الباحث/ محمـد علـي حطرم
أولاً: مقدمــة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم وآله الكرام الطاهرين وأصحابه الأخيار المنتجبين.. أما بعـد:
فإن الدولة الحديثة هي دولة القانون التي تخضع فيها جميع سلطات الدولة وهيئاتها العامة لحكم القانون وذلك بأن تستند في جميع أعمالها وتصرفاتها لحكم القانون، وهذا هو مقتضى مبـدأ المشروعية الذي يعد من أهم الضمانات لحماية الحقوق والحريات العامة في مواجهة الإدارة، الذي يشكل قيداً على أعمال الإدارة التي قد تعمد إلى المساس بهذه الحقوق والحريات في سبيل الموازنة بينها وبين مقتضيات حماية النظام العام بمدلولاته الثلاثة «الأمن العام، الصحة العامة، السكينة العامة».
وعلى هذا النحو فالإدارة ملزمة– في ظل الظروف العادية– بخضوع تصرفاتها لأحكام القانون تطبيقاً لمبدأ المشروعية، إلا أن تلك الظروف قد تتغير وتطرأ معها مخاطر جسيمة ومحدقة تهدد سلامة المجتمع والمصالح الحيوية العليا للدولة، كما هو الحال في الحروب والاضطرابات الداخلية والكوارث الطبيعة والفيضانات وما إلى ذلك، فإذا ما واجهت الإدارة هذه الظروف بقواعـد المشروعية العادية، فإنهـا قد لا تكون قادرة على درء المخاطر الناتجـة عن تلك الظروف الاستثنائية، وتفوت الغرض من وجودها وممارسة وظائفها الأساسية.
ومن هنا فقد ظهرت الحاجة إلى التحرر نوعاً ما من الخضوع لقواعد المشروعية الصارمة، حتى تتمكن الإدارة من مواجهة تلك الظروف الاستثنائية التي تقتضي ضرورة اتخاذ تدابير استثنائية وعاجلة، وهذا التحرر لا يكون إلا عن طريق الاعتراف للإدارة ببعض الامتيازات التي تهدف إلى موازنة مبدأ المشروعية، ومن هذه الامتيازات «حالة الظروف الاستثنائية» التي قد تجـد أساسها في تشريعات تحدد إجراءات ومعالم مواجهة الظرف الاستثنائي، مثل قانون الطوارئ أو قانون التعبئة العامة، أو قد تكون تطبيقاً لنظرية الظروف الاستثنائية التي عكف الفقه والقضاء على توضيح حدودها وبيان ملامحها.
ثانياً: تحديد موضوع البحث ونطاقه:
يتناول هذا البحث «التنظيم القانوني لحالة الظروف الاستثنائية في اليمن» من خلال شطرين، شطر أول: يتناول هذه الحالة من الناحية النظرية بما تحمله من مفاهيم وعناصر وشروط وآراء مختلفة، وشطر ثانٍ: يتطرق لموقف المقنن اليمني من هذه الحالة الاستثنائية.
والجدير بالذكر أن جانباً كبيراً من الفقــه تناول هذا الموضوع تحت مسمى «نظرية الظروف الاستثنائية»، إلا أنني قد عمدت إلى تسمية البحث بـ»حالة الظروف الاستثنائية» حتى لا تنحصر الدراسة على «النظرية القضائية للظروف الاستثنائية» التي صاغها القضاء الفرنسي، بل يشمل ما توصل إليه فقهاء القانون الذين ساهموا بشكل كبير في إثراء مواضيع هذه النظرية ووضع بعض الأحكام التفصيلية التي لم تتناولها النظرية.
ثالثاً: مشكلة البحث:
تكمن المشكلة التي يدرسها البحث في الإجابة على عدة تساؤلات شكلت الفكرة المهيمنة على موضوعه والباعث الرئيسي على اختياره، وهي:
هل وفق الفقه والقضاء في وضع تعريف دقيق لحالة الظروف الاستثنائية يميزها عما يشتبه بها من أعمال الإدارة التي تعمل على موازنة مبدأ المشروعية؟ وما هو الأساس الذي يبرر للإدارة استخدام سلطات استثنائية؟ وماهي الحدود التي يجب التزامها لاستخدام تلك السلطات؟
ولما كان الدستور الحالي للجمهورية اليمنية لسنة 2001م قد اعترف بحالة الظروف الاستثنائية عن طريق إقرار نظام الطوارئ مما يعني وجود الأساس الدستوري، فإن المشكلة الرئيسية تتمثل في التنظيم القانوني لحالة الطوارئ من خلال قانون الطوارئ لعام 1963م، ولما كان هذا القانون من القوانين الشطرية، فهل يمكن الاعتـداد به والعمل بالأحكام الواردة فيه؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي فما تأثير ذلك على صحة قرار إعلان حالة الطوارئ؟ وإذا فرضنا أن عدم الاعتداد بقانون الطوارئ لا يؤثر على صحة إعلان الطوارئ، وأن قرار الإعلان يصدر صحيحاً، فما هي الفائدة العملية من ذلك طالما أن السلطة التنفيذية لن تستفيد من الأحكام والإجراءات الواردة في قانون الطوارئ؟ وما يترتب على ذلك؟ وما مدى إمكانية بسط رقابة القضاء على حالة الطوارئ؟
رابعاً: أهمية البحث:
في ضوء مشكلة البحث المذكورة في الفقرة السابقة تبدو أهمية البحث من جانبين، هما:
الجانب النظري: ويتمثل في محاولة جمع مادة علمية في هذا الموضوع تسهل للباحثين الاطلاع على الجهود الفقهية والتشريعية والقضائية التي بذلت في سبيل استظهار وبيان حالة الظروف الاستثنائية والتنظيم التشريعي لهذه الحالة في اليمن، ولا يخفى ما لهذا البيان والتحديد من أهمية، لاسيما أنه يترتب على تطبيق حالة الظروف الاستثنائية توسيع سلطات الإدارة مما قـد ينعكس سلباً على الحقوق والحريات العامة.
والجانب العملي: فمن ناحية تتجلى أهمية البحث في معرفة الحلول القانونية والفقهية والقضائية للمسائل التي تثيرها حالة الظروف الاستثنائية، فيستفيد منها القاضي المختص بنظر المنازعات الإدارية التي ترتبط بهذه الحالة، بأن يحيط بالحدود التي يجب على السلطات الإدارية التزامها، وعلى إثر ذلك يبني حكمه عليها سواءً بالإلغاء أو التعويض، ومن ناحية أخرى محاولة تحديد موقف المقنن اليمني من حالة الظروف الاستثنائية، حتى يستفيد مجلس النواب منها عند مناقشة هذا الموضوع في جلساته.
كما يعد هذا البحث محاولة لاستظهار كل ما يرتبط بهذه الحالة الاستثنائية من أحكام تشريعية وأخرى قضائية للحد من تعسف الإدارة في استعمالها، لاسيما وأن سوابق تطبيق هذا النظام الاستثنائي في الدول العربية يُظِهر بوضوح مدى إساءة استخدامه من قبل الهيئات الحاكمة لتحقيق أغراض تتنافى مع الأغراض التي من أجلها نشأت وشرعت الأنظمة الاستثنائية.
خامساً: منهــج البحث:
لما كان البحث يدور حول التنظيم القانوني لحالة الطوارئ في القانون اليمني، فقد تم الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي مع اتباع المنهج المقارن بالقانون المصري كلما عنّت الحاجة لذلك، وسيقوم الباحث بعرض موضوعات الدراسة مستخدماً المنهج العلمي في مناقشة وتحليل النصوص القانونية والآراء الفقهية والقضائية المرتبطة بها، ثم التعقيب وإبداء الرأي وفقاً لما تقتضيه ضرورات البحث.
سادساً: خطــة البحث:
• المبحث الأول: حالة الظروف الاستثنائية في الفقه والقضاء:
ويتناول الجانب الفقهي والقضائي لحالة الظروف الاستثنائية من خلال أربعة مطالب:
- المطلب الأول: أصل نشأة النظرية ومفهومها وعلاقتها بحالة الضرورة.
- المطلب الثاني: تمييزها عما يشتبه بها من أعمال الإدارة.
- المطلب الثالث: أساس حالة الظروف الاستثنائية.
- المطلب الرابع: حدود تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية.
• المبحث الثاني: حالة الظروف الاستثنائية في القانون اليمني:
ويتناول الجانب القانوني للحالة الظروف الاستثنائية من خلال عرض موقف القانون اليمني منها، وبالتـالي تم تخصيص هذا المبحث لتناول حالة الطوارئ في اليمن باعتبارها التطبيق العملي لموضوع البحث، وذلك من خلال أربعة مطالب:
- المطلب الأول: مسلك المقنن اليمني في تنظيم حالة الظروف الاستثنائية.
- المطلب الثاني: مبررات إعلان حالة الطوارئ في القانون اليمني.
- المطلب الثالث: إجراءات إعلان حالة الطوارئ وانتهائها.
- المطلب الرابع: آثار حالة الطوارئ والرقابة القضائية عليها.
المبحث الأول
حالة الظروف الاستثنائية في الفقه والقضاء
المطلب الأول
مفهوم حالة الظروف الاستثنائية
أولاً: أصل نظرية الظروف الاستثنائية:
يجمع فقهاء القانون الإداري على أن نظرية الظروف الاستثنائية من خلـق مجلس الدولة الفرنسي، التي أنشأها لسد العجز في القوانين حتى تتمكن الإدارة من مواجهة الظروف المحدقة بأمن وسلامة الدولة، فقد لاحظ أن تطبيق النصوص القانونية التي وضعها المقنن مرهون باتباع شروط وإجراءات معينة قد تستغرق فترة زمنية في بعض الحالات، مما قد يؤدي إلى الحيلولة دون منح الإدارة القدر الكافي من الحرية لاتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة تلك الظروف الصعبة، كما أن هذه التشريعات مهما كانت دقيقة، فإنها لا تستطيع الإلمام بكل الظروف الصعبة التي تمر بها الدولة، لذلك اعتبر القاضي الإداري أن الإجراءات الاستثنائية التي قامت بها الإدارة تعد مشروعة ولو كانت مخالفة للقواعد القانونية المقررة، ومن هنا نشأت نظرية الظروف الاستثنائية.
وقد وضع مجلس الدولة أسس هذه النظرية بمناسبة الحرب العالمية الأولى، ومن هنا جاءت تسميتها باسم «سلطات الحرب» ولكن مجلس الدولة الفرنسي لم يقف بالنظرية عند حالة الحرب، بل سحب نظرية الظروف الاستثنائية إلى فترة الشدة التي أعقبت الحربين العالميتين باعتبارها من آثار الحرب، كما أنه طبقها أيضاً في الأوقات العصيبة التي يتعرض لها المجتمع في وقت السلم، أو إذا هددت الدولة بإضراب عام، ولعل أول حكم لمجلس الدولة الفرنسي بهذا الشأن هو حكمه المشهور المعروف باسم (Heyries) الصادر في 1918م.
على أن نظرية الظروف الاستثنائية لم تعد على حالها كما وضعها القضاء الفرنسي، بل تطورت تطوراً كبيراً، فقد عكف الفقه والقضاء في كثير من الدول على تطويرها وتنقيحها وبيان ما قد يعتورها من قصور، كما أن أغلب الدول قد تبنت هذه النظرية في تشريعاتها من خلال تقنينها في دساتيرها وقوانينها.
ثانياً: تعريف حالة الظروف الاستثنائية:
رغم أن أصل نظرية الظروف الاستثنائية يعود إلى القضاء الفرنسي، إلا أنه لم يضع تعريفاً محدداً لها، ويبدو أن ذلك يرجع إلى مرونة الفكرة إذ يمكنها أن تستوعب صوراً عديدة من الأزمات التي تمر بها الدولة، وقد يكون هذا المسلك القضائي متعمداً حتى يظل القضاء وحده هو صاحب الكلمة العليا في تقدير وجود الظروف الاستثنائية حتى لا يشكل قيداً على القضاء في تطوير فكرة الظروف الاستثنائية.
والواقع أنه من الصعوبة بمكان وضع تعريف جامع مانع لحالة الظروف الاستثنائية؛ نظراً للمرونة التي تتسم بها هذه الفكرة وتعدد صور الظروف الاستثنائية، إلا أن هناك عدة محاولات لتعريفها.
حيث يعرفها البعض بأنها: ظروف خطيرة غير عادية وغير متوقعة وتهدد سلامة الدولة كلها أو أحد أقاليمها، مثل حالة حدوث حرب أو التهديد الجدي بوقوعها، أو حدوث فتنة مسلحة، أو كوارث طبيعية أو انتشار وباء فتاك.
ويعرفها البعض الآخر بأنها: الحالة التي تؤدي إلى التغاضي عن القواعد القانونية الموضوعية للظروف العادية وتتخطاها منشئة قواعد جديدة تتلاءم مع الأوضاع الجديدة التي أوجدتها الظروف الاستثنائية، أو دعت إليها الضرورة أو استلزمتها حالة الاستعجال، وبالتالي فإن بعض القرارات الإدارية غير المشروعة في الظروف العادية يعتبرها القضاء مشروعة إذا ما ثبت أنها ضرورية لحماية النظام العام بسبب حدوث ظروف استثنائية، وهكذا تتحلل الإدارة مؤقتاً من قيود المشروعية العادية لتتمتع باختصاص واسع لم يرد به نص تشريعي.
ويعرفها البعض الآخر بأنها: تلك الظروف المفاجئة التي تشكل خطراً يهدد سلامة الدولة أو أراضيها أو النظام والأمن العام فيها، والتي تتطلب من الإدارة التدخل لمواجهتها بإجراءات استثنائية مناسبة ومؤقتة، لعجز القوانين العادية عن مجابهتها، شريطة خضوع إجراءات وتصرفات الإدارة في ذلك لرقابة القضاء إلغاءً وتعويضاً.
ومن خلال تلك التعريفات يمكن القول بأن مفهوم حالة الظروف الاستثنائية يشتمل على ثلاثة عناصر، الأول: وجود ظروف استثنائية محدقة بالدولة تعجز القوانين العادية عن مواجهتها، والثاني: أن الإدارة تمنح سلطات استثنائية وواسعة تمكنها من مواجهة تلك الظروف، والثالث: وجود أساس قانوني لهذه السلطات الاستثنائية الممنوحة للإدارة إما في شكل نصوص دستورية وقانونية أو تطبيقاً للنظرية القضائية.
ثالثاً: علاقة نظرية الظروف الاستثنائية بنظرية الضرورة:
احتدم الجدال بين الفقهاء حول علاقة حالة الضرورة بحالة الظروف الاستثنائية، ويرجع ذلك إلى تعدد وتنوع التسميات التي استخدمها مجلس الدولة الفرنسي منذ نشأة فكرة الظروف الاستثنائية، فأحياناً يسميها «نظرية سلطات الحرب»، وأحياناً «الضرورات الناشئة عن حالة الحرب»، وأحياناً يسميها: «نظرية سلطات فترة الأزمة»، وأحياناً يسميها: «نظرية الضرورة». وقد تمخض عن هذا الجدال نشوء اتجـاهين مختلفين:
١) الاتجاه الأول: اختلاف نظرية الظروف الاستثنائية عن نظرية الضرورة: ويؤسس هذا الاتجاه على أن نظرية الظروف الاستثنائية تعد أوسع وأشمل من نظرية الضرورة، فنطاق نظرية الضرورة يقتصر على توسيع سلطات الإدارة في مجال البوليس الإداري، أما نطاق الظروف الاستثنائية فإنه مرتبط بفكرة أعم من فكرة الضرورة والبوليس الإداري، ألا وهي فكرة المشروعية في حد ذاتها، فالإدارة في ظل الظروف الاستثنائية يكون لها الخروج على قواعد المشروعية، ليس فقط من أجل الحفاظ على النظام العام، بل بالإضافة إلى ذلك من أجل العمل على استمرارية خدمات المرفق العام، ووفقاً لهذا الاتجاه فإن نظرية الضرورة إحدى تطبيقات نظرية الظروف الاستثنائية، ولكنها ليست التطبيق الوحيد لها، فالضرورة تعني وجود حالة ملحة تأزم الوضع داخل الدولة لا يمكن لسلطات الدولة دفعها بالإجراءات العادية، أما الظروف الاستثنائية فهي تعني الأشياء غير المتوقعة.
