاء السر المصرفي في مطلبين، خصصت المطلب الأول: لرضا صاحب الشأن في إفشاء السر المصرفي، والمطلب الثاني: للأحوال المصرح بها قانوناً في إفشاء السر المصرفي.

-   وأخيراً في الخاتمة: لخصت فيها النتائج والتوصيات، أفردت لكل منها قسماً مستقلاً.

 

المبحثالأول
ماهية السر المصرفي

تمهيد وتقسيم:

لما كان موضوع هذا البحث هو «جريمة إفشاء السر المصرفي « فينبغي ابتداءً  بيان ماهية السر المصرفي، للوصول إلى فكرة واضحة له وإزالة أي غموض أو لبس يكتنف تحديد هذه الماهية، فالسر المصرفي في إطار هذه الدراسة يكتسب أهميته في كونه المحل الذي تتعلق به الحماية القانونية الجنائية وذلك بتجريم فعل الإفشاء الذي ينصب عليه، الأمر الذي يوجب أن يكون لماهية السر المصرفي حق الصدارة في هذا البحث.

ويتم تحديد هذه الماهية عن طريق إيراد التعريفات الفقهية والتشريعية لهذا المصطلح إن وجدت، ثم تحديد النطاق الشخصي والموضوعي لهذا السر، بمعرفة من يجب عليهم الالتزام بالمحافظة عليه ولمصلحة من، وما هي المعلومات التي تعد سراً مصرفياً يستلزم الحماية، وبعد ذلك وقبل الخوض في جريمة إفشاء السر المصرفي يجب وضع الإطار العام للحماية الجنائية للسر المصرفي، ومدى هذه الحماية، سواء كان منتهك هذه الحماية شخصاً معنوياً أو طبيعياً.

وبناء عليه سيتم التعرض لماهية السر المصرفي بشيء من التفصيل في هذا المبحث، وذلك بتقسيمه إلى ثلاثة مطالب، نتناول في المطلب الأول: تعريف السر المصرفي، وفي المطلب الثاني: نطاق هذا السر، وفي المطلب الثالث:الحماية الجنائية للسر المصرفي.

المطلب الأول
 تعريف السر المصرفي

تقسيم: 

إن معظم التشريعات التي حمت السر المصرفي بتجريم إفشائه من قبل الأمين عليه في غير الأحوال المباح قانوناً له القيام بذلك قد خلت من ذكر تعريف لهذا السر، الأمر الذي ألقى على عاتق الفقه القانوني القيام بهذه المهمة، لذا سنقوم في هذا المطلب بإيراد التعريفات التي اجتهد الفقه القانوني في التوصل إليها مبتدئين ذلك بتعريف السر بوجه عام ثم تعريف السر المصرفي باعتباره نوعاً من أنواع السر المهني الذي يتعلق بمهنة هامة هي مهنة المصارف.

وفي سبيل ذلك سنقسم هذا المطلب إلى فرعين مستقلين، نخصص الفرع الأول: لتعريف السر عامة، والفرع الثاني: لتعريف السر المصرفي.

الفرع الأول
تعريف السر عامة

السرفي اللغة: من الأسرارالتي تكتم، والسرما أخفيت، والجمعأسرار، ورجل سرِّي: يصنع الأشياء سراًمن قوم سريين،والسريرة: كالسر، والجمعالسرائر، قالالليث: السر ما أسررتبه، والسريرة: عمل السرمن خير أو شر[2]. وأسرالشيء: كتمه وأعلنه،وفسر بهما قولهتعالى: ﴿وَأَسَرُّواالنَّدَامَةَ﴾[يونس: 54، سبأ: 33]، وأسرإليه حديثاً أي أفضىإليه به[3]

أما في الاصطلاح الشرعي فلم يرد للسر تعريف محدد في اصطلاح الفقهاء، وذلك لوضوح معناه، أو لعدم تباين معناه اللغوي عن معناه الاصطلاحي[4]. وقد حاول بعض فقهاء الشريعة المعاصرين تعريفه بأنه: ما يقوم في الذهن مقيداً بوجوب الكتمان[5]

وفي الاصطلاح القانوني توجد بعض الصعوبة في تحديد معنى السر، فرأى بعض شراح القانون أنه: كل ما يضر إفشاؤه بالسمعة أو بالكرامة، في حين رأى بعضهم الآخر أن النبأ يصح أن يعد سراً ولو كان غير مشيناً بمن يريد كتمانه، وإنما يلزم على أية حال أن يكون من شأن البوح به أن يلحق ضرراً بشخص ما بالنظر إلى طبيعة النبأ، أو إلى ظروف الحال، ويستوي أن يكون الضرر أدبياً أم مادياً[6]

وقد عرف أحد شراح القانون السر بأنه: واقعة أو صفة ينحصر نطاق العلم بها في عدد محدود من الأشخاص، إذا كانت ثمة مصلحة- يعترف بها القانون- لشخص أو أكثر في أن يظل العلم بها محصوراً في ذلك النطاق[7]. كما عرفه آخر بأنه: الأمر الذي لا يجوز إفشاؤه إلا بإذن صاحبه أو في الأحوال المقررة قانوناً[8]. في حين عرفه آخر بأنه: صفة تهدف إلى تقرير مصلحة معينة ببقاء شيء أو واقعة في طي الكتمان لغير من له الحق في العلم به أو بها لما يترتب على الإفشاء من إضرار بتلك المصلحة[9]

أما بالنسبة لتعريف السر في التشريع القانوني فإننا لم نجد في نصوص التشريعات اليمنية ومعظم التشريعات العربية تعريفاً للسر، وذلك جرياً على العرف التشريعي في عدم وضع تعريفات وترك ذلك لاجتهاد الفقه والقضاء. ويرى بعض شراح القانون- وبحق– أن القانون لم يبين معنى السر، ولا هو بمستطيع ذلك إن أراد، لأن التحديد غير مستطاع، ويجب أن يرجع ذلك إلى العرف وإلى ظروف كل حادثة على إنفرادها[10]

ويرى بعض فقهاء الشريعة المعاصرين أن القانون متفق مع الشريعة الإسلامية في أن السر لا يشترط فيه طلب كتمانه صراحة، بل يكتفى بالقرائن بأن السر قد وصل إلى الأمين بحكم ممارسة مهنته أو صناعته، ولو لم يطلب صاحبه صراحة كتمانه، أو حتى لو كان هو نفسه لا يدري به[11]

ونستخلص مما سبق وجود صعوبة في وضع تعريف محدد للسر، ومع ذلك يمكن رسم معالم ما يمكن اعتباره سراً من الأسرار، ويتمثل ذلك في أنه يجب لاعتبار واقعة ما سراً أن تكون مما لا يعتبر أمراً معروفاً أو ظاهراً شائعاً للكافة، وأن يكون من شأن اطلاع الغير عليها إعطاء المطلع اطمئناناً أو تأكيداً لم يكن لديه من قبل بصحة هذه الواقعة، بالإضافة إلى ضرورة وجود مصلحة مشروعة لمن تعلق به هذا السر في أن يظل مكتوماً عن الغير، ولا يسوغ لمن خول له بأن يطلع عليه أن يقوم بالكشف عنه إلا في الحدود المسموح بها. ولا يشترط في الواقعة المعتبرة سراً أن تكون مما يترتب على إفشائها ضرر، ولا أن يكون السر قد أفضي به إلى من ائتمن عليه كما لو يكون قد وصل إلى الأمين من طريق المباغتة، أو من طريق الحدس والتنبؤ، أو من طريق الخبرة الفنية.

كما لا يشترط أن يكون السر قد ألقي إلى المؤتمن عليه على أنه سر وطلب منه كتمانه,بل يعد في حكم السر الواجب كتمانه كل أمر يكون بطبيعته سراً، ولو لم يشترط كتمانه صراحةً.

وبعد رسم الخطوط العريضة لما يمكن اعتباره سراً وفقاً للمفهوم العام للأسرار نظراً للصعوبة التي تكتنف التحديد الدقيق للسر، يجب التأكيد على أنه يلزم الرجوع في ذلك إلى العرف الجاري وظروف كل واقعة على انفراد، وترك الأمر لاجتهاد الفقه والقضاء.

الفرع الثاني
تعريف السر المصرفي

يعتبر السر المصرفي من الأسرار المهنية، حيث يتعلق بالمهنة المصرفية التي تقوم بها المصارف بأجهزتها وموظفيها ومن لهم علاقة معها.

وقد ظهر سر المهنة في البداية بهدف إلزام من يزاول مهناً معنية بواجب التكتم عما يعلمه عن عملائه من خلال العلاقات التي يقيمها معهم، ومن هذه المهن الطب والمحاماة والخدمة الكنسية وغيرها من المهن.

ومع تطور التعامل وظهور المصارف أدى ذلك إلى نشوء السر المصرفي كحالة من حالات السر المهني، فالمصرف ملتزم بالمحافظة على أسرار عملائه وعدم الإفضاء بها للغير باعتباره مؤتمناً عليها خاصة بحكم مهنته[12]

وكما سبق وأسلفنا بأن السرية المصرفية هي جزء من السرية المهنية، وعلى ذلك فإن مفهوم السر بشكل عام يطبق على السر المصرفي إلى حد بعيد، فالشخص المهني يطلع بحكم مهنته على أمور الناس الخاصة مما يفرض عليه الالتزام بكتمان ما يصل لمعرفته من معلومات وأخبار تتعلق بمهنته.

وقد عرف أحد شراح القانون السر المصرفي بأنه: كل أمر أو واقعة تصل إلى علم البنك سواء بمناسبة نشاطه أو بسبب هذا النشاط، وسواء أفضى العميل نفسه إلى البنك بهذا الأمر أو أفضى به أحد من الغير، ويكون للعميل مصلحة في كتمانه، بمعنى أن تكون المعلومات المعطاة من البنك عن عميله مما يطمئن المستعلم عن مركز العميل المالي، أو من شأن هذه المعلومات التخوف من التعامل معه أو الثقة به[13]

بينما عرفه آخر بأنه: موجب الالتزام بالسرية الواقع على عاتق المصرف في ممارسة نشاطه، والذي يستفيد منه الأشخاص الذين لهم علاقة أعمال مع هذا المصرف[14].وقد أورد أحد شراح القانون تعريفاً للسر المصرفي بأنه: الموجب الملقى على المصرفي بأن يحفظ السر الأكيد لجميع ما يتناهى إلى علمه عن شخص حقيقي أو معنوي تعامل أو يتعامل معه، وذلك أثناء قيامه بعمله المهني[15]

ومع أهمية هذه التعريفات نجد أن معظم التشريعات- ومنها التشريع اليمني- لم يورد تعريفاً للسر المصرفي، وحسناً صنعت، بل وأن معظم شراح القانون والمناط بهم مهمة وضع التعريفات الفقهية للمصطلحات القانونية لم يضعوا تعريفاً محدداً للسر المصرفي لإيمانهم – وبحق- أنه لا يوجد تعريف محدد جامع مانع له، كما هو الحال في سر المهنة بشكل عام، لأن السر المصرفي من الأمور التي لا يستطاع تحديد مفهومها لأنه يختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص وطبيعة الوقائع والأحداث، فقد يكون أمر ما سراً في زمان ولا يكون سراً في زمان آخر، وقد يكون سراً في مكان ولا يكون سراً في مكان آخر، وقد يكون سراً بالنسبة لأشخاص ولا يكون سراً بالنسبة لأشخاص آخرين.

ولكن الصعوبة في وضع تعريف محدد وشامل لسر المهنة المصرفي لا تحول دون محاولة الوصول إلى فكرة واضحة للسر المصرفي دون خوض في مسألة التعريف، وذلك عن طريق وضع مفهوم لفكرة السر المصرفي والمتمثل بدراسة نطاق السر المصرفي، وهو ما سنتناوله في المطلب الثاني من هذا المبحث.

 

المطلب الثاني
نطاق السر المصرفي

تقسيم: 

بيّنافيما سبق أن التشريعاتالمختلفة – ومنها القانوناليمني- لم تعرفالسر المصرفي، وإنمايمكن إدراك مفهومالسر المصرفي من خلالدراسة نطاقه، ويشتملنطاق السر المصرفيعلى عنصرين هما: نطاقه من حيثالأشخاص، ونطاقهمن حيث الوقائع (المعلومات)، وستتمدراسة كل عنصرمن هذين العنصرينفي فرع مستقلكما سيأتي: 

الفرع الأول
أشخاص السر المصرفي

يمكنإدراك مفهوم السرالمصرفي من خلالتحديد أطراف الالتزامبالكتمان المصرفيالمفروض علىالمصرف (البنك) فيما يخصأعمال العملاء، حيثيفرض هذا الالتزامعلى البنك المحافظةعلى سرية بعضالوقائع التيتصل إلى علمهفي أثناء معاملاتهمع العملاء، والذينيفترض أن إرادتهمقد اتجهت إلىإخفاء هذه الأعمالوالمعاملات، وعلىذلك يمكن تحديدأطراف الالتزام بالسرالمصرفي في: البنكباعتباره المدين،حيث يلتزم بالمحافظةعلى السر، وفي: العميل باعتباره صاحبالحق في كتمانالسر المصرفي. 

أولاً: الطرف الملتزم بالمحافظة على السر المصرفي (المصرف): 

وردت تعريفات عدة «للبنك» أو «المصرف» في التشريع اليمني، ولكنها جميعها متطابقة، حيث عرفه كل من قانون البنك المركزي اليمني[16]، وقانون البنوك اليمني[17] في المادة (2) منهما بأنه: «أي شخص معنوي يمارس بصفة أساسية الأعمال المصرفية، ويشمل البنوك التجارية (بما في ذلك البنوك الإسلامية)، والبنوك المتخصصة أو أي فرع لأي مؤسسة أجنبية تعمل في المجال المصرفي». كما ويشمل تعريف البنك- في إطار الالتزام بالسر المصرفي- على البنك المركزي أيضاً.

ويقوم الالتزام على البنك ذاته بوصفه المتعاقد مع العميل، كما يقوم كذلك على موظفيه الذين يحيطون علماً بمراكز العملاء وظروفهم، فيسأل البنك أياً كان الموظف الذي أفشى السر مادام البنك مسئولاً عنه بحكم القواعد العامة.وهكذا فالمقصود بالبنك: هو الشخص المعنوي الذي يمثله رئيس مجلس الإدارة، وكذلك – في هذا الخصوص- مديرو الفروع وكبار الموظفين الذين لهم سلطة اتخاذ القرارات، ويقصد بالموظفين – على الرأي الراجح- جميع المستخدمين والعمال الذين يسأل عنهم البنك مسؤولية المتبوع، والذين يفشون معلومات وصلت إليهم بمناسبة أعمالهم في البنك، ولو لم يكن من اختصاصهم الاطلاع على هذه المعلومات مادامت وصلتهم بمناسبة مباشرة أعمالهم كموظفين أو تابعين أياً كان مستواهم[18]

إضافة إلى المصرف نفسه ومستخدميه، هناك أشخاص ليسوا طرفاً مباشراً في العلاقة بين المصرف والعميل، ولكن يتاح لهم بموجب وظائفهم الاطلاع على أسرار عملاء المصارف، فكل هؤلاء يلتزمون بالسرية المصرفية أو بالمحافظة على سرية أية معلومات يطلعون عليها بحكم وظائفهم والتي تعد أسراراً مصرفية مثل :موظفي البنك المركزي[19]، وموظفي ضريبة الدخل[20]، ومراقبي الشركات[21]

ثانياً: صاحب الحق في حفظ السر المصرفي (العميل): 

أما بالنسبة للعميل أو الزبون وهو الطرف الثاني للالتزام بالسر المصرفي، بل هو المستفيد المباشر من الكتمان المقرر أصلاً لمصلحته، فإنه لا يوجد تعريف تشريعي له في معظم التشريعات المصرفية ومنها التشريعات المصرفية اليمنية.

ويرى بعض شراح القانون أن المستفيد من التزام البنك بكتمان السر صاحب السر نفسه، أي الشخص الذي أودعه لدى البنك بأن أطلعه عليه، وأطمأن إلى أنه سيكتمه، أو الشخص الذي تتعلق به الواقعة التي اتصلت بعلم البنك بحكم علاقته به[22]، وعلى ذلك لا يقصد بلفظ «العميل» الشخص الذي يمتلك حساباً بالبنك فقط، بل إن ذلك اللفظ، يمتد ليشمل كل من دخل في مفاوضات مع البنك، حتى ولو لم تنته هذه المفاوضات بفتح حساب لديه، وذلك لأن موظف البنك قد يتوصل من خلال هذه المفاوضات إلى الوقوف على أسرار معينة تخص هذا الشخص[23]

بينما يرى البعض الآخر من شراح القانون أن الزبون أو العميل: هو الشخص سواء كان طبيعي أم اعتباري الذي يتصل بالمصرف ويقوم بعمليات مصرفية معه ويلجأ إلى خدماته، وحتى يكتسب صفة الزبون يجب أن يكون المصرف موافقاً على العملية المصرفية[24]. وهذا الاتجاه الأخير هو الاتجاه الذي نميل إليه فمتى قام الشخص بفتح حساب لدى مصرف فإنه ومنذ هذه اللحظة يمكن أن يوصف هذا الشخص بأنه عميل أو زبون لهذا المصرف لأن إرادته اتجهت للتعامل مع هذا المصرف،  ويصبح عميلاً بالرغم من عدم وجود تعاملات سابقة ومستمرة له مع البنك.

على أنه يلاحظ أن الشخص الذي يقوم بصرف قيمة شيك لمرة واحدة أو لمرات بشكل عارض من البنك، لا يمكن اعتباره عميلاً ومن ثم يمكن للبنك أن يكشف عن واقعة هذا السحب، دون أن يتعارض ذلك مع سر المهنة أو الوظيفة[25].ولا يعتبر موظفو المصرف زبائن له لأنهم لا يتعاملون معه كزبائن بل كمستخدمين وعمال، كما لا يسمح لكفيل الزبون أمام المصرف بالاطلاع على تفاصيل العمليات التي أجراها مكفولة، ولا يعتبر زبوناً المساهم في المصرف بالأسهم، ولا يعتبر زبوناً للمصرف سارق الشيك، أو زبون سابق للمصرف سحب شيكاً عليه بعد أن أقفل حسابه، ولا السائح الذي يقبض تحويلاً له من الخارج[26].

وكما أن حفظ السر مقرر لصالح العميل فإنه يمكن أن ينتقل هذا الحق إلى الورثة أو الموصى لهم (بالمال المتعلق به السر المصرفي) وذلك بعد وفاة العميل، أو النائب عن العميل حال حياته وفقاً للقواعد العامة مثل وكيله الخاص والمفوض، أو النائب القانوني الذي يمثله قانوناً مثل الوصي والقيم ووكيل التفليسة[27].

الفرع الثاني
 الوقائع الداخلة في نطاق السر المصرفي

من المؤكد أن البنوك تتعرف من خلال النشاط المصرفي على العديد من الوقائع والمعلومات التي تخص العملاء، ومادامت البنوك ملزمة بحفظ أسرار العملاء، بالإضافة إلى الأطراف الآخرين الملتزمين بالسر المصرفي فإن هذا الأمر يثير التساؤل بشأن الوقائع والمعلومات التي يلتزم كل هؤلاء بالمحافظة على سريتها، وهل التزامهم هذا يمتد إلى كل الوقائع والمعلومات التي تخص العميل أم أن هناك وقائع معينة هي التي تكون محلاً للالتزام بالكتمان.

وبسبب عدم تحديد نصوص القوانين لهذه الوقائع فقد حاول بعض الفقهاء تحديدها على سبيل الحصر، ومع أن هذا الأسلوب يتسم بالتحديد والوضوح إلا أنه لا يمكن حصر جميع الوقائع التي يمكن أن تعتبر سراً والتي قد تحدث في المستقبل أو تستجد، ولذا فإن هذه الطريقة لم تكن مجدية، لذا فقد قيل بوضع ضوابط أو معايير لتحديد الواقعة التي تعتبر سراً لا يجوز إفشاؤه من تلك التي لا تعتبر كذلك، وقد تم تحديد ضابطين لهذه المسألة وهما: الضابط المادي: ويتعلق هذا الضابط بالوقائع والمعلومات ذاتها، إذ يجب أن تنبع من نطاق روابط الأعمال بين البنك والعميل، وأن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمباشرة البنك لنشاطه، ...، والضابط الشخصي: ويعتمد هذا الضابط على الجانب الشخصي، فيجب أن يكون السر منسوباً لشخص معين مما يستلزم أن تنسب الوقائع لعميل بعينه، ويتعين لتحديد الوقائع التي تعتبر سراً البحث عن إرادة العميل فهي التي تتجه إلى كتمان بعض الوقائع والمعلومات الناشئة عن علاقته بالبنك[28]

ونظراً لهذا الاختلاف الفقهي ولعدم ورود نص في معظم التشريعات- ومنها القانون اليمني- يحدد المعلومات التي يمكن اعتبارها سراً مصرفياً، يمكن الجمع بين هذين الضابطين، وبالتالي فالخلاصة: أن المعلومات التي تشملها السرية المصرفية هي: التي تتصل بعلم البنك بسبب ممارسته للعمل المصرفي [29]، وأثناء التعامل مع عميله، والتي تنصرف إرادة العميل الصريحة أو الضمنية باعتبارها سراً مصرفياً، أو تقتضي طبيعة هذه المعلومات أن تكون سرية يجب كتمانها.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الالتزام بكتمان السر المصرفي يقوم على أساس أن طبيعة عمليات البنوك، والعلاقة بين البنك وعميله، تقوم على ثقة من العميل في أن يكتم البنك ما يفضي به العميل إليه من تصرفاته وأحواله المالية، وهي مسائل يعتبرها العميل من شؤونه الخاصة التي يجب ألا يعرفها الغير، سواء كان هذا العميل تاجراً أو غير تاجر، لأن من الطبيعي أن يحرص كل شخص على إخفاء مركزه المالي عن غيره، سواء كان هذا الغير منافساً له، أو حتى فرداً من أفراد عائلته[30].

