القاضي. الأستاذ. الدكتور/ عبد المؤمن شجاع الدين
رئيس مجلس القضاء الأعلى- الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء
مقدمة
نصت المادة (205) من قانون المرافعات اليمني على أنه: (في غير الأحوال التي ينص عليها القانون على وقف الخصومة وجوباً أو جوازاً يجب على المحكمة أن تأمر بوقفها كلما رأت تعليق حكمها في موضوعها عن الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم في الخصومة)، فقد ورد هذا النص بصيغة الوجوب، إذ يجب على المحكمة أن تأمر بوقف الخصومة التي تنظرها إذا ظهر لها أن هناك مسألة أخرى أولية يجب الفصل فيها بداية قبل الفصل في المسألة المنظورة أمامها، وكانت هناك محكمة أخرى تختص بالفصل في المسألة الأولية.
وبما أن هذا الوقف مقرر على سبيل الوجوب فإنه يجب على المحكمة من تلقاء ذاتها أن تقرر وقف الخصومة، إذا ثبت لها وجود مسألة أولية تختص بنظرها محكمة أخرى، كما أنه إذا طلب الخصوم وقف الخصومة لهذا السبب فإنه يجب في هذه الحالة على المحكمة أن تقرر ذلك، وسنعرض هذا على المباحث الآتية:
• المبحث الأول: ماهية الوقف التعليقي للخصومة.
• المبحث الثاني: الوقف التعليقي في قوانين الدول العربية.
• المبحث الثالث: شروط الوقف التعليقي للخصومة.
• المبحث الرابع: الوقف التعليقي للخصومة الوجوبي والجوازي.
• المبحث الخامس: الوقف التعليقي للخصومة وفقاً لقانون الإجراءات الجزائية.
• المبحث السادس: متى يكون الوقف التعليقي للخصومة جوازياً.
• المبحث السابع: طبيعة القرار بالوقف التعليقي للخصومة.
• المبحث الثامن: مدى سلطة محكمة الموضوع المختصة بالفصل في الدعوى الأصلية بإصدار القرار بوقف السير فيها إلى حين حسم النزاع في المسألة الأولية.
• المبحث التاسع: مدى جواز الطعن بقرار بوقف الخصومة إلى حين الفصل في مسألة أولية.
• المبحث العاشر: مدة الوقف التعليقي للخصومة.
• المبحث الحادي عشر: لا تسري أحكام الوقف التعليقي على الدعاوى المستعجلة.
• المبحث الثاني عشر: مدة تقديم الدعوى بالمسألة الأولية.
• المبحث الثالث عشر: الوقف التعليقي أثناء مرحلة التنفيذ.
• المبحث الرابع عشر: المحكمة المختصة بنظر المسألة الأولية.
المبحثالأول
ماهية الوقف التعليقيللخصومة
الوقف التعليقي للخصومة هو: وقف سير إجراءات الخصومة المنظورة أمام المحكمة المختصة إلى حين قيام المحكمة الأخرى بالفصل في مسألة أولية يتوقف عليها الفصل في الخصومة الأصلية، ولذلك يسمى الوقف التعليقي بهذا الاسم، لأن سبب الوقف هو تعلق الفصل في الخصومة الأصلية بالفصل في مسألة أولية أخرى.
فإذا عرضت في أثناء نظر الدعوى مسألة فرعية ليست من اختصاص المحكمة المعروض عليها النزاع اختصاصاً نوعياً أو وظيفياً يتوقف عليها الحكم في الدعوى، عندئذ تجد المحكمة نفسها مضطرة إلى وقف السير في الدعوى الأصلية إلى أن يتم الفصل في تلك المسألة، ولذلك يسمي هذا الوقف بالوقف التعليقي، لأن الفصل في الدعوى معلق على الفصل في المسألة الأولية.
الوقف التعليقي للخصومة يتقرر عندما تكون الدعوى محلاً للنظر في موضوعها من قبل القضاء والفصل فيها لكن يعترض هذا السير مسألة فرعية أو أولية بحيث يتوقف الحكم في الدعوى الأصلية على الفصل فيها، أي بمعنى أن الحكم في النزاع الأصلي يكون متوقفاً على الحكم في المسألة الأولية.
وهذا النوع من الوقف يقع بقرار من القاضي، ولذلك فإن هذا الوقف من أنواع الوقف القضائي، فهذا النوع من الوقف يتم بناء على قرار من المحكمة التي تنظر الخصومة الأصلية، فلا يقع الوقف هنا إلا بناء على قرار صادر من المحكمة.
ولذا فإن القرارات السابقة على قرار وقف الخصومة (سير المحاكمة) تعتبر صحيحة بعد توفر سبب الخصومة وقبل صدور القرار بالوقف.
ويبدأ من تاريخ صدور الحكم ولأسباب معينة حددها القانون وللمحكمة في كلا النوعين سلطة تقديرية في الحكم بالوقف أو عدم الحكم به.(عوارض الخصومة، أ. د. عثمان التكروري، ص٦٤).
المبحثالثاني
الوقف التعليقي في قوانينالدول العربية
وردالوقف التعليقي للخصومةفي كل قوانينالدول العربية، فقدنصت المادة (205) من قانونالمرافعات اليمنيعلى أنه: (في غيرالأحوال التيينص عليها القانونعلى وقف الخصومةوجوباً أو جوازاًيجب على المحكمةأن تأمر بوقفهاكلما رأت تعليقحكمها في موضوعهاعن الفصل في مسألةأخرى يتوقف عليهاالحكم في الخصومة)،فقد ورد هذاالنص بصيغة الوجوب،إذ يجب علىالمحكمة أن تأمربوقف الخصومة التيتنظرها إذا ظهرلها أن هناكمسألة أخرى أوليةيجب الفصل فيهابداية قبل الفصلفي الخصومة الأصليةالمنظورة أمامها،فالوقف في هذهالحالة واجب بحسبصيغة الوجوب الواردةفي النص السابق،وذلك ظاهر من جملة: (يجب على المحكمةأن تأمر) الواردة في النص،وفي السياق ذاتهنصت المادة (٢٠٦) مرافعات يمنيعلى أنه (يستأنف السيرفي الخصومة من النقطةالتي وقفت عندهابمجرد زوال سببالوقف)، فبعدزوال سبب وقفالخصومة تعاودالمحكمة إجراءاتنظر الخصومة الأصليةمن آخر إجراءقبل وقف القضية،وقد ورد هذاالنص تطبيقاً لمبدأعدم العدل الإجرائيوالاقتصاد في إجراءاتالتقاضي.
كما ورد الوقف التعليقـي في قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني، وذلك في المادة (126) التي نصت على أنه: (للمحكمة أن تقرر من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم وقف السير في الدعوى إذا رأت أن الحكم في موضوعها يتوقف على الفصل في مسألة أولية، ويحق لأي من الخصوم طلب تعجيل السير في الدعوى بمجرد زوال سبب الوقف).
وكذا ورد الوقف التعليقـي في قانون المرافعات المدنية العراقي، فقد نصت المادة (83) منه على أنه (إذا رأت المحكمة أن الحكم يتوقف على الفصل في موضوع آخر قررت إيقاف المرافعة واعتبار الدعوى مستأخرة حتى يتم الفصل في ذلك الموضـوع، وعندئذ تستأنف المحكمة السير في الدعوى من النقطة التي وقفت عندها، ويجوز الطعـن بهذا القـرار بطريـق التمييز. 2- إذا استمر وقف الدعوى بفعل المدعي أو امتناعه مدة ستة أشهر تبطل عريضة الدعوى بحكم القانون).
في حين نصت المادة (129) مرافعات مصري على أنه (للمحكمة أن تأمر بوقف الخصومة كلما رأت تعليق حكمها في موضوعها على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم، على أن تستأنف الدعوى سيرها فور حسم النزاع في هذه المسألة).
كما نصت المادة (248) من قانون المرافعات الليبي على أنه (في غير الأحوال التي نص عليها القانون على وقف الدعوى وجوباً أو جوازاً يكون للمحكمة أن تأمر بوقفها كلما رأت تعليق حكمها في موضوعها على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم، وبمجرد زوال سبب الوقف تستأنف الدعوى بقوة القانون سيرها من النقطة التي وقفت عندها، ويقوم قلم الكتاب بتعجيلها إذا اقتضى الحال)، وهذا النص مقارب للنص اليمني.
وفي هذا الشأن نصت المادة (143) من القانون الكويتي على أنه (للمحكمة أن تأمر بوقف الدعوى كلما رأت تعليق الحكم في موضوعها على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم في الدعوى).