2) الاتجاه الثاني: عدم اختلاف نظرية الظروف الاستثنائية عن نظرية الضرورة: يرى جانب من الفقه أن نظرية الظروف الاستثنائية هي نفسها نظرية الضرورة، حيث يؤكد أصحاب هذا الاتجاه أن مجلس الدولة الفرنسي وعلى الرغم من أنه قد أشـار إلى عدة مصطلحات– سبقت الإشارة إليها– إلا أنه في الأخير عدل عن تلك المصطلحات واستقر على تسمية نظرية الظروف الاستثنائية، وفي هذا دليل على أن التسمية في حد ذاتها لا تعني اختلاف هذه النظرية في مفهومها أو مجالها عن نظرية الضرورة، ولما كان معنى نظرية الظروف الاستثنائية تمكين الإدارة من التخلص مؤقتاً من التقيد بقواعد المشروعية بالقدر الذي يمكنها من تدارك مخاطر الظروف غير العادية، فإن نظرية الضرورة تعني هي الأخرى هذا المعنى.
ويرى الباحث أن هناك اختلافاً واضحاً بين النظريتين، فحالة الضرورة ترتبط بسلطة الإدارة في التشريع؛ أي حلول السلطة التنفيذية محل السلطة التشريعية في سن القوانين عن طريق لوائح الضرورة ولوائح التفويض، أما حالة الظروف الاستثنائية فترتبط بخروج الإدارة من الشرعية العادية إلى شرعية استثنائية، ومنحها سلطات استثنائية لمواجهة الأخطار الناتجة عن الظروف الاستثنائية، ومن ثم فلا يوجد مبرر للخلط بين هاتين الحالتين.
المطلب الثاني
تمييز حالة الظروف الاستثنائية عما يشتبه بها
أولاً: تمييز حالة الظروف الاستثنائية عن السلطة التقديرية:
إن السلطة الممنوحة للإدارة قد تكون سلطة مقيدة وقد تكون تقديرية، فتكون مقيدة عندما يفرض القانون على الإدارة اتخاذ قرار معين إذا ما توافرت شروط اتخاذه، وتكون تقديرية حينما يترك لها حرية تقدير الظروف الواقعية التي تواجهها، فيكون لها الحق في أن تتدخل بإصدار القرار أو لا تتدخل ولا تصدر أي قرار، كما يكون لها حرية القرار الذي تراه ملائماً لهذه الظروف الواقعية، وهذا هو مقتضى السلطة التقديرية. وبذلك يتضح أن السلطة التقديرية توسع سلطات الإدارة كما هو حال الظروف الاستثنائية، وقد يبدو لأول وهلة تطابق النظريتين، إلا أن هناك أوجهاً للاتفاق وأخرى للاختلاف بينهما من نواحٍ عدة، نبينها على النحو التالي:
1) من حيث التأثير على مبدأ المشروعية:
تُمنح الإدارة «السلطة التقديرية» في حدود ما تقضي به القوانين، فهي تعمل في ظل المشروعية الكاملة، وبالتالي فإن حريتها المستمدة من السلطة التقديرية الممنوحة لها لا تنال من قواعد المشروعية لا من قريب ولا بعيد، فكل ما في الأمر أنه يترك لها حرية الاختيار من بين عدة حلول كلها مشروعة، وذلك يعني أن الإدارة تمارس الاختصاصات الممنوحة لها بمقتضى السلطة التقديرية في حدود المشروعية العادية، حتى ولو كان لها حرية التصرف في نطاق تلك المشروعية، فإنه لا يكون لها أن تتجاوز قواعد المشروعية العادية.
أما بالنسبة لحالة الظروف الاستثنائية، فإنه يكون للإدارة في سبيل مجابهة الظروف المحدقة أن تتجاوز في قراراتها مبدأ المشروعية بغية المحافظة على المصلحة العامة المعرضة للخطر نتيجة هذه الظروف غير العادية، على أن ذلك لا يعني خروج الإدارة على قواعد المشروعية، فمبدأ المشروعية لا يزال قائماً، وكل ما يحدث أن قواعد المشروعية العادية تتسع بالقدر الذي يمكن الإدارة من مواجهة الظروف الاستثنائية القائمة، وبالتالي فهي تلتزم بمبدأ المشروعية ولكن بمفهومه الجديد (مبدأ المشروعية الاستثنائية).
وبهذا الصدد يرى الباحث أن لا جدوى من التمييز بين المشروعية العادية وبين المشروعيـة الاستثنائية– من الناحية العملية– بمعنى أن وصف المشروعية بـ(الاستثنائية) لا يحقق أي نتائج عملية، ذلك أن القاضي إما أن يحكم بمشروعية العمل الإداري أو أن يحكم بعدم مشروعيته. ويترتب على ذلك بأن وجود تنظيم تشريعي للحالة الاستثنائية في الدولة لا يعني التوسع في تطبيق مبدأ المشروعية، مادام أن الظروف الاستثنائية أصبحت مسألة منصوصاً عليها قانوناً، إذ أن الإدارة تلتزم بأحكام التشريع سواءً أكان عادياً أم استثنائياً، ويستوي بعد ذلك أن يكون هذا التشريع دستوراً أم قانوناً أم لائحة، أما عند تطبيق النظرية القضائية للظروف الاستثنائية، فإنه يمكن القول بأن هناك مشروعية استثنائية تختلف عن المشروعية العادية.
2) من حيث الأساس:
يرجع أساس منح الإدارة السلطة التقديرية إلى أن الإدارة ليست بالآلة الصماء، بل تتكون من أفراد مبصرين يواجهون ظروفاً متغيرة تقتضي في كثير من الحالات تنويعاً في المعاملة، ومصلحة الجماعة في تمكين الإدارة من مواجهة كل حالة وفقاً لظروفها الخاصة، وأن المقنن لا يستطيع أن يحيط سلفاً بكل الحالات المتوقع حدوثها في المستقبل، لذلك فهو يكتفي بوضع الضوابط العامة، ويترك للإدارة التصرف بقدر من الحرية والتقدير.
أما أساس نظرية الظروف الاستثنائية فيرجع كما يرى البعض إلى فكرة واجبات السلطة الإدارية، وهناك من يؤسسها على فكرة الضرورة، والبعض يرى في بقاء الدولة واستمرارها أساساً لها، والبعض الآخر يؤسسها على فكرة الخطر، وأخيراً يؤسسها البعض على فكرة الشعور المشترك بشرعية الإجراءات الاستثنائية، وسنتناول تفصيل الآراء التي قيلت بشأن أساس النظرية في المطلب الثالث من هذا المبحث.
3) من حيث المجال الزمني:
تتميز حالة الظروف الاستثنائية بأنها لا تطبق إلا عند توافر شروطها المنصوص عليها في التشريع الاستثنائي السائد في الدولة أو تلك التي استقر القضاء الإداري عليها، فهي حالة مؤقتة تلتزم الإدارة بالإطار الزمني المنصوص عليه في قرار إعلان الحالة الاستثنائية، وبذلك تنتهي سلطات الإدارة الاستثنائية بانتهاء الفترة الزمنية المحددة أو بزوال الظرف الاستثنائي. أما السلطة التقديرية فمن أبرز سماتها الديمومة، فهي لا تتحدد بمجال زمني معين تدور معه وجوداً وعدماً، ومن ناحية لا يقترن إقرارها بقيام ظرف معين؛ أي أن السلطة التقديرية تتقرر للإدارة سواءً تغيرت الظروف التي تمر بها الدولة أم لم تتغير، عادية كانت أم استثنائية. وبناءً على ذلك فإن الاختصاصات الممنوحة للإدارة في ظل الظروف الاستثنائية تظل مرهونة ببقاء واستمرار هذه الظروف، أما الاختصاصات التي تتمتع بها الإدارة بناءً على السلطة التقديرية لا تتوقف على فترة زمنية معينة ولا ترتبط بظروف خاصة.
4) من حيث الرقابة القضائية:
تخضع الإدارة في ممارستها لسلطات الظروف الاستثنائية لرقابة القضاء، باعتبار أن هذه الظروف توسع قواعد المشروعية العادية بالقدر الذي يمكن الإدارة من أداء واجباتها في المحافظة على النظام العام، وسير المرافق العامة، بحيث تظل المشروعية قائمة، حيث تظل قرارات الإدارة خاضعة لرقابة القضاء الذي يتحقق من توافر ضوابط وشروط الظروف الاستثنائية التي دعت الإدارة إلى تجاوز مبدأ المشروعية بشكل مؤقت في سبيل الصالح العام. وكذلك الحال بالنسبة للسلطة التقديرية الممنوحة للإدارة حيث تظل خاضعة لرقابة القضاء، إلا أن دور القضاء هنا يكون محدوداً بالمقارنة مع رقابته على أعمال الإدارة في الظروف الاستثنائية، حيث أن الإدارة في ممارستها للسلطة التقديرية تكون بمنجاة من كل رقابة قضائية، إلا إذا دفع بأن الإدارة قد استعملت سلطاتها التقديرية لتحقيق غرض غير مشروع أو لم يجعله المقنن من اختصاصها، فتكون الإدارة قد خرجت عن نطاق التقدير المتروك لها.
ثانياً: تمييز حالة الظروف الاستثنائية عن أعمال السيادة:
رأينا أن السلطة التقديرية لا تنال من مبدأ المشروعية، بل تعمل في إطار المشروعية الكاملة، وأن حالة الظروف الاستثنائية تقتضي التوسع في تطبيق قواعد المشروعية العادية وحسب، إلا أن هناك طائفة من أعمال الإدارة تعد خروجاً على مبدأ المشروعية بشكل مطلق وهي ما يسمى بـ «أعمال السيادة» التي ظهرت لأول مرة في ظل ملكية يوليو الفرنسية عام 1822م، ولكنها استقرت كنظرية وتعددت تطبيقاتها في ظل الإمبراطورية الثانية، ولعل الأسباب التي أدت إلى ظهورها ترجع إلى الظروف التي أحاطت بمجلس الدولة، والتطور الذي طرأ على مركزه القانوني، استوجب من المجلس أن يلتزم سياسة قضائية تتلاءم مع الظروف وتجنب المجلس بقدر الإمكان الاصطدام بالحكام الإداريين.
وعلى الرغم من أن نظرية أعمال السيادة هي الأخرى من خلق الفقه في فرنسا، إلا أنه لم يتم وضع تعريف محدد لها، ولم يرد تعريفها في نصوص القوانين، ولم تجر على عبارة أعمال السيادة، ولذلك اجتهد الفقه في تعريفها ومن تلك المحاولات تعريفها بأنها: «عمل يصدر من السلطة التنفيذية، وتحيط به اعتبارات خاصة، كسلامة الدولة في الخارج أو الداخل، ويخرج عن رقابة المحاكم، متى قرر له القضاء هذه الصفة»، كما عرفت بأنها: تلك الطائفة من أعمال السلطة التنفيذية التي تتمتع بحصانة ضد رقابة القضاء، والتي لا القاضي الإداري ولا القاضي العادي يعتبر نفسه مختصاً بنظرها. والواقع أنه من الصعوبة– إن لم يكن مستحيلاً– وضع تعريف دقيق لأعمال السيادة يبين بدقة معناها، ويرجع ذلك لافتقار هذه النظرية إلى أساس واضح ومحدد، ولما تحمله من اعتداء صارخ على مبدأ المشروعية، لذا فقد اتجهت محاولات الفقه والقضاء نحـو استخلاص معايير يمكن الاسترشاد بها لتمييز أعمال السيادة عن سائر أعمال الإدارة، فقيل بمعيار الباعث السياسي، وقيل بمعيار أعمال الوظيفة الحكومية، ومعيار الأعمال المختلطة، ومعيار القائمة القضائية، ولذلك فقد اتجه الفقه والقضاء نحو إلغاء فكرة أعمال السيادة، بل إن البعض قد ناقش تفصيلاً الأحكام القضائية الصادرة بهذا الشأن وخلص إلى أن أعمال السيادة غير موجودة بالفعل، غير أن الفقهاء رغم تأكيدهم على إلغاء فكرة أعمال السيادة إلا أنهم يتناولون أعمال السيادة ويتطرقون إليها كأحد عناصر موازنة مبدأ المشروعية وهو أمر مستغرب!
وأياً يكن الأمر، فإننا نعرض أوجه التوافق والاختلاف بين «حالة الظروف الاستثنائية» و»أعمال السيادة»، فهما تتفقان من حيث كون مصدرهما واحداً، والجهة القائمة عليهما واحدة وهي السلطة التنفيذية، وموضوعهما واحد وهو اختصاصات السلطة التنفيذية، إلا أنهما تختلفان إلى حد كبير من عدة جوانب، وأبرزها:
1) من حيث التأثير على مبدأ المشروعية:
رأينا فيما سبق أن المشروعية تظل قائمة في حالة الظروف الاستثنائية، فكل ما يحدث أن قواعد المشروعية العادية تتسع بالقدر الذي يمكن الإدارة من أداء واجباتها في المحافظة على النظام العام، وسير المرافق العامة. فحالة الظروف الاستثنائية لا تزال بناءً قانونياً لا يعارض مبدأ المشروعية ولا يهدمه، فهي تؤدي إلى توسيع مبدأ المشروعية بحيث تخلع صفة الشرعية على أعمال كان يجب أن تعتبر مخالفة للقانون لو أنها تمت في الظروف العادية. أما أعمال السيادة فإنها تتحلل من الخضوع لقواعد المشروعية بشكل مطلق، إذ أن عمل السيادة ينجو من كل رقابة قضائية، فيمثل بالتالي نقطة سوداء في جبين المشروعية. وبهذا يظهر الاختلاف فيما بين «أعمال السيادة» التي يؤدي تطبيقها إلى الخروج الصريح على مبدأ المشروعية، وبين «السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية» اللتين تحدثان توازناً للمبدأ وتخفيفاً من حدة تطبيقه.
2) من حيث الأساس:
جاءت نظرية أعمال السيادة وليدة الحاجة ومقتضيات العمل، إذ رأى مجلس الدولة الفرنسي أن بعض الأعمال الإدارية لها في نظر الحكومة أهمية خاصة، وأن من المصلحة أن لا تعرض على القضاء، مما يستلزمه من علنية وتحقيقات، وأن الحكومة قد يكون لديها من الأسباب ما تقتضي مصلحة الدولة العليا ألا تعرض على الجمهور. كما أن نظرية أعمال السيادة ترجع في الغالب إلى أسباب سياسية، ذلك أن الأعمال التي تدخل في هذه الطائفة يغلب عليها الطابع السياسي، أما تقرير نظرية الظروف الاستثنائية فيرجع إلى أسباب يمكن التأكد من وجودها أو عدم وجودها، والتي تتمثل في استحالة أو تعذر مواجهة الأزمة باتباع القواعد القانونية العادية.
3) من حيث المجال الزمني:
إن تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية مرهون باستمرار الحالة غير العادية التي تهدد سلامة وأمن الدولة؛ أي أن تطبيق هذه النظرية يدور وجوداً وعدماً بتوافر شروط معينة، سواءً تلك التي تضمنها التشريع الاستثنائي ذاته أو تلك التي قررها القضاء الإداري، ومن ناحية أخرى فإن الظروف الاستثنائية تلتزم بإطار زمني محدد. أما نظرية أعمال السيادة فإن تطبيقها جائز في أي وقت، إذ لا يتوقف إعمالها على ظرف معين، وعلى ذلك فنظرية أعمال السيادة نظرية دائمة لا يرتبط إقرارها بقيام ظروف معينة ولا بمجال زمني تدور في مداره.