المطلب الثالث
الحماية الجنائية للسر المصرفي

تمهيد وتقسيم:

لقد كان الالتزام بالسر المصرفي في بداية ظهوره واجباً أخلاقياً، تدعو إليه مكارم الأخلاق والتزاماً طبيعياً، ثم أملته بعد ذلك الأعراف والتقاليد المصرفية المستقرة بالتعامل، وتطور بعد ذلك ليصبح واجباً دينياً مقدساً وتعلق السر بالآلهة ثم استقر بعد ذلك التزاماً قانونياً. والحماية القانونية للسر المصرفي جاءت لاعتبارات عدة منها ما يتعلق بمصلحة الفرد وحريته الشخصية، ومنها ما يحقق مصلحة المصرف في كتمان أعماله، ومنها ما يحقق المصلحة العامة في الالتزام بالسر المصرفي[31].

إن القوة الإلزامية للسرية المصرفية تتوقف على الحماية القانونية التي قررها المشرع، إذ بدون هذه الحماية يصبح الالتزام بها شعاراً زائفاً لا قيمة له، وخالياً من المضمون. وهذه الحماية التي قررها المشرع ضد الانتهاكات التي تقع على السر المصرفي تتمثل في الآثار القانونية التي تترتب على إفشاء هذا السر سواء أكانت أثاراً مدنية أم آثاراً جزائية، أو بمعنى آخر بأنها تتمثل في المسؤولية القانونية المترتبة على ذلك. والمسؤولية القانونية هي: محاسبة الشخص على الضرر الذي يحدث بغيره، ويحدث الضرر عندما يسلك الشخص مسلكاً مخالفاً للقانون، ويترتب على هذا المسلك حدوث ضرر للمجتمع أو أحد أفراده، أو يكون من شأنه التهديد بوقوع مثل هذا الضرر[32]. وهذا النوع من المسؤوليات هو وحده الذي يترتب عليه جزاء قانوني يتمثل في العقوبة أو التعويض. وتنقسم المسؤولية القانونية إلى: جزائية، ومدنية[33]، وتأديبية[34]

ولما كان موضوع البحث يندرج تحت الآثار الجزائية المتمثلة في المسؤولية الجزائية عن ارتكاب جريمة إفشاء السر المصرفي التي يتحملها الموظف، كما يمكن أن يتحملها المصرف بصفته شخصية معنوية ، فإنني سأتناول في المطلب التالي المسؤولية الجزائية للموظف أو المستخدم ، والمسؤولية الجزائية للمصرف في فرعين مستقلين كالآتي:-

الفرع الأول
المسؤولية الجزائية للموظف أو المستخدم

تعني المسؤولية الجزائية: صلاحية الشخص لتحمل الجزاء الجنائي المقرر للجريمة التي ارتكبها [35].ويتمثل أساسها في مخالفة واجب قانوني تكفله القوانين العقابية بنصوص خاصة ومحددة لا يجوز القياس عليها ولا التوسع في تفسيرها.

والمسؤولية الجزائية للموظف أو المستخدم المعني بالمحافظة على السر المصرفي هي مسؤولية قانونية مقيدة بالنص الجنائي، وبالتالي فهي تتعلق بالنظام العام، والقضاء هو المرجع الذي يحدد قيامها من عدمه، ويحمل نتائجها من تقع عليه. كما أن هذه المسؤولية تتميز بأنها شخصية ذات طابع فردي لا تجاوز الشخص الذي قامت عليه إلى سواه، ولا يسأل عن الجرم إلا فاعله، ولا يؤاخذ امرؤ بجريرة غيره مهما كانت درجة القرابة أو الصداقة أو علاقة العمل بينهما. وهذه من القواعد الأولية في الشريعة الإسلامية، كما تأخذ اليوم القوانين الوضعية الحديثة بمبدأ «شخصية المسؤولية الجزائية»، فلا يؤاخذ بالجرائم غير جناتها، ولا تنفذ العقوبة إلا على من أجرم دون غيره[36].

وكما أسلفنا فإن المصارف شخصيات اعتبارية تمارس أعمالها عن طريق مستخدميها الذين يباشرون في الواقع أعمال المصرف، ويعبرون عن إرادته، فإذا وقع منهم أي إخلال بواجب الكتمان المصرفي وقاموا بإفشاء الأسرار المصرفية عرضوا أنفسهم للعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات[37] .

ولكي تترتب المسؤولية الجزائية على من ارتكب جريمة إفشاء السر المصرفي، يجب أن تتوافر فيه الأهلية الجنائية المتمثلة في شرطي: الإدراك أو التمييز، وحرية الاختيار[38]. كما يجب أن تكتمل أركان الجريمة مجتمعة بحسب النص القانوني المجرم لها، وألا تكون هنالك أسباب تخرج فعل الإفشاء المجرَّم من دائرة التجريم إلى دائرة الإباحة.

وسواء أكان من أفشى السر من مستخدمي المصارف ,أو من الموظفين العامين المخولين بالاطلاع على هذا السر مثل موظفي البنك المركزي اليمني أو موظفي ضريبة الدخـل ، فإن المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني[39] والتي تنص على أنه: «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنه أو بالغرامة من كان بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه مستودع سر فأفشاه في غير الأحوال المصرح بها قانوناً ، أو استعمله لمنفعته أو لمنفعة شخص آخر ما لم يأذن صاحب الشأن في السر بإفشائه أو استعماله وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات إذا كان الجاني موظفاً عاماً استودع السر أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته « تنطبق عليهم في حال ارتكابهم جريمة إفشاء السر المصرفي (على اعتبار أنه سر من أسرار المهنة التي تحكمها هذه المادة) ، وبالتالي فإن الدعوى الجزائية تقام على من قام بإفشاء السر المصرفي وانتهك السرية المصرفية.

ونظراً لأن جريمة إفشاء السر المصرفي تعتبر جريمة غير جسيمة[40]، حيث أنه يعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو بالغرامة، فإن الدعوى الجنائية فيها تسقط بمرور ثلاث سنوات من يوم وقوع الجريمة ما لم ينقطع التقادم وفقاً للأسباب المحددة قانوناً[41].

أما من حيث حكم الإدانة فيجب أن يتضمن بياناً واضحاً للواقعة التي أفشاها المتهم، والمهنة التي يمارسها، وفعل الإفشاء الذي صدر عنه. فبيان الواقعة يتيح لمحكمة النقض (المحكمة العليا) أن تتحقق من صفتها كسر، وبيان المهنة يتيح لها أن تتحقق من الطبيعة المهنية للسر ومن أن هذه المهنة هي إحدى المهن التي يلتزم أفرادها بكتمان السر، ولا تلتزم محكمة الموضوع بالتحدث عن القصد استقلالاً، فإذا أثبتت أن للواقعة صفة السر أفترض علم المتهم بذلك ، والأصل في فعل الإفشاء أنه إرادي، ولا تلتزم المحكمة من باب أولى أن تتحدث عن البواعث إلى الجريمة، ولكن إذا دفع المتهم بإنتفاء القصد لديه كان هذا الدفع جوهرياً، والتزمت المحكمة بأن ترد عليه رداً مدعماً بالدليل، وكذلك الحال إذا دفع بتوافر سبب للإباحة[42].

الفرع الثاني
المسؤولية الجزائية للمصرف

من المسلم به أن المصارف (البنوك) يقع على عاتقها دور كبير في خلق الائتمان وتوزيعه من أجل دعم المشروعات الاقتصادية، وهو دور مسلم به في  النظم الرأسمالية والاشتراكية على حد سواء ، والائتمان يفترض الثقة، والثقة لا تقوم إلا في إطار من الكتمان يسمح بإذكائها وتبادلها، ولذلك جرت العادة منذ نشأة البنوك على كتمان نشاطها، ولاسيما إذا تعلق الأمر بالأسرار المعهودة إليها من عملائها احتراما للثقة المتبادلة. والتزام البنك بكتمان بعض الوقائع والمعلومات والبيانات التي وصلت إلى علمه بمناسبة نشاطه المصرفي يقابله حق العميل في حفظ أسراره[43]

وفي معظم التشريعات يستند التزام البنك بكتمان السر المصرفي إلى نص في قانون العقوبات، ويترتب على الإخلال به مسؤولية جزائية، علاوة على المسؤولية المدنية، إذا توافرت شروطها، والذي يعنينا هنا مسؤولية البنك الجزائية .

وباعتبار البنك من الأشخاص المعنوية كما عرفته معظم التشريعات ومنها القانون اليمني[44]، فإن موضوع المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي من الموضوعات التي كانت وما زالت مثار جدل ونقاش في الفقه والقضاء المقارنين، كما لم يستقر وضع هذه المسؤولية في التشريع بصفة نهائية. وإن كان الشخص الطبيعي هو محور القانون الجنائي إلا أنه مع اتساع دائرة نشاط الأشخاص الاعتبارية (المعنوية) في العصر الحديث أصبحت تلك الأشخاص في بعض الأحيان مصدر أخطار على أنظمة المجتمع الاقتصادية، مما اقتضى التفكير في تقرير مساءلتها جنائياً في نطاق محدود عن بعض الجرائم التي تقع بمناسبة مزاولة نشاط تلك الأشخاص، وخاصة الأنشطة الاقتصادية[45].

وقد انقسم الفقه بشأن ما إذا كان الشخص المعنوي باعتباره شخصاً مميزاً عن ممثله، يسأل عن هذا الفعل وتوقع عليه عقوبة، أي ينسب إليه الفعل على أساس أن صدوره عن ممثله بصفته هذه يعني صدوره منه، إلى رأيين: الرأي الأول: يذهب إلى عدم جواز مساءلة الشخص المعنوي جنائياً، والرأي الثاني: يذهب إلى جواز مساءلة الشخص المعنوي جنائياً[46]. وقد أورد كل اتجاه من هذين الاتجاهين حججه، وأوضح النتائج المترتبة على ذلك بشكل مطول لا يسع المجال هنا لذكرها لأنها تحتاج إلى بحث مستقل لتناولها.

وأكتفي هنا بالإشارة إلى موقف القانون اليمني من ذلك: فقد أخذ المشرع اليمني بالمذهب الثاني، ولكن ليس على إطلاقه، حيث لم يأخذ بالمسؤولية الجنائية الكاملة للشخص المعنوي، ولم ينكر ترتيب هذه المسؤولية على الشخص المعنوي، فقد رجح تحميل الشخص المعنوي المسؤولية الجزائية والاكتفاء بتوقيع العقوبات عليه بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في قانون الجرائم والعقوبات ، وفي سبيل ذلك نص في المادة (2) منه على أن: «المسؤولية الجزائية شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون»، أي أنها تسري على الأشخاص الطبيعية والأشخاص الاعتبارية (المعنوية). وفي المادة (1) من هذا القانون، والتي تعرف الأشخاص الاعتباريين نصت على أن:» تشمل الشركات والهيئات والمؤسسات والجمعيات التي تكتسب هذه الصفة وفقاً للقانون، وتأخذ حكم الأشخاص الطبيعيين بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، ويكتفى في شأنها بالعقوبات التي يمكن تطبيقها عليها». ولذلك فإن المصارف تدخل تحت هذا النص وتترتب عليها المسؤولية الجنائية عن ارتكاب جريمة إفشاء السر المصرفي وفقاً للحدود المرسومة في نصوص قانون الجرائم والعقوبات اليمني.

والمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي في معظم التشريعات المقارنة على نوعين: إما أن تكون مباشرة، وإما أن تكون غير مباشرة. فالمسؤولية الجنائية المباشرة: تسند الجريمة فيها إلى الشخص المعنوي، فتقام عليه الدعوى الجنائية بصفة أصلية، ويقضى عليه بالعقوبات المقررة والتي تتناسب مع طبيعته، وهذه المسؤولية لا تمثل النوع الغالب في المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي. أما المسؤولية الجنائية غير المباشرة: فلا تقام الدعوى الجنائية على الشخص المعنوي باعتباره خصماً أصلياً، وإنما باعتباره خصماً تبعياً، وتكون كذلك عندما ينص القانون على أن هذا الشخص يسأل بطريقة التضامن مع الأشخاص الطبيعيين الداخلين في تكوينه[47]

وحيث أن القائمين على الشخص المعنوي أشخاص طبيعيون، فهم الذين يديرونه ويسيرون أعماله، فقد تستغل وسائل هذا الشخص لتحقيق منافع غير مشروعة لمصلحتهم، لذا وفي سبيل ردعهم عن ذلك تقرر مسؤوليتهم الجزائية إضافة إلى مسؤولية الشخص المعنوي من أجل المزيد من الرقابة والتوجيه على تصرفات مستخدميه، وحيث أن للشخص المعنوي(المصرف) القدرة على أن تكون له إرادة وعلم بالتصرفات التي ترتكب باسمه، وأن عناصر الركن المعنوي يمكن تحققها من خلال علم وإرادة الأشخاص الطبيعيين الذين أسهموا في وجود هذا الشخص المعنوي، وأن التصرفات التي تصدر من هذا الشخص تصدر مع توفر المعرفة التامة بنصوص القوانين وعن علم وإرادة حرة، اللذان يتحققان من خلال الأشخاص الطبيعيين الذين يعبرون عن إرادته ويتصرفون باسمه، لذا فإن احتمال وقوع الشخص المعنوي في الخطأ وارد مما يوجب مساءلته[48] .

لذلك ومن كل ما تقدم نستنتج أن المصارف مسؤولة جزائياً عن الجرائم التي يرتكبها موظفوها، ومنها جريمة إفشاء السر المصرفي المعاقب عليها وفقاً لنص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني- وعلى وجه الخصوص في حال تعذر معرفة الموظف المسؤول عن إفشاء السر المصرفي لاطلاع عدد كبير من الموظفين عليه – وتتعرض للعقوبات المنصوص عليها في قانون الجرائم والعقوبات، والتي تتناسب مع طبيعتها أي مع شخصيتها المعنوية. فالمصرف كشخص اعتباري لا يتصور حبسه، وبالتالي يمكن أن توقع عليه عقوبة الغرامة المنصوص عليها في المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني كعقوبة أصلية لجريمة إفشاء السر المصرفي، بحيث لا تنقص هذه الغرامة عن مئة ريال ولا تجاوز سبعين الف ريال وفقاً لنص المادة (43) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني، بالإضافة إلى جواز أن توقع عليه عقوبة من العقوبات التكميلية التي تتناسب مع طبيعته كشخص معنوي إلى جانب العقوبة الأصلية، ومثال هذه العقوبات التكميلية: الحرمان من الاستمرار في مزاولة المهنة أو إغلاق البنك، ولكن وفقاً للضوابط المحددة قانوناً لذلك[49].

ولدى تناولي لجريمة إفشاء السر المصرفي فيما سيأتي من هذا البحث سأقتصر على تناول مسؤولية الأشخاص الطبيعيين الجزائية عن ارتكابهم لهذه الجريمة، متحاشياً تناول مسؤولية المصرف الجزائية عن ذلك، مكتفياً بما تقدم من هذا البحث بشأن هذا الموضوع ، وذلك لأن موضوع المسؤولية الجزائية للمصرف عن إفشاء السر المصرفي (باعتباره شخصاً معنوياً) موضوع واسع يحتاج إلى دراسة كاملة متعمقة اتركها لمن يرغب البحث فيها .

 

المبحثالثاني
أركان جريمة إفشاءالسر المصرفي وعقوباتها

تمهيد وتقسيم:

لا تقوم جريمة إفشاء السر المصرفي- كغيرها من الجرائم- إلا إذا توافرت أركانها الأساسية، والأركان جمع ركن، والركن لغة: جانب الشيء الأقوى[50]، واصطلاحاً: ما يتوقف الشيء على وجوده وكان جزءاً من حقيقته أو ماهيته[51] . والمقصود بأركان جريمة إفشاء السر المصرفي أجزاؤها التي لا وجود للجريمة بدونها والتي هي داخلة في حقيقتها، ويتوقف وجودها عليها، ولا يمكن تصورها إلا إذا وجدت هذه الأركان.

ومتى وجدت هذه الأركان تم البناء القانوني لهذه الجريمة، وترتبت عليها أثار قانونية أهمها استحقاق مرتكبها للجزاء الجنائي(العقوبة) وما يتعلق بهذه العقوبة من أحكام وأثار بالنسبة للجاني وللمجتمع. وبتوقيع العقوبة على الجاني يكون المجتمع قد أخذ حقه من الجاني، ويكون الجاني قد نال ما يستحقه من جزاء، وبالتالي يتحقق الهدف المنشود من توقيع هذا الجزاء.

وجرياً على ما سار عليه الفقه القانوني في تناول أحكام أية جريمة من الجرائم، قمت بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، تناولت في المطلب الأول : أركان جريمة إفشاء السر المصرفي ، وفي المطلب الثاني : عقوبة إفشاء السر المصرفي.

المطلب الأول
أركان جريمة إفشاء السر المصرفي

تمهيد وتقسيم:

نص المشرع اليمني على تجريم إفشاء الأسرار وإفشاء السر المهني بشكل خاص في المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات التي تنص على أنه» يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من كان بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه مستودع سر فأفشاه في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، أو استعمله لمنفعته أو لمنفعة شخص آخر ما لم يأذن صاحب الشأن في السر بإفشائه أو استعماله، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات إذا كان الجاني موظفاً عاماً استودع السر أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته».

ويلاحظ من نص المادة السابقة أن المشرع عاقب كل من ينتهك السر الذي وصل لعلمه بحكم مهنته فأفشاه في غير الأحوال التي يباح فيها الإفشاء، أي أن النص جاء عاماً على كل من يفشي سر مهنته دون مبرر قانوني بدون تحديد لمهنة معينة.

ويدخل ضمن هذه الطائفة من المهنيين المصارف لعموم النص الوارد في المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني، مما يدعو للقول بأن السرية المصرفية تجد أساساً قانونياً لها فيما نصت عليه هذه المادة، إذ أن المشرع عمم الحكم على كل من كان مستودع سر فأفشاه دون مبرر قانوني، الأمر الذي يقطع بدخول المصرفي ضمن الملتزمين بالسر المهني، كما يشمل نص المادة المذكورة الموظفين العامين الذين يطلعون على أسرار مصرفية بحكم وظيفتهـم، والذي ينطبق على موظفي البنك المركزي وغيرهم ممن يأخذون حكمهم، ومن ثم فإن كل العمليات والمعلومات المصرفية التي تتعلق بالعميل ويعلمها المصرفي أو الموظف العام بمناسبة القيام بمهنته تستوجب الكتمان سواء أكان قد أوصلها لعلمه العميل نفسه أو عرفها بحكم مهنته، وسواء انصرفت إرادة العميل الصريحة أو الضمنية باعتبارها سراً مصرفياً، أو أن طبيعة هذه المعلومات تقتضي اعتبارها سراً مصرفياً كما رأينا.

وحيث أن السر المصرفي يندرج تحت أسرار المهنة المقرر حمايتها في المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات ، فإنه يمكن تعريف جريمة إفشاء السر المصرفي كما يأتي:-

هي «إفشاء متعمد غير مشروع لسر مصرفي من قبل من كان مستودعاً له بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه، أو كان موظفاًَ عاماً استودع السر المصرفي أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته».

ويتضح من دراسة النص القانوني أن جريمة إفشاء السر المصرفي تتكون من ثلاثة أركان رئيسية: ركن محل الجريمة والصفة الخاصة للفاعل، وركن مادي، وركن معنوي، وستكون الدراسة لهذه الأركان في الفروع الثلاثة الآتية:

الفرع الأول
 محل الجريمة والصفة الخاصة للفاعل

يتكون الركن الأول من أركان جريمة إفشاء السر المصرفي من عنصرين مفترضين[52] لقيام هذه الجريمة، وهذان العنصران هما: العنصر الأول: محل الجريمة، والعنصر الثاني: الصفة الخاصة للفاعل.