وكذا أخذ القانون اللبناني بالوقف التعليقي في أحكامه وذلك إذا حدث أثناء نظر الدعوى أن يبدي أحد الخصوم دفعاً لا تختص به المحكمة المعروض عليها النزاع اختصاصاً متعلقاً بالوظيفة أو اختصاصاً نوعياً، ويكون الفصل في ذلك الدفع أمراً لازماً حتى تتمكن المحكمة من الحكم في الدعوى).
أما القانون الجزائري فلم يرد فيه نص يتضمن الحكم بالوقف التعليقي كقاعدة عامة ويرجع ذلك إلى وحدة النظام القضائي الجزائري الذي يعتبر جهة واحدة، فالنظام الجزائري لا يعترف بتعدد الاختصاص الولائي لجهات قضائية مختلفة، لذا فإن أية وحدة قضائية تختص بالفصل في أية مسألة فرعية تعرض في النزاع الذي تنظره، من ثم لا يقوم داع لوقف الخصومة الأصلية انتظاراً للفصل في المسألة الأولية (الفرعية) من جهة قضائية أخرى، فالأمر بوقف الإجراءات هو سلطة للقاضي يستعملها كلما كان من الملائم وقف إجراءات خصومة معينة في انتظار انجلاء موقف معين أو الفصل في خصومة أخرى، بيد أن الوقف التعليقي له صورة في التشريع الجزائري تطبيقاً لقاعدة «الجنائي يوقف المدني»، فقد ورد ضمن أحكام المادة (165) إجراءات مدنية التي تنص على أنه إذا رفعت الدعوى العارضة بالتزوير بصورة مستقلة وأصلية أمام القضاء الجنائي (عن مستند مقدم في دعوى مدنية) فإنه يوقف الفصل في الدعوى المدنية إلى حين صدور حكم في دعوى التزوير.
ونص القانون السوري في المادة (164) منه على أنه (في غير الأحوال التي نص عليها القانون على وقف الدعوى وجوباً أو جوازاً يكون للمحكمة أن تقرر وقفها كلما رأت تعليق حكمها في موضوعها على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم). (عوارض الخصومة القضائية، د. منال فايق حمودي، ص٢٥).
المبحثالثالث
شروط الوقف التعليقيللخصومة
سبق القول أن الوقف التعليقي للخصومة يتقرر عندما تكون الدعوى محلاً للنظر في موضوعها من قبل القضاء والفصل فيها لكن يعترض هذا السير مسألة فرعية أو أولية بحيث يتوقف الحكم في الدعوى الأصلية على الفصل فيها، بمعنى أن الحكم في النزاع الأصلي أو الخصومة الأصلية يكون متوقفاً على الحكم في المسألة الأولية، ويشترط في هذا الوقف عدة شروط منها:
الشرط الأول: أن تثار مسألة أولية عند نظر الخصومة الأصلية:
فينبغي أن تثار مسألة أولية التي يتوقف على حلها الفصل في الخصومة أو الدعوى الأصلية، كمسألة الملكية في دعوى القسمة. فيجب على الأقل أن يكون هناك ارتباط بين المسألة الأولية والخصومة أو الدعوى الأصلية على نحو يجعل الفصل في الأولى أمراً ضرورياً للفصل في الثانية، فبغير هذا الارتباط لا نكون بصدد مسألة أولية بالمعنى الصحيح.
الشرط الثاني: أن يكون الفصل في المسألة الأولية خارجاً عن الاختصاص الوظيفي أو النوعي للمحكمة المختصة بالفصل في الدعوى الأصلية:
لأن المحكمة التي تنظر الخصومة الأصلية حينما تكون مختصة بنظر المسألة الأولية فإن ذلك يستوجب منها الفصل في المسألة الأولية أولاً تمهيداً للحكم في الدعوى الأصلية والحكم فيهما بحكم واحد.
فإذا كانت المسألة الأولية تختص بنظرها المحكمة التي تنظر الدعوى الأصلية، ففي هذه الحالة لا تقرر المحكمة وقف الدعوى الأصلية إلى حين البت في المسألة الأولية، وإنما تقضي فيها مع قضائها في الدعوى الأصلية مثال ذلك أن ترفع دعوى بصحة ونفاذ عقد فيتدخل خصم فيها طالباً رفضها استناداً إلى ملكيته للعقار محل الدعوى، فحينئذ يكون طلب المتدخل مسألة أولية يجب على المحكمة الفصل فيها أولاً وعلى هدى هذا القضاء يكون قضاؤها في الدعوى، فإن خلصت إلى أن المتدخل هو المالك قضت برفض الدعوى أما إن خلصت إلى أنه غير مالك قضت بصحة ونفاذ العقد، إذ تلتزم المحكمة بالفصل في كل نزاع يطرح في الدعوى، فإن كان مما تختص به فصلت فيه.
وعندما تكون المسألة الأولية من اختصاص المحكمة التي تنظر في النزاع الأصلي وجب عليها أن تبت في المسألة الأولية أولاً باعتبارها من وسائل الدفاع التي يعتبر تحقيقها والفصل فيها من إجراءات الخصومة ذاتها، ففي هذه لا يتحقق الوقف التعليقي.
أما إذا لم يكن الأمر كذلك فإن المحكمة تقرر وقف الدعوى حتى يتم الفصل في المسألة الأولية أولاً من قبل المحكمة المختصة بنظرها.
ومع ذلك فإن القضاء العراقي يقضي بجعل الدعوى الأصلية مستأخرة وذلك إلى حين الفصل في المسألة الأولية التي أثيرت من قبل أحد أطرافها حتى لو كان الفصل في المسألة الأولية من اختصاص المحكمة ذاتها، فتقرر عندئذ وقف الدعوى الأصلية إلى حين البت في موضوع تلك المسألة ومثال ذلك إذا ما أقامت زوجة المتوفى دعوى تصحيح القسام الشرعي والمسألة الإرثية لدى محكمة الأحوال الشخصية كونها أحد ورثة المتوفى ولم تدرج ضمن ورثته في القسام الشرعي وطعن أحد الورثة الآخرين أو جميعهم بعدم بقائها على ذمة مورثهم حين الوفاة بسبب انفصام عرى الزوجية بواقعة طلاقها من مورثهم حال حياته- وأقاموا دعوى إثبات الطلاق أمام ذات المحكمة، فليس لقاضي دعوى تصحيح القسام الشرعي (الدعوى الأصلية) البت والفصل فيها، وعليه أن يصدر قراره بوقف سير المرافعة في تلك الدعوى إلى حين الفصل في دعوى إثبات واقعة الطلاق حيث تعتبر مسألة أولية يتوقف الفصل في دعوى تصحيح القسام الشرعي على الفصل في موضوعها.
فالمسألة الأولية إذا لم تكن خارجة عن اختصاص محكمة النزاع الأصلي فليس للمحكمة أن تقرر وقف الدعوى إلى حين البت في موضوعها، وانما يجب عليها أن تفصل فيها باعتبار أن قاضي الأصل هو قاضي الفرع وأنه متى كان مختصاً بدعوى معينة فإنه يكون مختصاً بكل ما يتفرع عنها، ولا يحتاج في ذلك إلى وقف السير في الدعوى المرفوعة إليه أصلاً، وغاية ما هناك أنه يتوقف عن الفصل فيها إلى أن يتم حسم تلك المسألة الفرعية أولاً من قبل القاضي نفسه الذي ينظر الخصومة الأصلية ويقضي فيهما بحكم واحد.
وقد استقر القضاء في العراق على أنه في الأحوال التي يدعي فيها أحد الخصوم بتزوير ورقة مقدمة إلى المحكمة أو إنكار الإمضاء عليها أو بصمة الإبهام يكون لقاضي الموضوع الخيار بين اتخاذ الإجراءات القانونية بالتحقيق في صحة الورقة والإمضاء أو البصمة من قبله مباشرة، والبت في صحة الادعاء والتوصل إلى حُكم في هذه المسألة الفرعية. وإما أن يكون لقاضي الموضوع الخيار في إحالة الورقة موضوع الإنكار وشبهة التزوير إلى المحاكم الجزائية المختصة وانتظار صدور قرار نهائي بشأن صحتها ومن ثم يفصل في دعوى النزاع الأصلي، وفق قرار الحكم الصادر من المحكمة الجزائية المختصة.
وفي الحالة الأولى لا يؤدي قرار القاضي المختص إلى وقف السير في الدعوى، ويكون هناك مجرد تعطيل للبت في الدعوى الأصلية دون توقف لها، وفي الحالة الثانية يترتب على إجراء القاضي المختص توقف المرافعة وبطلان أية إجراءات يتخذها خلال مدة الوقف.