4) من حيث الرقابة القضائية:
تخضع الإدارة في ممارستها لسلطات الظروف الاستثنائية للقضاء، باعتبار أن هذه الظروف– كما رأينا– توسع قواعد المشروعية العادية بالقدر الذي يمكن الإدارة من أداء واجباتها في المحافظة على النظام العام، وسير المرافق العامة، بحيث تظل المشروعية قائمة؛ لأن اتساع مجال المشروعية في الظروف الاستثنائية لا يعني خروج أعمال الإدارة أثناء هذه الظروف من رقابة القضاء. وعلى ذلك فإنه إذا ما توافرت الشروط الشكلية في الدعوى التي يرفعها الشخص تطبيقاً للظروف الاستثنائية، فإن القاضي يبحث في الموضوع ليقرر الإلغاء أو عدم الإلغاء، الأمر الذي يؤدي إلى تمتع الأفراد بضمانات جدية في مواجهة الإدارة، وتتمثل هذه الضمانات في أنه يجوز لهم طلب إلغاء قرارات أو تصرفات الإدارة فضلاً عن طلب التعويض عنها.
أما بالنسبة لأعمال السيادة فقد اطرد القانون الوضعي في مصر وفرنسا على إخراجها من رقابة المحاكم، ولو كانت مخالفة للقانون وعلى الرغم من توافر شروط الطعن فيها قضاءً، باعتبارها قرارات نهائية أصابت مراكز قانونية مقررة، وأن هذه الأعمال تخرج لطبيعتها الخاصة من ولاية القضاء. وعلى ذلك فإن الدعوى المرفوعة على أساس نظرية أعمال السيادة لا يبحث القاضي موضوعها إذا ما اعتبر العمل المطعون فيه ينتمي لطائفة أعمال السيادة، الأمر الذي يؤثر سلباً على الضمانات التي يجب أن يتمتع بها الأفراد في مواجهة الإدارة، حيث تبقى الضمانـة الوحيدة في أن القاضي يبحث مسألة تكييف عمل الإدارة بأنه مـن قبيل أعمال السيادة أم لا، فإذا ما تقررت صفـة «عمل السيادة» لقرار ما، فليس أمـام القاضي إلا أن يحكم بـ «عدم الاختصاص» أياً كانت طلبات المدعي في دعواه وسواءً تعلقت بالإلغاء أو بالتعويض.
المطلب الثالث
أساس نظرية الظروف الاستثنائية
أولاً: الاتجاه الأول «واجبات السلطة الإدارية»:
وهذا هو الأساس الذي أخذ به مجلس الدولة الفرنسي حيث أسس نظرية الظروف الاستثنائية على فكرة أن مبدأ استمرار المرافق العامة يتضمن متطلبات استثنائية في زمن الحرب تبرر توسعة استثنائية لسلطات الحكومة والإدارة. وفي نفس الاتجاه يؤكد الدكتور/ سليمان الطماوي– رحمه الله– أنه قد يبدو لأول وهلة أن نظرية الظروف الاستثنائية إن هي إلا تطبيق عادي لفكرة الضرورة، ولكن الحقيقة أن مجلس الدولة الفرنسي لا يرجع هذه النظرية إلى هذا الأساس، وإنما إلى أساس آخر، أيسر في شروطه ومداه من الأساس السابق، وهو «واجبات السلطة الإدارية»، فالإدارة ملزمة بأن تعمل على حفظ النظام العام، وسير المرافق العامة سيراً منتظماً، فإذا ما تبين لها أن تطبيق قواعد المشروعية العادية من شأنه أن يحول دون أدائها لهذا الواجب، فلها أن تتحرر مؤقتاً من تلك القيود بالقدر الذي يمكنها من أداء واجباتها.
ثانياً: الاتجاه الثاني «سمو بقاء واستمرار الدولة على قواعد المشروعية العادية»:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن فكرة تأمين البلاد من الأخطار والكوارث هي القانون الأعلى والأسمى الذي يجب اتباعه والاسترشاد به ولو تعارض مع القوانين السائدة، ومرد تلك السلطة الواسعة للإدارة وأساسها النص اللاتيني «Salus populus suprema lex»، وهذا يعني أن سلامة الشعب هي القانون الأعلى الذي يسمو حتى على الدستور، وبالتالي فإن نظرية الظروف الاستثنائية تقوم على أساسين: الأول: أن القواعد القانونية المؤلفة لمبدأ الشرعية وضعت لمعالجة ظروف عادية، وليس لمجابهة أوضاع وظروف طارئة، وبما أن القانون ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق غاية سامية وهي تحقيق الصالح العام، فإن مبدأ المشروعية يتغير ويتسع بقدر ما يقتضيه تحقيق هذه الغاية. والثاني: أن احترام القاعدة القانونية يعبر عن وجود الدولة القانونية، فإذا كانت مراعاة مبدأ المشروعية بصفة مطلقة تشكل خطراً على وجود الدولة وكيانها، فإنه في هذه الحالة يكون بقاء الدولة وسلامتها في المحل الأول، لأنه لا يجوز التضحية بالكل في سبيل الإبقاء على البعض.
ثالثاً: الاتجاه الثالث «فكرة الضرورة هي أساس الظروف الاستثنائية»:
يرد بعض الفقهاء أساس نظرية الظروف الاستثنائية إلى فكرة الضرورة التي تخول الدولة في حالة الحرب وحالات الضرورة الأخرى، اللجوء إلى حق الدفاع الشرعي عن نفسها وسلامتها فسلامة الدولة فوق كل اعتبار، فإذا كان يجب بحسب الأصل أن تلتزم الإدارة حكم القانون، فإن ذلك– وفق رأيـه– رهين بالظروف العادية حيث يسود الأمن والسلام والهدوء، أما حين تتغير الظروف وتطرأ الحوادث المفاجئة التي تهدد نظام الدولة وأمنها بالأخطار الداهمة، كأن تقوم حرب أو تندلع نيران الفتن، فإن للدولة الحق في أن تدافع عن نفسها وأن تواجه الأزمة بإجراءات استثنائية من نفس طبيعة الظروف التي تعيش فيها. وهي حين تضطر في مثل هذه الظروف إلى الخروج على القانون، فإن ذلك منها يكون أمراً مبرراً ومشروعاً. وفي نفس الاتجاه يذهب الدكتور/ أحمد فتحي سرور إلى أن الظروف الاستثنائية ترتكز على أساس فلسفي وهو الضرورة، حيث يرى أن الظروف الاستثنائية تتطلب شرعية تتلاءم معها ترتكز على نظرية الضرورة، بوصفها نظرية عامة في القانون، وتجيز التصرف بطريقة تنافي القواعد الواجب اتباعها في الظروف العادية بقدر ما تتطلبه هذه الضرورة.
رابعاً: الاتجاه الرابع «وجود الخطر هو أساس الظروف الاستثنائية»:
يرى بعض الفقهاء أن أساس نظرية الظروف الاستثنائية يكمن في وجود خطر معين، فهذا الخطر أو الحالة الشاذة أو الظرف الاستثنائي الطارئ بأوصافه التي يتطلبها القضاء هو الذي يبرر قيام حالة الضرورة، وهو الأساس الذي تنبثق منه أو تستند إليه، فلولا ذلك الخطر لما كانت هناك ضرورة، ولولاه لما تعذر إعمال القواعد العادية، وبالتالي لما جاز الخروج عليها لحماية المصلحة العامة المهددة بشتى صورها، وعلى العكس فإن انعدام وجود الخطر يجعل الإدارة تفقد الذريعة التي تستند إليها للقول بوجود ظرف استثنائي. ومن ناحية أخرى ينتقد الاتجاهات الثلاثة السابقة، وذلك بأن واجبات السلطة الإدارية بالحفاظ على انتظام سير المرافق العامة كذلك بقاء الدولة واستمرارها لا يعتبر أساساً للظروف الاستثنائية، وإنما يعد الغرض أو الغاية التي تهدف إليه هذه النظرية، ويرد أيضاً على القول بأن القواعد القانونية وضعت للظروف العادية وأن الظروف الاستثنائية تبرر مخالفتها، بأن ذلك يمثـل الوسيلة التي يمكن اللجوء إليها سواءً في الحالة العادية أو الحالة الاستثنائية.
وإذا كنا نتفق مع هذا الاتجاه فيما ذهب إليه من نقد للاتجاهات الثلاثة السابقة، إلا أننا نرى أن هـذا الاتجاه قد جانب الصواب ويدخل في مجال النقد ذاته، إذ أن فكرة وجود الخطر هي الأخرى لا تعد أساساً لحالة الظروف الاستثنائية، وإنما تمثل أحد الشروط الأساسية لتطبيق النظام الاستثنائي، إذ قد يوجد الخطر ولكنه لا يبلغ درجة من الجسامة بحيث تستطيع الإدارة تلافيه بالقواعد القانونية العادية دون أن تلجأ إلى الاختصاصات الاستثنائية.
خامساً: الاتجاه الخامس «الشعور المشترك بشرعية الإجراءات الاستثنائية»:
ينتقد أصحاب هذا الاتجاه مسلك الفقهاء في التمسك الشديد بمبدأ المشروعية عند محاولتهم لتبرير قضاء الظروف الاستثنائية، ويرون أنه على الرغم من وجود القاعدة القانونية «المشروعية»، فإنه يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الشعور المشترك لكل من الحكام والمحكومين، ويرى بأنه إذا كان (مبدأ المشروعية) يعني الخضوع للقواعد القانونية القائمة، فإن هذه المشروعية في حقيقة الأمر مشروعية وضعية، وهي تختلف عن (الشرعية) التي تعد في الحقيقة فكرة مثالية تحمل في طياتها معنى العدل وما يجب أن يكون عليه القانون وما يعتقد أنه أصلح للمجتمع، ومفهوم هذه الفكرة المثالية أوسع من مجرد احترام القواعد القانونية الوضعية، حيث تتضمن هذه الفكرة قواعد أخرى يستطيع عقل الإنسان أن يكشفها، ووفق هذا الرأي فإن الأعمال المتخذة خلال الظروف الاستثنائية المخالفة لمبدأ المشروعية، لا يمكن القول بأنها مشروعية لكونها مخالفة لمبدأ المشروعية، ولكن يمكن القول بأنها شرعية، والقاضي عندما اعتبر تلك الأعمال شرعية، فإنه لجأ إلى الضمير الجماعي والشعور المشترك، لأنه رأى بأن القواعد التي وضعت للظروف العادية، أصبحت لا تتلاءم مع الظروف الاستثنائية.
وإن كان هذا الاتجاه قد قدم تفسيراً مقنعاً لتبرير الظروف الاستثنائية، إلا أن هذا التفسير يظل فلسفياً أكثر منه قانونياً، إذ أن الاعتماد على فكرة مثالية كأساس قانوني لحالة الظروف الاستثنائية يعد أمراً غير مقبول، فالواقع أن الإدارة باعتبارها القائمة بالإجراءات الاستثنائية قد ترى أن إجراءاتها شرعية ومتناسبة مع الظروف المحدقة، في حين قد يرى فيها الأفراد تجاوزاً لما تقتضيه تلك الظروف؛ بمعنى أنه لا يمكن– من الناحية الواقعية– توفر شعور مشترك لدى الحكام والمحكومين بشرعية ما تتخذه الإدارة من إجراءات.
وبعد استعراض تلك الآراء يرى الباحث أن أساس حالة الظروف الاستثنائية يتمثل في: أساس فلسفي: ويتمثل في التفسير المنطقي لمنح الإدارة سلطات موسعة واستثنائية بقصد مواجهة الظروف المحدقة التي لا يجدي معها العمل بالسلطات المقررة في الظروف العادية، وأساس قانوني: يتمثل في القواعد القانونية التي تتضمن تقرير النظام الاستثنائي والأحكام والحدود التي يجب على الإدارة التزامها للجوء إلى هذا النظام وأثناء تطبيقها له، فإذا كان النظام الاستثنائي منظماً تشريعياً؛ فإن الأساس يتمثل في الدستور الذي ينص في صلبه على تقرير هذه الحالة، وفي التشريع الاستثنائي– قانون الطوارئ مثلاً– الذي ينظم الأحكام والإجراءات الخاصة بهذه الحالة الاستثنائية، وإذا لم يكن النظام الاستثنائي منظماً تشريعياً فإن الأساس يكون النظرية القضائية التي صاغها القضاء الإداري وعكف على تبيانها وتوضيح ملامحها الفقه والقضاء.
المطلب الرابع
حدود تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية
إن اللجوء إلى النظام الاستثنائي بما يمنحه من سلطات موسعة تمكن الإدارة من مواجهة الظرف الاستثنائي يجب أن يتم بعناية كبيرة وحرص شديد، ذلك أن تطبيق هذا النظام يؤدي إلى المساس بمبدأ المشروعية الذي يعد من أقوى الضمانات لحماية حقوق وحريات الأفراد في مواجهة الإدارة، وبالتالي فإذا أرادت الإدارة اللجوء إلى النظام الاستثنائي فيجب عليها الالتزام بما يتضمنه التشريع الاستثنائي– قانون الطوارئ– من شروط وضوابط، كما يجب عليها الالتزام بالحدود والضوابط التي وضعها القضاء، ونتناولها على النحو التالي:
أولاً: قيام الظرف الاستثنائي:
اشترط مجلس الدولة الفرنسي إدراكاً منه لخطر تعميم الظروف الاستثنائية أن تطرأ حوادث جسيمة وغير متوقعة بصفة فجائية، وتدخل حالة الحرب ضمن هذه الحالات، ولكنها ليست التطبيق الوحيد لها، فقد اتسع العمل بنظرية الظروف الاستثنائية إلى حد تجاوز به مخاطر الحرب ليستوعب كل أنواع الأزمات والمشاكل المالية والاقتصادية وأحوال الاضطرابات العامة كالثورات والفتن والتهديد بالإضراب العام وغير ذلك من الحوادث القهرية المفاجئة. على أنه لا يشترط أن يكون الظرف الاستثنائي عاماً يشمل الدولة كلها، فقد يكون محلياً ووقتياً كذلك، المهم فيه أن يكون من شأنه تعذر العمل بقواعد المشروعية العادية إذا أريد صيانة الأمن وضمان سير المرافق العامة، وعلى ذلك فإن الإدارة إذا كان بمقدورها أن تؤجل تدخلها أثناء قيام الظرف الاستثنائي دون أن يتعرض الأمن العام للخطر أو تتعطل المرافق الجوهرية عن السير بانتظام، فإنه لا يسمح لها بأن تلجأ إلى الحالة الاستثنائية التي تجيز الخروج على قواعد المشروعية العادية.
على أن بعض الفقهاء يرى أنه لا يلزم لتطبيق نظرية الظروف الاستثنائية أن يتمثل الظرف الاستثنائي في كارثة عامة كحرب أو وباء عام، بل يكفي أن يتحقق تهديد جدي لإحدى المصالح والمرافق العامة في الدولة من شأنه أن يؤدي إلى انقطاع سير المرافق العامة أو اضطراب شديد بالأمن؛ ويستدل على ذلك بأن مجلس الدولة الفرنسي قد سحب تطبيق النظرية من الحرب إلى حالة السلم أيضاً. ويرى الباحث أنه حتى مع التسليم بأن مجلس الدولة الفرنسي قد سحب تطبيق النظرية من الحرب إلى السلم، فإن ذلك لا يعني أن مجرد التهديد يمنح الإدارة حق اللجوء إلى التدابير الاستثنائية، فمن الصعوبة بمكان وضع معيار دقيق لمدى جدية التهديد.
