مقدمة:
تتناول هذه الدراسة التأصيل القانوني والفقهي لجريمة انتهاك حرمة ملك الغير) اغتصاب الحيازة للعقار) بهدف معالجة الإشكاليات العملية التي تصاحب تطبيق عناصر التجريم لدى القضاء اليمني والتضارب في التطبيقات القضائية ما بين إسباغ الحماية الجزائية للملكية المدنية للعقار وما بين منح الحماية الجزائية للحيازة المشروعة للعقار، وهو ما يتطلب تبيين الفرق بين جرائم الإثراء وجرائم الإضرار من منظور تشريع وفقهي، وتحديد النص الجزائي الأنسب لتجريم حالات الاستيلاء على الحيازة بالعنف أو التهديد أو بالحيلة وغيرها من الإجراءات غير المشروعة. كما تعرض الدراسة أخطاء التكييف العملية في بعض القضايا واقتراحات تشريعية وقضائية لتصويب التطبيق وضمان حماية فعالة للحيازة.
وقد كان الدافع لإعداد هذه الدراسة هو أهمية الموضوع مع زيادة الجرائم المتعلقة باغتصاب العقار حيث أصبحت تؤرق الكثير من أصحاب العقارات خاصة في المدن الرئيسية التي تشهد زيادة التوسع والتخطيط العمراني وتلك الاعتداءات لم تؤثر على حركة وقواعد بيع وشراء العقارات فحسب، بل ترتب عليها العديد من جرائم القتل العمد بسبب الاعتداء على الأراضي، والسبب الرئيسي لإعداد الدراسة يتمثل في عدم الوضوح التشريعي وغياب الرؤية أو الفهم السليم عند تطبيق واقعة التعدي الجنائي على العقار لدى القضاء اليمني، مما أدى إلى اضطراب واختلال في تطبيق عناصر جريمة التعدي على الملكية.
وأساس المشكلة في العمل القضائي سواء أمام النيابة أو المحاكم بكافة درجاتها، أنه كان يتم بحث الملكية المستندية وفقاً لأحكام الملكية في القانون المدني مما أدى إلى الإخلال بمبادئ القانون الجنائي حيث صارت الدعوى الجنائية لها طبيعة واختصاص الدعوى المدنية (دعوى الملكية) وفي بعض القضايا الجزائية أصبح الحائز حيازة ملك أي واضع اليد على العقار وفقاً للمادة (1103) مدني وبشروطها وفقاً للمادة (1104) مدني متهماً ومذنباً لمجرد أنه استعمل سلطاته الممنوحة له وفقاً للشرع والقانون على العقار، فنتج عن ذلك إهدار لحقوق وحريات أشخاص غير مذنبين، كما أدى إلى تشجيع الكثير من الأفراد إلى الاستيلاء على العقارات من يد الحائز باستخدام القوة بكافة وسائلها بدعوى الملكية، ولا يخفى على أحد الأضرار الخاصة والعامة التي يؤديها ذلك السلوك في إقلاق السكينة العامة والنظام العام في المجتمع، وتلك الإشكالية القانونية ترجع إلى الأخذ بظاهر التسمية الشائعة لواقعة اغتصاب العقار بتسميتها الاعتداء على ملك الغير تأثراً بعنوان الفصل الوارد في قانون العقوبات «انتهاك حرمة ملك الغير» بينما المادة (321) عقوبات التي يتم تطبيقها في الواقع العملي، وبينما نجد أن ذلك النص العقابي أتى تحت مسمى الإضرار بالمال.