فقاضي محكمة النزاع الأصلي عندما يتخذ القرار بالتحقيق في صحة الادعاء بتزوير الورقة المبرزة في الدعوى أو الإمضاء أو بصمة الإبهام لا يحتاج إلى قرار بوقف الدعوى وجعلها مستأخرة (على حد تعبير القانون العراقي) لأن البت في هذه المسألة يعتبر من عناصر حسم الدعوى الأصلية والفصل في موضوعها، ولا يجوز لمحكمة الموضوع أن تأمر بوقف الدعوى باستثناء حالة احالة الطرفين إلى القضاء الجنائي للفصل في التزوير إذا كان من الممكن أن يؤخذ الحكم في المسألة الأولية من عناصر الدعوى ذاتها، لأن عليها أن تقوم بالفصل في كل نزاع يقوم على أي عنصر من عناصر الدعوى يتوقف الحكم فيها على الفصل فيه.
وقضت محكمة التمييز العراقية بأنه «لا يصح جعل الدعوى مستأخرة لحين إبراز مستنداتها وإنما يتعين على المحكمة أن تكلف المدعي بإبرازها وتمهله مدة مناسبة لذلك وإلا قضت بإبطال عريضة الدعوى وفقاً للمادة (50) من قانون المرافعات المدنية» رقم (894) والمؤرخ في 19/4/1986م.
وقد اشترطت القوانين لتحقيق للوقف التعليقي أن يكون موضوع المسألة الأولية خارجاً عن الاختصاص الوظيفي أو النوعي لمحكمة موضوع النزاع الأصلي، لأن البت في المسألة الأولية إذا كان من اختصاص محكمة النزاع الأصلي نوعياً أو وظيفياً فيجب على المحكمة الفصل فيها باعتبار أن هذه المسألة الأولية هي من دفوع الخصومة الأصلية نفسها فلا يتحقق الوقف التعليقي في هذه الحالة.
فالمحكمة تجمع بين الخصومتين وتبت فيهما في آنٍ واحد كما لو كان ذلك نوعاً من أنواع توحيد الخصومة للارتباط، ولكن خروج هذه الخصومة (أي المسألة الأولية) عن الاختصاص النوعي أو الوظيفي لمحكمة الدعوى الأصلية يوجب عندئذ على المحكمة أن تقرر وقف سير هذه الخصومة.
فالمسألة الأولية قد تعرض في صورة دعوى تقريرية يجب أن تُنظر في خصومة أخرى غير الخصومة الأصلية، ويحدث هذا إذا كانت دعوى المسألة الأولية تخرج من ولاية القضاء المدني لتدخل في ولاية القضاء الجزائي أو الإداري أو قضاء الأحوال الشخصية، فعندئذ يجب على المحكمة أن تأمر بوقف الدعوى الأصلية إلى حين الفصل في المسألة الأولية من قبل المحكمة المختصة.
ولا تسري على الطلبات العارضة أحكام الوقف التعليقي، فتكون المحكمة التي تنظر الطلب الأصلي مختصة أيضاً بنظر الطلبات العارضة حيث يكون لهذه المحكمة أن تفصل في الطلبات العارضة سواءً تم تقديمها من قبل المدعي وتعتبر دعوى إضافية أو أقيمت من قبل المدعى عليه وتعتبر دعوى مقابلة.
فاستناداً لأحكام المادة (١٩٧) من قانون المرافعات اليمني فإن المحكمة التي تختص بنظر الدعوى الأصلية هي مختصة أيضاً في الفصل في الطلبات العارضة، إلا إذا كانت تخرج عن اختصاصها، وإذا تعذر على المحكمة الحكم في الدعويين معاً وكان الحكم في الدعوى الأصلية متوقفاً على الحكم والفصل في الطلب العارض فلا تقرر المحكمة وقف الدعوى الأصلية إلى حين الفصل في الطلب العارض فنص هذه المادة يتضمن حكماً صريحاً بالفصل في الطلب العارض أولاً ومن ثم الفصل في الدعوى الأصلية إلا إذا كان الطلب العارض قد تم تقديمه في الوقت الذي كانت فيه الدعوى صالحة للحكم فيها.
الشرط الثالث: أن يكون الفصل في المسألة الأولية لازماً وضرورياً للفصل في الدعوى الأصلية:
فالوقف التعليقي للخصومة مشروط بشرط أساسي وهو أن يكون الفصل في المسالة الأولية لازماً وضرورياً للفصل في الدعوى الأصلية ولا غنى عنه وأن يكون حتمياً، وأن يكون الفصل في الدعوى الأصلية متوقفاً على الفصل في المسألة الأولية.
وعلى ذلك إذا لم يكن الفصل في المسألة الأولية ضرورياً ولازماً للبت في موضوع النزاع الأصلي فيمكن للمحكمة التي تنظر الخصومة الأصلية أن تفصل فيها دون حاجة إلى وقف تعليقي لأن الحكم فيها لا يكون متوقفاً على الحكم في المسألة الأولية، فالمحكمة عندئذ تستمر في نظر الدعوى والبت في موضوعها دون أن تقرر الوقف، وفي هذا الشأن قضت محكمة النقض المصرية بأن «مناط الحكم بوقف السير في الدعوى طبقاً للمادتين (16) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972م، والمادة (129) من قانون المرافعات عند إثارة أحد الخصوم دفعاً لازماً للفصل في الدعوى أن تكون هذه المسألة التي يثيرها الدفع خارجة عن اختصاص المحكمة المتعلق بالوظيفة أو بالاختصاص النوعي وإلا تعين عليها الفصل فيها» (عوارض الخصومة، د.منال فايق حمودي، ٤٢).
المبحثالرابع
الوقف التعليقي للخصومةالوجوبي والجوازي
الوقف التعليقي قد يكون وجوبياً وقد يكون جوازياً، وإذا كان الوقف وجوبياً أي نص عليه القانون فلا يكون للمحكمة أي دور أو سلطة تقديرية للحكم به أو عدم الحكم، إذا يكون لزاماً عليها في حالات الوقف الوجوبي أن تقضي به.
وقد وردت عبارة (وجوباً أو جوازاً) في المادة (205) من قانون المرافعات اليمني التي نصت على أنه: (في غير الأحوال التي ينص عليها القانون على وقف الخصومة وجوباً أو جوازاً يجب على المحكمة أن تأمر بوقفها كلما رأت تعليق حكمها في موضوعها عن الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم في الخصومة)، والظاهر من صيغة الوجوب الواردة في النص القانوني السابق أن الوقف التعليقي واجب المحكمة التي تنظر الخصومة كلما كانت المسألة الأولية لازمة للفصل في الخصومة وخارجة عن اختصاص المحكمة التي تنظر الخصومة الأصلية.
ولم ترد في القانون العراقي عبارة (وجوباً أو جوازاً)، حسبما هو ظاهر في المادة (83) مرافعات عراقي، لم ترد هذه العبارة كما وردت في نصوص القانونين اليمني والليبي، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن هناك وقفاً وجوبياً نص عليه قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي وذلك تطبيقاً لقاعدة «الجنائي يوقف المدني» .
المبحثالخامس
الوقف التعليقي للخصومةوفقاً لقانون الإجراءاتالجزائية
يقرر قانون الإجراءات الجزائية اليمني الوقف التعليقي للخصومة في عدة نصوص منها المادة (255) إجراءات يمني التي نصت على أن: (تختص المحكمة عند نظر الدعوى الجزائية بالفصل في جميع المسائل التي يتوقف عليها الحكم فيها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، وإذا عرضت للمحكمة مسألة غير جزائية يتوقف عليها الفصل في الدعوى الجزائية وجب عليها وقف الفصل في الدعوى الجزائية حتى يتم الفصل في المسألة غير الجزائية ويجب على المحكمة عند العودة للفصل في الدعوى الجزائية أن تأخذ بما حكم به في الدعوى غير الجزائية).
وكذا نصت المادة (256) إجراءات يمني على أنه (إذا كان الحكم في دعوى جزائية يتوقف على نتيجة الفصل في دعوى جزائية أخرى، وجب على المحكمة وقف الفصل في الدعوى الأولى حتى يتم الفصل في الدعوى الأخرى و????? ??? ???????يتعين على المحكمة الأخذ بالنتيجة التي انتهت إليها الدعوى الأخرى).
والوقف التعليقي لا يحول دون اتخاذ الإجراءات المستعجلة وفقاً للمادة (257) إجراءات يمني التي نصت على أنه (لا يمنع وقف الدعوى من اتخاذ الإجراءات والتحقيقات الضرورية والمستعجلة).