محل الجريمة:

بالنسبة للعنصر المفترض الأول وهو: محل الجريمة، أو موضوعها: وهو المصلحة المحروسة بموجب أحكام الشرع والقانون، ويتمثل هنا في السر المصرفي، أي أنه  يجب أن تكون الواقعة أو الأمر محل الإفشاء سراً مصرفياً حتى يجرَّم هذا الإفشاء، إلا أن تحديد معنى السر المصرفي أمر لا يخلو من الصعوبة، وأن التشريعات الجزائية بما فيها قانون الجرائم والعقوبات اليمني في المادة (258) منه لم تضع له تعريفاً محدداً، ونتيجة لذلك تعددت الآراء حول المقصود بالسر المصرفي، وانتهت إلى أنه لا يوجد تعريف محدد جامع مانع للسر المصرفي كما هو الحال في تعريف سر المهنة الذي يعد السر المصرفي نوعاً من أنواعه، ومع وجود هذه الصعوبة إلا أن ذلك لم يحل دون الوصول إلى فكرة واضحة للسر المصرفي عن طريق وضع مفهوم لهذه الفكرة تتمثل في دراسة نطاق السر المصرفي الذي سبق الحديث عنه في المبحث الأول من هذه الدراسة والتي تتناول ماهية السر المصرفي محل جريمة الإفشاء.

الصفة الخاصة للفاعل[53]:

تعتبر جريمة إفشاء السر المصرفي – كغيرها من جرائم إفشاء أسرار المهنة – من جرائم ذوي الصفة الخاصة، ولا يرتكب هذه الجريمة أي شخص، بل شخص ذو صفة معينة، وهذه الصفة مستمدة من نوع المهنة التي يمارسها، أي أنها صفة مهنية.

وعليه فلا بد لكي تتكامل أركان هذه الجريمة أن يكون الجاني(مرتكب الجريمة) موصوفاً بكونه من أصحاب المهن أو الوظائف أو الأعمال التي يعتبر الإفشاء بالأسرار فيها من مكوناتها الضرورية، حيث لا يمكنه القيام بواجبات مهنته بالصورة المبتغاة لها سلفاً ما لم تتم إباحة تلك الأسرار في مواجهته وإيداعه إياها، إذ يمكنه بعد العلم بها أداء عمله المناط به على الوجه المطلوب، وبالتالي فإن هذه الجريمة تتميز بكونها تقتضي أن يتوفر ضمن أركانها وصف خاص للفاعل لا تنهض دون وجوده.

والصفة الخاصة للفاعل في هذه الجريمة محل الدراسة تنطبق على جميع موظفي البنوك بكافة مستوياتهم كبرت أم قلت، بمعنى أن يلتزم بالسرية المصرفية رئيس مجلس إدارة البنك، وكل من يليه أو يتبعه من موظفين ولو كان الشخص أحد المكلفين بحراسة البنك، هذا بالإضافة إلى أي أشخاص تقتضي مهنتهم أو عملهم الاطلاع على السر المصرفي ولو لم يكن أحد موظفيه، كما هو الشأن  بالنسبة للمهندسين  والخبراء الذين يستعين بهم البنك في تقييم الضمانات التي يقدمها العملاء أو تقييم مشروعاتهم، كذلك من يستعين بهم البنك في إصلاح وتركيب وتجربة الأجهزة الإلكترونية وآلات النسخ والتصوير والتخزين للمعلومات المسجلة عليها حسابات العملاء إلى غير ذلك من الأشخاص الذين تقتضي وظائفهم الاطلاع على أسرار العملاء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة[54]  .

والعلة في تطلب هذا الركن أن جوهر الجريمة هو إخلال بالتزام ناشئ عن المهنة، وما يتفرع عنها من واجبات، بالإضافة إلى أن علة التجريم فيها هي الحرص على السير السليم المنتظم لمهن معينة ذات أهمية اجتماعية، وهذه الصفة الخاصة متطلبة من فاعل الجريمة، ومن ثم يجوز أن يكون الشريك فيها غير حائز هذه الصفة، وهي متطلبة وقت إيداع السر (أو العلم به) دون وقت إفشائه[55].

وبالعودة إلى نص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني نجدها تطلبت في فاعل الجريمة صفة كونه مستودع سر (أميناً عليه) وأن يكون قد حصل عليه بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه، كما شملت الموظف العام الذي يحق له الاطلاع على هذه الأسرار، وتطلبت أن تتوافر في هذا الموظف العام كي يعد مرتكباً لجريمة إفشاء السر المصرفي صفة كونه مستودع سر، وأن يكون حصل على هذا السر أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته، دون أن تحدد الأمناء على الأسرار (مستودعيها) حصراً. 

ويرى بعض شراح القانون وضع ضابط عام لتحديد مستودع السر (الأمين عليه)، وهذا الضابط هو أن يكون الشخص من الأمناء بالضرورة، فالصفة الخاصة هي كون الفاعل يشغل إحدى الوظائف التي تجعله أميناً على السر بحكم الضرورة، وأن يحصل على السر بحكم ممارسته لهذه المهنة، فتحديد هذه المهن يقوم على أربعة عناصر وهي:

1- أن هذه المهن تفترض الثقة والدراية.

2- لا يمكن ممارسة هذه المهن دون الاطلاع على الأسرار.

3- الالتجاء إلى أصحابها اضطراري.

4- أنها مهن هامة اجتماعياً. ويمكن إجمال هذه العناصر الأربعة بالقول في وصف أصحاب هذه المهن بأنهم «أهل الثقة الاضطرارية»، وعلى سبيل المثال منهم موظفي المصارف، وموظفي البنك المركزي، وموظفي ضريبة الدخل، وغيرهم ممن يطلعون على السر المصرفي بحكم مهنتهم[56]

والخلاصة أنه حتى يتم تجريم إفشاء السر المصرفي يجب أن يرتكب هذه الجريمة واحد من الأمناء الضروريين على السر المصرفي، وممن تتوفر فيهم الصفة الخاصة لذلك، أما إذا وقع الإفشاء من شخص لا يمارس هذه المهنة (المهنة المصرفية)، ولم يحصل على السر بحكمها، فلا يعد مرتكباً لهذه الجريمة، ولا يطبق  عليه نص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني.

وتطبيقاً لذلك فإنه لا جريمة - تنطبق عليها نص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني- في إفشاء يصدر عن صديق أو قريب أودع لديه صديقه أو قريبه سره المصرفي، إذ لم يتلق السر باعتباره يمارس مهنة ما، أو يتقلد وظيفة ما، ولا جريمة كذلك في إفشاء يصدر عن خادم أو عامل في شأن سر مصرفي أودعه لديه مخدومه أو رب عمله، فمهنته ليست من المهن التي تفترض الإيداع الاضطراري للسر المصرفي.

وأخيراً يجب التنويه إلى أن كل من يقع عليه واجب المحافظة على السر المصرفي الذي كان مستودعاً لديه بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه أو وظيفته يظل ملتزماً بالمحافظة عليه، وكتمانه حتى لو انتهت علاقته بهذه المهنة أو الحرفة أو الوظيفة، سواء بالاستقالة أو الفصل أو النقل، فإذا أفشى أحدهم سراً من أسرار أحد العملاء قامت مسؤوليته الجنائية عن إفشاء السر المصرفي. أي أنه يظل حظر إفشاء السرية قائماً حتى ولو انتهت العلاقة بين العميل والبنك لأي سبب من الأسباب[57].

الفرع الثاني
الركن المادي

من المبادئ المسلم بها أنه لا سلطان للقانون على ما يدور في ضمائر الأفراد من أفكار، أو ما يعتقدونه من عزائم، أو ما يبيتونه من نيات، طالما أنها لم تبرز إلى العالم الخارجي بأفعال تترجم عنها، ولهذا كانت كل جريمة مستلزمة بالضرورة لقيامها ركناً مادياً يتمثل في فعل، أي واقعة خارجية تدركها الحواس وتسند إلى الجاني من الناحية المادية، واستلزام ركن مادي لقيام الجريمة يبرره أن الأفعال المحسوسة هي وحدها التي يمكن أن تحقق عدواناً على الحقوق أو المصالح التي يحميها القانون ويرعاها، أما الأفكار والنيات فلا ضرر منها طالما ظلت حبيسة النفس، وليس للقانون أن يتدخل بالعقاب عليها كفالة لحرية الفكر، فالركن المادي للجريمة هو الفعل أو الامتناع الذي بواسطته تتكشف الجريمة ويكتمل جسمها، ولا توجد جريمة بدون ركن مادي، إذ بغير مادياتها لا تصاب حقوق الأفراد أو الجماعة بأي اعتداء[58]

ويتكون الركن المادي – كقاعدة عامة - من عناصر ثلاثة: السلوك الإجرامي، والنتيجة الإجرامية، وعلاقة السببية بينهما. إلا أن بعض الجرائم والتي يطلق عليها جرائم الخطر- ومنها الجريمة محل الدراسة- لا يطلب القانون لتمامها حدوث نتيجة ضارة محدودة، وإنما يكتفي بحدوث فعل ذي خطر، أي تفترض ضرراً محتملاً فقط، فيكتفي القانون بذلك الاحتمال ويجعله علة لتحريم الفعل، دون أن يتطلب تحقق ذلك الضرر المحتمل.

وبناءً على ذلك تقوم جريمة إفشاء الأسرار- بما في ذلك السر المصرفي- ولو لم ينل المجني عليه ضرر قط من جراء الإفشاء، وحين تتخذ الجريمة صورة مجرد التهديد بالخطر فإن ركنها المادي لا يتطلب نتيجة إجرامية منفصلة عن السلوك الإجرامي[59]. وهذا يجعلنا نقتصر الدراسة في الركن المادي لجريمة إفشاء السر المصرفي على عنصر واحد هو عنصر السلوك الإجرامي فقط، والمتمثل في «فعل الإفشاء»، دون العنصرين الآخرين من عناصر الركن المادي، وهما عنصرا: النتيجة الإجرامية، والعلاقة السببية. 

ويرى بعض شراح القانون أنه يترتب على اعتبار جريمة إفشاء السر المصرفي من جرائم الخطر أن النشاط الإجرامي في هذه الجريمة يتحقق بمجرد وقوع الإفشاء، إذ بمجرد وقوعه تقع الجريمة، وبالتالي لا يمكن تصور الشروع في هذه الجريمة، فإما أن يتم الإفشاء فتقع الجريمة، وإما لا تقع الجريمة على الإطلاق[60]. بينما يتجه البعض الآخر من شراح القانون إلى  أن الشروع في هذه الجريمة متصور( مع كونها من جرائم الخطر)، ومثاله أن يمكن موظف البنك لشخص من الدخول إلى الغرفة التي يحفظ فيها أسرار العملاء ويسمح له بالاطلاع عليها، ولكن هذا الشخص لا يتمكن من ذلك، أو إذا أفضى المتهم بسر المجني عليه إلى شخص كان يعتقد أنه لا يعلم به، والحقيقة أنه يعلم به على سبيل اليقين، فالجريمة في المثال الأخير مستحيلة، وكذلك الحكم إذا كان المتهم يعتقد أن المجني عليه لم يصرح لذلك الشخص بالاطلاع على سره، والحقيقة أنه كان قد صرح له بذلك[61].

السلوك الإجرامي (فعل الإفشاء):

والإفشاء: لغة من فشا خبره يفشو فشواً وفشياً: انتشر وذاع، وفشا الشيء يفشو فشواً إذا ظهر، وهو عام في كل شيء، ومنه إفشاء السر[62]

والإفشاء في الاصطلاح هو: إطلاع الغير على السر والشخص الذي يتعلق به، ويعني ذلك أن الإفشاء في جوهره هو نقل معلومات، أي أنه نوع من الإخبار، وتتحدد عناصره بأمرين: موضوعه (أي السر) والشخص الذي تتعلق به[63]. والناظر في التعريفين السابقين يرى أن معنى الإفشاء في الاصطلاح لا يخرج عن معناه اللغوي، أي الظهور والانتشار[64]

ويعرف بعض فقهاء الشريعة إفشاء السر بأنه: تعمد الإفضاء بسر من شخص أئتمن عليه في غير الأحوال التي توجب فيها الشريعة الإسلامية الإفضاء أو تجيزه[65]. كما يعرفه بعض شراح القانون بأنه: تمكين الغير من الاطلاع على مضمون السر دون نقل وعائه المادي إلى حيازة الغير، ويدخل الإفشاء في مدلول التسليم[66]. كما يعرفه آخر بأنه: كشف السر أي إطلاع الغير عليه بأية طريقة كانت، سواء أكان ذلك بالكتابة أم المشافهة، علناً أم مسارة[67].

وقد عرفه آخر بأنه: الإفضاء بواقعة معينة إلى شخص يجهلها بصفة كلية أو جزئية، أياً كان قدر المعلومات التي تلقاها، وقد يكون الغير على علم سطحي بتلك الواقعة ثم يستحيل إلى علم قطعي فور الإفضاء إليه بها، ويستوي المدى القانوني أن ينقل الجاني إلى الغير كل معلوماته، أو أن يحجب عنه بعضاً منها، سواء من تلقاء نفسه أو على تنبيه من صاحب السر، أما إن كانت الواقعة معلومة على وجه اليقين لدى الغير فقد انحسر عنها وصف السر، وغدا الإفضاء بها غير محظور[68].

ومع تعدد التعريفات التي عنيت بالإفشاء إلا أنها تتفق جميعاً على أن الإفشاء كشف للسر وإيصال للمعلومات- التي أؤتمن عليها الشخص بحكم مهنته، والتي يجب أن تبقى مكتومة- إلى الغير بأي وسيلة من الوسائل ودون مبرر قانوني، فالإفشاء في جوهره نقل معلومات، أي أنه نوع من الإخبار بأمرين: بالسر وبالشخص الذي تعلق به، فمجرد الكشف عن السر لا يعتبر إفشاءً إنما يجب أن يحدد الشخص الذي يتصل به، إذ بدون تحديد الشخص المعني بالسر لا ينتج الإفشاء أثره القانوني ولا تتحقق علة التجريم في حماية المصلحة المشروعة لهذا الشخص[69].

ولكن القانون لا يتطلب ذكر اسم المجني عليه، وإنما يكتفي ببيان بعض معالم شخصيته على نحو يكفي للتعرف عليه، أي يكفي تعيينه نسبياً، ويعتبر من هذا القبيل نشر صورته، وقاضي الموضوع هو المنوط به القول بما إذا كان التعيين كافياً لقيام الجريمة أم كان غير كافٍ[70].

ولأن الإفشاء هو نقل للمعلومات، يجب أن تكون هذه المعلومات قابلة للانتقال، بمعنى أنه يمكن نقلها إلى الغير، حيث يوجد من الأسرار المهنية ما يصعب فصله عن الشخص نفسه، كخبرة الشخص التي يكتسبها، والواقع أن هذه مسألة جوهرية حيث إن السر المهني يجب ألا يلتصق بشخص ما، أو موظف في مؤسسة، ويجب أن يكون السر متعلقاً بشخص معين، وهو يعتبر المجني عليه في الجريمة، ولذلك فإن موظف البنك الذي ينشر مقالة علمية يشرح فيها ظاهرة اقتصادية معينة أو يقوم بتطبيق قوانين إحصائية على بيانات رقمية مجردة، دون ذكر بيانات عن أشخاص معينين، لا يعد مرتكباً لجريمة إفشاء الأسرار[71] .

وتفترض فكرة الإفشاء أن الإخبار بالسر والشخص المتعلق به كان إلى « الغير»، ويراد بالغير: شخص لا ينتمي إلى هذه الفئة من الناس الذين ينحصر فيهم نطاق العلم بالواقعة التي توصف بالسر، وللمجني عليه مصلحة في أن يبقى نطاق ذلك العلم محصوراً فيهم، ويعني ذلك أنه إذا كان الإفضاء بالسر إلى شخص ينتمي إلى هذه الفئة بحيث لم يتعد العلم النطاق الذي ينبغي أن يظل محصوراً فيه فلا يعد ذلك إفشاء [72].

وتطبيقاً لذلك لا يتحقق الإفشاء المكون للنشاط الإجرامي في الجريمة إذا تم الإفضاء بالمعلومات من قبل أحد موظفي البنك إلى موظف أخر في نفس البنك تقتضي طبيعة عمله العلم بهذه المعلومات إذ يعد كل هؤلاء أمناء على نفس السر، ولا يعدون من الغير[73].كذلك فإن قيام البنك بتزويد موظف البنك المركزي بمعلومات عن عمليات مصرفية تتعلق بعميل ما لا يعد ذلك إفشاءً، لأن موظفي البنك المركزي ممن لهم صفة بالاطلاع على السر وعليهم واجب كتمانه[74].

ولا يعد من الغير كذلك النائب القانوني لصاحب السر، ولا الورثة ولا الموصى لهم، بينما يعد من الغير بقية الأشخاص مهما كانت علاقتهم بالأمين أو صاحب السر كالزوجة أو الدائن، ما لم يكن هناك سبب يبيح الإفشاء بالسر إلى أي منهم، وإذا كان عميل البنك شخصاً معنوياً فإن السرية يحتج بها في مواجهة كل شخص وبالتالي يعتبر من الغير، ما عدا الممثل القانوني للشخص المعنوي .

ووسائل الإفشاء لدى القانون سواء، طالما أنها تحقق إخراج السر من النطاق الذي ينبغي أن يبقى محصوراً فيه، فسواء أكان الإفشاء شفوياً أو كتابياً عن طريق إعطاء الغير شهادةً أو تقريراً يتضمن السر، ويستوي لدى القانون أن يكون الإفشاء علنياً أو أن يتجرد من العلانية، كما يستوي لدى القانون أن يكون الإفشاء لشخص واحد، أو لعدد من الأشخاص قليل أو كثير[75] .

والإفشاء يكون صريحاً، وهي الصورة المعتادة له ولكنه قد يقع ضمنياً كما لو سمح المصرف لشخص ليس له صفة بالاطلاع على أوراق تحتوي على أسرار عملائه، كما يتخذ الإفشاء صورة الامتناع عن فعل ذلك كأن يعلم المصرف بإطلاع شخص غير ذي صفة على دفاتره المدون فيها أسرار عملائه ولا يحول بينه وبين ذلك، أو أن يسمح موظف البنك لشخص بالاطلاع على المعلومات التي يحتويها الحاسب الآلي، فهي صورة من صور الإفشاء بوسيلة فنية وبشكل ضمني، وكمثال آخر أن يقوم الموظف بإعطاء كلمة السر لشخص غير ذي صفة تمكنه من الدخول إلى برنامج الحاسوب[76].

كما أن تكرار الإفضاء بالسر لا ينزع عنه صفة السرية بل يظل الإفشاء معاقباً عليه مهما تكرر ، إلا إذا كان من استطاعة كل من يهمه الأمر الاطلاع عليه، ولا أهمية للطريقة التي يحصل فيها الإفشاء ، فالركن المادي لهذه الجريمة يعتبر متوافراً متى حصل الإفشاء شفاهة أو كتابة، بالنقل أو بالرسم أو بالتصوير أو الخطابة أو الهاتف أو النشر في الصحف أو المجلات أو الكتب أو الرسائل، كما يعد إفشاء للسر تدوينه في رسالة خاصة أو مكتوبة، أو تسجيله على شريط وإذاعته في محطات التلفزيون أو غير ذلك من الوسائل، أو أن يحصل الإفشاء في مجلس خاص أو في محل عام، لأن النص ورد مطلقاً ولا تخصيص فيه، فالشارع لم يشترط وسيلة معينة ، وإنما قصد تجريم كل ما من شأنه توصيل السر إلى من ليس له صفة في العلم به[77].

ويفترض الإفشاء علم المفشي بمضمون السر، بينما يمكن أن يتحقق التسليم المادي دون أن يحيط الجاني بمضمون السر، ولا عبرة بطرق إفشاء السر سواء كانت عن طريق استعمال اسم مستعار أو عن طريق التزوير، ولا يشترط أن يرد الإفشاء على السر كله، فيمكن أن يتحقق الإفشاء على جزء من السر فقط ، ولا يشترط أن يكون الإفشاء حرفياً، وإنما يتحقق بمجرد إطلاع الغير على معناه أو مضمونه ، ولو كان بطريقة موجزة، ويقع فعل الإفشاء إذا تم بشكل خاطئ أو ناقص، طالما أن جزاءً من السر ذاته قد تسرب إلى الغير عن طريق هذا الإفشاء، ولكن إذا صرحت السلطات المختصة بإفضاء السر إلى شخص معين فإنه يؤدي إلى إزالة الحظر المفروض على سريته بالنسبة لهذا الشخص[78].

يستخلص من كل ما سبق أنه يتوجب على المصرفي، وكل من له حق الاطلاع على السر المصرفي كتمان الوقائع والمعلومات المالية الخاصة بالعملاء، والتي يطلع عليها من خلال أدائه لوظيفته، وأن لا يفشيها بأية طريقة من الطرق وأن لا يسمح للغير بالاطلاع عليها إذا لم تكن له صفة لذلك.

الفرع الثالث
 الركن المعنوي (القصد الجنائي)

يقصد بالركن المعنوي: مجموعة العناصر النفسية والذهنية التي يسهم بها الشخص في ارتكاب الجريمة ، أي في مقارفة السلوك الممنوع شرعاً، فالواقعة غير المشروعة لا توصف بأنها جريمة جنائية، ولا تسند جنائياً إلى محدثها على نحو يستحق معه الجزاء الجنائي، إلا إذا وجدت رابطة نفسية ذهنية تصل بينها وبين الفاعل لها، وهذه الرابطة هي جوهر الركن المعنوي، ويتخذ الركن المعنوي للجريمة صورتين رئيسيتين هما: صورة العمد ويطلق عليها القصد الجنائي ، وصورة الخطأ[79].