وبذلك فإنه يتعين التطرق لبيان الأسس والمبادئ القانونية التي تم البناء عليها في تحديد مفهوم جريمة اغتصاب العقار «انتهاك حرمة ملك الغير» لما لها من أهمية قصوى في فهم باقي جرائم الاعتداء في الملكية كالسرقة والاحتيال وخيانة الأمانة وغيرها، لذلك سوف نتناول أهمية الحيازة والحكمة من حمايتها في التشريعات ثم نتطرق لأهمية ومفهوم تفسير القواعد الجنائية ثم نذكر أقوال الفقه الجنائي في شرح المبدأ الذي يقوم عليه القانون الجنائي وهو مبدأ الذاتية أو الاستقلالية في القانون الجنائي لما لذلك من أهمية خاصة عندما يتم الأخذ بقواعد قانونية لم ترد في القانون الجنائي كمسألة الملكية الواردة في القانون المدني ثم يلي ذلك التطرق لمفهوم جرائم الاعتداء على الملكية التي هي الصورة الغالبة لجرائم الأموال مع بيان معايير تقسيمها وخاصة معيار التقسيم القائم على الإثراء والإضرار، ثم بعد ذلك نتناول رؤية الفقه والقضاء الجنائي للحيازة بشكل عام خاصة في جريمة السرقة وذلك عند بيان عنصر «مملوك للغير» كما نبين موقف الفقه والقضاء الجنائي المصري للمفهوم الخاص للحيازة في جريمة «انتهاك حرمة ملك الغير» ثم نشير لمفهوم وأهمية تعديل الوصف القانوني للتهمة من قبل المحكمة كوسيلة لتصحيح الخطأ الذي جرى عليه العمل في توصيف الجريمة وفي الأخير يتم بيان مفهوم جريمة الإضرار بالمال مادة (321) عقوبات وعدم إمكانية تجريم اغتصاب العقار وفقاً لذلك النص العقابي، وبيان النص العقابي لجريمة «انتهاك حرمة ملك الغير» طبقاً للمادة (253) عقوبات، وذلك من خلال المطالب الآتية.
المطلب التمهيدي
مبادئ قانونية
الفرع الأول
التعريف التشريعي والفقهي للحيازة وأهميتها
أ- النصوص القانونية:
نصت المادة (1103) بأن «الثبوت (الحيازة) هو استيلاء الشخص على الشيء ووضع يده عليه منقولاً كان أو عقاراً وهو نوعان: الأول: حيازة ملك ثبوت يتصرف بها الحائز في الشيء الذي يحوزه بأي نوعٍ من أنواع التصرفات ظاهراً عليه بمظهر المالك وإن لم يبين سبب ملكيته له فتكون يده مهما استمرت حيازة ملك ثبوت على الشيء...» . وحيث نصت المادة (1111) مدني «على أنه من كان حائزاً لشيء أو حق اعتبر مالكاً له ما لم يقم الدليل على غير ذلك». وكذا نصت المادة (1117) مدني على «ليس لمدعي الملك أن ينزع يد الثابت على الشيء بدون رضاه إلا بحكم قضائي وللمدعي أن يلجأ إلى القضاء...».
وهذه المادة تقابل المادة (1284) مدني قديم التي جاء في المذكرة الإيضاحية لها ما يلي: «... تنص على قاعدة عامة هي أنه ليس لمدعي الملك أن ينزع يد الثابت عما هو ثابت عليه بغير رضاه ، أي بالإكراه أو بالحيلة دون اللجوء إلى القضاء في ذلك بل يتعين عليه أن يلجأ للقضاء ويطلب منه الحكم به بما يدعيه ويقيم الدليل الشرعي على صحة دعواه» وكذا نصت مادة (1) إثبات على «الدعوى هي طريق المدعي إلى القضاء للحصول على الحق الذي يدعيه قبل المدعى عليه، والإثبات: إقامة الدليل بالطرق القانونية لإثبات الحق المتنازع عليه أو نفيه». وكذا المادة (3) إثبات نصت على: «المدعي هو من معه أخفى الأمرين، وهو من يدعي خلاف الظاهر والمدعى عليه هو من معه أظهر الأمرين».