ثانياً: استحالة مواجهة الظرف الاستثنائي بالقواعد العادية:
لا يتوقف الأمر عند تحقق الظرف الاستثنائي وحسب، بل يجب أن تكون الإدارة عاجزة عن مواجهة هذا الظرف الاستثنائي بالوسائل القانونية العادية، وأنها مضطرة إلى استخدام الوسائل غير العادية باعتبارها الوسائل الوحيدة التي يمكن بواسطتها مواجهة الظرف الاستثنائي. وقد عبر مجلس الدولة الفرنسي عن هذا الشرط بـأنه يستحيل على الجهة الإدارية التصرف على وجه مشروع.
وبالتالي فإذا كانت السلطات المقررة للإدارة بموجب القواعد القانونية العادية كافية لمواجهة الظرف الاستثنائي فليس لها أن تخرج عن نطاقها، أما إذا لم تكن تلك القواعـد قادرة على مواجهة الظرف الاستثنائي ففي هذه الحالة يجوز اللجوء إلى النظام الاستثنائي، ذلك أن تطبيق القانون العادي أثناء قيام الحالة الاستثنائية لا يستقيم مع قصد المقنن بحكم ما ينطوي عليه ذلك من تهديد للأمن وتعطيل لسير المرافق العامة الجوهرية.
وقد أعلن القضاء الفرنسي منذ فترة طويلة من الزمن بأنه لكي تكون هناك ظروف استثنائية يجب أن نكون أمام حالة يستحيل فيها على الإدارة أن تتصرف طبقاً للقانون العادي، وليس فعل الحرب في ذاته أو الكوارث ذاتها هي التي تعفي الإدارة من اتباع أحكام القوانين، وإنما الاستحالة الناشئة عن هذه الأفعال هي التي تؤدي إلى إعفاء الإدارة من التزام مبدأ الشرعية وتبرر تصرفاتها الخارجة عليه.
ويذهب بعض الفقهاء إلى أن الاستحالة المقصودة ليست الاستحالة المطلقة: التي تعني أن لا تكون مخالفة القواعد التي وضعت للظروف العادية هي الخيار الوحيد لمواجهة الظروف الاستثنائية، بل إن الاستحالة المقصودة هي الاستحالة النسبية: التي تعني أنه يتعذر على الإدارة اتباع القواعد التي وضعت للظروف العادية.
ثالثاً: ابتغاء المصلحة العامة:
يقتضي هذا الشرط أن يستهدف الإجراء الاستثنائي الذي تتخذه الإدارة المصلحة العامة، فما من مبرر للسلطات الاستثنائية الممنوحة للإدارة سوى أنها تهدف إلى مواجهة الأخطار القائمة، وبالتالي فإذا ابتغت الإدارة غير المصلحة العامة كان تصرفها معيباً بالانحراف بالسلطة.
وعلى ذلك فإنه لا يكفي ادعاء الإدارة بوجود المصلحة العامة في أعمالها وتصرفاتها، بل لابد أن يتأكد القاضي من مدى توفره على ضوء الظروف المحيطة بالواقعة المعروضة عليه، فإذا ثبت للقاضي توفر هذا الشرط– بالإضافة إلى الشروط الأخرى– فإنه سيحكم بمشروعية تصرف الإدارة، وعلى العكس إذا اختل أحد الشروط، فإنه يقضي بإلغاء تصرف الإدارة. ويؤكد القضاء الفرنسي على هذا الشرط حيث أكد على وجود صفة المصلحة العامة في العمل المتخذ الذي لا يكون جائزاً إلا لمواجهة ضرورات الوقت، بمعنى أنه يجب أن يكون الإجراء الاستثنائي الذي اتخذته الإدارة مستهدفاً غاية تحقيق المصلحة العامة.
والجدير بالذكر أن شرط ابتغاء المصلحة العامة هو قيد عام فهو ينطبق على حالة الظروف الاستثنائية، كما ينطبق على السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة حيث أن الإدارة تلتزم بأن تكون قراراتها أو أعمالها المستندة إلى سلطتها التقديرية تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة وإلا كانت عرضة للإلغاء فضلاً عن التعويض.
رابعاً: انتهاء الحالة الاستثنائية بانتهاء الظرف الاستثنائي:
يرتبط السماح للإدارة باستخدام السلطات الواسعة ببداية ونهاية الظرف الاستثنائي، حيث تتحدد فترة هذه الممارسة بفترة قيام الظرف الاستثنائي، فإذا انتهى الظرف الاستثنائي فإنه يتعين على الإدارة العودة لاستخدام السلطات المقررة لها في الظروف العادية. وقد عبر عن ذلك مجلس الدولة الفرنسي بأنه يجب للالتجاء إلى نظرية الظروف الاستثنائية استمرار وجود الظروف الاستثنائية في تاريخ القرار المتنازع فيه، فلا يمكن الاستمرار في تنفيذ قرار تبرره ظروف استثنائية بعد انقضاء هذه الظروف.
خامساً: تناسب الإجراءات الاستثنائية مع الظرف الاستثنائي:
حيث يتعين على الإدارة أن تستخدم من الوسائل والإجراءات ما يتناسب مع القدر اللازم لمواجهة الظرف الاستثنائي. فإذا اشتطت الإدارة في استخدام سلطتها بما يزيد على ذلك القدر، فإن أعمالها ستكون غير مشروعة. ومن هنا فإنه يجب أن تكون السلطات الاستثنائية الممنوحة للإدارة مقصورة على هذه الظروف وحدها، وبالقدر الضروري لمواجهتها، فلا يحق لها أن تتخذ إجراءات تتجاوز هذا الحد، ويستتبع إعمال هذا الشرط أنه يجب على الإدارة ألا تضحي بمصالح الأفراد في سبيل المصلحة العامة، بل يجب على الإدارة أن تراعي الحرص والحذر في اختيار أنسب الوسائل والإجراءات وأقلها ضرراً بالأفراد.
إلى هنا نكون قد انتهينا من دراسة المبحث الأول الذي خُصص لحالة الظروف الاستثنائية من الناحية النظرية، ونتناول تباعاً في المبحث الثاني موقف القانون اليمني من حالة الظروف الاستثنائية بوصف وتحليل التنظيم الدستوري والقانوني لحالة الطوارئ باعتبارها النموذج التطبيقي الأهم لحالة الظروف الاستثنائية.
المبحث الثاني
حالة الظروف الاستثنائية في القانون اليمني
المطلب الأول
تنظيم حالة الظروف الاستثنائية في القانون اليمني (حالة الطوارئ)
أولاً: مسلك المقنن اليمني في تنظيم حالة الظروف الاستثنائية:
تناولنا سابقاً حالة الظروف الاستثنائية من الناحية الفقهية والقضائية وتعرفنا على مفهومها والآراء التي قيلت في تحديد أساسها وحدود تطبيقها، فإذا كانت نظرية الظروف الاستثنائية من صنع القضاء وأن الدول قد تبنتهـا في تشريعاتها– كما رأينا– فإنه عادة ما يتخذ لتنظيم حالة الظروف الاستثنائية أحد أسلوبين:
الأول: ويتمثل في أن تستصدر قوانين تنظم سلطات الإدارة في الظروف الاستثنائية بعد وقوعها، فيصدر المقنن قانوناً يخول اختصاصات استثنائية لسلطة معينة لمواجهة الظروف القائمة. ويتسم هذا الأسلوب بأنه يعطي ضمانات أكثر لحقوق الأفراد وحرياتهم؛ لأنه لا يعطي السلطة التنفيذية سلطة تقديرية في اللجوء إلى نظام استثنائي تم تشريعه مسبقاً. ويعيبه أن هناك من الظروف ما يقع بشكل مفاجئ مما قد يجعل الإدارة عاجزة عن مواجهتها؛ لأنها ستكون مقيدة حتى تصدر ذلك التشريع الذي يستغرق وقتاً لإصداره.
الثاني: يتمثل في إعداد تشريعات معدة سلفاً لمواجهة الظروف الاستثنائية تنص على شروط وأوضاع تطبيق النظام الاستثنائي. ويتسم هذا الأسلوب بالسرعة والحسم في مواجهة المخاطر المحدقة. إلا أن من عيوبه احتمال أن تستخدم الإدارة سلطتها في إعلان الحالة الاستثنائية في توسيع سلطانها وتقوية مكانتها، مما قد يعود سلباً على حريات وحقوق الأفراد.
وتأخذ معظم الدول بالأسلوب الثاني، وعادة ما تسمى بـ «حالة الطوارئ» حيث تعترف هذه الدول بهذه الحالة عن طريق النص في صلب دساتيرها على إقراره وتنظيم كيفية اللجوء إليه، وإحالة باقي الأحكام والتفاصيل وطرق وإجراءات تطبيقه إلى قانون مستقل خاص به، فمن جهة: ينظم دستورياً بإقراره والاعتراف به وتحدد الملامح الرئيسية لإعماله في صلب الدستور، ومن جهة أخرى: يتم تنظيم هذا النظام قانونياً عن طريق سن قانون يتكفل بتحديد الأحكام والإجراءات المرتبطة بتطبيقه.
وهذا هو حال المقنن اليمني حيث تعد بلادنا من بين الدول التي اعترفت بأنظمة استثنائية معـدة سلفاً تسمح بمواجهة الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وتتمثل هذه الأنظمة في (حالة الطوارئ– التعبئة العامة– الدفاع المدني)، وتعد حالة الطوارئ وما يرتبط بها من أحكام وإجراءات من أهم تطبيقات حالة الظروف الاستثنائية في اليمن، لذا اكتفى الباحث بتناول التنظيم الدستوري والقانوني لحالة الطوارئ في اليمن، حيث أن حالة الطوارئ تعد أقوى مظهر للتشريعات الاستثنائية.
وقد اعترف الدستور الحالي للجمهورية اليمنية بنظام حالة الطوارئ في المادة (121) منه التي تمثل (التنظيم الدستوري) لحالة الطوارئ، ولا تثور مشكلة بالنسبة للنص الدستوري، ولكن المشكلة تدور حول (التنظيم القانوني) لحالة الطوارئ والذي يتمثل في قانون الطوارئ الصادر عام 1963م باعتباره من القوانين الشطرية الصادرة قبل الوحدة، مما يثير مسألة مدى إمكانية الاعتداد به، وهو ما سنناقشه في الفقرة التالية تباعاً.
ثانياً: تنظيم حالة الطوارئ في الدستور والقانون اليمني:
أقر الدستور الحالي نظام حالة الطوارئ في المادة (121) منـه، حيث تنص على: [يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ بقرار جمهوري على الوجه المبين في القانون ويجب دعوة مجلس النواب لعرض هذا الإعلان عليه خلال السبعة الأيام التالية للإعلان فإذا كان مجلس النواب منحلاً ينعقد المجلس القديم بحكم الدستور فإذا لم يدع المجلس للانعقاد أو لم تعرض عليه في حالة انعقاده على النحو السابق، زالت حالة الطوارئ بحكم الدستور، وفي جميع الأحوال لا تعلن حالة الطوارئ إلا بسبب قيام الحرب أو الفتنة الداخلية أو الكوارث الطبيعية ولا يكون إعلان حالة الطوارئ إلا لمدة محدودة ولا يجوز مدها إلا بموافقة مجلس النواب]. ويتبين من النص أن المقنن اليمني قد أحسن صنعاً بأن نظم الغالبية العظمى من الأحكام الخاصة بإعلان حالة الطوارئ في صلبه، فقد تضمن الجهة المختصة بالإعلان والعرض على مجلس النواب، وأوجب أن تكون حالة الطوارئ محددة، وحدد حصراً مبررات لإعلان حالة الطوارئ. كما يتبين من النص الدستوري المذكور [يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ بقرار جمهوري على الوجه المبين في القانون] أنه يفترض وجود (قانون) ينظم هذه الحالة، وعند البحث في القوانين فإننا لا نجد سوى قانون واحد بخصوص حالة الطوارئ، وهو القرار الجمهوري بالقانون رقم (8) لسنة 1963م بشأن حالة الطوارئ والمعدل بالقانون رقم (24) لسنة 1963م.
ولما كان هذا القانون من القوانين الشطرية الصادرة قبل الوحدة، فهـل يمكن الاعتداد به؟ وما مدى إمكانيـة العمل بالأحكام الواردة فيه؟ الواقع أن الآراء قد تباينت بهذا الخصوص ونوجزها على النحو التالي:
1) الرأي الأول: إمكانية الاعتداد بقانون الطوارئ لعام 1963م:
يرى أستاذنا الدكتور/ أبو بكر مرشد الزهيري أن القانون الذي أشارت إليه المادة (121) من الدستور هو قانون الطوارئ الصادر عام 1963م، على اعتبار أن جميع الدساتير والإعلانات الدستورية المتعاقبة قد أكدت على سريان القوانين والقرارات السابقة على صدورها، وأنه لم يوجد في دستور دولة الوحدة عام 1991م ولا في اتفاقية الوحدة ما يفيد إلغاء هذا القانون، ومن ناحية أخرى يؤكد سيادته على إمكانية الاعتداد بهذا القانون بأن قرار إعلان رئيس الجمهورية لحالة الطوارئ خلال حرب الانفصال عام 1994م قد خلا من تحديد رقم القانون وتاريخه، وبالتالي يكون المقصود هو قانون 1963م كونه القانون الوحيد الصادر بهذا الخصوص.
ومع التقدير لسيادة الدكتور صاحب الرأي، إلا أن الباحث يرى مجانبته للصواب وذلك من ناحيتين:
الأولى: إن القول بأن «جميع الدساتير والإعلانات الدستورية المتعاقبة قد أكدت على سريان القوانين والقرارات السابقة على صدورها»، هو أمر لا يمكن التسليم به، حيث يمكن القبول بذلك على افتراض بقاء نص المادة (130) من دستور الوحدة لعام 1991م والتي تنص على أن: [كلما قررته القوانين والقرارات المعمول بها في كل من شطري اليمن تبقى سارية المفعول في الشطر الذي كانت سارية فيه عند صدورها إلى أن تعدل وفقاً للقواعد والإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور]، أما بعد التعديلات الدستورية لعامي (1994-2001م) والتي لم تذكر مثل هذا النص، فـلا يمكن الاعتـداد بقانون الطوارئ لعام 1963م، لأنه تم إلغاء نص هذه المادة وإلغاء حكمها تبعـاً لذلك، والجدير بالذكر أن نص هذه المادة قد جاء في دستور الوحدة بشكل مؤقت حتى تتاح الفرصة لتوحيد تشريعات الشطرين، ومن ثم ألغي هذا النص.
الثانية: بالنسبة للقول بأن «إعلان رئيس الجمهورية لحالة الطوارئ في عام 1994م قد خلا مـن تحديد رقم القانون وتاريخه وأن المقصود هو قانون الطوارئ»، فإنه صحيح أن المقصود هو قانون الطوارئ؛ لأنه لا يوجد غيره في المنظومة التشريعية، إلا أن ذلك لا يعني إمكانية العمل بهذا القانون، ومن ناحية أخرى قد يكون عدم تحديد رقم القانون وتاريخه هو الخشية من الالتفات لهذا القانون وفتح باب لمناقشة مشروعية قرار الإعلان.
2) الرأي الثاني: عدم الاعتداد بقانون الطوارئ لعام 1963م:
يرى أستاذنا الدكتور/ مطهر محمد العزي أنه لا يمكن العمل بقانون الطوارئ الصادر عـام 1963م، ويبدو ذلك جلياً في قوله: [إن القارئ لهذا القانون يجده أولاً وقبل كل شيء قانوناً شطرياً لا يصح أن يتعامل به مطلقاً لما فيه من عيوب وقصور وانتهاك صارخ للحقوق والحريات ناهيك وأن اليمن الآن أصبحت من أبرز الدول العربية ديمقراطية ... فكيف إذاً نحتكم لقانون يتعارض مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وعلى حد أدنى يعد متعارضاً لنصوص دستور الجمهورية اليمنية النافذ ... ومخالفاً للقواعد الدستورية المقررة بشكل صارخ، وفي تطبيقه مساس وانتهاك للحقوق والحريات الأساسية، بل ومخالف للشرعة الدولية لحقوق الإنسان].