ويتخذالركن المعنوي في جريمةإفشاء السر المصرفيصفة العمد، فيلزمتوافر القصد الجنائيلدى الجاني، والنتيجةالتي تترتب علىكون هذه الجريمةعمدية هي أنهلا قيام لهذهالجريمة إذالم يتوافر لدىالمتهم بها (القصد)، ولوتوافر لديه خطأفي أجسم صوره.

وتطبيقاً لذلك إذا أخطأ موظف البنك أثناء إطلاع العميل على حسابه بطريقة مكنت الغير من معرفة رصيد هذا الحساب، أو ذكر الرصيد بصوت مرتفع، أو كتبه على ورقة وأطلع عليها الغير دون قصد منه لا تقع الجريمة[80].

والقصد المتطلب في هذه الجريمة « قصد عام»،  وقد هجر الرأي الذي كان يتطلب في هذه الجريمة قصداً خاصاً قوامة» نية الإضرار» بمن أفشى سره، وتوصف هذه النية في الفقه الحديث بأنها مجرد باعث لا يحول إنتفاؤه دون توافر القصد[81]. وهذا الرأي صحيح فبالإضافة إلى أن نص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني لم تتضمن عبارة يفهم منها اشتراط القصد الخاص(الباعث) ، فإنه ليس من خصائص السر أن يترتب على إفشائه ضرر، فالقانون يعاقب على إفشاء السر المصرفي ولو لم ينجم عن ذلك ضرر. فثمة حالات عديدة لا يترتب فيها على الإفشاء ضرر ولو محتمل، ثم إن علة التجريم ليست الحماية من ضرر، وإنما ضمان السير السليم المنتظم لبعض المهن، وهو ما لا يرتبط بضرر أو نية إضرار[82]. والباعث الشريف لا يحول- كقاعدة عامة – دون توافر القصد الجنائي، بمعنى أنه لا يقدح في قيام القصد الجنائي لدى الشخص أن يكون مدفوعاً بباعث شريف من الناحية الأخلاقية، كما أن الباعث الدنيء لا يستلزم- بالضرورة- قيام الجريمة العمدية بمعنى أنه لا يقدح في انتفاء القصد الجنائي كون الشخص قد أتى فعله بباعث دنيء، وذلك لأن الباعث إنما يتصل بإرادة السلوك وهي لا تكفي وحدها لقيام القصد، بل لا بد من إرادة النتيجة أيضاً، فإذا دفع باعث دنيء إلى السلوك دون أن يكون صاحبه مريداً النتيجة فلا تكون جريمة عمدية رغم دناءة باعثه.

ويقوم القصد العام لهذه الجريمة على عنصرين هما: العلم والإرادة. وجوهر القصد الجنائي وعنصره الأساسي هو الإرادة المتجهة إلى تحقيق الواقعة أو الفعل الإجرامي، غير أنه لما كانت هذه الإرادة لا يقتصر توافرها لدى الفاعل إلا حيث يحيط علمه بعناصر الفعل المكون للجريمة، فإن العلم بهذه العناصر يعد على نحو ما عنصراً جديداً يضاف إلى الإرادة في بناء القصد الجنائي، ويكون بالتالي قوام هذا القصد في النهاية عنصرين هما: العلم بعناصر الفعل الإجرامي، واتجاه الإرادة إلى تحقيق هذا الفعل بعناصره[83].

وبناءً على ذلك يجب أن يعلم المتهم بأن للواقعة صفة السرية، وتتعلق بالكتمان المصرفي، وأن يعلم أن فعل الإفشاء قد تم في غير الحالات المصرح بها قانوناً، وينتفي القصد إذا وقع المتهم في غلط جعله يعتقد أن الواقعة ليست لها صفة السر فأفشاها، أو إذا اعتقد موظف البنك أن الإيداع النقدي الذي قام به العميل إنما هو لحساب زوجته فأخبرها بذلك، في حين أنها ليست كذلك ، أو إذا كان المتهم يجهل بمهنته فأفشى الوقائع السرية فلا تقوم مسؤوليته، كما لو كان الموظف لم يخطر بقرار تعيينه أو اعتقد أنه ما زال في فترة الاختبار[84]

ويجب أيضاً أن تتجه إرادة الفاعل إلى فعل الإفشاء، وإلى النتيجة التي تترتب عليه وهي علم الغير بالواقعة التي لها صفة السر، أي أن تتجه إرادته إلى الفعل الذي يترتب عليه فضح السر وتوفير العلم به للغير[85]

كما أنه ولكي تترتب مسؤولية جنائية على من أفشى السر المصرفي وهو مؤتمن عليه بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه أو وظيفته يجب أن يتوافر شرطان أساسيان فيه وهما: شرط الإدراك أو التمييز، وشرط حرية الاختيار.

ويقصد بالشرط الأول (الإدراك أو التمييز): القدرة على الفهم، وتكون بالعقل، لأن العقل هو أداة الفهم والإدراك، وبه يمكن الامتثال، ولما كان العقل من الأمور الخفية ربط الشارع التكليف بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس هو البلوغ عاقلاً[86]. حيث يكون الشخص عند البلوغ عاقلاً قادراً على فهم ماهية الفعل المرتكب وطبيعته والآثار المترتبة عليه، أما العلم بحكم القانون عليه فمفترض. وصفة البلوغ صفة بديهية فيمن يمارس العمل المصرفي أو يكلف بالمحافظة على الأسرار المصرفية. ولكون هذا الأخير بشر فإنه قد يتعرض لاختلال في شرط الإدراك أو التمييز، مما يجعله لا يسأل جنائياً، كما أخذ بذلك قانون الجرائم والعقوبات اليمني[87].

وإذا زال عقل المصرفي بسبب يعذر فيه كشربه دواء، أو شربه الخمر ظاناً أنه ماء، أو تعاطيه مادة مخدرة قهراً عنه فإنه غير مؤاخذ على زوال عقله، وبالتالي فلا تلزمه المسؤولية الجنائية، أما إذا أزال المصرفي عقله بإرادته ودونما سبب يعذره، فالراجح عند جمهور الفقهاء ومعظم القوانين- ومنها قانون الجرائم والعقوبات اليمني[88]- أنه يسأل مسؤولية جنائية .

أما بالنسبة للشرط الثاني (حرية الاختيار): ويقصد به ترجيح فعل الشيء على تركه، وأفعال الإنسان جميعها لا بد كي يسأل عنها من اختيار[89]. وهذا الشرط يقتضي أنه متى ارتكب الجاني الجريمة، وهو مختار لفعله فالنتيجة قيام المسؤولية الكاملة بناءً على فعله، أما إذا لم يكن مختاراً اختياراً صحيحاً فإن المسؤولية الكاملة لا تكون لانتفاء شرط من شروطها. وتنتفي حرية الاختيار بالإكراه، والمصرفي الذي يتعرض للإكراه على إفشاء السر المكلف بكتمانه يخضع للقواعد العامة في القوانين العقابية، وقد تناول القانون اليمني موضوع الإكراه وأنواعه، وتأثير كل نوع على حرية الاختيار، وبالتالي على المسؤولية الجنائية، وذلك كله في الأحكام العام للجرائم والعقوبات في قانون الجرائم والعقوبات[90]

وخلاصة القول أن القصد الجنائي في جريمة إفشاء السر المصرفي هو القصد العام، دون تطلب توافر (نية الإضرار) وهو ركن أساسي وهو الركن الثالث في هذه الجريمة، وأن الباعث لا يؤثر في توافر القصد أو انعدامه في هذه الجريمة، وإن كان له دور في تقدير القاضي للعقوبة بالتشديد أو التخفيف.

المطلب الثاني
عقوبة إفشاء السر المصرفي

تمهيد وتقسيم:

تنص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني على عقوبة جريمة إفشاء السر المصرفي بقولها: «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من كان بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه مستودع سر فأفشاه في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، أو استعمله لمنفعته أو لمنفعة شخص آخر ما لم يأذن صاحب الشأن في السر بإفشائه أو استعماله، وتكون العقوبة بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات إذا كان الجاني موظفاً عاماً استودع السر أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته».

وبالعودة إلى نص المادة (258) سالفة الذكر، نجد أن المشرع اليمني وهو بصدد تناول جريمة إفشاء أسرار المهنة (ومنها جريمة إفشاء السر المصرفي) قد فرق بين حالتين: الحالة الأولى: وهي حالة ما إذا كان مرتكب الجريمة شخصاً مهنياً أو موظفاً خاصاً (موظف البنك أو عاملاً فيه)، ففي هذه الحالة تكون عقوبته الحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة ، والحالة الثانية: وهي حالة كون مرتكب الجريمة موظفاً عاماً، وفي هذه الحالة تكون عقوبته الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات.

وفي كلا الحالتين، وبالنظر إلى العقوبات المقررة لهما في قانون الجرائم والعقوبات اليمني يتبين أن جريمة إفشاء السر المصرفي تعتبر من جرائم التعزير[91] وفقاً لنص المادة (14) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني التي تنص على أن : «الجرائم التي توجب التعزير هـي كـل فعـل معاقب عليه بمقتضى هـذا القانون»، وبالتالـي فهذه الجريمة ليسـت من الجرائـم.

المعاقبعليها بالحدود أو القصاص،كما أنها من الجرائمغير الجسيمة[92] وفقاًلنص المادة (17) من قانونالجرائم والعقوباتالتي تنص علىأن: «الجرائم غيرالجسيمة هي التييعاقب عليها أصلاًبالدية أو بالأرشأو بالحبس مدةلا تزيد علىثلاث سنوات أو بالغرامة». بالإضافة إلىإمكان تطبيق القاضيلعقوبات تكميليةإلى جانب عقوبةالحبس أو الغرامةكعقوبة أصلية وفقاًلنصوص مواد البابالخامس من القسمالثاني من الكتابالأول من قانونالجرائم والعقوباتاليمني، وبالشروطالمحددة فيها،ومثال العقوبات التكميلية: الحرمان من الاستمرارفي مزاولة المهنة،أو مصادرة الأدواتالتي استعملت في ارتكابالجريمة التييكون لها خطرهاعلي حياة الأفرادبحكم التقدم العلميكأجهزة الحاسوب (الكمبيوتر) أو أجهزةالتصوير الالكترونيةأوغيرها من أدواتالجريمة. 

وفي هذا المطلب سأتناول عقوبة إفشاء السر المصرفي البسيط، وعقوبة إفشاء السر المصرفي المشدد في فرعين مستقلين، مبيناً ما يتعلق بكل منهما من أحكام قانونية على النحو الآتي:

الفرع الأول
عقوبة إفشاء السر المصرفي البسيط

يقصد بإفشاء السر المصرفي البسيط: الإفشاء الذي تتحقق فيه أركان جريمة إفشاء السر المصرفي- التي تناولتها سابقاً[93]- والتي لا تقترن بظرف التشديد المنصوص عليه في المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني وهو ظرف كون مرتكب الجريمة موظفاً عاماً استودع السر أثناء أو بسبب أو بمناسبة وظيفته. وهذا النوع يمثل الحالة المعتادة لواقعة الإفشاء المصرفي التي لم تقترن بظرف التشديد.

وبناء على ما سبق فإنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من كان بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه مستودعاً للسر المصرفي فأفشاه في غير الأحوال التي يباح فيها فعل الإفشاء- والتي سأتناولها لاحقاً في هذه الدراسة- ولم يكن موظفاً عاماً.

ويدخل تحت هذا الفرع وبالتالي يخضع لحكم الإفشاء البسيط موظفو البنوك (كموظفين في القطاع الخاص[94]) بكافة مستوياتهم كبرت أم قلت الذين تقتضي مهنتهم الاطلاع على السر المصرفي، كذلك من يستعين بهم البنك – ممن ليسوا موظفين عامين، ولا موظفين خاصين لدى البنك- للقيام بأعمال لديه مثل الخبراء والمهندسين، وتقتضي هذه الاستعانة إطلاعهم على الأسرار المصرفية بحكم حرفتهم أو وضعهم كما أنه يخرج عن إطار هذا الحكم موظفو البنك المركزي، والبنوك التي تسهم الدولة في رأس مالها حيث يعتبرون موظفين عامين وبالتالي يخضعون لحكم الفرع الثاني (حالة التشديد). 

ومما سبق أستخلص الآتي:

1- يعاقب مرتكب جريمة إفشاء السر المصرفي البسيط وفقاً لنص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات بعقوبة أصلية واحدة وهي إما الحبس مدة لا تزيد على سنة كحد أقصى ولا تقل عن أربع وعشرين ساعة كحد أدنى[95]، أو بالغرامة التي لم يحددها النص، وبالتالي يخضع تحديدها لنص المادة (43) من قانون الجرائم والعقوبات التي تنص على أن «الغرامة هي إلزام المحكوم عليه بأن يدفع لخزينة الدولة المبالغ التي تقدرها المحكمة في الحكم ولا تنقص الغرامة عن مائة ريال ولا  تجاوز سبعين ألف ريال ما لم ينص القانون على خلاف ذلك»، وبالتالي فالقاضي له سلطة تقدير العقوبة وفقاً لقواعد تفريد العقاب المنصوص عليها في المادة (109) من قانون الجرائم والعقوبات.

2- للقاضي أن يحكم بعقوبات تكميلية إلى جانب إحدى العقوبتين الأصليتين السابقتين وفقاً للقواعد المحددة قانوناً.

أما عن الشروع في جريمة إفشاء السر المصرفي فهو متصور- وفقاً للرأي الراجح[96]- والشروع فيها يخضع للقواعد العامة في المادة (18) من قانون الجرائم والعقوبات التي نصت على أن «الشروع هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جريمة....» ويعتبر الشروع في هذه الجريمة أقل شأناً من الجريمة التامة، ومن ثم لا يستحق من يقف فعله عند حد الشروع في الجريمة نفس عقوبتها ، إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك ، ونظراً لعدم وجود نص يحدد عقوبة الشارع في جريمة إفشاء الأسرار المهنية (ومنها السر المصرفي) فتطبق بشأنها الأحكام العامة المنصوص عليها في المادة (19) من قانون الجرائم والعقوبات التي نصت على أنه: « يعاقب على الشروع دائماً، ولا تزيد العقوبة عن نصف الحد الأقصى المقرر للجريمة التامة إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك ، ...» . 

ومن خلال تطبيق هذا النص على الشروع في جريمة إفشاء السر المصرفي البسيط (غير المشدد) يتبين ما يلي:

1- أن قانون الجرائم والعقوبات يعاقب على الشروع دائماً، وبالتالي فهو يعاقب على الشروع في جريمة إفشاء السر المصرفي، وبذلك يكون القانون اليمني قد خالف كثيراً من النظم العقابية التي لا تعاقب على الشروع إلا في الجنايات (تساوي عندنا الجرائم الجسيمة )  وبعض الجنح دون غيرها (تساوي الجرائم غير الجسيمة عندنا).

2- لقد وضع هذا النص حداً أقصى للعقوبة على الشروع وهو نصف الحد الأقصى لعقوبة الجريمة التامة، ولأن الحد الأقصى لعقوبة جريمة إفشاء السر المصرفي البسيط هي الحبس لمدة سنة، أو الغرامة المالية بمبلغ سبعين ألف ريال، فتكون عقوبة الشروع في هذه الجريمة نصف ذلك، أي الحبس لمدة لا تزيد على ستة أشهر، أو الغرامة المالية التي لا تزيد عن خمسة وثلاثين ألف ريال.

3- أن العقوبات التكميلية المقررة لجريمة إفشاء السر المصرفي البسيط تسري على الشروع فيها، وبالتالي يمكن للقاضي أن يحكم بالعقوبة التكميلية على من شرع في ارتكاب جريمة إفشاء السر المصرفي البسيط وفقاً للضوابط المحددة قانوناً.

وبالنسبة للاشتراك في جريمة إفشاء السر المصرفي البسيط في قانون الجرائم والعقوبات اليمني فيعد الأمين على السر المصرفي (موظف البنك الذي قام بالإفشاء) فاعلاً أصلياً، أما من ساهم معه في الجريمة فيعد شريكاً له، ولو كان لا يحمل صفة الأمين على السر المصرفي، ونظراً لعدم وجود نص يحدد عقوبة المساهم في جريمة إفشاء أسرار المهنة (ومنها السر المصرفي)، ولكون هذه الجريمة من الجرائم التعزيرية فتطبق بشأنها الأحكام العامة المنصوص عليها في المادة (24) من قانون الجرائم والعقوبات التي تنص على أنه:» في الجرائم التعزيرية من ساهم في الجريمة بوصفه فاعلاً أو محرضاً أو شريكاً يعاقب بالعقوبة المقررة لها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، غير أنه إذا اختلف قصد مساهم في الجريمة عن قصد غيره من المساهمين عوقب كل منهم حسب قصده»، وبالتالي فإن المساهم في ارتكاب هذه الجريمة والذي توفر لديه القصد الجنائي (العمد) يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة التي لا تزيد عن سبعين ألف ريال (أي بالعقوبة المقررة للفاعل الأصلي ذاتها) لعدم وجود نص قانوني بخلافه، أما من ساهم في ارتكاب جريمة إفشاء السر المصرفي البسيط ولم يتوفر لديه القصد الجنائي بعنصريه العلم والإرادة، أو لم تقع الجريمة بناءً على فعله فلا عقوبة عليه.

الفرع الثاني
عقوبة إفشاء السر المصرفي المشدد

ويقصد بإفشاء السر المصرفي المشدد: الإفشاء الذي تتحقق فيه جميع أركان جريمة إفشاء السر المصرفي، والذي يقترن بظرف مشدد، وهو ظرف يتعلق بصفة مرتكب الجريمة بأن يكون موظفاً عاماً استودع السر المصرفي أثناء أو بسبب أو بمناسبة وظيفته وفقاً لنص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني.

فالموظف العام يرتكب جريمة إفشاء الأسرار المهنية (ومنها السر المصرفي) إذا أفضى إلى الغير بالسر الوظيفي (المصرفي) أي السر الذي يكون قد علم به بسبب وظيفته أو بمناسبتها، إذ يصدق عليه أنه «تودع لديه بمقتضى وظيفته أسرار»، ولكن هذا الحكم لا يشمل جميع الموظفين، وإنما يقتصر على فئات منهم لا يستطيع أفرادها ممارسة اختصاصهم إلا إذا أودعت لديهم أسرار (مصرفية)، لأن هذه الأسرار هي موضوع عملهم أو هي وسيلتهم إلى تحقيق المصلحة المنوطة بهم، ومن ثم  يمكن القول بأن الدولة تضطر إلى إيداع أسرارها لديهم أو إتاحة سبيل علمهم بها، وفي الغالب يمثل عملهم أهمية اجتماعية خاصة[97]

ويعاقب المشرع اليمني الموظف العام الذي يكون استودع السر المهني أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته فأفشاه- في غير الأحوال المصرح بها قانوناً- بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات.

وبمقارنة عقوبة الإفشاء المشدد مع عقوبة الإفشاء البسيط تتضح الأمور الآتية:

1- أن كلتا العقوبتين عقوبات تعزيرية، إذ ليستا حداً ولا قصاصاً.

2- أن تشديد عقوبة الإفشاء البسيط لم يغير الوصف الجنائي للجريمة، بحيث تظل الجريمة في كلتا الصورتين (البسيطة والمشددة) جريمة غير جسيمة.

3- أن تشديد العقوبة جاء من وجهين: الأول: زيادة الحد الأقصى لعقوبة الحبس من سنة   (في صورتها البسيطة ) إلى ثلاث سنوات (في صورتها المشددة)، والوجه الثاني: أن القاضي مخير في الإفشاء البسيط بين عقوبتي الحبس مدة لا تزيد على سنة أو الغرامة التي لا تتجاوز سبعين ألف ريال، ولكنه غير مخير في الإفشاء المشدد بين عقوبتين وإنما ليس أمامه سوى عقوبة واحدة هي عقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات في حين قد تكون عقوبة الغرامة أخف على الجاني من عقوبة الحبس.

4- لم يحدد المشرع الحد الأدنى للعقوبة في كل من الصورتين، وبالتالي يطبق الحد الأدنى العام للحبس في كلتا الصورتين وفقاً لنص المادة (39) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني، بحيث لا تقل مدة الحبس عن أربع وعشرين ساعة، وفي تحديد الغرامة بحديها الأدنى والأقصى والمعاقب بها على جريمة الإفشاء البسيط يطبق نص المادة (43) من القانون نفسه المشار إليها سابقاً. وللقاضي في كلتا الصورتين سلطة في تقدير العقوبة بين حديها الأقصى والأدنى وفقاً لقواعد تفريد العقاب المنصوص عليها في المادة(109) من القانون ذاته.

5- يستطيع المحكوم عليه في كلتا الصورتين أن يستفيد من نظام وقف تنفيذ العقوبة ونظام الامتناع عن النطق بالعقوبة، ونظام الإفراج الشرطي إذا توافرت شروط هذه الأنظمة الثلاثة وفقاً لأحكام قانون الجرائم والعقوبات اليمني[98].

6- تتشابه كل من الصورتين في أنه يجوز للقاضي أن يحكم بعقوبات تكميلية إلى جانب إحدى العقوبتين الأصليتين في الإفشاء البسيط، أو إلى جانب العقوبة الأصلية في الإفشاء المشدد.