ب-أهمية الحيازة في الفقه الإسلامي:
حيث قرر الفقهاء بأن الحيازة تدل في بداية الأمر على ظاهرة تدل على وجود حق من ورائها بحيث إذا نوزع صاحبها حول الشيء المحوز كان ذا موقف قوي لأنه يعتضد بالظاهر المستمد من قرينه الحيازة - المادة (1111) مدني، فيجعل المدعى عليه غير مكلف بالإثبات، ولكن هذا الظاهر المستمد منها لا يقف أمام البينة الشرعية حيث تقبل فيحكم بالشيء المحوز المتنازع عليه لصاحب البينة وتجعل الحيازة فيه للمحكوم عليه، غير أن هذا النوع من الحيازة يكتسب قوة أكبر بمضي المدة إذا توافرت فيه شروط أخرى ذكرها بالتفضيل معظم علماء المالكية وكثير من علماء الحنفية، تصل في كثير من الأحيان إلى حد ترجح فيه على البينة، بل تهدر البينة بجانبها، فيحكم بالملك لصاحبها عند المالكية وترفض الدعوى عند الحنفية[1].
فإذا لجأ مدعي الحق إلى نزع يد الثابت بالإكراه أو الحيلة بدعوى أنه مالك، فإن ذلك يعني إهدار النصوص القانونية، وتعطيل وظيفة القضاء وفيه تغييب لدور الدولة، ويجعل الخصم قاضياً ومنفذاً في ذات الوقت؛ وبذلك تنتج الفوضى وتشيع الفتن بين الناس، فالصالح العام يقتضي بدون شك احترام الحالات القائمة وعدم التعرض لها بما يكدرها، فاستعمال العنف ووسائل القوة ضد الحائز أمر يهدد النظام والأمن في المجتمع وهو ما لا يسمح به المشرع ولو كانت أعمال العنف صادرة من صاحب الحق نفسه، فإذا كان فعلاً صاحب الحق فليس له أن يقتضي حقه بنفسه، وأن عليه أن يسلك السبيل القانوني لاقتضاء حقه، كما أن الشارع الحكيم دعا المسلمين إلى التحاكم إلى شرعة كل ما حدث نزاع بينهم وأمرهم أن يردوا خصوماتهم إلى حكم الله ورسوله، فقال جل شأنه سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاًمر منكم أمن﴾ [النساء: 59]، وقال جل شأنه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ [النساء: 67].
كما أن دلالة النصوص القانونية هو أن الحق عندما ينكره الخصم يصبح محل نزاع والظاهر لا يشهد لصاحب الحق لأن الأصل براءة الذمة من الحقوق، وحتى يغير هذا الظاهر ليس له إلا سبيلٌ واحد وهو أن يلجأ إلى القضاء ليعرض بينته أو يقر خصمه، وقبل ذلك يكون مخالفاً للظاهر فإن سمح له بتحصيل حقه بنفسه كان هذا خرقاً لمبدأ شرعي معروف وهو وجوب بناء الأحكام على ظواهر الأمور، وفي غير ذلك مفسدة عامة ينبغي سد الطريق إليها ولو أدى ذلك إلى ضياع حق خاص لأن المصلحة العامة أولى بالاعتبار من المصلحة الخاصة، هذا من ناحية أما من ناحية أخرى فإن مصلحة الأمة تقتضي أن تقفل الأبواب وأن تسد الذرائع التي تؤدي إلى الفتن[2]، فالتعدي على حيازة العقار يعد في الفقه الإسلامي من ضروب الفساد في الأرض الذي نهى عنه الشارع وعاقب عليه تعزيراً[3].
جـ- أسباب حماية الحيازة في الفقه القانوني:
كما يقرر عميد الفقه المدني د . عبدالرزاق السنهوري بأنه «يحمي القانون الحيازة في ذاتها، ولو كان الحائز غير مالك، ويرجع ذلك إلى سببين:
السبب الأول: أن الحائز هو الذي يسيطر سيطرة فعلية على المال الذي يقع في حيازته، فيجب لاعتبارات تتعلق بالأمن العام أن تبقى له هذه السيطرة فلا يتعدى أحد عليها ولو كان هو المالك للمال. وعلى المالك أن يلجأ إلى الطرق التي رسمها له القانون لاسترداد ماله من الحائز، فالقانون يحمي الحيازة كما يحمي الملكية وقد جعل لحماية كل من الحيازة والملكية طرقها الخاصة ولا يجوز للمالك أن ينتزع ماله من الحائز عنوة وقهراً، فينتصف لنفسه بنفسه ويعكر صفو السلام والأمن العام، بل يجب عليه، إذا لم يرد الحائز إليه ماله طوعاً، أن يسترده عن طريق القضاء وفقاً للإجراءات التي رسمها القانون وهو ما قررته المادة (1117) مدني يمني.