أما المادة (392) إجراءات يمني فقد بينت حجية الحكم الجزائي في المواد المدنية، إذ نصت هذه المادة على أنه (لا يكون للحكم الجزائي البات الصادر في المواد الجزائية في موضوع الدعوى بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به في المواد المدنية بالدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً إلا في الوقائع التي فصل فيها ذلك الحكم وكان فصله فيها ضرورياً ولا يكون ل??? ????? ??????ذلك الحكم الصادر فيها بالبراءة هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب ع??? ???????).
?? ??? ???? ?????? (393) ???????ليه القانون).
في حين بينت المادة (393) إجراءات يمني حجية الحكم المدني بالنسبة للمواد الجزائية، فقد نصت هذه المادة على أن (لا يكون للحكم الصادر في المواد المدنية قوة الشيء المحكوم به في المواد الجزائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها).
وكذا بينت المادة (394) إجراءات جزائية يمني حجية الحكم الصادر في المواد الشخصية، حيث نصت هذه المادة على أن (يكون للحكم الصادر في مواد الأحوال الشخصية من المحكمة في حدود اختصاصها قوة الشيء المحكوم به في المواد الجزائية في المسائل التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى الجزائية).
أما المادة (395) إجراءات يمني فقد بينت بانقضاء الدعوى الجزائية، إذ نصت هذه المادة على أن (الدفع بانقضاء ا?????لدعوى الجزائية لصدور حكم نهائي فيها والدفع بقوة الحكم الصادر في مواد الأحوال الشخصية في المواد الجزائية من النظام العام، ويجوز التمسك بهما في أية حالة تكون عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام المحكمة العليا وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها).
أما قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971م العراقي فقد نصت المادة (6) منه على أنه (على المحكمة المدنية وقف الفصل في الدعوى حتى يكتسب القرار الصادر في الدعوى الجزائية المقامة بشأن الفعل الذي أسست عليه الدعوى المدنية درجة البتات، وللمحكمة المدنية أن تقرر ما تراه من الإجراءات الاحتياطية المستعجلة)، وكذا نصت المادة (27) من القانون العراقي على أنه إذا أوقف الفصل في الدعوى المدنية وفقاً للمادة (26) ثم انقضت الدعوى الجزائية وجب على المحكمة المدنية السير في الدعوى والفصل فيها». كما ورد الحكم بالوقف التعليقي في هذه الحالة في نص المادة (170) من قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979م التي نصت على أنه (لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجزائي الا في الوقائع التي فصل فيها الحكم وكان فصله فيها ضرورياً).
وفي هذا السياق نصت المادة (456) من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أنه (يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو الإدانة قوة الشيء المحكوم فيه أمام المحاكم المدنية)، ونصت المادة (265) من القانون المصري على أنه (إذا رفعت الدعوى المدنية يجب وقف الفصل فيها حتى يحكم نهائياً في الدعوى الجنائية المقامة قبل رفعها أو أثناء السير فيها) .
ونصت المادة (450/3) من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني على أن «نسبية القضية تحتمل الاستثناءات التالية، 3- فيما يختص بالقرارات الصادرة عن محكمة جزائية بالفقرة الحكمية الجزائية لا يجوز أن يناقضها حكم مدني أو تجاري». فقد تسبب الجريمة ضرراً للغير فينشأ عنها دعويان، دعوى جنائية لتوقيع العقاب ودعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن الضرر، فإذا ثبتت مسؤولية فاعل الجريمة جنائياً بموجب الحكم الصادر من محكمة الجزاء وطالب المتضرر بتعويض الضرر أمام المحكمة المدنية فليس للقاضي المدني أن يناقش موضوع مسؤولية الفاعل لأن هذه الواقعة تبت فيها محكمة الجزاء ولأن المسؤولية المدنية تكون تابعة للمسؤولية الجزائية التي فصلت فيها محكمة الجزاء ضمن اختصاصها وكان فصلها فيها ضرورياً.
ولم يرد في القانون الفرنسي نص صريح يقضي بقاعدة «الجنائي يوقف المدني» فرأى البعض إسنادها إلى أحكام المادة (3) من قانون التحقيق الجنائي الفرنسي التي تفرض على القاضي المدني أن يتوقف عن السير في الدعوى المرفوعة إليه إلى أن يفصل القاضي الجزائي في الدعوى العامة، ولكن الاجتهاد وغالبية الفقهاء رأوا أن الاتصال بين هذا النص وبين القاعدة ضعيف، فأسندوا القاعدة عندئذ إلى فكرة اعتلاء القضاء الجزائي على القضاء المدني آخذين باعتبارات تتعلق بالنظام العام وأن القضاء الجزائي يصدر أحكامه في سبيل مصلحة عامة اجتماعية متوخياً إقرار الامن والسلام عن كل فعل أو حركة تخل به، فلابد للقضاء المدني أن يتقيد بهذه الأحكام سيما أنه يقتصر على الفصل في منازعات فردية، وأن القاضي المدني لا يكون ملزماً بوقف السير في الدعوى المدنية إلا إذا كانت هناك وقائع مشتركة بين الدعويين المدنية والجنائية. وأن الدعوى المدنية التي تتقيد بالحكم الجنائي، وبالتالي يجب وقف السير فيها إلى حين الحكم نهائياً في الدعوى الجنائية، ويجب أن يفهم المعنى الواسع، فتشمل كافة الدعاوى غير الجنائية ويستوي في ذلك أن يكون موضوعها مسألة من مسائل القانون المدني أو التجاري أو قانون الأحوال الشخصية أو القانون الإداري، فالدعوى المرفوعة أمام القضاء الإداري يجب وقف السير فيها حتى يتم الفصل نهائياً في الدعوى الجنائية، لأن الحكم الجنائي يحوز حجية الأمر المقضي فيه أمام القضاء الاداري، وبالتالي فمن الطبيعي وقف الدعوى الإدارية إلى حين الحكم نهائياً في الدعوى الجنائية وبالتالي يكون لزاماً على القاضي المدني أن ينتظر حتى يتم الفصل نهائياً في الدعوى الجنائية.
وإذا قضي ببراءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة ورفض الدعوى المدنية (أمام المحكمة الجنائية) قبله فليس محتماً عليها ذكر أسباب الرفض، بل التبرئة تغني عن ذكر أسباب خاصة نقض مصري، وقضت محكمة النقض المصرية بأن «وقف السير في الدعوى المدنية لحين صدور حكم نهائي في الدعوى الجنائية المقامة قبل أو أثناء السير في الدعوى المدنية متى كانت الدعويان ناشئتين عن فعل واحد، وتعلق هذه القاعدة بالنظام العام» طعن رقم 4746 في 7/6/1992م.
أيضاً قضت محكمة النقض المصرية بأن «الحكم المطعون فيه إن التفت عن طلب الطاعن وقف الدعوى حتى يفصل في الجنحة المقامة من قبله ضد المشكو منه لا يكون قد أخطأ في تطبيق القانون أو في فهم الواقع في الدعوى» وجاء في حيثيات القرار المذكور فإن نص المادة 265 من قانون الإجراءات الجنائية، يدل على مبدأ تقيد القاضي المدني بالحكم الجنائي في الموضوع المشترك بين الدعويين وهو وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها وفق المادة (456) من القانون المذكور والمادة (102) من قانون الإثبات، وذلك يستلزم أن يكون الفعل المكون للجريمة سابقاً في وقوعه على رفع الدعوى المدنية، اذ لا يتأتى أن يكون أساساً مشتركاً بين الدعوييـن إذا كان لاحقـاً على رفـع هذه الدعـوى وكان الثابت في الدعوى أنها أقيمت من المطعـون ضـده، في 21/4/1982م بطلب إثبات العلاقة الإيجارية بينه وبين الطاعن عن محل النزاع، وكانت الجنحة قد أقيمت على المطعون ضده بتاريخ لاحق على التأريخ المذكور، لأن المطعون ضده دخل في يوم 5/6/1982م عملاً لحفظ المال- محل النزاع- ولم يخرج منه بناء على تكليفه بذلك ممن لهم الحق في ذلك، وكان هذا الفعل الجنائي المنسوب إليه لاحقاً في وقوعه على رفع الدعوى المطعون في حكمها، ومن ثم لا يعتبر أساساً مشتركاً بين الدعوى الجنائية المقامة ضده وبين الدعوى المدنية التي رفعت من قبله حتى يتوجب وقف هذه الدعوى الأخيرة، وكان الفصل في طلب إثبات العلاقة الإيجارية في الدعوى المطروحة على المحكمة المدنية هو مما تختص بالفصل فيه».