7- تتشابه جريمة الإفشاء البسيط مع جريمة الإفشاء المشدد في أحكام الشروع، حيث يتصور في كليهما الشروع، ولا تزيد عقوبته في كلتا الصورتين عن نصف الحد الأقصى المقرر للجريمة التامة، أي أن عقوبة الشروع في الإفشاء البسيط لا تزيد على ستة  أشهر أو الغرامة المالية التي لا تزيد عن خمسة وثلاثين ألف ريال، بينما عقوبة الشروع في الإفشاء المشدد هي الحبس مدة لا تزيد على سنة ونصف السنة بالإضافة إلى جواز الحكم بعقوبات تكميلية إلى جانب العقوبات الأصلية على من شرع في ارتكاب الجريمة في كل من هاتين الصورتين وفقاً للضوابط المحددة قانوناً.

8- تتشابه كلتا الصورتين في أحكام الاشتراك الجنائي في هذه الجريمة فهو متصور فيهما، ويعاقب المساهم في كلتيهما بالعقوبة المقررة قانوناً للفاعل الأصلي نفسها، متى توافر لديه القصد الجنائي ووقعت الجريمة بناءً على فعله وفقاً لنص المادة (24) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني.

9- في كل من الإفشاء البسيط والمشدد، لا يكون للباعث على ارتكابهما أثره في قيام المسؤولية أو انتفائها، إلا أنه يعتبر من الأمور التي يراعيها القاضي في تقديره للعقوبة من حيث التخفيف أو التشديد وفقاً لقواعد تفريد العقاب المنصوص عليها في المادة (109) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني.

10-                                                                                                        عند الحكم بالإدانة، والنطق بالعقوبة في كلتا الصورتين، يتعين على المحكمة أن تضمن حكمها عناصر الجريمة، وأركانها المادية والمعنوية على حد سواء، وهي فعل الإفشاء، والصفة الخاصة للمتهم، وقصده الجنائي، وذلك تمكيناً للمحكمة العليا من  مراقبة ذلك، والدفع من المتهم بانتفاء أي ركن أو عنصر من هذه الأركان أو العناصر هو دفع جوهري يلزم المحكمة بالرد عليه ودعمه بالدليل[99].

والملاحظ أن المشرع اليمني قد شدد عقوبة الموظف العام الذي يقوم بإفشاء أسرار مهنية، بحكم أو بسبب مهنته أو عمله، والتي أوجب القانون عليه كتمانها وعدم إذاعتها أو البوح بها (ويدخل في ذلك السر المصرفي)، والعلة في ذلك هي أن الموظف يكون بنشاطه المحظور قانوناً قد أضر بالوظيفة العامة التي تعتبر صيانة حقوق المواطنين المشروعة هي مناطها[100]

وتنص المادة (2) من قانون الخدمة المدنية اليمني على أنه» يقصد بالموظف العام في تطبيق أحكام هذا القانون الشخص المعين بقرار من السلطة المختصة للقيام بعمل ذهني أو مهني أو حرفي أو غيره تنظمه وظيفة مصنفة ومعتمدة في الموازنة العامة للدولة، والذي يعتبر بمجرد تعيينه في مركز نظامي سواء كانت الوظيفة دائمة أو مؤقتة بموجب هذا القانون واللوائح المنفذة له والقوانين والقرارات الأخرى النافذة».

بينما نص قانون الجرائم والعقوبات اليمني في المادة (1) منه على أنه: «يعد وفقاً لأحكام هذا القانون موظفاً عاماً : رئيس الجمهورية، ونائب رئيس الجمهورية، ورئيس وأعضاء مجلس الوزراء، وكل من تولى أعباء وظيفة عامة بمقابل أو بغير مقابل بصرف النظر عن صحة قرار تعيينه فيها، ويشمل أعضاء السلطة القضائية، وأفراد القوات المسلحة والشرطة، وأعضاء الهيئات العامة,وأعضاء المجالس النيابية العامة أو المحلية المنتخبين والمعينين والمحكمين، والخبراء والعدول، والوكلاء والمحامين، والحراس القضائيين الذي تعدل لديهم الأموال ، وأعضاء مجلس إدارة الشركات والبنوك وموظفيها التي تسهم الدولة في رأس مالها» .

ومن هذين النصين يتضح توسع قانون الجرائم والعقوبات في تعريف الموظف العام، لأن القانون الجنائي يهدف إلى غاية خلاف التي يقصدها قانون الخدمة المدنية، فقانون الخدمة المدنية يهدف إلى تنظيم العلاقة بين الموظف والحكومة من حيث الحقوق والواجبات، أما القانون الجنائي فإنه في تحديد مفهوم الموظف العام يستهدف حماية مصالح الإدارة العامة من الإضرار بها من قبل الأشخاص القائمين عليها.

ولذلك فإن لا مناص من التوسع في مفهوم الموظف العام بالشكل الذي يحقق تلك الأهداف، مما يعني أن كل من يعد موظفاً عاماً وفقاً لقانون الخدمة المدنية يعد كذلك وفقاً للقانون الجنائي، كما أن هناك بعض الأشخاص الذين لا يعتبرون موظفين عموميين وفقاً لقانون الخدمة المدنية، إلا أنهم يعدون موظفين عموميين وفقاً للقانون الجنائي، وينبني على ذلك أن الشخص الذي يصدر قرار بتعينه وإن كان باطلاً يعد موظفاً عاماً وفقاً للقانون الجنائي، وإن لم يكن كذلك وفقاً لقانون الخدمة المدنية[101].

ومن الموظفين العامين[102] الذين نص القانون على وجوب التزامهم بواجب السرية المصرفية وبالتالي متى أفشوا السر المصرفي المستودع لديهم أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفتهم اعتبروا مرتكبين لجريمة إفشاء السر المصرفي المشدد إذا توافرت أركانها، من هؤلاء موظفو البنك المركزي اليمني[103]، ومفتشو وزارة التجارة على الشركات (ومنها البنوك)[104]، ومفتشو وزارة العمل على منشآت العمل(ومنها البنوك)[105]، وموظفو ضريبة الدخل[106]، وغيرهم من الموظفين العامين الذين يخولهم القانون الاطلاع على الأسرار المصرفية أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفتهم.

 

المبحثالثالث
الحالات التييباح فيها إفشاءالسر المصرفي

تمهيد وتقسيم:

سبق القول أن المشرع اليمني لم يخصص تنظيماً قانونياً مستقلاً للسرية المصرفية، بل جاء بتجريم إفشاء الأسرار، وإفشاء أسرار المهنة بشكل خاص فيما ورد في المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات، وهذا النص جاء عاماً بدون تحديد لمهنة معينة. إلا أن السر المصرفي يعتبر من أسرار المهنة التي تتعلق بمهنة المصارف، وبالتالي فإن تجريم إفشاء السر المصرفي يجد أساسه القانوني في نص المادة (258) سالفة الذكر متى توافرت أركان الجريمة، الأمر الذي يقطع بدخول المصرفي ضمن الملتزمين بالسر المهني (المصرفي)، بالإضافة إلى الموظفين العامين الذين يطلعون على الأسرار المصرفية بحكم وظيفتهم.

وبوجود نص التجريم يخرج فعل الإفشاء للسر المصرفي من دائرة الإباحة الأصلية ويدخل في دائرة التجريم، إلا أن نص هذه المادة تضمن استثناءين بتوافر أحدهما يخرج ذلك الفعل من دائرة التجريم إلى دائرة الإباحة وهذان الاستثناءان هما: الأول رضا صاحب الشأن في إفشاء السر المصرفي، والثاني إجازة القانون أي الأحوال المصرح بها قانوناً، حيث جاء نص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات كالآتي: «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من كان بحكم مهنته أو حرفته أو وضعه مستودع سر فأفشاه في غيره الأحوال المصرح بها قانوناً، أو استعمله لمنفعته أو لمنفعة شخص آخر ما لم يأذن صاحب الشأن في السر بإفشائه أو استعماله، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات إذا كان الجاني موظفاً عاماً استودع السر أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته».

وبالعودة إلى الأحكام العامة للجرائم والعقوبات نجد أن المشرع قد تناول الأسباب العامة للإباحة التي تنطبق على جميع الجرائم المنصوص عليها في قانون الجرائم والعقوبات، ووضع الأحكام الخاصة بالإباحة في خمس مواد هي مواد هذا الفرع من المادة (26) إلى المادة (30) . 

وقد ذكرت المادة (26) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني الأسباب العامة للإباحة بالنسبة لجميع الجرائم بما فيها جريمة إفشاء السر المهني (ومنه السر المصرفي). وتنحصر دائرة الأسباب العامة للإباحة في استعمال الحق وأداء الواجب( أو استعمال السلطة)، ويعتبر الدفاع الشرعي إحدى صور استعمال الحق، وهذا هو سبيل المشرع اليمني في قانون الجرائـم والعقوبات، والثابت أنه لا جريمة – وفقاً للتشريع اليمني _ إذا كان الفعل والامتناع مؤسساً على القيام بواجب يفرضه القانون أو استعمالاً لسلطة يخولها[107].

وتتميز أسباب الإباحة (العامة منها والخاصة) بالخصائص الآتية: [108]

1- أنها لا تتعلق إلا بالجرائم ، أي الأعمال أو الامتناعان المنصوص على تجريمها، والأصل في الأشياء الإباحة، فهي لا تمس إرادة الفاعل.

2- أنها ترفع عن الفعل أو الامتناع صفة الإجرام ، ويعتبر مرتكبه قد ارتكب فعلاً مباحاً أو قام بواجب.

3- أنها تنفي عن الفاعل أي خطأ في سلوكه، بحيث تبرئه من الناحية الجزائية، وترفع عنه أية مسؤولية مدنية .

4- أنها موضوعية تشمل كل من تتوفر فيه، ويستفيد منها كل من وجد فيها، علم بها أو لم يعلم لأنها تتعلق بالركن الشرعي للجريمة.

ومما سبق يتبين أن الالتزام بالسر المصرفي ليس التزاماً مطلقاً وإنما هو التزام نسبي، إذ يجوز إفشاؤه متى توفر سبب من أسباب الإباحة واكتملت شروط تحققه وفقاً للقانون. وتسري على إفشاء الأسرار المهنية (ومنها السر المصرفي) جميع أسباب الإباحة التي يعترف بها القانون، ولكن لبعض هذه الأسباب أهمية خاصة في هذه الجريمة، أو هي تثير مشاكل تقتضي أن يوضع لها تنظيم خاص، وسوف أشير فيما يأتي إلى أهم هذه الأسباب[109] في إطار ما نصت عليه المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات الخاصة بتجريم إفشاء السر المهني ومنه السر المصرفي، فالسبب الأول: رضا صاحب الشأن في إفشاء السر المصرفي (المجني عليه)، والسبب الثاني: الأحوال المصرح بهـا قانوناً في إفشـاء السر المصرفي (إجـازة القانـون). 

وسنتناول هذين السببين في هذا المبحث مخصصين لكل سبب منهما مطلباً مستقلاً على النحو الآتي:

المطلب الأول
رضا صاحب الشأن في إفشاء السر المصرفي

تقسيم: 

سأتناول في هذا المطلب رضا صاحب الشأن في إفشاء السر المصرفي في فرعين، أعالج في الفرع الأول: التعريف برضا صاحب السر المصرفي، وفي الفرع الثاني: شروط رضا صاحب السر المصرفي.

الفرع الأول
التعريف برضا صاحب السر المصرفي

الرضا في اللغة: ضد السخط[110] ، وهو القبول. وهو في الاصطلاح القانوني: القبول العقلاني الإرادي الحر لأمر ما، أو بتعبير آخر : القبول الواعي الإداري المعاصر لواقعة معينة[111]. والإذن في اللغة : الإباحة والرضا. وأذن له في الشيء إذناً: إباحة له، واستأذنه طلب منه الإذن، وأذن له عليه: أخذ له منه الإذن[112].

وقد عرف بعض الفقه رضا المجني عليه بأنه: الإذن الصادر من شخص من أشخاص القانون الخاص بإرادته الحرة الحقيقية، أو شخص من أشخاص القانون العام إذا ما عمل في نطاق القانون الخاص، إلى الغير مدركاً وعالماً بما سيقع من هذا الإذن من اعتداء أو إيذاء أو ضرر ضد من صدر منه هذا الرضاء[113] .

ويمكن تعريف رضا صاحب الشأن في إفشاء السر المصرفي بأنه : الإذن الصادر بإرادة حرة – غير مشوب بعيب من عيوب الإرادة- عن صاحب السر المصرفي (العميل) نفسه، أو من يقوم مقامه، لمن كان مستودعاً لذلك السر بحكم مهنته أو حرفته أو وظيفته أو وضعه، في إفشاء هذا السر للغير ضمن حدود هذا الإذن.

وقد أنكرت بعض الآراء على الرضا أن يكون سبباً لإباحة هذه الجريمة، وأهم ما احتجت به أن تجريم الإفشاء لم يقرر حماية لمصلحة المجني عليه (صاحب السر) خاصة فيكون له أن ينزل برضائه عنها، وإنما قرر لمصلحة المجتمع في السير السليم المنتظم لمهن اجتماعية، وليست للمجني عليه صفة في النزول عن هذه المصلحة، ولكن هذا الرأي غير صحيح فصاحب السر له أن يفشيه، ولا جريمة في فعله، إذ يعتبر نوعاً من تصرفه في حقه، ومن ثم لا يجوز أن تقوم جريمة إذا تصرف في ذلك الحق عن طريق غيره بأن رخص له بإبلاغ السر إلى شخص ما أو إذاعته بوسيلة ما، بالإضافة إلى ذلك فإن صاحب السر قد تكون له مصلحة في أن يبلغ المودع لديه هذا السر شخصاً أو هيئة معينة، وهذا الرأي لا ينكر أن عله التجريم هي حماية مصلحة عامة، ولكن يقرر أن هذه المصلحة لا تهدر إلا إذا كان إفشاء السر بغير رضا صاحبه[114]. كما أن المجتمع لا يضار بسبب هذا الإفشاء الذي يتم برضا صاحب السر، ولا تهدد مصلحته في المحافظة على المباشرة السليمة والمنتظمة للمهنة المصرفية.

وقد تبنى المشرع اليمني الرأي الآخر، والذي يعتبر رضا صاحب السر بإفشائه من أسباب الإباحة الخاصة لهذه الجريمة، وذلك بالنص صراحة على ذلك في المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات، من خلال العبارة الواردة فيها والتي تذكر الآتي: «....... ما لم يأذن صاحب الشأن في السر بإفشائه ...الخ»، متلافياً بذلك الانتقاد الذي تعرض له الرأي الأول، ومستفيداً من مبررات الرأي الثاني الذي يعتبر رضا صاحب السر سبباً من أسباب الإباحة.

ويترتب على اعتبار رضا صاحب السر المصرفي بالإفشاء سبباً من أسباب إباحة جريمة إفشاء السر المصرفي أن الملتزم بالمحافظة على هذا السر لا يرتكب جريمة إذا قام بإفشائه لوجود الرضا متى كان مستوفياً لشروطه. ويستفيد من هذه الإباحة كل من يقوم بفعل الإفشاء سواء كان فاعلاً أصلياً أم شريكاً، وبالتالي لا يسأل أي منهما لا مسؤولية جنائية ولا مسؤولية مدنية[115].ونلاحظ أن صاحب المهنة (الملتزم بالحفاظ على السر المصرفي) لا يلتزم بإذاعة السر إذا رضي بذلك صاحبه، وإنما يصير ذلك جائزاً له فحسب، فإذا رأى أن يمتنع عن الإفضاء به مع توفر الرضا فلا مسؤولية عليه، وهو يفعل ذلك إذا شك في صدور الرضا عن إرادة حرة، أو قدر أن واجبه المهني يفرض عليه الكتمان دون تعسف، ولا يمكن القول بغير ذلك إلا إذا تضمن العقد الذي يربط بينهما التزاماً بالإفضاء أو وجود نص قانوني يوجب ذلـك، ومثل هذا الالتزام لا يفترض، وإذا لم يوجد رضا فعلي بإفشاء السر ولكن الملتزم بالكتمان اعتقد الرضا بإفشائه، فإن له أن يدفع بانتفاء القصد الجنائي لديه محتجاً بالغلط في الإباحة[116].

الفرع الثاني
 شروط رضا صاحب السر المصرفي

حتى يصبح رضا صاحب السر المصرفي معتداً به، ومنتجاً لآثاره القانونية كسبب من أسباب إباحة إفشاء السر المصرفي، يجب أن يتوافر في هذا الرضا شروط معينة وفقاً للفقه القانوني ، وهذه الشروط يمكن إجمالها- بصورة مختصرة- فيما يأتي:

أولاً: أن يكون مصدر الرضا هو صاحب الحق فيه:

إن مبدأ السرية المصرفية والالتزام به قرره المشرع لصالح العميل، وحماية حقه في كتمان السر المصرفي، فإذا قبل صاحب الحماية التنازل عنه لغيره كان له ذلك، وبناءً عليه يحق للعميل إجازة غيره في الاطلاع على أسراره المصرفية أو جانباً منها[117].

كما أن إذن ورثة العميل والموصى لهم بكل أو بعض هذه الأموال- التي تتعلق بالسر المصرفي– يعد صادراً ممن يملكه، حيث يعتبرون من المالكين لهذه الأموال، وبالتالي هم أصحاب الحق في منح الإذن بالاطلاع ، ويكون الإذن الصادر منهم في حدود ما يملكه مانح الإذن، أي بقدر ما ورثه أو تلقاه بطريقة الإيصاء. ويأخذ نفس الحكم – من حيث اعتبار الإذن صادراً ممن يملكه– إذن النائب القانوني كالوصي والقيم، وكذلك الوكيل المفوض بالاطلاع على السر المصرفي وإصدار الإذن بالإفشاء[118].

 

وإذا تعدد أصحاب السر تعين أن يصدر الرضا منهم جميعاً، ومن ثم لا عبرة برضا صدر عن أحدهم أو عن بعضهم[119].

ثانياً: أن يكون الرضا صحيحاً وإرادياً:

ومقتضى ذلك أن يكون الشخص الصادر عنه الرضا مالكاً لحرية اتخاذ القرار بالقبول أو الرفض ، أي أن تكون إرادته سليمة من كافة العيوب القانونية، ويستفاد من هذا الشرط أن الرضا لا بد أن يكون تعبيراً عن سلطان الفرد على نفسه، والذي يقرره القانون عليه ويعترف له به، وهذا لا يمكن تصوره إلا من قبل إرادة حرة ، وعقل قادر على استبصار عواقب الأمور، دون إكراه أو تدليس أو غش أو غلط في فهم الحقيقة الموضوعية أو عدم قدره على ذلك ، كما هو الحال في الأشخاص الواقعين تحت تأثير الكحول ، وفي اعتبار الرضا قانوناً، يمكن تحديد السن الذي يعتد بها القانون اليمني لصدور الرضا صحيحاً فيها بالرجوع إلى القانون المدني اليمني[120]، أو أحكام الأهلية الجنائية في القانون الجنائي[121]، والأخذ بأيهما أفيد للمتهم إعمالاً للقياس في صالحه ، وتكون الفائدة متوفرة باختيار التحديد الأقل لسن المجني عليه[122].

ثالثاً: أن يكون الرضا صريحاً أو ضمنياً:

قد يكون رضا صاحب السر المصرفي بالإفضاء صريحاً وقد يكون ضمنياً، ولا يثير الرضا الصريح أيه صعوبات قانونية، أما الرضا الضمني فيستدل عليه من وقائع وملابسات معينة.

ولا يشترط أن يكون الرضا كتابياً (فقد يكون شفاهة)، فإذا صدر الإذن كتابة بالسماح للمصرف الإدلاء بأية معلومات أو أسرار تتعلق بمعاملات العميل المصرفية فإن هذا الرضا صريح ولا لبس فيه، ولكن قد يتخذ الرضا شكلاً ضمنياً يستنتج من واقع الحال أو من الظروف المحيطة، كأن يصحب العميل أحد معارفه إلى المصرف ويقوم بالاستفسار أمامه عن حساباته أو أية معاملة تتعلق به، فكأنه تنازل ضمنياً عن واجب عدم الإفشاء تجاه هذه الشخص[123].

وعدم اشتراط الكتابة في الإذن الصادر من صاحب السر المصرفي بإفشاء هذا السر هو القاعدة العامة وفقاً لنص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات وتخضع لحكمه الأسرار المصرفية جميعها، إلا أن هنالك استثناء وحيداً قررته المادة (373/2) من القانون التجاري اليمني والتي اشترطت الإذن الخطي من صاحب الحساب الجاري لإفشاء المعلومات المتعلقة به للغير حتى يعتبر في هذه الحالة إذن صاحب السر المصرفي سبباً من أسباب الإباحة حيث نصت على أنه: « ولا تعطى المعلومات على أي حساب إلا للشخص أو للأشخاص الذين يفتح الحساب باسمهم ما لم يوجد أذن خطي من صاحب الحساب يسمح بغير ذلك»، وهذا النص الأخير هو نص خاص بمقارنته مع نص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات الذي يعتبر نصاً عاماً، ولأن الخاص يقيد العام، فإن نص المادة (373/2) السالفة الذكر والذي يشترط الإذن الخطي هو النص الواجب التطبيق فقط في أسرار الحساب الجاري المصرفية، بينما تخضع بقية الأسرار المصرفية الأخرى لنص المادة (258) سالفة الذكر لعدم وجود نص خاص يوجب أن يكون الإذن خطياً.