السبب الثاني: أن الحائز للمال غالباً يكون هو المالك له وأول مزايا الملك أن يحوز المالك المال الذي يملكه وقل أن يوجد مالك لا يحوز بنفسه أو بوساطة غيره، لذلك يفرض القانون مبدئياً أن الحائز هو المالك فيحمي الملكية عن طريق حماية الحيازة، ومن أجل ذلك كانت الحيازة قرينة على الملكية ولكنها قرينة قابلة لإثبات العكس وهو ما قررته المادة (111) يمني، ففي الأحوال القليلة التي لا يحوز فيها المالك ماله بنفسه أو بوساطة غيره، وتكون الملكية في يد والحيازة في يد أخرى، وأباح القانون للمالك، بعد أن يقيم الدليل على ملكيته، أن ينتزع ماله من يد الحائز بالطرق المرسومة لذلك، فحماية الحيازة في ذاتها إنما هي حماية للملكية، ولكنها حماية مؤقتة إلى أن يقوم الدليل على أن الحائز لا يملك المال الذي في حيازته، فعندئذ يرد المال إلى مالكه[4].
الفرع الثاني
مفهوم وأهمية تفسير القاعدة الجنائية
يتقيد القاضي الجنائي بتفسير القواعد الجنائية، وهي التي يتضمنها كل من قانون العقوبات والإجراءات الجنائية، لكشف حقيقة محتواها فيما يتعلق بإرادة المشرع في تحقيق فاعلية العدالة الجنائية أو ضمان الحقوق والحريات، ملتزماً في ذلك بمبدأ الشرعية الجنائية[5]، فتفسير القواعد القانونية تفسيراً سليماً هو الخطوة الأولى نحو تطبيقها على الوقائع التي تحكمها تطبيقاً صحيحاً، فليس تطبيق القاعدة القانونية إلا ثمرة تفسيرها، وغاية التفسير هو الإحاطة بمضمون القاعدة القانونية، وهو ضرورة تلازم النص المكتوب، وذلك يوجد بالنسبة لجميع فروع القانون، لأن المشرع مهما اشتد حرصه على انتقاء لفظه ونظم عبارته لإفادة المعنى المقصود فإن التطبيق العملي للنص يكشف دائماً عن الحاجة إلى التفسير[6].
فالتفسير يقوم على عملية مزدوجة، الأولى: الإلمام بإرادة واضع القانون التي تضمنتها القاعدة القانونية، والثانية، تكملة أوجه النقص التي تبدو على بعض القواعد[7]، كما إن إرادة المشرع التي ضمنها النص ليست مبدأً جامداً محكوماً بالوقائع الاجتماعية المتوفرة وقت وضع النص، بل هي إرادة متطورة بتطور هذه الوقائع الاجتماعية، طالما أنها تراعي المصلحة الاجتماعية المحمية بالنص ذلك أن هذه المصلحة تبلور إرادة المشرع وتحدد تبعاً لها نطاق تطبيق نصوصه ولم يضع القانون من أجل اليوم فقط بل إنه وضع من أجل المستقبل وإرادة القانون بهذا المعنى تترك للتفسير مهمة تحديد معنى النصوص القانونية المجردة في ضوء التحولات والتغيرات الاجتماعية[8].