أيضاًيعتبر وقفاً وجوبياًوفق أحكام القانونالمدني المصري ما نصتعليه المادة (838) من أن المحكمةالجزئية تفصلفي المنازعات التيتتعلق بتكوين الحصصوفي كل المنازعاتالأخرى التي تدخلفي اختصاصها عندنظرها دعوى القسمة،فإذا قامت دعوىلا تدخل في اختصاصهاكان عليها أن تحيلالخصوم إلى المحكمةالابتدائية وأنتعين لهم الجلسةالتي يحضرون فيهاوتوقف دعوى القسمةحتى يفصل نهائياًفي تلك المنازعات.
أما القرارات التأديبية الصادرة عن الهيئات المختصة لا تتمتع بأية حجية لدى القضاء المدني، لأن الموضوع الذي تتناوله يتعلق بالمهنة دون الحقوق والواجبات التي يرتكز عليها التعامل العادي بين الناس، وقد تأخذ المحكمة بالقرارات التأديبي على سبيل الاستئناس، كما لو صدر قرار تأديبي بحق الكاتب العدل لمخالفته واجباته المهنية بتنظيمه عقداً له مصلحة فيه مثلاً فلا تكون لهذا القرار حجية على الدعوى المدنية الرامية إلى إبطال العقد المحرر من قبله.
-أيضاً تنص المادة الرابعة من قانون المحكمة العليا رقم 8 لسنة 1969م المصري على أن «تختص المحكمة العليا بالفصل دون غيرها في دستورية القوانين إذا ما دفع بعدم دستورية قانون أمام المحاكم وتحدد المحكمة التي أثير أمامها الدفع ميعاداً للخصوم لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة العليا، ويوقف الفصل في الدعوى الأصلية حتى تفصل المحكمة العليا في الدفع، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن» وفي هذه الحالة يكون الوقف إذا ما أقيمت الدعوى أمام المحكمة العليا بعدم دستورية قانون معين عند النظر في النزاع أمام المحاكم المختصة بالفصل في الدعوى الأصلية وقفاً تعليقياً وجوبياً، ولكن لا يتحقق هذا الوقف إلا إذا أقيمت الدعوى حقيقة أمام المحكمة العليا خلال الميعاد الذي حددته محكمة النزاع الأصلي وإلا اعتبر الدفع كأن لم يكن.
أيضاً تقرر المحكمة وقف السير في الدعوى إذا طرأت عليها حوادث أو أوضاع يقتضي فيها ذلك حتى ينتهي الحادث أو الوضع الطارئ بالفصل فيه، كما لو رفعت دعوى تنصل عن عمل متعلق بخصومة قائمة، في هذه الحالة يجوز للمحكمة وقف الدعوى الأصلية إذا رأت تعليق حكمها في الدعوى على الفصل في طلب التنصل.
المبحثالسادس
متى يكون الوقفالتعليقي للخصومةجوازياً؟
الوقف التعليقي للخصومة يكون جوازياً وللمحكمة سلطة تقديرية في الحكم به أو الاستمرار في نظر الدعوى الأصلية إذا تبين لها أن الحكم في الدعوى الأصلية لا يتوقف على البت في المسألة الأولية، وأيضاً يكون لها التثبت من مدى جدية النزاع بشأن المسألة الأولية وإذا ما كان الغرض من الادعاء به هو مجرد النكاية والكيد بقصد إطالة أمد النزاع أمام القضاء ودون أن يكون مبنياً على حقائق قانونية تقتضي الفصل فيها قضائياً، ولها أن تقرر عدم وقف السير في الدعوى الأصلية حفظاً على حقوق الخصم الآخر في الدعوى الأصلية ومنعاً لعرقلة حسن سير العدالة متى ظهر لها عدم جدية هذا النزاع، وبصدد هذا الموضوع قضت محكمة النقض المصرية بأن «المقرر في قضاء هذه المحكمة أن وقف الدعوى طبقاً للمادة (129) من قانون المرافعات هو أمر جوازي للمحكمة حسبما تستبينه من جدية النزاع في المسألة الأولية الخارجة عن اختصاصها، وأن سلطة المحكمة التقديرية تقف عند حد لزوم الفصل في المسألة الأولية قبل الفصل في الدعوى، فهي لا تأمر بالوقف إلا إذا قررت وجود ارتباط بين هذه المسألة والدعوى التي تنظرها، ويعتبر مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض وكان على المحكمة أن تعرض لتصفية كل نزاع يدخل في اختصاصها يقوم على عنصر من عناصر الدعوى ويتوقف الحكم فيها على الفصل فيه، وليس لها أن توقف الفصل بالدعوى حتى يفصل في ذلك في دعوى أخرى، سواء كانت تلك الدعوى رفعت بالفعل أم لم ترفع بعد.
المبحثالسابع
طبيعة القرار بالوقفالتعليقي للخصومة
نصت المادة (٢٧٤) مرافعات يمني على أنه (لا يجوز الطعن في ما أصدرته المحكمة من أحكام غير منهية للخصومة أثناء سيرها إلا بعد صدور الحكم المنهي لها كلها عدا ما يلي :
أ- ما أصدرته المحكمة من أحكام بوقف الخصومة أو بعدم الاختصاص...):
فالحكم الذي يقضي بالوقف التعليقي للخصومة هو حكم قطعي في هذه المسألة وليس في الخصومة ذاتها، وهذا ما جاء في الأسباب الموجبة للقانون العراقي النافذ حيث ورد فيها «إن القرار الذي يعلق فيه أمر البت في الدعوى على إجراء آخر ترى المحكمة ضرورة اتخاذه أو استيفائه ووقف الفصل فيها لهذا السبب حتى يُتخذ هذا الإجراء أو يتم بجعل حكم الوقف الصادر في هذا الشأن حكماً قطعياً فيما تضمنه من عدم جواز الفصل في موضوع الدعوى قبل تنفيذ مقتضاه، وقضت محكمة النقض المصرية بأنه «إذا حكمت المحكمة بإيقاف قضية لتقديم حكم مثبت للوراثة ثم حكمت بإعادة القضية للإيقاف بعد أن قدم لها حكم باعتبار أنه مثبت للوراثة وقضت بأنه لا يكفي لذلك، كانت هذه المحكمة ممنوعة من اعتبار الحكم الأول كافياً لإثبات الوراثة ما دام أن حكمها الذي قضت فيه بإعادة القضية للإيقاف وبعدم كفاية ذلك الحكم في إثبات الوراثة لم يطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن في الأحكام، وإن فعلت ذلك تكون قد خالفت القواعد الخاصة لحجية الشيء المحكوم به».
فضمن هذا الحكم يبدو أن محكمة النقض اعتبرت الحكم الصادر بالإيقاف حكماً قطعياً يمكن أن يكتسب حجية الشيء المحكوم فيه، وقضت محكمة استئناف القاهرة بأن الحكم الصادر بالإيقاف هو حكم قطعي يؤخر نظر الدعوى، وأن هذا التأخير يضر بالمدعي ويجعل له مصلحة في استئناف الحكم.
وقضت محكمة النقض المصرية بأن «تعليق الفصل في الدعوى حتى يفصل في مسألة أخرى ترى المحكمة ضرورة الفصل فيها والحكم بوقف الدعوى لهذا السبب يجعل حكم الوقف قطعياً لما تضمنه من عدم جواز الفصل في موضوع الدعوى قبـل تنفيـذ مقتضـاه ويعصـم الخصومة من السقوط المقـرر بنص المادة (134) من قانون المرافعات المصري رقم الطعن 32 في 6/3/1986م.
كما قضت محكمة النقض المصرية أيضاً بأن «الحكم بوقف الدعوى إلى حين الفصل في مسألة أخرى ترى المحكمة ضرورة الفصل فيها هو حكم قطعي اعتباره مانعاً من مباشرة خصومة الدعوى، مؤداه وقف سريان تقادم الخصومة بمضي المدة حتى يتم تنفيذ ما قضى به، وما ورد في أحكام المادة (140) من قانون المرافعات المصري هو تقـادم مسـقط ترد عليه أسباب الوقف والانقطاع والمادة (140) لا تعني ترتيب استثناء من أحكام وقف التقادم، كما قضت محكمة النقض بأن الحكم بوقف الدعوى إلى حين الفصل في مسألة أخرى ترى المحكمة ضرورة الفصل فيها حكم قطعي أثره امتناع العودة لنظر الموضوع قبل أن يقدم لها الدليل على تنفيذ ما قضى به الحكم».