ويمكن للعميل أن يأذن مقدماً إذناً عاماً للبنك في الإفصاح عن كل معاملاته لمن يطلب ذلك، ويكون هذا الإذن العام صحيحاً[124].

رابعاً: أن يكون الرضا قائماً وقت الإفشاء:

يجب أن يكون الرضا سابقاً على وقوع الإفشاء، أو على الأقل معاصراً له حتى ينتج أثره، ومؤدى ذلك أن الرضا الذي يعقب الإفشاء لا يعتبر سبباً لإباحته ويجوز الرجوع في الرضا بعد إعطائه[125]. ذلك أنه فضلاً عن الشروط المتقدمة يجب أن يكون الرضا حاصلاً قبل وقوع فعل الإفشاء، وأن يظل قائماً حتى وقوعه أو على الأقل وقت وقوعه لكي يرفع عن الفعل صفة الخطأ، ويجعله فعلاً مشروعاً، ولا يكون المصرفي الذي أفشى السر مرتكباً لفعل معاقب عليه[126].

وفي القانون اليمني الرضا اللاحق لا يؤثر كقاعدة عامة على تكوين الجريمة أو يمحوها، وإن كان يلعب دوراً في تخفيف العقاب أو اعتباره عفواً، فيفعل فعله ويؤثر أثره القانوني الشرعي[127].

ومع تحقق الشروط السابقة في رضا صاحب السر المصرفي بإفشائه المنتج لأثره القانوني كسبب من أسباب الإباحة، فإن ذلك لا يعني الحرية المطلقة للمأذون له بالإفشاء، بل يلتزم بعدة واجبات من أهمها: الالتزام بالوقائع التي كانت محلاً للرضا: فلا يملك المأذون له بالإفشاء التعرض لوقائع أخرى غير تلك التي تمت الموافقة على نشرها، كما يجب عليه الالتزام بالوسيلة التي كانت محلاً للرضا: فنشر الأسرار يمكن أن يتم بوسائل مختلفة، شفوية كانت أم كتابية، سمعية كانت أم بصرية، وأخيراً يجب عليه الالتزام بالغاية التي كانت محلاً للرضا: فيلتزم المأذون له بالإفشاء بأن لا يتجاوز في إفشاء الوقائع المسموح بإذاعتها والتي اتفق عليها الطرفان، ولا يملك المأذون له استخدام الإفشاء لتحقيق غاية أخرى[128].

المطلب الثاني
الأحوال المصرح بها قانوناً في إفشاء السر المصرفي

تمهيد وتقسيم:

في أحوال معينة يكون إفشاء السر المهني (ومنه السر المصرفي) واجباً- على المستودع لديه بحكم مهنته أو وظيفته والملزم بعدم إفشائه– وذلك بمقتضى القانون أو جائزاً فحسب، وفي أي من الحالين لا تحقق الجريمة. وتستند إباحة الإفضاء في هذه الحالات إلى نص القانون، والذي يقرر صراحة أن الالتزام بالمحافظة على السر المهني أو الوظيفي (ومنه السر المصرفي) ليس التزاماً مطلقاً وإنما هو التزام نسبي يتأثر ببعض الأسباب، التي تعفي الأمين على السر من التقيد به[129].

وقد حرصت معظم التشريعات- ومنها التشريع اليمني– على تقرير هذه الإباحة صراحة فجعلت قيام الجريمة مرتهناً بكون الإفشاء في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، حيث نصت أذايعلى ذلك صراحة المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات بقولها: «... فأفشاه في غير الأحوال المصرح بها قانوناً...»، ويمكن إسناد هذه الإباحة إلى المادة (26) من القانون سالف الذكر التي تتناول أسباب الإباحة العامة ، كما ويمكن إسناد هذه الإباحة إلى المبادئ العامة في القانون التي تأبى أن يتناقض الشارع، وهو ما يتحقق إذا ما عاقب على ما أمر أو رخص به وفقاً للمبادئ العامة للقانون، فإنه لا يشترط أن يتضمن تقرير هذا الأمر أو الحق نص في قانون العقوبات أو القوانين المكملة له، فيجوز أن يقرره نص في قانون غير جنائي[130]

وليس في الإمكان وضع قاعدة عامة تجتمع فيها «حالات وجوب إفشاء السر المصرفي أو جوازه»، وإنما يتعين الرجوع إلى النصوص القانونية التي تقرر ذلك، وفي الواقع قد يكون من الصعوبة حصر كل هذه الحالات، ولذلك نقتصر على إيراد أمثلة على ذلك من الأمثلة التي تكون ذات أهمية عملية.

ومن هذه الحالات تكمن العلة في إباحة إفشاء السر المصرفي- الذي يقوم به من يمتهنون العمل المصرفي أو من يخول لهم الاطلاع على الأسرار المصرفية، والذين يقع على عاتقهم الالتزام بكتمان السر المصرفي- في حماية مصلحة خاصة لهم أو مصلحة عامة أولى بالاعتبار والرعاية من مصلحة صاحب السر المصرفي.

ويمكن رد حالات إباحة إفشاء السر المصرفي بتصريح القانون إلى مجموعتين: الأولى: تشمل حالات الإفشاء الوجوبي بنص القانون، وتتضمن الثانية: حالات الإفشاء الجوازي، وسوف أتناولهما في فرعين، أفرد لكل مجموعة فرعاً مستقلاً على النحو الآتي:

الفرع الأول
حالات الإفشاء الوجوبي بنص القانون 

يتحقق الإفضاء الوجوبي إذا ألزم القانون صاحب المهنة أو الوظيفة (ومنها المهنة المصرفية) بالتبليغ عن بعض الأسرار تحقيقاً لمصلحة عامة أو خاصة أولى بالاعتبار من مصلحة صاحب السر، فالالتزام بالكتمان الذي قرره المشرع تحقيقاً للصالح الخاص يجب التضحية به إذا كانت هناك مصلحة اجتماعية أو فردية عليا، تقتضي من صاحب المهنة أو الوظيفة الإفضاء بالسر[131].

وسأورد أمثلة هامة للحالات التي نص القانون فيها على إلزام الأمين بالسر المصرفي بإفشاء هذا السر، دون أن تترتب عليه أي نوع من أنواع المسؤولية، على النحو الآتي:

أولاً: الالتزام القانوني بإطلاع البنك المركزي على الأسرار المصرفية:

بالنسبة للسلطات النقدية والمتمثلة بالبنك المركزي اليمني فإن له الحق في الرقابة والتفتيش والاطلاع على دفاتر ومحاضر وحسابات المصارف التجارية، فالمصارف ملزمة بتزويد البنك المركزي بالمعلومات والإحصاءات التي يطلبها، وعلى إدارة المصرف وجميع موظفيه تقديم التسهيلات اللازمة لذلك، ذلك أن البنوك (المصارف) تعمل تحت رقابة البنك المركزي، وعليها أن تمكنه من ممارسة واجباته، والتي منها مراقبة البنوك والتفتيش عليها بما يكفل سلامة المركز المالي لهذه البنوك ، وضمان حقوق المودعين لديها، ومراقبة تطبيقها للقوانين والتعليمات التي يصدرها البنك المركزي، ولا يجوز لها التذرع بالسرية المصرفية أمام حق البنك المركزي في الاطلاع على دفاترها ومستنداتها، لأن موظفي البنك المركزي هم أنفسهم مكلفون بحفظ السر المصرفي.

وذلك يعد تطبيقاً للقواعد العامة التي تقضي باعتبار أداء الواجب سبباً للإباحة، بالإضافة إلى وجود نص صريح على هذا الالتزام بالإفشاء في قانون البنك المركزي اليمني حيث نصت المادة (45/1) منه على أنه: «على كل بنك ومؤسسة مالية أن تقدم للبنك (المركزي) في الوقت وبالطريقة التي يحددها أية معلومات أو كشوفات يطلبها لتأدية مهامه واختصاصاته».

ثانياً: الالتزام القانوني بإطلاع السلطات الضريبية على الأسرار المصرفية:

ازداد تدخل الدولة الحديثة في نشاط الأفراد، وألزم كل فرد بالتخلي عن جزء من حريته لصالحها، فكل فرد يلتزم بالإدلاء عن موارده وأملاكه حتى تتمكن الدولة من تحديد القيمة الضريبية المطلوبة، والضريبة واجب وطني يلتزم به كل مواطن، وتتمثل في أداء مبلغ معين يفرض على ما للفرد من أموال وأملاك ومصادر دخل ,حتى تتمكن الدولة من الإنفاق على الوجوه العامة وتقديم الخدمات المختلفة، فالمسائل الضريبية تشكل أحد الأسباب التي تدفع المصارف للإفشاء عن مدخرات المتعاملين معها، وذلك تمهيداً لفرض الضريبة عليهم[132].

والشرائع المختلفة تعطي اهتماماً كبيراً لمنع من يحاول عدم دفع الضريبة المستحقة عليه لأنه يترتب على هذا التهرب الإخلال بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة ، كما أنه يضعف من إنتاجية الضرائب، ويضر بالمنافسة بين الوحدات الاقتصادية المختلفة، لأن الممول الذي يتمكن من عدم دفع الضريبة يكون وضعه أفضل اقتصاديا ممن دفع[133].

وبالتالي وللحد من التهرب الضريبي والغش الضريبي وغيرها من الجرائم الضريبية[134] فقد سمح المشرع للإدارة المالية حق الاطلاع على دفاتر الممول (المكلف بدفع الضريبة) ومستنداته وسجلاته للوقوف على حقيقة دخله، وبالتالي تقدير ما يجب عليه من ضريبة.

ويجد واجب إطلاع السلطات الضريبية (مصلحة الضرائب) على الأسرار المصرفية من قبل إدارة البنوك وموظفيها سنده القانوني في صريح نص المادة (62/أ) من قانون ضرائب الدخل حيث نصت على أنه: «يتعين على المختصين في جميع وحدات الجهاز الإداري للدولة والوحدات الاقتصادية للقطاعين العام والمختلط والبنوك على اختلاف أنواعها وشركات القطاع الخاص وجميع المنشآت المملوكة للأفراد وفروع الشركات الأجنبية تمكين موظفي مصلحة الضرائب من الحصول على أية معلومات أو بيانات أو عمليات لمكلفي الضرائب تمت معها عند كل طلب بغرض الاستفادة منها في تحديد وربط الضريبة على المنشأة نفسها أو المتعاملين معها، ولا يجوز لهذه الجهات الامتناع في أيه حالة عن تمكين موظفي المصلحة من الحصول على البيانات والمعلومات والسجلات والمستندات والعمليات المتعلقة بربط الضريبة بأي حال من الأحوال». وكما رأينا سابقاً وضماناً لعد إفشاء السر المصرفي من قبل موظف الضرائب، فإنه يعد من الموظفين العامين المكلفين بالمحافظة على الأسرار المصرفية، ومتى قام بإفشائها في غير الأحوال المصرح بها قانوناً عد مرتكباً لجريمة إفشاء السر المصرفي، وبالتالي يخضع للعقوبة المقررة في المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات.

 

ثالثاً: الالتزام القانونيبإفشاء السر المصرفيلكشف جريمة غسلالأموال الملوثة:

يلقى القانون صراحة على عاتق صاحب المهنة أو الوظيفة الملتزم بكتمان الأسرار (ومنها الأسرار المصرفية) واجب إبلاغ السلطات المختصة -في حالات معينة– ما يصل إلى علمه من وقائع أو معلومات عن طريق مهنته أو وظيفته، ويجد هذا الالتزام أساسه في نظرية الالتزام النسبي بالسر المهني أو الوظيفي، هذه النظرية التي يميزها أنها تسمح بالتوفيق بين الحماية القانونية لهذه الأسرار والمصالح الاجتماعية أو الفردية الأعلى، ومن تلك التي يحميها المشرع بتأثيم الإفضاء، ولن تتحقق هذه النتيجة إلا بقبول إمكانية رفع الالتزام بالسر كلما وجدت مصلحة أعلى يراد حمايتها ، ومن تلك التي يحققها الالتزام بالكتمان[135].

وبالتالي يقع على من يكون مستودعاً لسر مصرفي بحكم مهنته أو وظيفته واجب الإبلاغ عن الأسرار المصرفية التي تنطوي على جرائم، ويكون عمله هذا خارج دائرة التجريم (عمل مباح)، ويجب هنا الرجوع إلى نصوص القوانين المختلفة للبحث عن هذه الحالات ، المثال الأهم لهذه الجرائم هي جريمة غسل الأموال الملوثة.

ومن المعلوم أن قوانين السرية المصرفية وضعت بالأساس لحماية العملاء الذين يتمتعون بسلامة الأعمال وشرعيتها، كما أنها وضعت لحماية المصارف التي تتقيد في أعمالها بالقوانين المرعية التي تنظم العمل المصرفي، محددة بوضوح ما على المصارف من واجبات ومالها من حقوق، مما يستوجب القول أنه ومن حيث المبدأ لا يمكن لنصوص السرية المصرفية أن تحمي من يتعدي الحدود القانونية ويرتكب جرائم قد تؤدي إلى وقوع الضرر الفادح بالنظام المالي والاقتصادي للبلاد، وبالأموال والأملاك الخاصة للغير[136].

وبالنسبة للمشرع اليمني فقد أصدر قانون مكافحة غسل الأموال[137]، والذي نص على تجريم غسل الأموال الملوثة في المادة (21) منه، كما نص على إلزام المؤسسات المالية بالإبلاغ عن هذه الجريمة في المادة (5/أ) منه، والتي تنص على أنه» على المؤسسات المالية[138] إبلاغ الوحدة (وحدة جمع المعلومات بالبنك المركزي اليمني) بأية عملية تستهدف غسل الأموال إذا تحقق لديها ما يؤكد ذلك».

كما ألزم هذا القانون المختصين في البنك المركزي اليمني في قطاع الرقابة والتفتيش بواجب الإبلاغ عن هذه الجريمة في المادة (14) منه، والتي تنص على أنه: «على المختصين في البنك المركزي اليمني في قطاع الرقابة والتفتيش على البنوك ومكاتب وشركات الصرافة وما في حكمها إبلاغ الوحدة عن العمليات التي يتحقق لهم بأنها من عمليات غسل الأموال».

الفرع الثاني
حالات الإفشاء الجوازي بنص القانون

يعد الإفضاء جوازياً إذا رخص القانون لصاحب المهنة أو الوظيفة (ومنها المهنة المصرفية) إذاعة الأسرار التي أؤتمن عليها، وتستند إباحة الإفضاء في حالة الترخيص به إلى أن القانون لا يمكن أن يقرر المسؤولية عن فعل رخص في القيام به، والقول بغير ذلك يعد من قبيل التناقض الذي ينبغي تنزيه المشرع عنه[139].

وبناءً على ذلك فإن تحديد حالات الإفشاء الجوازي تقتضي الرجوع إلى النصوص القانونية التي تقرر ذلك، وفي الواقع يصعب حصر كل الحالات المرخص بها في الإفشاء بنص القانون ، وبالتالي سأتعرض في هذا النوع لبعض هذه الحالات على سبيل المثال على النحو الآتي:

أولاً: جواز الاستعلام المصرفي عن حالة العميل:

الاستعلام: هو طلب المعلومات عن شخص معين من مصادر مختلفة أهمها الجهات التي يتعامل معها، وللاستعلام صور متعددة، من أهمها أن يطلب الشخص (المستعلم) إلى أحد البنوك الأخرى التي سبق لهذا الشخص (العميل) التعامل معها عن مدى استقامته وملاءمته وقدرته على الوفاء وما إلى ذلك من المعلومات[140].

وقد يكون المستعلم مصرفاً يريد الاستعلام لمصلحته، أو مصرفاً يطلب منه عميله(المستعلم) الاستعلام من مصرف أخر عن معلومات تخص عميل هذا المصرف الأخير لمصلحة المستعلم ، والاستعلام لا يتم إلا بين المصارف فقط.

وقد جرت العادة بين البنوك والعرف المصرفي أن تتبادل المصارف المعلومات  عن عملائها وأحوالهم وأوضاعهم المالية ومسموعاتهم التجارية والأدبية. والاستعلام المصرفي يعتبر خروجاً عن مبدأ السرية المصرفية وأساسه يرجع إلى الإذن الضمني من العميل صاحب الأسرار المصرفية ، ذلك أن معظم العملاء يعرفون بهذه العادة المصرفية ويتوقعون حصولها من علاقاتهم بالمصارف وخاصة عندما يعطي العميل اسم مصرفه للطرف الآخر (المستعلم) في التعامل التجاري[141].

كما أن تقديم المعلومات مرتبط بالسر المهني، والبنك بوصفه أميناً اضطرارياً أو أميناً بالضرورة، ووديعاً ومديراً للمصالح المالية لعملائه لذلك يكون للإجابة على الاستعلام قواعد يجب على البنك تقديرها ومراعاتها، أهمها: التزامه بالحيطة والتبصر، وأن تكون إجاباته في عبارات عامة، بحيث لا يتضمن تفاصيل العمليات التي يجريها العميل أو تفصيلات حسابه، كما يجب أن تكون هذه المعلومات صحيحة حتى يتفادى البنك المساءلة القانونية عن الأضرار التي قد تلحق بالعميل أو المستعلم[142].

وبالنسبة للمشرع اليمني فقد أخذ بجواز الاستعلام المصرفي صراحة في المادة (25/3) من قانون البنوك اليمني، حيث نصت على أنه: «يحق لأي بنك أو مؤسسة مالية صدر قرار بتحديدها من البنك المركزي أن يطلع على البيان المجمع الخاص بأي عميل يطلب منه تسهيلات ائتمانية ولا يتحمل البنك المركزي أي مسؤولية عن المعلومات المتضمنة في البيانات المجمعة أو عن نشرها».

ثانياً: جواز إفشاء السر المصرفي للتبليغ عن الجرائم:

في غير الأحوال التي توجب النصوص القانونية على عاتق صاحب المهنة أو الوظيفة الملتزم بكتمان السر المصرفي إبلاغ السلطات المختصة عن الأسرار المصرفية التي تنطوي على جرائم، فإن هنالك نصوصاً قانونيةً تجيز للأمين على  السر المصرفي إفشاؤه إذا كان متعلقاً بجريمة من الجرائم، ولم يكن على مثل هذا الأمين واجب الإبلاغ بنص القانون.

وبناءً عليه فإن الأصل في إفشاء السر المصرفي للتبليغ عن الجرائم أنه جوازي ما لم يوجد نص صريح يوجب هذا الإفشاء ويجعله التزاماً قانونياً.

وقد نص المشرع اليمني على هذا الإفشاء (التبليغ) الجوازي في المادة (94) من قانون الإجراءات الجزائية بقوله: «لكل من علم بوقوع جريمة من الجرائم التي يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى أو إذن أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي بها».

والأمر في هذه الحالة متروك لاختيار الأمين على السر المصرفي إن شاء أبلغ عن الجريمة، إن شاء كتم السر المصرفي، فيباح لها اختيار أحد الأمرين، وفي كليهما يعتبر قيامه بإفشاء الأسرار المصرفية أو امتناعه عن إفشائها عمل غير مجرم قانوناً.

 

 

الخاتمة

الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، الذي أعانني على إتمام هذا البحث، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد هذا الجهد المتواضع فقد تم استخلاص بعض النتائج والتوصيات بشأن «جريمة إفشاء السر المصرفي» في القانون اليمني، وبالاستعانة بما أورده فقه القانون الوضعي بشأن هذا الموضوع، وهذه النتائج والتوصيات تم إثبات معظمها في صلب هذا البحث، ولكنني سأقوم بالإشارة إلى أهمها في هذا الموضع، والتي لا أدعي نسبتها إليَّ كلها، وإنما معظمها مما توصل إليه علماؤنا الأفاضل وأساتذتنا الكرام الذين تناولوا هذا الموضوع، ولكنني قمت بجهد بسيط في إظهارها وترتيبها، وإدراج بعض الإضافات عليها، والله المستعان.

أولاً : النتائج:

1- يتضح مما ورد في هذا البحث أن موضوع تجريم إفشاء السر المصرفي وفقاً لاتجاه التشريع اليمني ولاتجاهات فقه القانون الوضعي يحمل الكثير من الإيجابيات عند تطبيقه بشكل حازم، كما أن له من السلبيات ما قد يؤثر على المكاسب التي تعود من تطبيقه، وبالتالي كان من اللازم التعامل مع هذا الموضوع بشيء من الاتزان التشريعي لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإيجابيات، وتلافي أقصى ما يمكن تلافيه من سلبيات عند صياغة الحماية التشريعية للسر المصرفي.

     فبالنسبة لإيجابيات تجريم إفشاء السر المصرفي فمنها أنه يوفر حاجزاً من الكتمان على الأموال في المصارف، وهو بذلك يحمي الحرية الشخصية بأن ينأى الشخص بذمته المالية بعيداً عن معرفة الآخرين، كما أنه يستقطب رؤوس الأموال الأجنبية التي تبحث عن مأوى وملجأ لها وبالتالي يوفر لها الاستقرار والأمان القانونيين، كل هذا يؤدي بالضرورة إلى تنمية الاقتصاد الوطني، ويشجع الاستثمار، ويرفع مستوى الحياة بالنسبة للدول والأفراد على حد سواء.