وإذا طبقنا هذا المنهج لوجدنا أنه يقدم لنا الحلول الصحيحة، وبوجه خاص عندما يعبر القانون عن فكرة متحركة متطورة بحسب طبيعتها مثل النظام العام أو الآداب العامة كما هو حال القواعد الجنائية وغني عن البيان، فإن هذا المنهج في تفسيره لا يترتب عليه مطلقاً المعنى الواضح في النص، ذلك أن المنهج السليم للتفسير هو في معرفة إرادة المشرع من خلال الصيغة التي عبر فيها عن هذه الإرادة، هذا مع ملاحظة أن الوضوح المطلوب لا ينصرف فقط إلى عبارة النص، وإنما يتعلق أيضاً بالمعنى والفكرة التي تنبثق عن النص، فلا يجوز الاعتماد على مجرد الوضوح اللغوي الذي قد لا يتفق مع الفكر الحقيقي للقانون، كما يبدو من مجموع نصوصه وتاريخه وأعماله التحضيرية، وتطوره الاجتماعي والعلمي والفلسفي، فإطار القانون لا يتحدد بشكل جامد، وذلك باعتبار أنه قد وضع من أجل المستقبل[9]والتفسير السليم للقواعد القانونية يجب أن يعتبر بحقيقة تكوينها من جوهر وشكل ذلك الجوهر الذي يصل بين القاعدة القانونية وبين حقائق الحياة الاجتماعية المتحركة أبداً، وبهذا تصبح القاعدة القانونية أدنى إلى تحقيق العدل عند التطبيق، والقول بغير ذلك يجعل القاعدة الجنائية مجرد شكل أصم لا يخدم تفسيرها أهداف المجتمع في العدل وبالتالي لا يحقق أهداف القانون في الأمن والاستقرار[10]. كما أنه تلزم الإشارة إلى أنه يعتبر من الوسائل التي يمكن للمفسر أن يستعين بها في تحديد العلة أو الغاية من النص الرجوع إلى المصدر التاريخي للنص: أي الرجوع إلى المصدر الذي استمد منه سواء أكان تشريعاً وطنياً سابقاً أو تشريعاً أجنبياً، ومعرفة الطريقة التي كان يطبق بها فقهاً وقضاءً[11].
الفرع الثالث
ذاتية واستقلالية القواعد الجنائية
يوضح أستاذ الفقه الجنائي الدكتور/ أحمد فتحي سرور بأنه من الأمور التي تميز القواعد الجنائية عن غيرها. أنها تمس القاعدة الجنائية بما تقرره من تجريم وعقاب حقوق المخاطبين بها بالقدر الضروري والمتناسب للتدخل الجنائي من أجل حماية الحقوق والحريات والمصلحة العامة، وهذه المصلحة المحمية قد ترتبط بمراكز قانونية تقررها القاعدة غير الجنائية وذلك باعتبار أن هذه الحماية يكفلها أصلاً التشريع غير الجنائي الذي أنشأ هذه المراكز وحددها، إلا إن التدخل الجنائي لا يكون إلا لتقرير حماية جنائية أوجبتها الضرورة الاجتماعية، فلا يوجد أدنى تطابق بين الحماية غير الجنائية التي قامت عليها المراكز القانونية وبين الحماية الجنائية التي يكفلها قانون العقوبات لهذه المراكز القانونية لضرورة اجتماعية تتفق مع وظيفة قانون العقوبات[12].