ويؤكـد أستاذنا الدكتور/ أحمد عبدالرحمن شرف الدين على انعدام هذا القانون وعدم إمكانية العمل به إطلاقاً، وذلك بقوله: [فالواقع أنه لم يصدر وحتى الآن قانون للطوارئ في اليمن فكلما يوجد من قوانين في اليمن تحكم الظروف الاستثنائية هو قانون مجلس الدفاع الوطني رقم (12) لسنة 1991م وقانون الدفاع المدني رقم (24) لسنة 1997م].
ويبدو أن الرأي الثاني هو الأولى بالقبـول حيث أنه لا يمكن الاعتداد بقانون الطوارئ لعـام 1963م، وبهذا الصدد يضيف الباحث نقطة هامة، وهي أن قانون الطوارئ لعام 1963م لم يصدر عن البرلمان ذاته، بل إنه [قرار جمهوري بقانون]؛ أي أنه من قبيل لوائح الضرورة التي تصدرها السلطة التنفيذيـة في غيبة البرلمان أو في فترة حله، وهذا أمرٌ غـير مقبول، حيث أنه لا يمكن أن تتولى السلطـة التنفيذية– عن طريق سلطتها الاستثنائية في التشريع– تحديد اختصاصاتها الاستثنائية التي تستوجبها حالة الطوارئ.
المطلب الثاني
مبررات إعلان حالة الطوارئ في القانون اليمني
حدد الدستور اليمني المبررات الداعية إلى إعلان حالة الطوارئ في المادة (121) منه ما لفظه: [.. وفي جميع الأحوال لا تعلن حالة الطوارئ إلا بسبب قيام الحرب أو الفتنة الداخلية أو الكوارث الطبيعية]، ولقد أحسن المقنن الدستوري اليمني حينما نص صراحة على المبررات الداعية لإعلان حالة الطوارئ في صلبه، على خلاف نظيره المصري الذي أحال تحديد تلك المبررات إلى القانون الخاص بالطوارئ، ولا يخفى ما لتنظيم تلك المبررات في القانون بدلاً من تنظيمها في الدستور من عيوب؛ لأن إجراءات تعديل القوانين أسهل وأيسر من إجراءات تعديل الدستور. فمن غير المستحب ترك تحديدها للقانون، لما للسلطة التنفيذية من تأثير متزايد على السلطة التشريعية خصوصاً إذا كان أغلبية أعضاء البرلمان ينتمون للحزب الحاكم. وبالتالي فإن مبررات إعلان حالة الطوارئ تتمثل فيما يلــي:
أولاً: المبرر الأول «قيام الحـرب»:
إن أحد أهم المبررات الداعية إلى إعلان حالة الطوارئ هي قيام حالة الحرب، لما يترتب عليها من مخاطر محدقة ومهددة للمصالح العليا للدولة، ومن جهة على مصالح وحقوق الأفراد. ويبدو أن حالة الحرب التي قصدها المقنن الدستوري باعتبارها إحدى الحالات التي تجيز استخدام سلطة الطوارئ هي التي تكون اليمن طرفاً فيها، أو التي تقع في أراضي الدول المجاورة ويكون لها تأثير كبير ومباشر على البلاد، أو التي تقع بين بلدان تربط اليمن بإحداها معاهدة دفاع مشترك أو حلف عسكري.
على أن القانون المصري قد جعل (حالة التهديد بوقوع الحرب) أحد مبررات إعلان حالة الطوارئ، وقد تعرض هذا المسلك للانتقاد باعتبار أن تحديد حالة التهديد بالحرب هو أمر لا سبيل إلى تحديده، فلا يشترط لقيام هذه الحالة أن تتحقق بالجمهورية أو تكون بسببها أو متعلقة بها أو أن تكون الجمهورية طرفاً في الحرب التي تهدد بالوقوع، كما لا يشترط أن تكون الحرب المهدد بوقوعها داهمة أي حالة وعاجلة ولا أن تكون الحالة المهددة بوقوع الحرب مفاجئة. ويبدو أن هذا النقد في محله ذلك أن السلطة التنفيذية قد تتوسع في تقدير إعلان حالة الطوارئ بناءً على التهديد بالحرب، حيث يكون لها أن تعلن حالة الطوارئ ولو لم تكن هناك أي حرب.
ولما كان هذا هو موقف المقنن المصري، فهل يمكن اعتبار التهديد بوقوع الحرب أحد مبررات إعلان حالة الطوارئ بالنسبة للجمهورية اليمنية؟ الواقع أن الدستور اليمني لم يذكر شيئاً عن التهديد بوقوع الحرب، بل جعل قيام الحرب وحدها هي المبرر لإعلان حالة الطوارئ، وبالتالي فإن التهديد بوقوعها لا يمكن اعتباره أحد مبررات إعلان حالة الطوارئ في اليمن. ولا يقدح في صحة هذا القول أن المادة الأولى من قانون الطوارئ لعام 1963م قد أقرت «التهديد بوقوع الحرب» كأحد مبررات إعلان حالة الطوارئ، إذ أنه لا يمكن العمل بهذه المادة– ولا بالقانون برمته– لمخالفته نصاً دستورياً صريحاً حدد مبررات إعلان الطوارئ حصراً دون غيرها.
ثانياً: المبرر الثاني «الفتنة الداخلية»:
لم يرد تعريف للفتنة الداخلية في أي من نصوص القوانين النافذة، ويبدو أن ذلك يرجع إلى صعوبة ضبط هذا المصطلح بتعريف دقيق يشمل كل معانيه وعناصره، على أن البعض يعرف الفتنة الداخلية بأنها: تلك التي يمتزج فيها الصراع السياسي أو الاجتماعي أو الطائفي بأعمال العنف والشغب، أو الأحداث التي تقع قبل أو أثناء أو بعد الانقلابات، أو الثورات الهادفة إلى تغيير نظام الحكم بالقوة.
وأياً كان وصف (الفتنة الداخلية) فإن هذا المبرر يعد فضفاضاً فهو يفسح المجال لتطبيقه على وقائع قد لاتصل إلى الخطورة التي تبرر إعلان حالة الطوارئ، فقد تعمد الإدارة إلى إعلان حالة الطوارئ استناداً إلى وجود فتنة داخلية ولو لم تبلغ هذه الفتنة درجة كبيرة من الخطر. وخير مثال على ذلك: أعلنت حالة الطوارئ خلال حرب الانفصال باعتبارها فتنة داخلية حيث جاء في ديباجة قرار إعلان حالة الطوارئ لعام 1994م: [.. ونظراً لقيام فتنة داخلية في البلاد بسبب تمرد عناصر انفصالية...]. كما أعلنت حالة الطوارئ بناءً على ذات المبرر حيث جاء في ديباجة لقرار إعلان الطوارئ لعام 2011م: [.. ونظراً لقيام حالة شغب في بعض المدن اليمنية واعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة مما يشكل فتنة داخلية تهدد الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي والسلام والاستقرار..]. ويتضح من النصين السابقين أن حالة الطوارئ أعلنت مرتين استناداً إلى ذات المبرر وهو (الفتنة الداخلية) ولكن لحدوث واقعتين مختلفتين، ويلاحظ أن حرب الانفصال أكثر خطورة بكثير من الحالة الثانية التي قد تكفي السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة لمواجهتها، وحلاً لهذا الإشكال المتمثل في غموض مصطلح الفتنة الداخلية يمكن وضع قاعدة عامة مفادها: أن الفتنة الداخلية لا تكون مبرراً لإعلان حالة الطوارئ إلا إذا لم تتمكن الإدارة من مواجهة أخطار هذه الفتنة بالقواعد القانونية المقررة في الظروف العادية.
وقد عبر المقنن المصري عن هذا المبرر بـ(حدوث اضطرابات في الداخل)، على أنه يشترط فيها أن تكون مسلحة، بحيث تشكل خطورة بالغة على نظام الدولة ومؤسساتها بشكل يصعب مواجهتها بأي طريقة أخرى. وقد انتقد هذا المبرر على اعتبار أن تحديد هذه الاضطرابات ونوعيتها أمر صعب التحديد فهو يعني العصيان أو التمرد أو التظاهرات المسلحة أو المخربة، وذلك إذا اتخذت شكلاً جماعياً واتسمت بالعنف وتفاقم خطرها، بحيث لم تعد السلطة التنفيذية قادرة على مواجهتها بوسائلها العادية. ومن ناحية أخرى فإن غموض مصطلح «الاضطرابات الداخلية» قد يتيح للسلطة التنفيذيـة إعلان حالة الطوارئ بسبب اضطرابات عادية قد لا تصل إلى درجة الخطر الذي يبرر إعلان حالة الطوارئ.
ثالثاً: المبرر الثالث «الكوارث الطبيعية»:
نجد تعريف الكوارث الطبيعية في قانون الدفاع المدني في المادة (1) الفقرة (ب) ... الكوارث الطبيعية: كل كارثة ليس للإنسان دخل فيها مثل: الهزات الأرضية والبراكين، والفيضانات، والأعاصير وغيرها. على أنه لا يلزم أن تقع هذه الكوارث في إقليم الدولة– كما يفهم من ظاهر النص– إذ ليس هناك ما يمنع من إعلان حالة الطوارئ إذا وقعت كارثة طبيعية في دولة مجاورة مادام تأثيرها قد وصل إلى إقليم الدولة بحيث أصبح من غير الممكن مواجهتها بالوسائل القانونية العادية.
وقد عبر المقنن المصري عن هذا المبرر بـ (كوارث عامة) على أنه يجب أن تصل هذه الكوارث إلى درجة من الأهمية بحيث تخرج من حيز التخصص والفردية إلى مستوى العمومية التي تنتشر فيها النتائج إلى كامل إقليم الدولة أو جزء يعتد به منها.
المطلب الثالث
إجراءات إعلان حالة الطوارئ وانتهائها
إذا توافر أحد المبررات المشار إليها في المطلب السابق، ففي هذه الحالة يمكن تطبيق نظام حالة الطوارئ وما يترتب عليه من تمتع السلطة التنفيذية بسلطات استثنائية، إلا أن تطبيق هذا النظام لا يتم تلقائياً بمجرد توافر أحد مبرراته، إذ لا بد أن يسبق ذلك إجراء هام وخطير وهو «إعلان حالة الطوارئ»، ونبين الجهة المختصة بإصدار قرار الإعلان وشروطه وبياناته وإجراءاته وانتهاء حالة الطوارئ وذلك من خلال الفقرات التالية:
أولاً: قرار إعلان حالة الطوارئ وشروطه:
الأصل أن إعلان حالة الطوارئ من اختصاص السلطة التشريعية باعتبارها المختصة دستورياً بتنظيم معظم السلطات الاستثنائية الممنوحة للسلطة التنفيذية في ظل نظام الطوارئ، إلا أنه واستثناء من هذا الأصل تذهب أغلب الدساتير المعاصرة إلى تقرير اختصاص السلطة التنفيذية حق إعلان العمل بنظام حالة الطوارئ؛ لأنها السلطة التي تملك اتخاذ الإجراءات السريعة إذا ما استوجبت الظروف العمل بهذا النظام، ونظراً لأنها موجودة باستمرار على نحو دائم على خلاف البرلمان الذي قد يكون في عطلة أو ما بين أدوار انعقـاده.
أسند الدستور اليمني لرئيس الجمهورية إعلان حالة الطوارئ، وهذا هو حال القانون اليمني حيث جاء في المادة (121) من الدستور: [يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ بقرار جمهوري على الوجه المبين في القانون ..]، ويفيد النص أن الجهة المختصة بإعلان حالة الطوارئ تتمثل في رئيس الجمهورية وأن أداة الإعلان هي القرار الجمهوري، على أن النص من ناحية أخرى قد تضمن أن تعلن حالـة الطوارئ على الوجه المبين في القانون، فهل معنى ذلك أنه يلزم لصحة قرار الإعلان وجود قانون طوارئ؟ بمعنى آخر هل يؤثر- القول بعدم الاعتداد بقانون الطـوارئ لعام 1963م- علـى صحة قرار إعلان حالة الطوارئ؟ وما مدى صحة الإعلانات الصادرة في اليمن؟
توصلنا من خلال ما سبق إلى عدم إمكانية العمل بقانون 1963م الخاص بتنظيم حالة الطوارئ، إلا أن الباحث يرى أن لا تأثير لذلك على صحة قرار الإعلان ذاته، ونؤسس الرأي على أن ورود عبارة (على الوجه المبين في القانون) لا يعني ضرورة وجود قانون كشرط لإصدار قرار إعلان الطوارئ، إذ أن الاعتراف بأي نظام استثنائي يكون عن طريق النص عليه في الدستور للإقرار بوجوده، ومن ثم سن قانون يتكفل بتحديد الأحكام والإجراءات المرتبطة بتطبيق هذا النظام. وبالتالي فإن النص الدستوري كافٍ للاعتراف بوجود نظام الطوارئ في اليمن، لاسيما أنه قد نظم كل الشروط اللازمة لإعلان حالة الطوارئ باستثناء شـرط وحيد للبيانات التي يتضمنها قـرار الإعلان، وهذا لا يؤثر في صحة قرار الإعلان– كما سنرى.
ومن جانب آخر، فإن قرار إعلان حالة الطوارئ يعد قراراً إدارياً، وبالتالي فهو يخضع لرقابة القضاء شأنه شأن سائر القرارات الإدارية، لذا فإن القول بعدم صحته تعني اختلال أحد أركانه، ولكننا نرى أن قرار إعلان حالة الطوارئ يكون مكتمل الأركان حتى مع عدم وجود قانون الطوارئ، وبيان ذلك: فمن حيث الاختصاص: فإن القرار صادر من جهة مختصة وهو رئيس الجمهورية، ومن حيث المحل: فإن محل القرار صحيح إذ أن تحقيق الأثر المترتب على قرار إعلان حالة الطوارئ ممكن ومشروع ويتمثل هذا الأثر في توسيع سلطات الإدارة بناءً على النصوص القانونية النافذة، ومن حيث الشكل: فإن القرار أيضاً يكون صحيحاً، حيث أنه صادر بقرار جمهوري وهذا ما قرره الدستور من وجوب أن تعلن حالة الطوارئ بقرار جمهوري، ومن حيث الغاية: فإن صدور قرار إعلان حالة الطوارئ يستهدف حماية المصلحة العامة من الأخطار المحدقة.
وقد يقول قائل بأن التأكيد على صحة قرار الإعلان مع عدم الاعتداد بالقانون لن يحقق أي فائدة عملية، إذ أن الإدارة لن تستفيد من الصلاحيات الاستثنائية الواردة في قانون الطوارئ. ويرد على ذلك، بأن الإدارة تستطيع الاستفادة من القواعد القانونية الواردة في القوانين الأخرى التي أوردت أحكاماً بخصوص حالة الطوارئ– كما سنرى. وبالتالي نتوصل إلى أن قرار إعلان الطوارئ يصدر صحيحاً حتى مع عدم الاعتداد بقانون 1963م، وبالتالي فلا يمكن القول بأن قرارات إعلان حالة الطوارئ التي صدرت في اليمن باطلة بحجة عدم وجود قانون للطوارئ، فتكون حالة الطوارئ معلنة من تاريخ صدور قرار إعلان حالة الطوارئ، ولكن بصفة مؤقتة حتى يتم عرض قرار الإعلان على مجلس النواب ليبت في قرار إعلان الطوارئ بشكل نهائي.