     ومن جهة أخرى فإن الصرامة والتشديد في تجريم إفشاء السر المصرفي يعتبر غطاءً لإخفاء الأموال الناجمة عن طرق غير مشروعة كالمخدرات والتهريب وغيرها وذلك عندما يلتزم المصرف بعدم إفشاء أسرار هذه الأموال، بالإضافة إلى التسامح في حق من يرتكب العديد من الجرائم وأهمها في هذه الأيام جريمة غسل الأموال الملوثة، وجعله بمنأى عن الرقابة القانونية اللازمة لمنعه من ارتكاب مثل هذه الأعمال الخطيرة.

2- لقد دأبت في هذه الدراسة على عرض هذا الموضوع في إطار القانون اليمني بمختلف فروعه، وعقد المقارنات مع ما يراه الفقه الوضعي بشأن ذلك، للوصول إلى نتائج منطقية ومقبولة:

أ- ففي المبحث الأول تم التعرض لبيان ماهية السر المصرفي، وإيراد بعض التعريفات التي وضعها بعض شراح الفقه القانوني لهذا المصطلح، كون معظم التشريعات ومنها القانون اليمني لم تتبن تعريفاً محدداً له وهذا مسلك محمود يحسب لهذه التشريعات لعدم وجود تعريف جامع مانع للسر المصرفي، إضافة إلى أن وضع التعريفات ليس من عمل المشرع القانوني، علاوة على أن هذا المصطلح من الأمور التي لا يستطاع تحديد مفهومها لأنه يختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص وطبيعة الوقائع والأحداث.

    ومع ذلك خلصت إلى نتيجة هامة وهي أنه يمكن وضع مفهوم لفكرة السر المصرفي وذلك بدراسة نطاقه من حيث الأشخاص ومن حيث الوقائع وهو ما تم تناوله في هذا المبحث.

    بالإضافة إلى نتيجة أخرى وهي أن الالتزام بالسر المصرفي بدأ واجباً أخلاقياً ودينياً وعرفياً، ثم استقر بعد ذلك التزاماً قانونياً يرتب المشرع على مخالفته جزاءً قانونياً يتمثل في العقوبة والتعويض، وتناولت في هذا المبحث أيضاً الحماية الجنائية للسر المصرفي بالنسبة للمصرف كشخص معنوي، ولموظفيه ومستخدميه الملزمين بالمحافظة على السر المصرفي، وغيرهم من الأشخاص المكلفين قانوناً بذلك بحكم مهنتهم أو وظيفتهم.

ب- وفي المبحث الثاني ناقشت جريمة إفشاء السر المصرفي– بعد توضيح ما يلزم توضيحه في المبحث الأول– وفي هذه المناقشة استعرضت أركان هذه الجريمة وعقوبتها وقمت بإيراد النص القانوني العقابي في القانون اليمني الذي يجرمها، حيث تعتبر هذه الجريمة داخلة تحت النص الذي يجرم إفشاء أسرار المهنة باعتبار السر المصرفي نوع من أنواع الأسرار المهنية المعاقب على إفشائها في المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني.

    وقد تناولت أركان هذه الجريمة والمتمثلة بثلاثة أركان، الأول: يتكون من عنصرين مفترضين هما محل الجريمة والصفة الخاصة للفاعل، ثم الركن الثاني: وهو الركن المادي المتمثل في فعل الإفشاء، وتطرقنا كذلك للركن الثالث: وهو الركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي.

    وفيما يتعلق بالعقوبة المقررة لهذه الجريمة وجدت أن هذه الجريمة هي من جرائم التعزير، كما أنها جريمة غير جسيمة، وتناولت في هذا المبحث عقوبة كل من الإفشاء البسيط غير المشدد، وعقوبة الإفشاء المشدد، وقمت برسم ملامح كل من هاتين العقوبتين وأوجه التشابه والاختلاف فيما بينهما، ورأيت أن كلا العقوبتين لا تعدان كافيتين في مقابل خطورة وأهمية هذه الجريمة.

ج- ولاحظت في المبحث الثالث من خلال استعراض أسباب إباحة إفشاء السر المصرفي أن السرية المصرفية ليست مطلقة وإنما هي نسبية في القانون اليمني، وأن لها استثناءات تجيز فعل الإفشاء، ومن هذه الاستثناءات ما يعتبر عاماً تشترك فيها مع باقي الجرائم المنصوص عليها في قانون الجرائم والعقوبات ، ومنها ما يعد خاصاً بهذه الجريمة وبعض الجرائم القليلة الأخرى، واكتفيت بدراسة الاستثناءين الخاصين المتمثلين بالإفشاء بناءً على رضا صاحب الشأن، والإفشاء في الأحوال المصرح بها قانوناً، وهذان الاستثناءان هما نتيجة لكون السرية المصرفية تقوم على عدة اعتبارات هامة أولها: حماية الحرية الشخصية، وثانيها: حماية مصلحة المصرف نفسه، وأخيراً حماية المصلحة العامة، وهنا تقدم المصلحة الأولى بالرعاية.

3- وفي الأخير يجب التأكيد على النتيجة الأهم في هذا الموضوع وهي أن المشرع اليمني يعتبر السر المصرفي نوعاً من أنواع السر المهني المحمي جنائياً في نص المادة (258) من قانون الجرائم والعقوبات، أي أنه لم يفرد نصوصاً خاصة وتنظيماً مستقلاً يضمن حماية أكبر لهذا السر مع ماله من أهمية كبيرة، بعكس بعض مشرعي الدول الأخرى- ومنهم المشرع المصري والمشرع اللبناني– الذين وضعوا قانوناً مستقلاً لحماية السرية المصرفية ليقينهم التام أن مثل هذا العمل التشريعي يشكل ضرورة ملحة لتوفير المناخ الاستثماري اللازم للتنمية الوطنية ولتحقيق الرقي الاقتصادي.

 

ثانياً: التوصيات:

1- من خلال دراسة موضوع جريمة إفشاء السر المصرفي بكل جوانبها، وجدت أن حماية الأسرار المصرفية تحقق من الفوائد والمزايا ما يدعو إلى تطبيقها والتمسك بها، وفي بداية الأمر يجب التأكيد على ضرورة إيلاء الموضوع أهمية خاصة وذلك بنشر الوعي والثقافة القانونية في مجتمعنا  وعلى وجه الخصوص بين أوساط من يشتغلون في مجال القانون لتبصير الجميع بأهمية هذا الموضوع، وذلك لحماية المصلحة العامة في المجتمع، وضبط كل من يرتكب هذه الجريمة، وإيصاله إلى المحاكم لتطبيق النصوص العقابية عليه.

2- وبما أننا في اليمن بلد محدود الإمكانيات، ويحتاج إلى نمو اقتصادي لإغنائه نرى أنه من الضرورة بمكان تطبيق السرية المصرفية لدينا، وتقديم الخدمات والتسهيلات المصرفية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية بما يساعد على إنعاش اقتصادنا الوطني وازدهار التنمية الاجتماعية.

3- إن الحماية التجارية للأسرار المصرفية المنصوص عليها في فروع القانون التجاري اليمني ليست كافية كون هذه النصوص تقتصر على رسم الإطار التنظيمي العام لهذا الموضوع الهام، وهذا لا يكفي لإسباغ الحماية التجارية الكاملة للأعمال المصرفية ومنها الأسرار المصرفية ذلك أن الحماية يجب أن تستند إلى نصوص تشريعية صريحة، كما أن الحماية الجنائية الحالية للأسرار المصرفية في بلدنا اليمن المتمثلة بالنصوص العامة في قانون الجرائم والعقوبات عاجزة عن أن تواجه واقع التعامل في الحقل المصرفي، لأن هذه النصوص وضعت في مستهل عهدها لتساير طبيعة المجتمع الذي كانت تنظمه، حيث تواجه الجريمة التقليدية والمجرم التقليدي، أما الآن فقد ظهرت على الساحة الجرائم الاقتصادية التي يمكن أن تمتد لتؤثر على الوضع الاقتصادي للأفراد والدول، وهذا كله يشكل قصوراً في الحماية التشريعية.

4- وفي سبيل حل مثل هذه المشكلة (عدم توفير الحماية التشريعية الكاملة للأسرار المصرفية) فإنه قد آن الأوان لكي يعجل المشرع اليمني بوضع تنظيم قانوني خاص متكامل، يتمثل في كيان قائم بذاته ينفرد بمقوماته الخاصة سواء من الناحية التجارية أو الناحية العقابية، بحيث ينفرد هذا الموضوع بقانون خاص يسمى «قانون السرية المصرفية اليمني» يحدد معالم هذا الكيان وتلك المقومات بشكل متزن، حتى لو خرجت هذه المعالم عن المألوف في القانون التجاري أو القانون العقابي، متلافياً فيه ثغرات ومستجمعاً محاسن وردت في قوانين أخرى.

5- كما نوصي بإلزام المصارف العاملة بإبرام معاهدة أو اتفاق شرف لاحترام السرية المصرفية وعدم إساءة استعمالها أو تطبيقها، وتتضمن هذه المعاهدة أو هذا الاتفاق جزاءات رادعة لها عن إفشاء هذه الأسرار.

6- أما ما يتعلق بنصوص قانون الجرائم والعقوبات اليمني وعلى وجه الخصوص تلك المنظمة لمساءلة الأشخاص المعنوية جنائياً (ومنها المصارف) والتي أوردت نوعاً واحداً من أنواع المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية وهي المسؤولية المباشرة، فنوصي بالنص على النوع الآخر من أنواع هذه المسؤولية وهي المسؤولية غير المباشرة للأشخاص المعنوية (المسؤولية بالتضامن مع الأشخاص الطبيعيين الداخلين في تكوينها) في نصوص واضحة وإفراد مواد قانونية تتناول ذلك، كما فعلت معظم قوانين العقوبات المقارنة، لما لهذه الأشخاص المعنوية (ومنها المصارف) من دور هام وخطير في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية.

 

قائمةمصادر البحث[143]

أولاً: القرآن الكريم.

ثانياً: الكتب والرسائل والأبحاث العلمية في الفقه الحديث:

1- الأسس القانونية لعمليات البنوك – د. سميحة القليوبي – الطبعة الثانية – القاهرة، مصر – دار النهضة العربية – 2003م. 

2- أصول الفقه الإسلامي – د.وهبة الزحيلي – الجزء الأول – الطبعة الثالثة – دمشق، سوريا – دار الفكر – 2005م.

3- إفشاء السر الطبي وأثره في الفقه الإسلامي – د. علي محمد علي أحمد – الطبعة الأولى – الإسكندرية، مصر – دار الفكر الجامعي – 2007م.

4- امتناع المساءلة الجنائية – د. عبد الحكم فوده – الإسكندرية، مصر – دار المطبوعات الجامعية – 1997م.

5- تبييض الأموال والسرية المصرفية – زياد نديم حماده – الجديد في أعمال المصارف من الوجهتين القانونية والاقتصادية – المؤتمر العلمي السنوي لكلية الحقوق بجامعة بيروت العربية – الجزء الثالث – الجرائم المتعلقة بأعمال المصارف – الطبعة الأولى – منشورات الحلبي الحقوقية – بيروت، لبنان – 2002م.

6- التشريع الجنائي الإسلامي – عبد القادر عوده – المجلد الأول – القاهرة ، مصر – دار التراث – 2003م.

7- جرائم الاختطاف والتقطع – د. علي حسن الشرفي – محاضرات ألقيت علينا في المعهد العالي للقضاء في السنة الدراسية الثانية – 2007م.

8- جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال – د. رؤوف عبيد – الطبعة السابعة – القاهرة، مصر – دار الفكر العربي – 1978م.

9- جرائم الموظفين في القانون والقضاء اليمني- د. حسن علي مجلي – الطبعة الأولى – صنعاء ، اليمن – مركز عبادي للدراسات والنشر – 2007م. 

10-                                                                                                        جرائم النشر والإعلام ، الكتاب الأول – د. طارق سرور – الطبعة الأولى – القاهرة، مصر – دار النهضة العربية – 2004م.

11-                                                                                                        جريمة إفشاء الأسرار والحماية الجنائية للكتمان المصرفي – الطبعة الأولى – القاهرة، مصر – سعد سمك للطباعة – 1999م.

12- الحماية الجنائية لأسرار الدولة – د. مجدي محب حافظ – القاهرة، مصر- الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1997م.

13- الحماية الجنائية للائتمان المصرفي – د. محمد عبد اللطيف فرج – القاهرة ، مصر – بدون دار النشر – 2006م.

14- شرح قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم الخاص- د. عبد الناصر محمد الزنداني – الطبعة السادسة – صنعاء، اليمن – مركز الصادق – 2008م.

15- شرح قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم العام- د. حسن علي مجلي – الجزء الأول – الطبعة الثانية – صنعاء ، اليمن – مركز الشرعبي – 2002م.

16- شرح قانون العقوبات- د. عبد الحميد الشواربي – الطبعة الأولى – الإسكندرية ، مصر – منشأة المعارف – 1991م.

17- شرح قانون العقوبات، القسم الخاص – جرائم الاعتداء على الأشخاص – د. محمود نجيب حسني – القاهرة، مصر – دار النهضة العربية – 1978م .

18- شرح قانون العقوبات الأهلي – أحمد أمين بك – الطبعة الثالثة- القاهرة، مصر – الدار العربية للموسوعات – 1982م. 

19- شرح قانون العقوبات اليمني ، القسم العام- د. علي حسن الشرفي – الطبعة الرابعة – صنعاء، اليمن – أوان للخدمات الإعلامية – 2004م.

20- رضا المجني عليه وأثره على المسؤولية الجنائية – د. محمد صبحي نجم – الطبعة الأولى – عمان، الأردن – دار الثقافة للنشر والتوزيع – 2000م.

21- العقود التجارية وعمليات البنوك – د. مصطفى كمال طه – الإسكندرية ، مصر – دار المطبوعات الجامعية – 2002م.

22- عمليات البنوك من الوجهة القانونية – د. علي جمال الدين عوض – القاهرة ، مصر – دار النهضة العربية – 1981م.

23- قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم العام، العقوبات – د. طاهر صالح العبدي- الطبعة الثانية – صنعاء اليمن – مكتبة الصادق – 2005م.

24- قانون العقوبات، القسم العام – د. محمد صبحي نجم – الطبعة الثالثة- عمان، الأردن – مكتبة دار الثقافة – 1996م.

25- كتمان السر وإفشاؤه في الفقه الإسلامي – شريف بن أدول بن إدريس – الطبعة الأولى – عمان، الأردن – دار النفائس- 1997م.

26- المحافظة على أسرار العملاء وعدم التدخل في شؤونهم – د. هشام البساط – المجموعة المتخصصة في المسؤولية القانونية للمهنيين – المؤتمرات العلمية لجامعة بيروت العربية – الجزء الثالث- الطبعة الثانية – المسؤولية المهنية الإعلامية والمصرفية والمحاسبية – منشورات الحلبي الحقوقية – بيروت ، لبنان – 2004م.

27- المد والجزر بين السرية المصرفية وتبييض الأموال ، دراسة مقارنة – هيام الجرد- الطبعة الأولى – بيروت، لبنان – منشورات الحلبي الحقوقية – 2004م.

28- مدى المسؤولية المدنية عن الإخلال بالسر المهني أو الوظيفي – د. عادل جبري محمد حبيب – الطبعة الأولى – الإسكندرية ، مصر – دار الفكر الجامعي – 2003م. 

29- مسؤولية البنك في عقود الائتمان – عباس عيسى هلال – رسالة دكتوراه في الحقوق مقدمة إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة، مصر – 1993م.

30- المسؤولية الجزائية عن إفشاء السر المصرفي ، دراسة مقارنة – محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – الطبعة الأولى – عمان، الأردن – دار الثقافة – 1999م.

31- المسؤولية الجزائية للأطباء عن إفشاء السر المهني ، رسالة ماجستير – موفق علي عبيد – الطبعة الأولى – عمان، الأردن- مكتبة دار الثقافة – 1998م. 

32- المسؤولية الجزائية للأطباء والصيادلة – منير رياض حنا – الإسكندرية ، مصر – دار المطبوعات الجامعية – 1989م.

33- المسؤولية الجنائية عن الأعمال البنكية، دراسة مقارنة – د. غادة عماد الشربيني – القاهرة، مصر – دار النهضة العربية – 1999م.

 

34- مشكلة غسيل الأموال وسرية الحسابات بالبنوك – د. ماجد عبد الحميد عمار – القاهرة، مصر – دار النهضة العربية – 2002م.

35- نظرية دفع المسؤولية الجنائية – د. محمد علي سويلم – الإسكندرية، مصر – منشأة المعارف – 2007م.

36- الوجيز في المالية العامة – د. عبد الله حسين بركات – الجزء الأول – صنعاء ، اليمن – مكتبة الصادق – 2005م.

37- الوجيز في نظرية الالتزام – د. محمود جمال الدين زكي – الجزء الأول – القاهرة، مصر – مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر – 1968م.

38- الوسيط في شرح قانون التجارة المصري – د. سميحة القليوبي – الجزء الثاني – الطبعة الرابعة – القاهرة، مصر – دار النهضة العربية – 2005م.

ثالثاً : معجمات اللغة:

39- لسان العرب – العلامة جمال الدين محمد بن مكرم الملقب ابن منظور(المتوفى سنة 711هـ)، الجزء الثاني – بيروت، لبنان – مؤسسة التاريخ العربي – 1993م. 

40- مختار الصحاح – العلامة محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (المتوفى بعد سنة 660هـ)، الطبعة الأولى – بيروت ، لبنان – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – 2006م.

رابعاً: التشريعات القانونية:

41- دستور الجمهورية اليمنية – سلسلة القوانين اليمنية – صنعاء، اليمن – مكتبة خالد بن الوليد – 2001م.

42- القانون رقم (14) لسنة 2000م بشأن البنك المركزي اليمني – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي – أغسطس 2006م.

43- القانون رقم (38) لسنة 1998م بشأن البنوك – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي – أغسطس 2006م.

44- القانون رقم (19) لسنة 1991م بشأن الخدمة المدنية – مجموعة القوانين الشخصية والعمالية – الكتاب الخامس – الطبعة الأولى – وزارة العدل – 2003م.

45- القانون رقم (22) لسنة 1997م بشأن الشركات التجارية وأخر تعديلاته بالقانون رقم (28) لسنة 2004م وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي – أغسطس 2005م.

46- القانون رقم (31) لسنة 1991م بشأن ضرائب الدخل – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي – ديسمبر 2006م.

47- القانون رقم (14) لسنة 2002م بشأن القانون المدني – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الأولى – مطابع التوجيه المعنوي – 2006م.

48- القانون رقم (35) لسنة 2003م بشأن مكافحة غسل الأموال – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الرابعة – مطابع التوجيه المعنوي – نوفمبر 2007م.

49- القرار الجمهوري بالقانون رقم (13) لسنة 1994م بشأن الإجراءات الجزائية – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي – مايو 2007م.

50- القرار الجمهوري بالقانون رقم (12) لسنة 1994م بشأن الجرائم والعقوبات – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي – نوفمبر 2005م.

51- القرار الجمهوري بالقانون رقم (32) لسنة 1991م بشأن القانون التجاري – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثالثة – مطابع التوجيه المعنوي- مايو 2007م.

52-    القرارالجمهوري بالقانونرقم(5) لسنة 1995م بشأن قانونالعمل وأخر تعديلله بالقانون رقم (25) لسنة 2003م – مجموعة القوانين الشخصيةوالعمالية – الكتاب الخامس – الطبعةالأولى – وزارة العدل – 2003م.


 

[1]              دستور الجمهورية اليمنية- سلسلة القوانين اليمنية – صنعاء، اليمن – مكتبة خالد بن الوليد – 2001م.

 

[2]              جمال الدين محمد بن مكرم الملقب ابن منظور– لسان العرب- الجزء السادس- الطبعة الثالثة – بيروت، لبنان- مؤسسة التاريخ العربي- 1993م- ص235- مادة (سرر).

 

[3]              محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي- مختار الصحاح- الطبعة الأولى – بيروت ، لبنان- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع-  2006م-  ص254- مادة (سرر). 

 

[4]              د. علي محمد علي أحمد – إفشاء السر الطبي وأثره في الفقه الإسلامي- الطبعة الأولى- الإسكندرية، مصر- دار الفكر الجامعي – 2007م – ص12. 

 

[5]              شريف بن أدول بن إدريس – كتمان السر وإفشاؤه في الفقه الإسلامي– الطبعة الأولى- عمان، الأردن- دار النفائس- 1997م– ص17.

 

[6]              د. رؤوف عبيد– جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال– الطبعة السابعة- القاهرة، مصر- دار الفكر العربي- 1978م – ص292. 

 

[7]              د. محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، جرائم الاعتداء على الأشخاص- القاهرة، مصر- دار النهضة العربية- 1978م- ص725. 