وقرار وقف الدعوى لحين الفصل في المسألة الأولية هو شهادة على عدم صلاحية الدعوى للفصل فيها قبل الفصل في المسألة الأولية، لذلك فإنه يتضمن قراراً قطعياً بعدم جواز الفصل في الدعوى قبل الفصل في ا??????لمسألة الأولية وبأن الفصل في هذه المسألة لا يدخل في اختصاصها، بل في اختصاص محكمة أخرى، لذلك ليس للمحكمة أن تعدل عن قرارها بالوقف وتفصل في المسألة الأولية أو تنظر موضوع الدعوى قبل أن يقدم لها ما يدل على الفصل في المسألة الأولية من المحكمة المختصة، لأن هذا العدول يعد إهداراً لحجية قرار الوقف، فإذا أوقفت المحكمة الدعوى لتقديم حكم يثبت صحة حجة الوراثة يمتنع عليها بعد ذلك أن تقبل تعجيل الدعوى قبل أن يقدم لها حكم الوراثة الذي أوجبت تقديمه.
وإذا كانت الدعوى بالمسألة الأولية مرفوعة أمام المحكمة المختصة بها قبل الحكم بالوقف، وجب وقف الدعوى الأصلية حتى يتم الفصل في تلك المسألة. وإذا زال سبب الوقف وصدر حكم نهائي في المسألة الأولية تعاود الخصومة سيرها، ويكون لأي من الخصوم– المدعي أو المدعى عليه- تعجيلها وذلك بتحديد جلسة جديدة وتبليغ الخصم الآخر بها.
أما إذا لم تكن المسألة قد رفعت بعد إلى المحكمة المختصة، يجب على المحكمة التي تنظر الدعوى الأصلية أن تحدد أجلاً للخصم لرفع الدعوى بالمسألة الأولية أمام تلك المحكمة، وتبقى الدعوى الأصلية موقوفة إلى أن تفصل المحكمة في المسألة الأولية.
وإذا لم ينفذ الخصم قرار المحكمة بأن لم يقم برفع الدعوى إلى المحكمة المختصة خلال الأجل المحدد له، أو تراخى في رفعها ثم سلك فيها مسلكا من شأنه أن يؤدي إلى إطالة أمد التقاضي بإبداء دفوع أو طلبات أو أوجه دفاع غير جدية، أو امتنع دون مبرر عن تنفيذ قرارات المحكمة، كان لخصمه تعجيل الدعوى من الوقف طالباً الفصل فيها بحالتها، على أن يقدم الدليل على هذا التقصير. فإذا تحققت المحكمة من ذلك لها أن تقرر التعجيل ونظر الدعوى بحالتها، أي أن تفصل في موضوع الدعوى دون نظر إلى الدفع الذي أثار المسألة الأولية أمامها، دون معقب عليها طالما استندت لأسباب مبررة.
المبحث الثامن
مدى سلطة محكمة الموضوع المختصة بالفصل في الدعوى الأصلية بإصدار القرار بوقف السير فيها إلى حين حسم النزاع في المسألة الأولية
لمحكمة الموضوع التي تختص بنظر الدعوى الأصلية سلطة تقديرية واسعة في الحكم بالوقف أو عدم الحكم به، ولكن قرار المحكمة بالوقف أو عدمه إنما يخضع لرقابة محكمة النقض أو التمييز، فليس للمحكمة التي تنظر الدعوى الأصلية أن تقرر الوقف إلا إذا وجدت أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الدعوى الأخرى والدعوى التي تنظرها على نحو يجعل الفصل في الدعوى الأولى مفترضاً ضرورياً للفصل في الثانية، وبغير هذا الارتباط لا نكون بصدد مسألة أولية بالمعنى الصحيح، ولهذا تعتبر مسألة قانونية تخضع لرقابة النقض وجوب عدم الوقف تطبيقاً لنص المادة (٢٠٥) مرافعات يمني والمادة (129) مرافعات مصري بغير تحقق هذا الارتباط.
فمحكمة الموضوع لا تخضع لرقابة المحكمة العليا في اليمن أو محكمة النقض في مصر ولا رقابة محكمة التمييز في العراق عندما تقرر الوقف إلى حين الفصل في مسألة أولية إذا كان الحكم مبنياً على أسباب قانونية، ولكن بشرط تحقق ارتباط بين الدعويين الدعوى الأصلية ودعوى المسألة الأولية، وبخلافه تعتبر المسألة قانونية تخضع لرقابة المحكمة العليا، وأن محكمة الموضوع لا تخضع لرقابة محكمة التمييز بما تقضي في هذه الحالات وذلك استناداً إلى الدفوع والوقائع والمستندات التي تعرض عليها، ولها أن تقدر فيما إذا كانت كافية للحكم بالوقف أو عدم الحكم به، لأن ذلك يعد من قبيل الوقائع التي يكون لمحكمة الموضوع أن تستقل بتقديرها، وأن رقابة محكمة النقض التمييز تقتصر على تطبيق القانون وليس لها أي رقابة على الوقائع فهي من اختصاص محكمة الموضوع فقط.
وقضت محكمة النقض المصرية بهذا الصدد بالطعن رقم 754 في 5/11/1992م بأن «قرار الوقف التعليقي جوازي للمحكمة ومتروك لمطلق تقديرها والطعن في حكمها لعدم استعمالها هذه الرخصة لأسباب سائغة غير جائز» (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الدعاوى والطلبات، أ. د عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، ص٣١٧).
المبحثالتاسع
مدى جواز الطعن بقراربوقف الخصومة إلىحين الفصل
في مسألة أولية
أجاز القانون اليمني الطعن في هذه الحالة، فقد نصت المادة (٢٧٤) مرافعات يمني على أنه (لا يجوز الطعن في ما أصدرته المحكمة من أحكام غير منهية للخصومة أثناء سيرها إلا بعد صدور الحكم المنهي لها كلها عدا ما يلي :-أ- ما أصدرته المحكمة من أحكام بوقف الخصومة أو بعدم الاختصاص...)، بيد أن هذا النص لا يجيز الطعن في قرار المحكمة رفض طلب الوقف التعليقي.
كذلك الحال القانون العراقي لم ينص على جواز الطعن بقرار المحكمة المختصة بنظر الدعوى الأصلية المتضمن رفض جعل الدعوى مستأخرة إلى حين الفصل في دعوى المسألة الأولية على وجه الاستقلال، ويكون الطعن به عند الطعن في الحكم الصادر في موضوع الدعوى في حين قضى صراحة بجواز الطعن بقرار المحكمة المتضمن جعل الدعوى مستأخرة إلى حين الفصل في دعوى المسألة الأولية. ويذهب قضاء محكمة النقض الفرنسية إلى هذا الاتجاه ويقرر أن للقاضي مطلق الحرية، في تقدير ظروف الدعوى وفي الحكم بالوقف أو عدم الحكم به ويقرر أن الحكم بالوقف لا يعدو أن يكون في الواقع حكماً إنما هو عمل من أعمال الإدارة القضائية، ولذا لا يلزم تسببه، كما لا يخضع لرقابة محكمة النقض على اعتبار أن فهم الواقع هو عمل منطقي من اختصاص محكمة الموضوع لا تراقبه محكمة النقض.
ونص القانون على جواز الطعن في القرار القاضي بجعل الدعوى الأصلية مستأخرة إلى حين الفصل في المسألة الأولية مع أنها من القرارات التي لا تنتهي بها الخصومة والتي حظر المشرع الطعن بها فور صدورها وتصدر قبل الفصل في موضوع الدعوى فقد نصت المادة (170) مرافعات عراقي على أن «القرارات التي تصدر اثناء سير المرافعة ولا تنتهي بها الدعوى لا يجوز الطعن بها إلا بعد صدور الحكم الحاسم للدعوى كلها عدا القرارات التي أبيح تمييزهـا استقلالاً». والمادة (206) فقرة (6) من القانون المذكور نصت على أن «لا يجوز الطعن بطريق التمييز في القرارات الصادرة بوقف السير في الدعوى واعتبارها مستأخرة حتى يفصل في موضوع آخر..» وأشارت الفقرة الثانية من ذات المادة على أن الطعن يكون أمام محكمة الاستئناف بصفتها التميزية إذا كانت قد صدرت من محكمة البداءة ويكون الطعن لدى محكمة التمييز إذا كانت قد صدرت عن محكمة الاستئناف بصفتها الاستئنافية أو محاكم الأحوال الشخصية أو محاكم المواد الشخصية، ويكون القرار الصادر نتيجة الطعن واجب الاتباع» .
وإذا قررت المحكمة عدم اختصاصها ببحث المسألة الأولية المثارة ووقف الدعوى، فعليها وفق نظام الإحالة الذي أخذ به المشرع في القانون الجديد، أن تحيل هذه المسألة من تلقاء نفسها إلى المحكمة المختصة.