ثانياً: العرض على مجلس النواب:
لما كان تقرير اختصاص السلطة التنفيذية بإعلان حالة الطوارئ يعد استثناء من الأصل، فإن ذلك لا يعني أن تستقل السلطة التنفيذية بذلك تماماً، لذا فإن معظم الدساتير أوجبت إما ضرورة الحصول على موافقة مسبقة أو الالتزام بعرض هذا الإعلان في أقرب وقت ممكن على السلطة التشريعية لتبت فيه على ضوء الظروف التي بررته. وقد أخذ المقنن اليمني بالأسلوب الثاني حيث جاء في المادة (121) من الدستور الحالي: [.. ويجب دعوة مجلس النواب لعرض هذا الإعلان عليه خلال السبعة الأيام التالية للإعلان فإذا كان مجلس النواب منحلاً ينعقد المجلس القديم بحكم الدستور..]. وبناءً على ذلك، فإنه عقب صدور قرار إعلان حالة الطوارئ على النحو المبين آنفاً فإن حالة الطوارئ تعد معلنة ولكن بشكل مؤقت حتى يتم عرض قرار الإعلان على مجلس النواب ليبت فيه بشكل نهائي، وهنا سنكون أمام أحد الفرضين التاليين:
الفرض الأول: موافقة مجلس النواب على إعلان حالة الطوارئ، فهنا تعد هذه الموافقة بمثابة مصادقة على قرار إعلان حالة الطوارئ، وإقرار بصحة الإجراءات التي اتخذتها أو ستتخذها السلطة القائمة على الطوارئ بناءً على ذلك الإعلان.
الفرض الثاني: عدم موافقة مجلس النواب على إعلان حالة الطوارئ، فإن الأصل هنا أن أثر عدم الموافقة يقتصر على المستقبل دون أن ينسحب إلى الماضي، ودون أن يؤثر في سلامة إعلان الطوارئ خلال الفترة السابقة لموافقة البرلمان عليه، باعتبار أن الإعلان قد صدر صحيحاً بصفة مؤقتة حتى يبت فيه البرلمان بشكل نهائي. ومع ذلك فإنه يجوز للبرلمان أن يقرر بنص صريح سريان هذا الإلغاء بأثر رجعي، وفي هذه الحالة يعتبر ذلك الإعلان باطلاً وكذا كل الإجراءات المستندة إليه، وتكون السلطة التنفيذية مسؤولة عن ذلك.
ويضيف بعض الفقهاء فرضاً ثالثاً، وهو حالة صمت مجلس النواب عن الموافقة أو عدم الموافقة، حيث يجب اعتبار هذا الصمت رفضاً لإعلان حالة الطوارئ، ذلك أن هذا الصمت قد يترتب على عدم طرح قرار الإعلان للمناقشة أمام المجلس، كما قد يترتب على عدم موافقة المجلس على قرار الإعلان وتحرّجه من إبداء رأيه صراحة لأسباب سياسية. ويرى الباحث أنه لا محل للقول بذلك لأن الدستور أوجب دعوة مجلس النواب للانعقاد، ومن غير المتصور أن يعقد اجتماع لأعضاء المجلس لغرض مناقشة موضوع معين دون التصويت عليه، ولا يمكن قبول تحرج البرلمان من إبداء رأيه لأي سبب كان؛ لأن صمته يتنافى مع مدلول العرض على البرلمان الذي ينصرف إلى طرح قرار الإعلان للمناقشة أمام المجلس، ثم استصدار موافقة البرلمان عليه.
ثالثاً: تحديد مدة الإعـــلان:
جاء في آخر المادة (121) من الدستور الحالي: [.. ولا يكون إعلان حالة الطوارئ إلا لمدة محدودة ولا يجوز مدها إلا بموافقة مجلس النواب]، وباستقراء هذا النص نجد أنه يثير المسألتين التاليتين:
1) وجوب أن تكون فترة الطوارئ لمدة محدودة:
وتبعاً لذلك فإنه يجب أن يتضمن قرار إعلان حالة الطوارئ بدء سريان وانتهاء حالة الطوارئ، إلا أنه يلاحظ من ناحية أخرى أن النص لم يضع حداً أقصى لهذه المدة، وهذا يعد قصوراً تشريعياً قد يفسح المجال للإدارة أن تعلن حالة الطوارئ لمدة طويلة ولو لم يستوجب الظرف الاستثنائي ذلك، بل قد يزول الظرف الاستثنائي وحالة الطوارئ لإزالة معلنة. والواقع أنه على الرغم من أن إعلان الطوارئ لمدة طويلة لا يتعارض مع النص الدستوري الذي تضمن فقط أن يكون الإعلان «لمدة محدودة»، إلا أنه لاشك يتعارض مع روح النصوص الدستورية والتشريعية، لذا ينبغي أن يكون تطبيق الطوارئ لأقصر مدة ممكنة؛ لأن سلطات الطوارئ هي سلطات مؤقتة بطبيعتها والضرورات تقدر بقدرها، ولا داعي لاستمرار العمل بنظام استثنائي دون موجب لذلك، ومع ذلك فإنه يجب على المقنن اليمني تلافي هذا القصور، ويمكنه ذلك عن طريق النص على أن تنتهي حالة فترة الطوارئ بمجرد زوال أو انتهاء الظرف الاستثنائي الذي أعلنت بسببه حالة الطوارئ.
2) وجوب أن يكون مد فترة الطوارئ بموافقة مجلس النواب:
فإذا دعت الحاجة إلى مد حالة الطوارئ فإنه يجب على السلطة التنفيذية قبل انتهاء المدة المحددة في قرار الإعلان أن تقدم طلباً إلى مجلس النواب للموافقة على ذلك. ولكن ما هو الحال إذا اقتضت الحاجة مد حالة الطوارئ وكان مجلس النواب في غير أدوار انعقاده أو كان منحلاً؟ الواقع أن النص الدستوري لم يتطرق لهذا الأمر فلم يتضمن إلا عبارة: [ولا يجوز مدها إلا بموافقة مجلس النواب]، إلا أنه يمكن قياس الحكم الوارد بشأن عرض قرار الإعلان على مسألة مد حالة الطوارئ، فإذا كان يجب على رئيس الجمهورية عقب إصدار قرار إعلان الطوارئ أن يدعو مجلس النواب للانعقاد لعرض قرار الإعلان عليه، فإنه يمكن تطبيق هذا الحكم على مد حالة الطوارئ حيث يجب على رئيس الجمهورية دعوة المجلس للانعقاد ولو كان في فترة عطلته للنظر في مـد فترة الطوارئ، وبالنسبة للحالة الثانية وهي أن يكون مجلس النواب منحلاً، فقد جاء في النص الدستوري أنه يجب انعقاد المجلس القديم بحكم الدستور لعرض قرار إعلان الطوارئ عليه. وهذا ما يمكن تطبيقه أيضاً عند طلب مد حالة الطوارئ، فيكون واجباً أن ينعقد المجلس القديم للنظر في طلب مد حالة الطوارئ.
وعلى هذا النحو يمكن القول بأن يجب على رئيس الجمهورية عند طلب مد حالة الطوارئ الالتزام بذات الإجراءات المقررة لعرض قرار إعلان الطوارئ على مجلس النواب.
رابعاً: انتهاء حالة الطوارئ:
لما كانت أداة إعلان حالة الطوارئ هي القرار جمهوري، فإن إنهاء حالة الطوارئ يكون بنفس الأداة، حيث جاء في المادة (2) من القانون رقم (23) لسنة 1990م بشأن الاحتياط العام عند تعريفها لحالة الطوارئ: [... وتعلن وتنتهي بقرار من رئيس مجلس الرئاسة]. وهكـذا تنتهي حالـة الطوارئ بقرار من رئيس الجمهورية كما هو الحال عند إعلانها، والواقع أن هذا الحكم عديم الفائدة، لأن حالة الطوارئ تنتهي بمجرد انتهاء المدة المحددة في قرار الإعلان دون أن يتعلق هذا الإنهاء بإرادة السلطة التنفيذية التي لا تملك الاستمرار في نظام الطوارئ إلا بموافقة البرلمان، ويمكن تبرير منح رئيس الجمهورية هذه السلطة لتمكينه من إنهاء حالة الطوارئ قبل حلول أجلها إذا ما رأى أن الظروف تلائم ذلك، ومن ناحية أخرى يمكن عملياً للسلطة التنفيذية أن تجمد العمل بنظام الطوارئ وهو ما يتساوى عملاً مع إنهاء العمل به، ذلك أن مجرد إعلان حالة الطوارئ لا يوجب على سلطة الطوارئ ممارسة الاختصاصات الاستثنائية ووضعها حتماً موضع التنفيذ؛ لأن مباشرة هذه الاختصاصات قوامها سلطة تقديرية بحيث يكون لسلطة الطوارئ أن تمارسها أو لا تمارسها وذلك حسب الظروف التي تتعرض لها.
ولكن هل تنتهي حالة الطوارئ بزوال أو انتهاء الظرف الاستثنائي وذلك قبل حلول الأجل المحدد في قرار الإعلان؟ الحقيقة أن استمرار حالة الطوارئ على الرغم من انقضاء السبب الاستثنائي يعد مخالفة لروح القانون، إلا أنه يصعب الحكم بعدم مشروعيته حيث تقضي القواعد العامة بزوال حالة الطوارئ طالما زالت مبررات إعلانها، وعلى ذلك فإن كل ما يمكن ترتيبه من أثـر في مثل هذه الحالة هو الطعن ضد القرار السلبي لرئيس الجمهورية بعدم إصدار قرار الإنهاء.
على أن المادة (121) من الدستور قد بينت أحوال انتهاء حالة الطوارئ حيث جاء فيها: [.. ويجب دعوة مجلس النواب لعرض هذا الإعلان عليه خلال السبعة الأيام التالية للإعلان فإذا كان مجلس النواب منحلاً ينعقد المجلس القديم بحكم الدستور فإذا لم يدع المجلس للانعقاد أو لم تعرض عليه في حالة انعقاده على النحو السابق، زالت حالة الطوارئ بحكم الدستور...]. وباستقراء نص هذه المادة يتبين أنها قد أوردت الأسباب التي تؤدي إلى زوال حالة الطوارئ بحكم الدستور، وهي:
1) عدم دعوة مجلس النواب السابق للانعقاد إذا كان المجلس قائماً، ذلك أن النص الدستوري قد ذكر هذا الحكم بصيغة الوجوب بقوله: (ويجب دعوة ..).
2) عدم عرض قرار الإعلان على مجلس النواب سواءً أكان في حال انعقاده بناءً على دعوة رئيس الجمهورية، أو في فترة حله وانعقاد المجلس القديم.
3) مضي المدة المحددة في النص الدستوري وهي سبعة أيام من دون العرض على مجلس النواب، ففي هذه الحالة تعتبر حالة الطوارئ منتهية. وهذا الانتهاء يقع بقوة القانون دون حاجة إلى إصدار قرار بذلك من مجلس النواب أو حتى من رئيس الجمهورية؛ إذ أن مرد ذلك الجزاء حكم القانون.
وبالإضافة إلى هذه الأسباب يمكن استنباط أحوال أخرى لانتهاء حالة الطوارئ، وهي:
1) عدم موافقة مجلس النواب على إعلان حالة الطوارئ، فتعد منتهية من تاريخ عدم موافقة المجلس عليها ورفضه لها. وهذا الانتهاء يقع أيضاً بقوة القانون على النحو المبين سابقاً.
2) في حالة انتهاء المدة المحددة لحالة الطوارئ، وذلك تطبيقاً لحكم النص الدستوري والذي اشترط أن تكون حالة الطوارئ لمدة محددة.
3) في حالة عدم موافقة مجلس النواب على طلب مد حالة الطوارئ، وذلك تطبيقاً لحكم النص الدستوري الذي اشترط عدم جواز التمديد إلا بموافقة مجلس النواب.
4) في حالة انتهاء فترة التمديد لحالة الطوارئ على افتراض طلب مدها وموافقة مجلس النواب على ذلك.
ويترتب على إنهاء حالة الطوارئ عودة الأوضاع القانونية إلى ما كانت عليه، فتلتزم السلطة التنفيذية حدود اختصاصاتها العادية التي تقضي بها المنظومة التشريعية السائدة، وتستعيد السلطة التشريعية كامل اختصاصاتها، وتسترجع السلطة القضائية اختصاصاتها كاملة بحيث لا ينأى شيء عن سلطانها ورقابتها وتعود للحقوق والحريات العامة حصانتها الكاملة التي يكفلها الدستور وفقاً لمبدأ المشروعية.
ونستخلص من خلال هذا المطلب أنه لكي تعلن حالة الطوارئ في اليمن يجب أولاً أن يصدر قرار بإعلان حالـة الطوارئ بقرار جمهوري يتضمن فترة الطوارئ، ثم عرض هذا القرار على مجلس النواب خلال سبعة أيام من تاريخ صدوره. ومن ناحية أخرى توصلنا إلى أن قرار إعلان حالة الطوارئ يكون صحيحاً حتى مع فرض عدم وجود قانون للطوارئ في اليمن، إلا أنه وعلى افتراض صحة ما توصل إليه الباحث فهل يترتب على صحة قرار إعلان الطوارئ صحة الإجراءات التي قد تصدر استناداً إلى هذا القانون؟ وما مدى الرقابة على القضائية على حالة الطوارئ؟ هذا ما سنجيب عليه من خلال المطلب التالي:
المطلب الرابع
آثار حالة الطوارئ والرقابة القضائية عليها
أولاً: الآثار المترتبة على إعلان حالة الطوارئ:
يترتب على العمل بنظام الطوارئ اتساع سلطات الإدارة لمواجهة الظرف الاستثنائي ومنحها سلطات استثنائية لا تدخل في اختصاصاتها في الظروف العادية، ويجد هذا التوسع أساسه في التشريع الاستثنائي– وهو قانون الطوارئ في هذا السياق– الذي يمنح الإدارة سلطات موسعة وينظم الإجراءات والتدابير التي يكون لها أن تتخذها خلال فترة الطوارئ في سبيل مواجهة الظروف المحدقة القائمة. وقد توصلنا إلى عدم إمكان العمل بقانون الطوارئ لعام 1963م وفقاً للمبررات الواردة فيما سبق، وتوصلنا أيضاً إلى أن القول بذلك لا يؤثر على صحة قرار إعلان الطوارئ، وعلى ذلك فإن ما صدر وما سيصدر من قرارات بإعلان حالة الطوارئ في اليمن تكون صحيحة ونافذة، ولكن السلطة القائمة على الطوارئ لن تتمكن من اللجوء إلى النصوص القانونية الواردة في قانون الطوارئ لعام 1963م، ولا يكون لها أن تتخذ أي إجراء من الإجراءات أو التدابير الاستثنائية الواردة فيه.
وقد يقول قائل: ما الفائدة العملية من إعلان حالة الطوارئ طالما أن السلطة القائمة على الطوارئ لن تتمكن من الالتجاء إلى أحكام القانون الخاص بالطوارئ؟
نجيب على ذلك بأنه وإن كانت السلطة التنفيذية لا تستطيع العمل بالأحكام الواردة في قانون الطوارئ، إلا أنها على الأقل تستطيع الاستفادة من القواعد القانونية الواردة في التشريعات الأخرى والتي نظمت بعض أحكام حالة الطوارئ، وبالتالي فالسلطة التنفيذية في بلادنا تستطيع– خلال فترة الطوارئ– الاستفادة من القوانين التي تضمنت نصوصاً قانونية خاصة بحالة الطوارئ، ومن هذه القوانين: (قانون مجلس الدفاع الوطني رقم 62 لسنة 1991م– قانون الدفاع المدني رقم 24 لسنة 1997م– قانون الاحتياط العام رقم 23 لسنة 1990م– قانون الاتصالات السلكية واللاسلكية رقم 38 لسنة 1991م).