فالقاعدة غير الجنائية تكفل بعض المصالح المحمية من خلال المراكز القانونية التي تحددها وتنشأُ لصاحبها بمقتضاها حقوق معينة وتفرض عليها التزامات معينة، أما القاعدة الجنائية فإنها لا تتدخل لحماية هذه المصالح إلا إذا اقتضت ذلك ضرورة اجتماعية وبقدر من التناسب بين الجزاء الجنائي والفعل محل التجريم– مثال ذلك عقد الأمانة فإنه إذا كان القانون المدني يحدد حقوق طرفي العقد، فإن قانون العقوبات لا يتدخل لحماية هذه الحقوق إلا بالقدر الضروري عندما تقع خيانة للأمانة على النحو الذي حددته المادة (318) عقوبات لا بمجرد الإخلال بالتزامات أحد المتعاقدين[13]
كما أنه من مميزات القاعدة غير الجنائية أنها تحدد الشروط الواجب توافرها ابتداءً قبل وقوع الجريمة بينما تستأثر القاعدة الجنائية بتحديد أركان هذه الجريمة وعقوبتها ولا تتدخل القاعدة غير الجنائية لتحديد مجال التجريم والعقاب، لأن المراكز القانونية الناشئة أو المحمية بالقاعدة غير الجنائية ليست محمية بالقاعدة الجنائية إلا بحكم الضرورة والتناسب كمعيار للتجريم والعقاب وتتجلى الضرورة والتناسب في أفعال محددةٍ ويحددها الركن المادي للجريمة ورابطة نفسية معينة يحددها ركنها المعنوي وهو ما لا تتطلبه حماية المراكز القانونية وفقاً للقاعدة غير الجنائية[14]. كما أن اتجاه في الفقه الجنائي يوضح مفهوم ذاتية القانون الجنائي بأن القانون الجنائي يتمتع بمبادئ عامة محددة مستمدة من طبيعة قواعده وخصوصية أهدافه، فالمبادئ العامة لقانون ما تكمن في جوهر البناء القانوني وهي جزء من أساسه وهنا يجب ألاَّ نخلط بين المبادئ القانونية والقواعد القانونية فالأولى تنبع من فلسفة ومضمون القانون ذاته وهي تعبر عن التصوير العام المجرد للفكرة أما القاعدة فهي التطبيق التفصيلي لهذا التصوير المجرد، وقد تستوعب قاعدة واحدة مبدأً قانونياً وقد يفرغ هذا المبدأ في عدة قواعد[15](15). ولقد تمتع القانون الجنائي بدوره بمبادئ استقرت منذ زمن طويل وأصبحت جزءاً من شخصيته التي يتميز بها عن غيره من النظم القانونية الأخرى، كمبدأ شرعية كجرائم العقوبات، ومبدأ شخصية العقوبة ومبدأ حرية القاضي الجنائي في الإثبات. فنجد أن القواعد القانونية– وليس المبادئ القانونية– تخضع لفكرة الاستقبال والإحالة أي أنه من الممكن أن يحيل قانون ما بعض قواعده لقانون آخر وأن يستقبل قانون آخر ما دامت هذه القواعد قادرة على تحقيق أهداف القانون المحال إليه، أو مع مبدأً من مبادئه العامة فهنا يختلف الأمر إذ يتعين استبعاد تطبيق هذه القاعدة وإلا عد ذلك إهداراً واعتداء على القانون المحال إليه، ذلك أن الأمر هنا يتعلق بالمس بالأهداف والمبادئ العامة لذلك القانون[16]. فينصرف مفهوم الذاتية إلى مبادئ القانون الجنائي وليس إلى قواعده التفصيلية لأن القواعد الجنائية التفصيلية هي مجرد وسائل لتحقيق أهداف القانون الجنائي في إطار الموجهات الأساسية وهي المبادئ العامة، لذلك فإن هذه القواعد تخضع- كأي قاعدة قانونية أخرى من فروع القانون المختلفة- لفكرة الاستقبال والإحالة وقد يلجأ المشرع الجنائي إذا أعوزته الحاجة إلى إنشاء قواعد جنائية جديدة توسع من مفهوم القواعد غير الجنائية حتى تتلاءم مع تحقيق أهداف القانون الجنائي أن التنازع يقع فقط بين القواعد القانونية، باعتبارها وسائل تطبيق– وليس بين المبادئ العامة[17]، متعارضة مع مبادئ العامة، أما إذا تعارضت هذه القواعد مع أحد مبادئ القانون المحال.
فيتعين على القاضي الجنائي عند الفصل في الدعوى أن يراعي مواءمة القاعدة للمبدأ العام فإن تعارضت استبعدت القاعدة من التطبيق احتراماً للمبدأ.