وعلة جواز الطعن بقرار الوقف التعليقي هو أنه لا سبيل لإلزام المتضرر من الحكم بأن ينتظر حتى يزول السبب المعلق عليه الإيقاف، خاصة إذا كان الفصل في النزاع المتعلق بالمسألة الأولية غير مؤثر من الناحية القانونية في حسم النزاع الأصلي، والمشرع العراقي أخضع الطعن في هذه القرارات التي تصدر قبل الفصل في موضوع الدعوى إلى نظام سريع وعلة ذلك أن مثل هذه الأحكام لا تمس موضوع الخصومة الأصلية، ولا تؤدي إلى الفصل في موضوع النزاع وبالنظر لما تقتضيه طبيعة هذه الأحكام من سرعة الفصل فيها بغية عدم تأخير النظر في موضوع الدعوى الأصلية، بقصد التيسير على المتقاضين في الإجراءات .
وجاء في الأسباب الموجبة لقانون المرافعات العراقي أن يكون الطعن في هذا القرار بطريق التمييز «أي جعل الدعوى مستأخرة لأن صدور هذا القرار يعالج مسألة قانونية لا موضوعية فضلاً عما في ذلك من توفير في الوقت وتبسيط الإجراءات».
أما إذا قررت المحكمة وقف السير في الدعوى، فإن الدعوى تظل موقوفة إلى أن يتم الفصل في المسألة الأولية مهما بلغت المدة التي تستغرقها، ومتى تم الفصل في المسألة الأولية فإن لأي من الخصوم طلب تعجيل السير في الدعوى، حيث يتم تحديد جلسة لها وتبليغ الخصوم بها. (هلال يوسف إبراهيم- صيغ الأوراق القضائية في الدعوى المستعجلة– دار المطبوعات الجامعية ١????- ???).
٩٩٩م- ص٨٩).
المبحثالعاشر
مدة الوقف التعليقيللخصومة
لم يحدد القانون اليمني والقوانين المقارنة أجلاً محدداً لانتهاء الوقف التعليقي، سيما أن الفصل في النزاع في المسألة الأولية مرهون بالمحكمة التي تفصل في موضوعها، والإجراءات التي تقررها في البحث لدراسة للتوصل إلى الحكم الذي يحسم موضوع النزاع فيها.
والظاهر من أحكام سقوط الخصومة المقررة في المادتين (٢١٥و ٢١٦) مرافعات يمني أن الخصومة الموقوفة تعليقاً لا تسقط مهما طالت مدة نظر المسألة الأولية، بيد أن القانون العراقي نص في المادة (83/2) «بإبطال عريضة الدعوى بحكم القانون إذا استمر الوقف لمدة ستة أشهر بفعل المدعي أو امتناعه» وهذا النص يتحدث عن جزاء البطلان إذا استمر الوقف بفعل المدعي وامتناعه ....، ولعل المشرع العراقي هدف من هذا الحكم إلى أن يكون الخصم صاحب الدفع المتعلق بالمسألة الأولية جاداً في عرض النزاع على القضاء وبذل ما في وسعه للفصل في الحكم النهائي فيه دون أن يكون قاصداً من إثارته مجرد الكيد للخصم الآخر وعرقلة حسم النزاع الأصلي، ولذا فإن المراجعة الدورية من الخصم صاحب المصلحة وهو في الغالب المدعي قبل انقضاء هذا الميعاد يحمي الدعوى من الحكم بإبطالها وإسقاطها ومستنداً في ذلك إلى أن النزاع في المسألة الأولية لا يزال معروضاً على القضاء ولم يحكم بعد في موضوعه ولا يمنع هذا من مراجعة المدعى عليه وطلبه تجديد الميعاد ولكن المدعي هو الاكثر حرصاً على هذه المراجعة الدورية لمنع الدعوى الأصلية من التعرض للسقوط مما يترتب على ذلك من خسارة في الوقت والجهد والمصاريف إذا لم يراع التجديد والمراجعة في ميعاده.
أما القانون المصري فقد نصت المادة (16) الفقرة (2) من قانون السلطة القضائية نصت على أنه «إذا قصر الخصم في استصدار حكم نهائي في الدفع في المدة المحددة كان للمحكمة أن تفصل في الدعوى بحالتها» والفقرة (1) من هذه المادة نصت على أنه «إذا لم تكن الدعوى بالمسألة الأولية مرفوعة أمام المحكمة المختصة قبل الحكم بالوقف وجب على المحكمة التي تنظر الدعوى الأصلية إذا حكمت بالوقف أن تحدد للخصم أجلاً لرفع الدعوى بالمسألة الأولية» وهذا النص يتضمن استثناءً من قاعدة قطعية الحكم بالوقف أي عدم جواز الفصل في الدعوى الأصلية قبل حسم النزاع هي المسألة الأولية وهو استثناء يجب عدم التوسع فيه فيقتصر على حالة تقصير الخصم في استصدار حكم نهائي في المسألة الأولية (مبادئ القضاء المدني- د. وجدي راغب– ط1- دار الفكر العربي- 1986م– ص547).
المبحثالحادي عشر
لا تسري أحكامالوقف التعليقي علىالدعاوى المستعجلة
لا تسري أحكام الوقف التعليقي على الدعاوى المستعجلة، فلا يتصور الوقف التعليقي بطبيعة الحال في هذه الدعاوى، لأن طبيعة هذه الدعاوى تتنافى مع الحكم بالوقف لما تتطلبه من سرعة الحسم في موضوعها.
فالقضاء المدني المستعجل لا يتأثر بقاعدة «الجنائي يوقف المدني» فهذه القاعدة موجهة إلى المحكمة المدنية الموضوعية ولا تقيدها في اختصاصها، بل تنظم إجراءات سير الدعوى أمامها، ومن ثم إذا ثبت أن القضاء المستعجل مختص بنظر المنازعة المتصلة بمسألة جنائية فإن هذا الاختصاص يستمر ولو تحركت الدعوى الجزائية أمام المحكمة المختصة والمحكمة الجنائية، وقد نصت على ذلك صراحة المادة (6) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي: «للمحكمة أن تقرر ما تراه من الإجراءات الاحتياطية والمستعجلة» وذلك في حالة وقف الدعوى المدنية إلى حين الفصل في الدعوى الجزائية بشأن الفعل الذي أسست عليه الدعوى المدنية تلك».
فالوقف التعليقي يتنافى مع تحقق صفة الاستعجال وذلك خشية ضياع معالم الواقعة المراد تثبيتها أو تلف الأموال المراد وضع الحجز عليها إذا كانت سريعة التلف أو خشية وفاة الشهود أو سفرهم خارج البلاد بالنظر للصبغة الخاصة لهذه الدعاوى وما تقتضيه من سرعة الحسم في موضوعاتها، إلا أن ذلك لا يمنع من الوقف التعليقي في بعض الحالات الضرورية والتي لا يستطيع معها قاضي الأمور المستعجلة- الفصل في الإجراء الوقتي المعروض أمامه قبل حسم مسالة أولية أخرى من الجهة صاحبة الاختصاص، وتأسيساً على ذلك قضي بوقف السير مؤقتاً في الاستئناف المستعجل إلى حين الفصل في الدعوى بشأن تنازع الاختصاص والمقامة أمام المحكمة الدستورية العليا في مصر، وتحديد أي من الحكمين المتناقضين هو الأولى بالتنفيذ منعاً لتضارب الأحكام وحسن سير العدالة، ويتعين وقف السير في الاستئناف مؤقتاً إلى حين الفصل في تلك الدعوى المقامة أمام المحكمة الدستورية العليا (الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية- د. رمزي سيف – دار النهضة العربية– القاهرة– 1967م– ص500).
المبحثالثاني عشر
مدة تقديم الدعوىبالمسألة الأولية
لم يتضمن القانون اليمني نصاً صريحاً يقضي بمنح الخصم صاحب الدفع بالمسألة الأولية أجلاً محدداً لإقامة الدعوى به أمام المحكمة المختصة، ولكن هذا لا يمنع من منح الخصم مثل هذه المهلة لإقامة الدعوى بالدفع المتعلق بالمسألة الأولية أمام القضاء، وذلك تحقيقاً لمبدأ حسن سير العدالة ولتفادي صدور أحكام متناقضة لا توافق بينها في موضوع واحد أو في دعويين كل منهما ذات ارتباط وثيق وصلة بالأخرى، وقضت محكمة التمييز العراقية بأنه «كان على المحكمة فسح المجال للمدعي ومنحه مدة مناسبة لإقامة الدعوى بما يدعيه (وهو طلاق والده المدعى عليه (المميز عليه) لوالدته المتوفاة (ن. أ) طلاقاً رجعياً وعدم إعادتها إلى عصمته خلال فترة العدة وبذلك لا يكون وارثاً لها وطلب إخراجه من القسام الشرعي وتصحيح المسألة الإرثية واستئخار هذه الدعوى المتضمنة طلب تصحيح القسام الشرعي إلى حين صدور حكم بات في دعوى تصديق الطـلاق واستناداً لأحكام المادة (83) مرافعات». (عوارض الخصومة القضائية، د. منال فايق حمودي، ص ١٧٦).