وبالتالي فإذا عمدت الإدارة في اليمن– بعد أن تعلن حالة الطوارئ– إلى اتخاذ أي تدبير من التدابير الاستثنائية الواردة في قانون الطوارئ 1963م فإن تصرفاتها تكون عرضة للإلغاء، كونه لا يعتد بهذا القانون كما أنه لم يبين التدابير الاستثنائية الممنوحة للإدارة بطريقة واضحة ومحددة لتجنب أي تعسف في تطبيقها، فما ورد في هذا القانون من أحكام وسعت سلطات الإدارة بشكل مفرط وبصورة تتنافى مع الغاية التي من أجلها شرّعت الأنظمة الاستثنائية، وتضمن في طياته جملة من الاعتداءات الصارخة على السلطتين التشريعية والقضائية، وجملة من السلطات الواسعة في تقييد حقوق الأفراد وحرياتهم. وبالتالي وفي سبيل التأكيد على انعـدام هذا القانـون وعدم شرعيته– ومن ثم عدم إمكانية العمل به– نعرض لأهم مظاهر تلك الاعتداءات على النحو التالي:
1) بعض مظاهر الاعتداء على السلطة التشريعية:
خولت المادة (5) من قانون الطوارئ السلطة القائمة على الطوارئ تحديد عقوبات تفرض على مخالفة الأوامر الصادرة منها، وهذا يعد انتهاكاً صارخاً لاختصاص السلطة التشريعية في سن نصوص التجريم والعقاب طبقاً للمادة (62) من الدستور التي جاء فيها: [مجلس النواب هو السلطة التشريعية للدولة وهو الذي يقرر القوانين...]، وبالتالي فإن تحديد نوع العقوبة ومقدارها مصدره التشريع وحده، تطبيقاً لمبدأ أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص شرعي أو قانوني، وهو المبدأ الدستوري المسلم به والذي لا مندوحة عنه. ومن ذلك أيضاً ما تضمنته المادتان (7 ، 10) من قانون الطوارئ التي خولت السلطة القائمة على الطوارئ حق تشكيل محاكم أمن دولة جزئية وتشكيل دوائر قضائية، وهذا لا يعد اعتداء على اختصاص السلطة التشريعية في ترتيب الجهات القضائية وتحديد اختصاصاتها وحسب، بل يعد انتهاكاً لحكم صريح ورد في الدستور حيث تضمنت المادة (150) منه: [.. ولا يجوز إنشاء محاكم استثنائية بأي حال من الأحوال].
2) بعض مظاهر الاعتداء على السلطة القضائية:
إن إنشاء محاكم استثنائية على النحو المبين في الفقرة السابقة يمثل أيضاً انتهاكاً لاختصاص السلطة القضائية في نظر جميع المنازعات حيث تنص المادة (149) من الدستور على أن: [القضاء سلطة مستقلة قضائياً ومالياً وإدارياً والنيابة العامة هيئة من هيئاته، وتتولى المحاكم الفصل في جميع المنازعات والجرائم..]، كما يعد انتهاكاً لاختصاص السلطة القضائية ما جاء في المادة (10) من قانون الطوارئ من تخويل لسلطة الطوارئ بالإحالة لمحاكم أمن الدولة الجرائم التي يعاقب عليها القانون العام.
3) بعض مظاهر الاعتداء على الحقوق والحريات العامة:
لما كانت الظروف الاستثنائية التي تتعرض لها الدولة تقتضي السماح بوضع قيود على الحقوق والحريات العامة فإن ذلك لا يعني العصف بها، لذلك يجب أن يتضمن التشريع الاستثنائي بوضوح مدى تلك القيود، وكما قلنا بأن هذا لم نجده في قانون الطوارئ لعام 1963م. ونذكر على سبيل المثال: أن المادة (3) من هذا القانون أجازت فرض بعض القيود، منها: قيود على حرية الأشخاص، والقبض على المشتبه بهم أو الخطرين على النظام، ومراقبة الرسائل والصحف والمنشورات، وتحديد مواعيد فتح المحلات وإغلاقها، والاستيلاء على أي منقول أو عقار والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات، وسحب تراخيص الأسلحة وأشباهها، وإخلاء بعض المناطق وعزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.
ولا تثور مشكلة بصدد تلك القيود كونها تمس طائفة من الحقوق والحريات التي يجوز المساس بها في الظروف الاستثنائية، وإنما المشكلة في العبارة التي وردت في آخر هذه المادة ونصها كالآتي: [... ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية توسيع دائرة الاختصاصات المبينة فيما سبق على أن يعرض هذا القرار على مجلس الرئاسة في أول اجتماع له]، حيث تفيد هذه العبارة أن تلك القيود وردت على سبيل المثال لا الحصر، مما ينطوي على خطورة كبيرة على حقوق وحريات الأفراد، حيث يكون للإدارة بناءً على هذه العبارة سلطات واسعة ومطلقة تستطيع بمناسبتها تقييد الحقوق والحريات كيف تشاء أو حتى العصف بها إذا عَنَّ لها ذلك. والجدير بالذكر أن مظاهر الاعتداء على السلطتين التشريعية والقضائية المذكورة في الفقرتين السابقتين تمثل اعتداءً على حقوق وحريات الأفراد لاسيما حق التقاضي، فضلاً عن تحصين الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة من أي وجه من وجوه الطعن ومنح رئيس الجمهورية سلطة التصديق عليها لتكون نهائية.
ثانياً: الرقابة القضائية على حالة الطوارئ:
يترتب على إعلان حالة الطوارئ اتساع سلطات الإدارة لمواجهة الظرف الاستثنائي ومنحها سلطات استثنائية لا تدخل في اختصاصاتها في الظروف العادية على حساب السلطات الأخرى مما يؤثر سلباً على مبدأ الفصل بين السلطات، وقد تعمد الإدارة إلى المساس ببعض الحقـوق والحريات العامة في سبيل تلافي الأخطار المحدقة الناجمة عن الظرف الاستثنائي. لـذا فإنه لا بد من وجود رقابة قضائية على إعلان حالة الطوارئ من جهة، ومن جهة أخرى على الإجراءات المستندة إليه، ونتناول ذلك من خلال ما يلي:
1) الرقابة القضائية على قرار إعلان حالة الطوارئ:
إن بحث مدى إمكانية بسط رقابة القضاء على قرار إعلان حالة الطوارئ يقتضي تحديد الطبيعة القانونية لهذا القرار، فقد أثار هذا الموضوع جدلاً كبيراً لدى الفقه والقضاء حول ما إذا كان قرار إعلان الطوارئ يعد قراراً إدارياً يخضع لرقابة القضاء، أم أنه يعد من أعمال السيادة التي لا تخضع لرقابة القضاء.
حيث يتجه جانب من الفقه إلى اعتبار قرار إعلان حالة الطوارئ من قبيل أعمال السيادة، باعتبار أن هذا الإعلان هو الإجراء الوحيد من بين أعمال الحكومة المتعلقة بالأمن والنظام العام الذي لا يزال معتبراً من أعمال السيادة، وأن السلطة السياسية هي التي تستطيع أن تقدر مدى تعرض أمن الدولة والنظام للخطر، لأنها المسئولة عن استقرار الدولة وتأمين سلامتها في الداخل والخارج ومواجهة الكوارث، وبالتالي يعتبر قرار إعلان حالة الطوارئ قراراً سياسياً يدخل ضمن أعمال السيادة. وفي نفس الاتجاه استقر القضاء الإداري في مصر على اعتبار قرار إعلان حالة الطوارئ من أعمال السيادة التي لا تخضع لرقابة القضاء، استناداً إلى كونه من الأعمال التي تباشرها الحكومة باعتبارها سلطة حكم، وفي نطاق وظيفتها السياسية؛ أي تباشره بما لها من سلطة عليا لتحقيق مصلحة الجماعة السياسية كلها وتأمين سلامتها وأمنها في الداخل والخارج.
لكن الرأي الغالب في الفقه يرفض بحق اعتبار قرار إعلان الطوارئ من أعمال السيادة ويرى أنه مجرد عمل إداري مثل سائر أعمال الإدارة، على اعتبار أن حالة الطوارئ هي نظام استثنائي أقره الدستور ووضع له حدوده وضوابطه، ويجب أن تتقيد السلطة التنفيذية بمراعاة هذه الحدود والضوابط، وللقضاء أن يراقب ذلك للتأكد من عدم الخروج عليها مثلما يفعل بالنسبة لبقية أعمال الإدارة، فطالما إن اللجوء إلى هذا النظام الاستثنائي يجد أساسه في الدستور فهو يعتبر من الأعمال الدستورية، وبالتالي فإنه لا يجوز مصادرة حق السلطة القضائية في رقابة أعمال الإدارة.
وعلى الرغم من ذلك إلا أن عرض قرار إعلان الطوارئ على البرلمان يثير نوعاً من الشك حول صحة القول بأن هذا القرار من الأعمال الإدارية العادية وليس من أعمال السيادة. وفي هذا الشأن يرى بعض الفقهاء أن القرارات بعد صدورها من رئيس الدولة وقبل إقرارها من البرلمان يمكن الطعن فيها أمام القضاء الإداري، أما بعد إقرار البرلمان لها فإنها تتحصن من هذه الرقابة شأنها في ذلك شأن القوانين الصادرة من البرلمان.
ويلاحظ أن هذا الرأي يجعل قرار إعلان الطوارئ شبيهاً بـ «القوانين» مع الفروق الواضحة والجلية بينهما، لذا فإننا نرى أن موافقة البرلمان لا تضيف شيئاً جديداً إلى قرار إعلان الطوارئ، ولا ترتفع به إلى مصاف القوانين، ولا تخرجه من كونه قراراً إدارياً شأنه شأن سائر القرارات الإدارية؛ لأن القوانين لا تصدر إلا ممن يملك ذلك وهو البرلمان كقاعدة عامة، واستثناءً للسلطة التنفيذية بالطرق المقررة سواءً في صورة لوائح ضرورة أو لوائح تفويض، ولا نجد في قرار إعلان الطوارئ ما يمكن وصفه بالقانون.
كما أن عرض قرار إعلان حالة الطوارئ على البرلمان ليس لإقراره كقانون، بل للموافقة عليه وحسب، ويبدو أن اشتراط عرض قرار الإعلان على البرلمان يرجع إلى الأهمية الخطيرة التي يترتب عليها إصدار هذا القرار، ذلك أن الموافقة عليه تعني منح السلطة التنفيذية سلطات أوسع بممارستها قد تختل بعض المبادئ الأساسية، لاسيما مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ عدم المساس بحقوق وحريات الأفراد، ومن جانب آخر قد يكون اشتراط عرض قرار إعلان الطوارئ على البرلمان، لكون السلطة التشريعية هي المختصة أصلاً بإعلان الطوارئ، وإنما تقرر ذلك للسلطة التنفيذية استثناءً من الأصل، ومن ثم فإنه من المنطقي أن لا تستقل السلطة التنفيذية بهذا الاختصاص مطلقاً، بل لابد من أخذ موافقة السلطة التشريعية.
ومن جانب آخر فإن خضوع قرار إعلان حالة الطوارئ لرقابة البرلمان لا يستبعد خضوعه لرقابة القضاء، وذلك لاختلاف مجال وأثر كل من هاتين الرقابتين، فالرقابة البرلمانية هي رقابة ملاءمة ويترتب عليها بقاء أو زوال الإجراء من وقت عدم الموافقة عليه، أما الرقابة القضائية فهي رقابة مشروعية تستهدف التأكد من توافر الشروط القانونية في الإجراء أو التصرف محل الرقابة ويترتب عليها إما الحكم بصحته أو الحكم بإلغائه بأثر رجعي.
أما في القانون اليمني فإنه لا مجال للحديث عن أعمال السيادة أساساً، حتى يمكن القول بأن قرار إعلان الطوارئ يعد من قبيل أعمال السيادة؛ حيث أنه لم يرد في التشريع اليمني أي نص يحظر على السلطة القضائية النظر في مثل هذه الأعمال، فقد بات مألوفاً أن تتضمن قوانين السلطة القضائية أو القضاء الإداري نصاً يحظر على السلطة القضائية المختصة النظر في القرارات التي تعتبر من أعمال السيادة، وقد خلا قانون السلطة القضائية في اليمن من نص كهذا، ومن ناحية أخرى فإن هذه الأعمال تتعارض مع مبدأ الشرعية الإسلامية التي يأخذ بها النظام الدستوري والقانوني في اليمن.
ولما كان قانون الطوارئ ذاته يخضع أساساً للرقابة الدستورية شأنه شأن القوانين الأخرى، فلا يمكن القول بأنه يفلت مجرد القرار الإداري بإعلان الطوارئ– الصادر استناداً إلى ذلك القانون– من الخضوع لرقابة القضاء. ومن جانب آخر فإن أعمال السيادة لا تعمل على موازنة مبدأ المشروعية، بل تعدمه تماماً، فكما هو معلوم أن أحد أهم أسس تطبيق مبدأ المشروعية هو وجود رقابة قضائية فعالة، وهذا لا يصدق على أعمال السيادة التي تكون بمنجاة من أية رقابة. ومع ذلك فإن الباحث يؤكد على ضرورة أن يحذو المقنن الدستوري اليمني حذو نظيره المصري الذي نص في صلبه على عدم جواز تحصين أي قرار من رقابة القضائية.
2) الرقابة القضائية على الإجراءات المستندة إلى إعلان حالة الطوارئ:
نظراً لما تبرره الظروف الاستثنائية من مخالفة القواعد القانونية المقررة لاسيما أن ذلك يفرض خطراً على الحريات العامة، فقد يخشى من ذلك خاصة إذا أساء رئيس الدولة استعمال نظام الطوارئ في الدول حديثة العهد بالنظم الديمقراطية أن يؤدي ذلك إلى قيام نوع من الدكتاتورية تحت ستار النصوص الدستورية.
لذا فإنه من الضروري وجود ضمانات تحمي تلك الحقوق والحريات إذا ما تعسفت الإدارة في استخدام تلك السلطات. ولا خلاف في أن الرقابة القضائية هي أهم تلك الضمانات جدية وفعالية، فهي ضرورية في الأوقات العادية، وهي حتمية في الأوقات الاستثنائية، لضمان احترام الإدارة لكافة قواعد المشروعية بوجهيها العادي والاستثنائي. فالقضاء هو الذي يمسك بيده الميزان بين مقتضيات الضرورة ومقتضيات المشروعية، أو بين مقتضيات ما تدعي السلطة أنه مصلحة عامة ومقتضيات ما يدعيه الأفراد من مشروعية.
وقد رأينا خلال الفقرة السابقة اختلاف الفقهاء حول مدى خضوع قرار إعلان الطوارئ للقضاء من عدمه، إلا أنه لا محل لذلك الخلاف بالنسبة للإجراءات الصادرة استناداً إلى ذلك الإعلان، فقد اتفق الفقه والقضاء في مصر وفرنسا على اعتبار كافة الإجراءات والأوامر الصادرة من السلطة القائمة على الطوارئ خلال فترة الطوارئ خاضعة للرقابة القضائية باعتبارها من قبيل الأعمال الإدارية وليس لها صفة أعمال السيادة.
ومن ذلك ما أكد عليه مجلس الدولة المصري من أن نظام الطوارئ ليس نظاماً مطلقاً، بل هو نظام خاضع لقانون أرسى الدستور أساسه وأبان القانون أصوله وأحكامه ورسم حدوده وضوابطه، فيجب إجراؤه على مقتضى هذه الأصول والأحكام وفي نطاق الحدود والضوابط وإلا كان ما يتخذ من تدابير وإجراءات مجاوزاً لهذه الحدود، مخالفاً للقانون، تنبسط عليه الرقابة القضائية إلغاءً وتعويضاً.
وبناءً على ما سبق، فإن ما يصدر من الإدارة في إطار حالة الطوارئ من إجراءات وتدابير أو قرارات لا تكون بمنأى عن رقابة القضاء، ويراقب القضاء بصفة خاصة عنصر السبب في تلك القرارات والإجراءات الصادرة خلال فترة الطوارئ، فلا يكون الإجراء أو القرار مشروعاً إلا عند قيام أسباب جدية تبرره، وأن يكون الوسيلة الوحيدة لدفع الخطر، وبيان ما إذا كان هدفه تحقيق الصالح العام المتمثل في حماية الأمن والنظام العام من عدمه. وبالتالي يكون من حق كل متضرر من الإجراءات التي تتخذها السلطة القائمة على الطوارئ اللجوء إلى القضاء الذي يقوم بدوره بالتحقق من مدى التزام تلك السلطة بالقواعد القانونية النافذة المقررة لمواجهة الظروف الاستثنائية.