المطلب الأول
الحيازة وجرائم الاعتداء على الأموال
الفرع الأول
من جرائم الاعتداء على الأموال (جرائم الإعتداء على الملكية)
تناولت التشريعات اللاتينية جرائم الأموال على اعتبار أنها اعتداء على الحقوق المالية سواء كانت عينية أو شخصية أو معنوية، وتحظى الحقوق العينية وبوجه خاص حق الملكية في الجانب الأكبر من حماية المشرع الجنائي، فكان السائد في التشريعات ذات المصدر التاريخي للقانون اليمني هو استخدام عنوان (جرائم الإعتداء على الملكية) وقد جاء في المذكرة التفسيرية لتقنين قانون العقوبات الإيطالي (أن كلمة «الملكية « يجب أن تفهم على أساس معناها الواسع بحيث تتضمن كلاً من حق الملكية وكذلك حيازة كل حق عيني أو شخصي)، ثم اتجهت التشريعات إلى استخدام اصطلاح (جرائم الاعتداء على الذمة المالية)[18].
وتشترك جرائم الاعتداء على الأموال في أمرين الأول: أن يكون محل الاعتداء عليه ثابتاً لغير المدعى عليه والثاني: عدم رضا صاحب الحق[19].
لذلك فإن تسمية جريمة اغتصاب العقار باصطلاح جريمة الاعتداء على الملكية في الواقع العملي اليمني يعد خلافاً لما هو سائد في الفقه الجنائي، فجرائم الاعتداء على الملكية تدخل ضمنها عدة جرائم منها السرقة والاحتيال وخيانة الأمانة واغتصاب العقار والإضرار بالمال وغيرها.
كما إن اصطلاح الأشياء المملوكة للغير والتي تستخدم كثيراً في التشريعات تعطي فكرة سلبية قوامها الشك في أنه يجب على صاحب الشيء أن يقدم الدليل على أنه صاحبه أو مالكه، بينما ترمي هذه التشريعات عادة إلى التعبير عن أن الجاني لم يكن مالكاً لمحل الجريمة، لذلك نجد بعض الفقهاء يستخدم صياغة (الشيء الذي لم يملكه الجاني).[20]
ويلاحظ أن المشرع اليمني قد استخدم هذه الصياغة في عدد من الجرائم منها السرقة، وخيانة الأمانة، وانتهاك حرمة ملك الغير، والإضرار بالمال.
كما أن تقسيم جرائم الأموال يختلف بحسب المعيار المتبع، فتقسم جرائم الأموال إلى جرائم استيلاء وجرائم إتلاف، ذلك أن هذه الجرائم تختلف باختلاف الغاية التي حركت حوافز العدوان لدى الجاني فهي إما أن تقع بدافع الطمع والانتقام، وتضم جرائم الاستيلاء، السرقة، النصب وخيانة الأمانة وغيرها، أما جرائم الإتلاف فهي الحريق وتسميم المواشي والتخريب والتعييب.
كما تقسم جرائم الأموال إلى جرائم لا تقع إلا على منقول كالسرقة والنصب وخيانة الأمانة وجرائم لا تقع إلا على عقار مثل جرائم منع الحيازة بالقوة وإزالة الحدود أو نقلها، وجرائم قد تقع على عقار أو على منقول مثل: الحريق والتخريب والتعييب والإتلاف.[21]
وهناك تقسيم آخر شائع لجرائم الاعتداء على الأموال باعتبارها اعتداء على الملكية فيرى أستاذ القانون الجنائي د. محمود نجيب حسني بأن التأصيل العلمي لجرائم الاعتداء على الملكية هو ما يستند إلى التمييز بين جرائم الإثراء وجرائم الإضرار، وضابط هذا التقسيم ذو شقين، شق مادي متعلق بتأثير الفعل الجرمي على ذِمَتَيْ المجرم والمجني عليه وما إذا كان ينطوي على إثراء المجرم أم يقتصر فحسب على الإضرار بالمجني عليه، والشق المعنوي لهذا الضابط متعلق بنية المجرم وقت اقترافه جريمته وما إذا كانت قد اتجهت إلى إثرائه أي اتجهت إلى (تملك) مال