المبحثالثالث عشر
الوقف التعليقي أثناءمرحلة التنفيذ
توقف الخصومة وقفاً تعليقياً في مرحلة التنفيذ، فيتم وقف الإجراءات في التنفيذ وذلك عند إقامة دعوى الاستحقاق وفقاً للمادتين (٤٣٩ و٤٤٠) مرافعات يمني للمطالبة من قبل الغير أمام المحكمة المختصة بالعقار الجاري التنفيذ عليه.
وقد نصت المادة (245/2) مرافعات مدنية عراقي على أن «لمن يدعي عائدية الأموال التي صدر حكم بتصديق الحجز الاحتياطي عليها أو من يدعي بأي حق فيها إقامة دعوى الاستحقاق لدى المحكمة المختصة أو الطعن بطريق اعتراض الغير على الفقرة الحكمية..» وأن يكون للمدعي في هذه الحالة من المستندات والبيانات ما يكون كافياً من الناحية القانونية لإثبات الملكية والعائدية وإثبات الحقوق ويكون لمحكمة الموضوع التي وقع النزاع أمامها بحث أهمية هذه المستندات والبيانات في إثبات الحق المدعى به.
ويعد ذلك من قبيل المسألة الأولية التي يترتب على الحكم في موضوعها تعديل أو إلغاء الحكم الذي تم تنفيذه ويكون لمحكمة الموضوع إصدار قرارها بوقف التنفيذ إلى حين حسم النزاع في هذه الدعوى والوقف لا يكون إلا بقرار حكم قضائي يصدر عن هذه المحكمة. وكذا نص القانون المصري في المادة (454) مرافعات على أن «يجوز طلب بطلان إجراءات التنفيذ مع طلب استحقاق العقار كله أو بعضه وذلك بدعوى ترفع بالأوضاع العادية ويختصم فيها مباشر الإجراءات والمدين أو الحائز وأول الدائنين المقيدين». ووفقاً للمادة (67) من قانون التنفيذ العراقي إذا كانت المستندات التي يستند إليها من أقام دعوى الاستحقاق ثابتة التأريخ ووجد المنفذ العدل ما يؤيد ملكية المعترض للأموال التي تم حجزها فيصدر القرار بإلغاء الحجز، أما إذا كانت هذه السندات غير ثابتة التاريخ فلا يجوز للمنفذ العدل أن يفصل في عائدية تلك الأموال ويكون الفصل في هذا الموضوع من قبل محاكم البداءة المختصة، وإذا تبين أن الممانع في التنفيذ واضع اليد حقيقة على العقار بصفة مالك لا بصفة مستأجر أو مزارع فيتعين في هذه الحالة الحكم بوقف التنفيذ، ويكون هذا القرار بالوقف قضائياً يستلزم صدور حكم به من قبل قاضي التنفيذ في مصر وقاضي محكمة البداءة في العراق، وصرح المشرع المصري بوقف التنفيذ لمجرد رفع دعوى استرداد المنقولات وفقاً للمادة (393) مرافعات مصري، فإذا رفعت دعوى استرداد المنقولات المحجوزة تقف إجراءات التنفيذ ولا يتم البيع إلا بعد الحكم في الدعوى، والوقف هنا قانوني يتم دون صدور حكم به.
وفي القانون العراقي يكون الوقف الصادر في دعوى استحقاق المنقولات المحجوزة وقفاً قضائياً لا يتم إلا بناء على صدور حكم قضائي عن قاضي محكمة البداءة المختص بنظرها. وإذا قرر قاضي التنفيذ وفقاً لأحكام القانون المصري الاستمرار في التنفيذ عند اقامة دعوى استرداد المنقولات يكون ذلك بشرط إيـداع الثمـن أو بدونـه، المادة (394-397) مرافعات مصري.
ويكون للقاضي المختص بنظر دعوى الاستحقاق المضي في إجراءات البيع والتنفيذ إذا لم يكن لمدعي الاستحقاق سند ظاهر يؤيد ملكيته للعقار المستحق وأن يكون ثابت التأريخ ويكون هذا التأريخ قبل توقيع الحجز الاحتياطي أو التنفيذي على العقار لضمان جدية الدعوى وتمكين الخصوم من الرد عليها ولما يترتب عليها من أثر في التنفيذ.
وقضتمحكمة النقض المصريةبأنه يجب أن تقامدعوى الاستحقاق الفرعيةمن غير أطرافالتنفيذ... وأن وارثالمحجوز عليهالمختصم في إجراءاتالتنفيذ بهذهالصفة، له إقامةدعوى استحقاق فرعيةمتى استند من ملكيتهإلى حق ذاتيغير مستمد من مورثه» طعن رقم 473 في 20/6/1979م. (عوارضالخصومة القضائية،د. منال فايقحمودي، ٤٤).
المبحثالرابع عشر
المحكمة المختصةبنظر المسألة الأولية
المسألة الأولية قد تكون من اختصاص المحكمة الدستورية، كما لو طعن الخصم في عدم دستورية نص في ق???????انون أ?و نظام من المحتمل تطبيقه على النزاع المعروض على المحكمة، وقد تكون من اختصاص القضاء الإداري، كما لو أثار أحد الخصوم نزاعاً حول جنسية خصم آخر بأن يدعي شخص أنه فلسطيني ويزعم خصمه بأنه أجنبي أو العكس، ورأت المحكمة أن النزاع حول جنسية هذا الخصم مسألة أولية يتوقف عليها الفصل في الدعوى، وقد تكون من اختصاص قضاء الأحوال الشخصية، كما لو دفع الخصم بعدم صحة حجة حصر إرث قدمها خصمه، كما قد تدخل المسألة الأولية في اختصاص القضاء الجنائي، كما لو رفع المدعي دعوى تعويض نتيجة اعتداء عليه بجنحة الضرب، فتوقف الدعوى لحين ثبوت التهمة الجزائية على المعتدي
ك?? ?? ????ما قد تكون المسألة الأولية من اختصاص محكمة أخرى تختص بها نوعياً، ومثال ذلك أن يرفع المدعي دعوى إيجار لدى المحكمة الابتدائية، فينازع المدعى عليه في أن العين مملوكة للدولة، وأن هناك قضية منظورة أمام محكمة الأموال العامة، لذلك توقف المحكمة دعوى الإيجار إلى أن يفصل في النزاع القائم حول الملكية، وذلك لأن القسمة لا يجوز أن تشمل أموالاً غير مملوكة للمتقاسمين. أو كأن ترفع دعوى بصحة ونفاذ عقد، فيتدخل خصم فيها يطالب بردها استناداً إلى ملكيته هو للعقار محل الدعوى، فيكون طلب المتدخل مسألة أولية يجب على المحكمة الفصل فيها أولاً، فإن ثبت لديها أن المتدخل هو المالك قضت برد الدعوى، أما إن لم يثبت المتدخل ملكيته قضت بصحة ونفاذ العقد.) عوارض الخصومة، أ. د. عثمان التكروري، ص٦٦).
الخاتمة
نخلص مما سبق إلى أن أهمية الوقف التعليقي للخصومة، تتمثل في ضرورة تجنب تعارض الأحكام وإطالة إجراءات التقاضي، حيث يمنع الوقف التعليقي صدور أحكام متعارضة في قضايا ذات علاقة، فالوقف التعليقي يضمن أن تكون الأحكام متوافقة مع بعضها البعض، وهو أيضاً يوفر الوقت والجهد ويجنب المحكمة إعادة النظر في القضايا المعلقة، ويساعد الوقف التعليقي على تنظيم سير الدعوى وفي تنظيم القضايا المعقدة.
التوصيات:
ومن خلال ما تقدم فإننا نوصي بالآتي:
1- الالتزام الصارم بأحكام الوقف التعليقي للخصومة، على النحو الوارد في القانون.
2- التحقق من طلبات الوقف التعليقي، ومن الأدلة المؤيدة لها.
3- تطبيق أحكام الوقف التعليقي، والالتزام بها حتى لا يساء تطبيق أحكام الوقف التعليقي وتفاقم من تراكم القضايا.
4- التوعية المستدامة بأحكام الوقف التعليقي للخصومة.
5- اعتماد الوقف التعليقي ضمن مفردات التدريب والتأهيل المستمر للقضاة.