 

[8]              د. حسن علي مجلي – جرائم الموظفين في القانون والقضاء اليمني- الطبعة الأولى- صنعاء ، اليمن- مركز عبادي للدراسات والنشر- 2007م- ص120. 

 

[9]              د. عبد الناصر محمد الزنداني- شرح قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم الخاص- الطبعة السادسة- صنعاء، اليمن- مركز الصادق – 2008م – ص 40. 

 

[10]            أحمد أمين بك- شرح قانون العقوبات الأهلي – الطبعة الثالثة- القاهرة ، مصر- الدار العربية للموسوعات- 1982م – ص836، 837.. 

 

[11]            شريف بن أدول بن إدريس – مرجع سابق- ص18. 

 

[12]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر- المسؤولية الجزائية عن إفشاء السر المصرفي، دراسة مقارنة- الطبعة الأولى – عمان، الأردن – دار الثقافة – 1999م – ص11. 

 

[13]            د. سميحة القليوبي- الوسيط في شرح قانون التجارة المصري- الجزء الثاني – الطبعة الرابعة- القاهرة، مصر- دار النهضة العربية- 2005م – ص954. 

 

[14]            هيام الجرد- المد والجزر بين السرية المصرفية وتبيض الأموال، دراسة مقارنة- الطبعة الأولى- بيروت، لبنان- منشورات الحلبي الحقوقية- 2004م – ص35. 

 

[15]            د. هشام البساط- المحافظة على أسرار العملاء وعدم التدخل في شؤونهم – المجموعة المتخصصة في المسؤولية القانونية للمهنيين- المؤتمرات العلمية لجامعة بيروت العربية- الجزء الثالث- الطبعة الثانية- المسؤولية المهنية الإعلامية والمصرفية والمحاسبية – منشورات الحلبي الحقوقية- بيروت، لبنان- 2004م – ص115. 

 

[16]            القانون رقم (14) لسنة 2000م بشأن البنك المركزي اليمني- وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية- مطابع التوجيه المعنوي-  أغسطس 2006م. 

 

[17]            القانون رقم (38) لسنة 1998م بشأن البنوك – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية- مطابع التوجيه المعنوي- أغسطس 2006م. 

 

[18]            د. علي جمال الدين عوض- عمليات البنوك من الوجهة القانونية- القاهرة، مصر- دار النهضة العربية – 1981م – ص931. 

 

[19]            المادة (45/ 2، 3) من قانون البنك المركزي اليمني، والمادة (84) من قانون البنوك اليمني.   

 

[20]            المادة (92) من القانون رقم (31) لسنة 1991م بشأن ضرائب الدخل- وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي-  ديسمبر 2006م. 

 

[21]            المادة (288/10) من القانون رقم (22) لسنة 1997م بشأن الشركات التجارية وآخر تعديلاته بالقانون رقم (28) لسنة 2004م – وزارة الشئون القانونية- الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي-  أغسطس 2005م. 

 

[22]            د. علي جمال الدين عوض – المرجع السابق – ص931. 

 

[23]            د. عادل جبري محمد حبيب- مدى المسؤولية المدنية عن الإخلال بالالتزام بالسر المهني أو الوظيفي- الطبعة الأولى الإسكندرية، مصر – دار الفكر الجامعي – 2003م – ص131. 

 

[24]            هيام الجرد – مرجع سابق- ص38. 

 

[25]            د. عادل جبري محمد حبيب – مرجع سابق – ص131. 

 

[26]            هيام الجرد – مرجع سابق- ص39. 

 

[27]            المادة (644) من القرار الجمهوري بالقانون رقم (32) لسنة 1991م بشأن القانون التجاري – وزارة الشئون القانونية- الطبعة الثالثة- مطابع التوجيه المعنوي-  مايو 2007م. 

 

[28]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر- مرجع سابق- ص27، 28. 

 

[29]            يراجع التعريف الموحد للعمل المصرفي الواردة في المادة (2/ح) من قانون البنك المركزي اليمني، وكذلك المادة (2/ح) من قانون البنوك اليمني. 

 

[30]            د. علي جمال الدين عوض – مرجع سابق- ص929. 

 

[31]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق – ص39. 

 

[32]            د. محمود جمال الدين زكي – الوجيز في نظرية الالتزام – الجزء الأول – القاهرة،  مصر – مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر – 1968م-ص 211. 

 

[33]            المسؤولية المدنية : هي المسؤولية الناشئة عن التزام المسؤول بتعويض الأضرار الحادثة للغير، وقد يسأل البنك بالإضافة إلى الشخص الطبيعي مرتكب جريمة إفشاء السر المصرفي، وذلك وفقاًَ لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعة متى توافرت شروطها. 

 

[34]            المسؤولية التأديبية : هي المسؤولية الناشئة عن إخلال الموظف بواجبات وظيفته مما يوجب معاقبته بعقوبة تأديبية من العقوبات المنصوص عليها في المادة (111) من القانون رقم (19) لسنة 1991م بشأن الخدمة المدنية – مجموعة القوانين الشخصية والعمالية- الكتاب الخامس – الطبعة الأولى- وزارة العدل – 2003م – ص187. 

 

[35]            د. محمد علي سويلم – نظرية دفع المسؤولية الجنائية – الإسكندرية ، مصر – منشأة المعارف-  2007م- ص76. 

 

[36]            عبد القادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي – المجلد الأول – القاهرة، مصر – دار التراث – 2003م- ص342، 343. 

 

[37]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق – ص142.

 

[38]            سنأتي لتناول هذه الشروط لا حقاً عند الحديث عن الركن المعنوي لجريمة إفشاء السر المصرفي في المبحث الثاني من هذه الدراسة. 

 

[39]            القرار الجمهوري بالقانون رقم (12) لسنة 1994م بشأن الجرائم والعقوبات – وزارة الشئون القانونية- الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي- نوفمبر 2005م.   

 

[40]            المادة (17) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني. 

 

[41]            المادتين(38)، (40) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني – القرار الجمهوري بالقانون رقم (13) لسنة 1994م بشأن الإجراءات الجزائية – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الثانية – مطابع التوجيه المعنوي- مايو 2007م. 

 

[42]            د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص751. 

 

[43]            د. أحمد محمد بدوي – جريمة إفشاء الأسرار والحماية الجنائية للكتمان المصرفي- الطبعة الأولى- القاهرة ، مصر- سعد سمك للطباعة – 1999م – ص9، 10 . 

 

[44]            يراجع ما سبق– ص11.

 

[45]            د. غادة عماد الشربيني – المسؤولية الجنائية عن الأعمال البنكية، دراسة مقارنة- القاهرة، مصر – دار النهضة العربية– 1999م- ص 51، 52 .

 

[46]            د. عبد الحكم فوده- امتناع المساءلة الجنائية– الإسكندرية، مصر– دار المطبوعات الجامعية- 1997م- ص 54. 

 

[47]             د. غادة عماد الشربيني– مرجع سابق- ص55، 56. وتجدر الإشارة إلى أن قانون الجرائم والعقوبات اليمني لم ينظم المسؤولية الجنائية غير المباشرة للشخص المعنوي، وهذا مسلك غير محمود وكان الأحرى به تنظيم هذا النوع من المسؤولية في نصوص واضحة، وإفراد مواد فيه تتناول ذلك، كما فعلت معظم قوانين العقوبات العربية مثل: قانون العقوبات المصري، وقانون العقوبات الأردني. 

 

[48]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق – ص 147. 

 

[49]            المادتين (100)، (101) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني. 

 

[50]            العلامة جمال الدين محمد بن مكرم الملقب ابن منظور – مرجع سابق – الجزء الخامس – ص305- مادة (ركن). 

 

[51]            د. وهبة الزحيلي – أصول الفقه الإسلامي – الجزء الأول – الطبعة الثالثة – دمشق، سوريا – دار الفكر-2005م – ص 105. 

 

[52]            يعرف العنصر المفترض بأنه: مركز قانوني تحميه القاعدة الجنائية، ويتميز بأنه : أ- عنصر مستقل عن نشاط الجاني وعلاقة السببية، ب- بأنه عنصر لازم للوجود القانوني للجريمة ، ج-  بأنه تحميه القاعدة الجنائية . للمزيد يراجع امتناع المساءلة الجنائية – للدكتور عبد الحكم فوده – مرجع سابق- ص71. 

 

[53]            يراجع للمزيد من التوضيح في هذه الدراسة: المبحث الأول- المطلب الثاني – الفرع الأول : أولاً: الطرف الملتزم بالمحافظة على السر المصرفي – ص11. 

 

[54]            د. سميحة القليوبي – الوسيط في شرح قانون التجارة المصري – مرجع سابق – ص 964، 965. 

 

[55]            د. محمود نجيب حسني- مرجع سابق- ص737. 

 

[56]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق- ص120، 121. 

 

[57]            د. مصطفى كمال طه- العقود التجارية وعمليات البنوك – الإسكندرية ، مصر- دار المطبوعات الجامعية – 2002م – ص376 .

 

[58]            د. محمد صبحي نجم – قانون العقوبات، القسم العام- الطبعة الثالثة- عمان، الأردن- مكتبة دار الثقافة- 1996م – ص195. 

 

[59]            د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق- ص585. 

 

[60]            د. غادة عماد الشربيني- مرجع سابق- ص198. 

 

[61]            د.محمود نجيب حسني- مرجع سابق- ص736، 737. 

 

[62]            العلامة جمال الدين محمد بن مكرم الملقب ابن منظور-مرجع سابق- الجزء العاشر-ص269- مادة (فشا). 

 

[63]            منير رياض حنا- المسؤولية الجزائية للأطباء والصيادلة- الإسكندرية، مصر- دار المطبوعات الجامعية- 1989م- ص161، 162. 

 

[64]            د. علي محمد علي أحمد – مرجع سابق- ص4. 

 

[65]            شريف بن أدول بن إدريس – مرجع سابق- ص20. 

 

[66]            د.مجدي محب حافظ-الحماية الجنائية لأسرار الدولة- القاهرة، مصر- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1997م – ص377. 

 

[67]            أحمد أمين بك- مرجع سابق- 836. 

 

[68]            د. عبد الحميد الشواربي- شرح قانون العقوبات– الطبعة الأولى- الإسكندرية، مصر- منشأة المعارف- 1991م- ص386. 

 

[69]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر– مرجع سابق- ص116. 

 

[70]            منير رياض حنا- مرجع سابق- 161.

 

[71]            د. ماجد عبد الحميد عمار- مشكلة غسيل الأموال وسرية الحسابات بالبنوك – القاهرة، مصر – دار النهضة العربية – 2002م – ص 125.

 

[72]            د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص 733.

 

[73]            د. غادة عماد الشربيني – مرجع سابق – ص 199.

 

[74]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – المرجع السابق – ص 117.

 

[75]            د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص 733، 734.

 

[76]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق – ص118.

 

[77]            موفق علي عبيد – المسؤولية الجزائية للأطباء عن إفشاء السر المهني ، رسالة ماجستير – الطبعة الأولى – عمان ، الأردن – مكتبة دار الثقافة – 1998م – ص 100، 104.

 

[78]            د. مجدي محب حافظ – مرجع سابق – ص 377، 378. 

 

[79]            أستاذنا د. علي حسن الشرفي – شرح قانون العقوبات اليمني، القسم العام – الطبعة الرابعة – صنعاء، اليمن – أوان للخدمات الإعلامية – 2004م – ص 340.

 

[80]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق – ص 122.

 

[81]            منير رياض حنا – مرجع سابق – ص 166.

 

[82]            د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص 748، 749.

 

[83]            د. محمد صبحي نجم – قانون العقوبات، القسم العام- مرجع سابق- ص291.

 

[84]            د. محمد عبد اللطيف فرج- الحماية الجنائية للائتمان المصرفي- القاهرة، مصر- دار النشر بدون- 2006م – ص102.

 

[85]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق- ص122.

 

[86]            د. وهبة الزحيلي- مرجع سابق- ص159.

 

[87]            المادة (31) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني.

 

[88]            المادة (33/ 2) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني التي تنص على أنه: «لا يسأل من يكون وقت ارتكاب الفعل عاجزاً عن إدراك طبيعته ونتائجه بسبب : ... 2- تناول مواد مسكرة أو مخدرة قهراً عنه أو على غير علم منه بها أو لضرورة ، فإذا كان ذلك باختياره وعلمه عوقب كما لو كان الفعل قد وقع منه بغير سكر أو تخدير».

 

[89]            د. وهبة الزحيلي – المرجع السابق- ص185 .

 

[90]            المادتين (35، 36) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني.

 

[91]            يترتب على اعتبارها من جرائم التعزير فوائد أهمها: أ) جعل هذه العقوبة بين حدين أدنى وأقصى، ومنح القاضي سلطة تقديرية واسعة ليقدر العقوبة المناسبة لكل مجرم ولكل جريمة، وتخضع سلطة القاضي في هذا الشأن لحكم المادة (109) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني. ب) منح رئيس الدولة سلطة تامة في العفو عن العقوبة، وفي تخفيف مقدراها أو مدتها، وفي تبديلها بما يجعلها أخف مما حكم به القاضي وفقاً لنص المادة (539/ 2) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني. ج) استفادة المحكوم عليه من نظام وقف تنفيذ العقوبة، وهو نظام تقرر لمصلحة المحكوم عليه بعقوبة تعزيرية سواء كانت هي الحبس أو الغرامة، ويستطيع القاضي تخفيف العقوبة مهما كان حدها الأقصى إلى الحبس مدة لا تتجاوز سنة أو الغرامة، ثم يأمر بوقف التنفيذ إذا رأى مسوغاً لذلك وفقاً لنص المادة (118) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني. بل ويجوز للقاضي إذا توافرت شروط نظام وقف التنفيذ أن يمتنع عن النطق بالعقوبة، وهو مقتضى نص المادة (119) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني. د) استفادة المحكوم عليه من نظام الإفراج الشرطي، وهو نظام مقرر في العقوبات السالبة للحرية وفقاً للشروط المحددة والمذكورة في المواد من (506) إلى (511) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني. أنظر أستاذنا د. علي حسن الشرفي – جرائم الاختطاف والتقطع- محاضرات ألقيت علينا في المعهد العالي للقضاء في السنة الدراسية الأولى – 2007م – ص206، 208.

 

[92]            يترتب على ذلك آثار منها: انقضاء الحق في سماع الدعوى الجزائية فيها بمضي ثلاث سنوات من يوم وقوع الجريمة، كل ذلك ما لم ينقطع التقادم، وهذا ما نصت عليه كل من المادتين (38، 40) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني.

 

[93]            يراجع ما سبق ص22 .

 

[94]            وسند التزامهم بالمحافظة على السر المصرفي وعدم إفشائه المادة (90/7) من القرار الجمهوري بالقانون رقم (5) لسنة 1995م بشأن قانون العمل وآخر تعديل له بالقانون رقم (25) لسنة 2003م- مجموعة القوانين الشخصية والعمالية- الكتاب الخامس- الطبعة الأولى- وزارة العدل- 2003م – ص131.

 

[95]            المادة (39) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني والتي تنص على أنه:» لا تقل مدة الحبس عن أربع وعشرين ساعة، ولا تزيد على عشر سنوات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك» أي أن الحبس مدة أربع وعشرين ساعة هو الحد الأدنى العام لعقوبة الحبس.

 

[96]            يراجع ما سبق ص 26.

 

[97]            د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص745.

 

[98]            المواد (118) ، (119) ، (من 506إلى 511) من هذا القانون.

 

[99]            محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق – ص 124.

 

[100]           د. حسن علي مجلي – جرائم الموظفين في القانون والقضاء اليمني – مرجع سابق – ص 145.

 

[101]          د. عبد الناصر محمد الزنداني – مرجع سابق – ص69.

 

[102]          المادة (14/ب) من قانون الخدمة المدنية اليمني.

 

[103]          المادة (21) من قانون البنك المركزي اليمني ، والمادة (84) من قانون البنوك اليمني.

 

[104]          المادتين (184) ، (289/ب) من قانون الشركات التجارية اليمني .

 

[105]          المادتين (124) ، (125) من قانون العمل اليمني.

 

[106]          المادة (92) من قانون ضرائب الدخل اليمني.

 

[107]          د. حسن علي مجلي – شرح قانون الجرائم والعقوبات اليمني ، القسم العام- الجزء الأول – الطبعة الثانية – صنعاء ، اليمن – مركز الشرعبي – 2002م – ص 187.

 

[108]          د. محمد صبحي نجم – قانون العقوبات ، القسم العام – مرجع سابق – ص 131.

 

[109]          د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص 751.

 

[110]          جمال الدين محمد بن مكرم الملقب ابن منظور – مرجع سابق – الجزء الخامس – ص235 – مادة (رضي) .

 

[111]          د. حسن علي مجلي – شرح قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم العام، الجزء الأول – مرجع سابق – ص338.

 

[112]          جمال الدين محمد بن مكرم الملقب ابن منظور – المرجع السابق – الجزء الأول – ص 105- مادة (أذن).

 

[113]          د. محمد صبحي نجم – رضا المجني عليه وأثره على المسؤولية الجنائية – الطبعة الأولى – عمان، الأردن – دار الثقافة للنشر والتوزيع – 2000م- ص 24. 

 

[114]          د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص 754، 755. 

 

[115]          أستاذنا د. علي حسن الشرفي – شرح قانون العقوبات اليمني، القسم العام – مرجع سابق – ص 176. 

 

[116]          د. محمود نجيب حسني– المرجع السابق – ص 756، 757. 

 

[117]          د. سميحة القليوبي– الأسس القانونية لعمليات البنوك– الطبعة الثانية– القاهرة ، مصر– دار النهضة العربية– 2003م– ص 268. 

 

[118]          د. أحمد محمد بدوي – مرجع سابق – ص 104، 105. 

 

[119]          د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص 757. 

 

[120]          المادة (50) من القانون المدني اليمني التي تنص على أن: « سن الرشد خمسة عشر سنة إذا بلغها الشخص متمتعاً بقواه العقلية رشيداً في تصرفاته يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية والتصرف فيها «- القانون رقم 14 لسنة 2002م بشأن القانون المدني– وزارة الشئون القانونية– الطبعة الأولى- مطابع التوجيه المعنوي – 2006م. 

 

[121]          المادة (31) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني والتي تجعل سن الرشد الجنائي ثماني عشرة سنة . 

 

[122]          د. حسن علي مجلي– شرح قانون العقوبات اليمني، القسم العام- الجزء الأول– مرجع سابق– ص 342، 343. 

 

[123]          محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق – ص 87. 

 

[124]          د. علي جمال الدين عوض – مرجع سابق – ص 936. 

 

[125]          د. محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص757. 

 

[126]          محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق – ص88. 

 

[127]          د. حسن علي مجلي– شرح قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم العام، الجزء الأول– مرجع سابق– ص344. 

 

[128]          د. طارق سرور– جرائم النشر والإعلام، الكتاب الأول – الطبعة الأولى – القاهرة، مصر – دار النهضة العربية– 2004م- ص633، 634. 

 

[129]          د. عادل جبري محمد حبيب– مرجع سابق– ص170. 

 

[130]          د. محمود نجيب حسني– مرجع سابق– ص752.

 

[131]          د. عادل جبري محمد حبيب– مرجع سابق– ص170.

 

[132]          محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر– مرجع سابق– ص100. 

 

[133]          د. عبد الله حسين بركات– الوجيز في المالية العامة– الجزء الأول– صنعاء، اليمن– مكتبة الصادق– 2005م- ص137. 

 

[134]          المادتين (61)، (90) من قانون ضرائب الدخل اليمني. 

 

[135]          د. عادل جبري محمد حبيب – مرجع سابق – ص 173. 

 

[136]          زياد نديم حمادة – تبييض الأموال والسرية المصرفية – الجديد في أعمال المصارف من الوجهتين القانونية والاقتصادية – المؤتمر العلمي السنوي لكلية الحقوق بجامعة بيروت العربية – الجزء الثالث – الجرائم المتعلقة بأعمال المصارف- الطبعة الأولى – منشورات الحلبي الحقوقية – بيروت، لبنان – 2002م- ص 325. 

 

[137]          القانون رقم(35) لسنة 2003م بشأن مكافحة غسل الأموال – وزارة الشئون القانونية – الطبعة الرابعة – مطابع التوجيه- نوفمبر- 2007م . 

 

[138]          عرفت المادة (2 ) من القانون ذاته – المؤسسات المالية بأنها:» أي منشأة مالية كالبنوك أو محل الصرافة أو شركة تمويل أو تأمين أو أسهم أو أوراق مالية أو إيجار تمويلي أو عقارية».

 

[139]          د. عادل جبري محمد حبيب – مرجع سابق – ص 226. 

 

[140]          د. احمد محمد بدوي – مرجع سابق – ص117. 

 

[141]          محمد عبد الودود عبد الحفيظ أبو عمر – مرجع سابق – ص90. 

 

[142]          عباس عيسى هلال – مسؤولية البنك في عقود الائتمان – رسالة دكتوراه في الحقوق مقدمة إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة، مصر – 1993م- ص334. 

 

[143]          * تم ترتيب مصادر البحث وفقاً للترتيب الأبجدي للعناوين.