وبناءً عليه فإن القضاء في اليمن يبسط رقابته على أعمال سلطة الطوارئ، على أنه يثور تساؤل مفاده ما الجهة القضائية المختصة بالرقابة على إجراءات الطوارئ في اليمن؟
للإجابة على هذا التساؤل نقول: أن الرقابة القضائية على أعمال الإدارة تتنوع– سواء في الظروف العادية أو الاستثنائية– إلى ثلاثة أنواع:
نظام القضاء المزدوج: وهو الذي ينشأ فيه قضاء مستقل يختص بنظر المنازعات الإدارية؛ أي أنه يعني تخصيص جهة قضائية مستقلة عن جهة القضاء العادي للبت في المنازعات الإدارية.
نظام القضاء الموحد: وهو الذي يوحد بين المنازعات الإدارية، والمنازعات العادية فيتولى القضاء العادي الرقابة على الإدارة والنظر في المنازعات الإدارية.
نظام القضاء المختلط: وهو الذي يخصص محاكم إدارية للمنازعات الإدارية بالاشتراك مع القضاء العادي.
وتأخذ بلادنا بنظام القضاء المختلط حيث توجد في بلادنا محاكم إدارية تختص بالنظر في المنازعات الإدارية إلى جانب المحاكم العادية ذات الولاية العامة، ويبدو أن إنشاء هذه المحاكم يعد اللبنة الأولى في سبيل إنشاء قضاء إداري متخصص في اليمن.
وبالتالي فإن الجهة المختصة بالرقابة على قرارات وتصرفات الإدارة المستندة إلى حالة الطوارئ هي المحاكم الإدارية في المحافظات التي أنشئت فيها والمحاكم العادية ذات الولاية العامة في بقية المحافظات.
تم بحمد الله،،
الخاتمــة
أولاً: النتائــــج:
1) أن «نظرية الظروف الاستثنائية» لم تعد على الصياغة التي وضعها مجلس الدولة الفرنسي، بل تطورت تطوراً كبيراً وذلك بواسطة الفقه والقضاء الذي عكف في كثير من الدول على تطويرها وتنقيحها.
2) أن حالة الظروف الاستثنائية تختلف عن حالة الضرورة، فالأخيرة ترتبط بسلطة الإدارة في التشريع؛ أي حلول السلطة التنفيذية محل السلطة التشريعية في سن القوانين عن طريق لوائح الضرورة واللوائح التفويضية ولوائح الأزمة، أما حالة الظروف الاستثنائية فترتبط بخروج الإدارة من الشرعية العادية إلى شرعية استثنائية، ومنحها سلطات استثنائية لمواجهة الأخطار الناتجة عن الظروف غير العادية.
3) أن حالة الظروف الاستثنائية لا تعني الخروج على مبدأ المشروعية مطلقاً، وإنما تعمل على تطويعه بما يتلاءم مع الظروف المحدقة التي تمر بها الدولة، وذلك بعكس أعمال السيادة التي تنتهك مبدأ المشروعية بشكل صارخ وتعد خروجاً عليه.
4) أن معظم الدول تبنت نظرية الظروف الاستثنائية في تشريعاتها بأحد أسلوبين: الأول: عن طريق استصدار قوانين تنظم سلطات الإدارة في الظروف الاستثنائية بعد وقوعها، فيصدر المقنن قانوناً يخول اختصاصات استثنائية لسلطة معينة لمواجهة الظروف القائمة، والثاني: يتمثل في وضع نظام استثنائي خاص بالظروف الاستثنائية، يتم الاعتراف به بنص دستوري لبيان الملامح الرئيسية له وكيفية الالتجاء إليه، ومن جانب آخر سن قانون لتنظيم شروط وأوضاع تطبيقه.
5) أن الجمهورية اليمنية تأخذ بالأسلوب الثاني مع قصور في تنظيمه، فلما كان التنظيم التشريعي للظروف الاستثنائية يقتضي وجود نص دستوري يعترف به، ووجود قانون ينظم العمل به، فإن المقنن اليمني قد اقتصر على الاعتراف بنظام الطوارئ في الدستور دون وجود قانون خاص بهذا النظام.
6) عدم إمكان الاعتداد بقانون الطوارئ الصادر عام 1963م لانعدامه وعدم شرعية العمل به تماماً وللمبررات المذكورة في البحث، وهذا ما يعـد– وبحق– ثغرة تشريعية يجب تداركها.
7) إن عدم وجود قانون للطوارئ لا يعني إنكار وجود نظام الطوارئ في اليمن، ذلك أن الدستور اليمني قد اعترف بهذا النظام في المادة (121) منه التي أوردت معظم الأحكام والشروط اللازمة لإعماله، وعدم تأثير ذلك على قرار إعلان حالة الطوارئ حيث يصدر صحيحاً حتى مع عدم وجود قانون الطوارئ، ويترتب على ذلك أن كل ما صدر وما سيصدر من قرارات بإعلان حالة الطوارئ تعتبر صحيحة، ولكن ذلك لا يعني أن يكون للإدارة تطبيق أحكام قانون الطوارئ لعام 1963م، وإنما أنه يمكنها تطبيق الأحكام الواردة في القوانين الأخرى التي تطرقت لحالة الطوارئ، كقانون مجلس الدفاع المدني، وقانون الاحتياط العام، وغيرها.
8) أن مبررات إعلان حالة الطوارئ محددة على سبيل الحصر في الدستور اليمني وهي (قيام الحرب، الفتنة الداخلية، الكوارث الطبيعية)، وأن التهديد بوقوع الحرب لا يعد أحد مبررات إعلان حالة الطوارئ في اليمن.
9) أن النص الدستوري الخاص بحالة الطوارئ أوجب أن تكون حالة الطوارئ لمدة محدودة، ولكنه لم يضع حداً أقصى لهذه المدة، كما أنه لم يتطرق لكيفية عرض طلب مد حالة الطوارئ، لاسيما إذا كان مجلس النواب في غير أدوار الانعقاد أو كان منحلاً، غير أنه يمكن بالقياس على الإجراءات اللازمة لعرض قرار إعلان الطوارئ يكون على رئيس الجمهورية تطبيقها عند طلب مد حالة الطوارئ.
10) أنه لا محل للحديث عن فكرة أعمال السيادة في اليمن كما أن قرار إعلان حالة الطوارئ في اليمن لا يعد من قبيل أعمال السيادة، بل يعد قـراراً إدارياً عادياً شأنه شأن أي قرار إداري حيث يخضع لرقابة القضاء إلغاءً وتعويضاً.
11) أن القضاء يبسط رقابته على قرارات وتصرفات الإدارة المستندة إلى حالة الطوارئ في اليمن، وأن الجهة المختصة بالرقابة القضائية هي المحاكم الإدارية في المحافظات التي أنشئت فيها والمحاكم العادية ذات الولاية العامة في بقية المحافظات.
ثانياً: التوصيـــات:
1) سرعة سن قانون لتنظيم حالة الطوارئ بما يتلاءم مع أحكام الدستور والتطور الكبير في نظرية الظروف الاستثنائية، وفي ضوء التطبيقات العملية السابقة والتجارب الواقعية لإعلان حالة الطوارئ، وكذا الاستفادة من آراء وانتقادات فقهاء القانون الموجهة لقانون الطوارئ السابق.
2) يوصي الباحث– عند سن قانون للطوارئ– حصر وتحديد الحقوق والحريات التي لا يجوز المساس بها حتى في ظل فترة الطوارئ.
3) تضمين الدستور نصاً يحظر تعطيل أحكامه خلال فترة الطوارئ، أو تعليق العمل به جزئياً أو كلياً، وأن يحظر على السلطة التنفيذية ممارسة وظيفة التشريع بمناسبة إعلان حالة الطوارئ.
4) تنظيم مسألة رفض مجلس النواب لقرار إعلان الطوارئ بالنسبة للإجراءات التي اتخذت في القترة السابقة لعرض قرار الإعلان، وتلافي القصور المتمثل في عدم تحديد مدة معينة لفترة الطوارئ عن طريق تضمين فكرة انتهاء حالة الطوارئ بزوال أو انتهاء الظروف الاستثنائية التي أعلنت بسببه.
5) أن يسعى الفقهاء والباحثون إلى عدم التطرق لأعمال السيادة كأحد عناصر موازنة مبدأ المشروعية– إلى جانب الظروف الاستثنائية والسلطة التقديرية– كون أعمال السيادة لا تعمل على موازنة مبدأ المشروعية، بل تعدمه تماماً، مما يجعلها في منأى من أية رقابة قضائية، وبالإمكان إضافة نص دستوري يحظر تحصين أي قرار من الرقابة القضائية، سعياً لإلغاء فكرة أعمال السيادة التي قيل عنها بحق بأنها نقطة سوداء في جبين المشروعية.
6) مواصلة الجهود الرامية إلى إنشاء قضاء إداري متخصص في اليمن التي كانت الخطوة الأولى منها إنشاء محكمتين إداريتين، وذلك عن طريق الاستفادة من تجارب الدول الأخرى وتنفيذ دراسة مسبقة لمتطلبات إنشاء قضاء إداري مستقل.
قائمة المراجع
1- د/ أبو بكر مرشد الزهيري، السلطات الاستثنائية لرئيس الدولة «دراسة تطبيقية على التشريعات اليمنية والسودانية»، بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراه في القانون، كلية القانون، جامعة الخرطوم، السودان، 2006م.
2- د/ أحمد عبدالرحمن شرف الدين، الوجيز في القانون الإداري اليمني، دار الفكر المعاصر للطباعة والنشر والتوزيع، اليمن – صنعاء، 1422هـ - 2002م.
3- د/ أحمد عبدالملك قاسم حميد الدين، القضاء الإداري «دراسة مقارنة»، دار الجامعات اليمنية للطباعـة والنشـر، اليمن – صنعاء.
4- د/ أحمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، دار الشروق، مصر – القاهرة، الطبعة الثانية، 1422هـ-2002م.
5- د/ ثروت عبدالهادي خالد الجوهري، مدى ضرورة السلطات الاستثنائية في مصر والرقابة عليها «دراسة مقارنة»، دار النهضة العربية، مصر – القاهرة، 1426هـ 2005م.
6- د/ حازم صادق، سلطة رئيس الدولة بين النظامين البرلماني والرئاسي «دراسة مقارنة»، دار النهضة العربية، 2009م.
7- د/ سامي جمال الدين، لوائح الضرورة وضمانة الرقابة القضائية، منشأة المعارف، مصر- الإسكندرية، 1982م.
8- د/ سليمان محمد الطماوي، النظرية العامة للقرارات الإدارية «دراسة مقارنة»، دار الفكر العري، مصر – القاهرة، الطبعة السابعة، 1427هـ - 2006م.
9- د/ سليمان محمد الطماوي، مبادئ القانون الإداري، دار النهضة العربية، مصر – القاهرة، 1976م.
10- د/ طعيمة الجرف، مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الإدارة العامة للقانون، دار النهضة العربية، مصر – القاهرة، الطبعة الثالثـة 1976م.
11- د/ عاصم رمضان مرسي يونس، الحريات العامة في الظروف الاستثنائية، دار النهضة العربية، مصر – القاهرة، 1431هـ-2009م.
12- د/ عبدالغني بسيوني عبدالله، القضاء الإداري، منشأة المعارف، الإسكندرية – مصر، 1996م.
13- د/ عبدالله طلبة، الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، منشورات جامعة حلب «كلية الحقوق»، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، الطبعة الثانية.
14- د/ عزة مصطفى حسنى عبدالمجيد، مسئولية رئيس الدولة «دراسة مقارنة»، دار النهضة العربية، 2008م.
15- د/ محمد الوكيل، حالة الطوارئ وسلطات الضبط الإداري «دراسة مقارنة»، دار النهضة العربية، مصر – القاهرة، الطبعة الثانية، 2003م.
16- د/ محمد رفعت عبدالوهاب ود/ حسين عثمان محمد عثمان، القضاء الإداري، دار المطبوعات الجديدة، مصر – الإسكندرية، 2000م.
17- د/ محمد رفعت عبدالوهاب، القضاء الإداري، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2007م.
18- د/ محمد رفعت عبدالوهاب، مبادئ وأحكام القانون الإداري، منشورات الحلبي الحقوقية، 2005م.
19- د/ محمد كامل ليله، الرقابة على أعمال الإدارة «الرقابة القضائية»، دار النهضة، لبنان – بيروت، 1970م.
20- د/ محمود عاطف البنا، الوسيط في القضاء الإداري، الطبعة الثالثة، مصر – القاهرة 2009م.
21- د/ مراد بدران، الرقابة القضائية على أعمال الإدارة في ظل الظروف الاستثنائية «دراسة مقارنة»، دار المطبوعات الجامعية، مصر – الإسكندرية، 2005م.
22- د/ مطهر محمد إسماعيل العزي، السلطات الثلاث في الفكر السياسي الوضعي والفكر السياسي الإسلامي، مكتبة الصادق، اليمن – صنعاء.
23- د/ يحيى الجمل، نظرية الضرورة في القانون الدستوري وبعض تطبيقاتها المعاصر «دراسة مقارنة»، دار النهضة العربية، مصـر– القاهرة.
24- الأستاذ/ جورج فودال، ترجمة/ منصور القاضي، القانون الإداري، الجزء الأول، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان – بيروت، الطبعة الأولى، 2001م – 1420هـ.
25- مارسو لون وآخرون، ترجمـة د/ أحمد يسري، أحكام المبادئ في القضاء الإداري الفرنسي، دار الفكر الجامعي، مصر – الإسكندرية، الطبعة العاشرة، 1995م.
26- دستور دولة الوحدة لعام 1991م، وزارة الشئون القانونية، الجريدة الرسمية، العدد الأول، الصادر بتاريخ 31/ مايو/ 1990م.
27- دستور الجمهورية اليمنية الحالي، وزارة الشئون القانونية، الجريدة الرسمية، العدد السابع، الجزء الثاني، الصادر بتاريخ 15/ ابريل/ 2001م.
28- القانون رقم (23) لسنة 1997م بشأن الاحتياط العام، وزارة الشئون القانونية، الجريدة الرسمية، العدد الثاني عشر، الصادر بتاريخ 15/ نوفمبر/ 1990م.
29- القانون رقم (24) لسنة 1997م بشأن الدفاع المدني، وزارة الشئون القانونية، الجريدة الرسمية، العدد السابع، الجزء الثاني، الصادر بتاريخ 15/ ابريل/ 1997م.
30- القرار الجمهوري بالقانون رقم (8) لسنة 1963م بشأن حالة الطوارئ، وزارة الشئون القانونية، الجريدة الرسمية، العدد الخامس، الصادر بتاريخ 1/ يونيو/ 1963م.
31- القانون رقم (24) لسنة 1963م بتعديل بعض مواد القرار الجمهوري بالقانون رقم (8) لسنة 1963م بشأن حالة الطوارئ، وزارة الشئون القانونية، الجريدة الرسمية، العدد الرابـع عشر، الصادر بتاريخ 7/ أغسطس/ 1963م.
32- القرار الجمهوري رقم (20) لسنة 1994م بإعلان حالة الطوارئ، وزارة الشئون القانونية، الجريدة الرسمية، العدد العاشر، الصادر بتاريخ 31/ مايو/ 1994م.
33- القرار الجمهوري رقم (65) لسنة 2011م بإعلان حالة الطوارئ، وزارة الشئون القانونية، الجريدة الرسمية، العدد السادس، الصادر بتاريخ 31/ مارس/ 2011م.