يملكه غيره أم اتجهت فحسب إلى الأضرار بالمجني عليه بحرمانه من ماله أو إنقاص قيمته دون أن يقابل ذلك ازدياد في الأموال التي يحوزها المجرم،[22] فالفعل الجرمي يختلف فيها إذ يحرص المجرم في جرائم الإثراء على المحافظة على كيان الشيء وقيمته كي يتحقق له بذلك الإثراء الذي يريده ومن ثم يتميز الفعل بخصائص معينة تكفل له أن يكون غير مضر بالشيء، وخصائص أخرى تكفل له أن يكون من شأنه ضم ذلك الشيء إلى حيازة المجرم فيدخل فيها جرائم السرقة والنصب وخيانة الأمانة وغيرها...، وعلى الخلاف من ذلك فإن الفعل الجرمي في جرائم الإضرار هو بطبيعته إتلاف أو تشويه للشيء أو إنقاص من قيمته فيدخل فيها جرائم الهدم والتخريب والتعدي على المزروعات. كما أنه يشترط في جرائم الإثراء (نية التملك) من بين عناصرها المعنوية في حين أنه لا يشترط في جرائم الإضرار. [23]
فجرائم اغتصاب العقار هي جرائم إثراء وفعل المدعى عليه (المتهم) لا يتضمن هدماً ولا تخريباً ولا تحركه إلى فعله نية الإضرار بالمجني عليه إنما يسعى إلى أن يحوز العقار المملوك لغيره ليباشر عليه سلطات المالك وهي من هذه الوجهة تقترب من جريمة السرقة فركنها المادي هو انتزاع الحيازة وركنها المعنوي جوهره نية تملك العقار، لكن تفترق عنها في أن موضوعها عقار بينما موضوع السرقة منقول.[24]
لذلك نجد أن الفقه الجنائي عند شرحه لمفهوم أركان جريمة السرقة واشتراط أن يكون موضوعها مالاً منقولاً يقرر أن السرقة– حسب كيانها القانوني– هي اعتداء على ملكية المنقولات دون العقارات ويفسر ذلك ما قدره الشارع من أن حائزاً منقولاً هو الذي تتعرض حيازته وملكيته للمخاطر العديدة وتقضيان الحماية المغلظة، وبالإضافة إلى ذلك فإن فعل «الأخذ»– وهو قوام الركن المادي للسرقة– يعني في صورته الغالبة تغيير موضع الشيء باعتبار تلك الوسيلة إلى إخراجه من حيازة المجني عليه وتحقق الاعتداء على الحيازة التي تفترضها السرقة، ولا يتصور ذلك إلا بالنسبة للمنقول فمن طرد حائز أرض أو مبنى وحل محله فيه، فهو ليس بسارق ولكنه مرتكب جريمة اغتصاب العقار.[25]
الفرع الثاني
مفهوم الحيازة في الفقه والقضاء الجنائي
الحيازة التامة (بمعنى الكلمة): ويطلق عليها أحياناً الحيازة الحقيقة والنهائية أو الكاملة أو القانونية وهي حيازة المالك أو من يعتقد أنه المالك دون غيره لأنها تفترض لدى صاحبها انصراف نيته إلى أنه يحوز الشيء باعتباره مالكاً والتي أسماها القانون المدني اليمني حيازة ملك- المادة (1103) مدني، والفقه الجنائي يأخذ عن الفقه المدني صفات الحيازة وشروطها وعيوبها في جرائم الأموال، فيجب أن تتوافر فيها شروط ثلاثة حتى تنتج آثارها القانونية، وهي أن تكون حيازة هادئة، وظاهرة، وغير غامضة، وبالمقابل يجب أن تبرأ من عيوب ثلاثة، وهي الإكراه، والخفاء، والغموض، ولا تكون الحيازة هادئة إذا ابتدأها الحائز بالقوة أو التهديد ضد الحائز السابق، فهي التي اغتصبت بالإكراه أو التهديد وعيب الخفاء ويعني مباشرة أعمال الحيازة بشكل غير ظاهر والخفاء لا يعني جعل الحائز الأصلي بتلك الأعمال، فإذا استعمل تلك الأعمال بشكل ظاهر للناس، فإن الحيازة لا تكون خفية، حتى لو لم يعلم الحائز لغيابه، أما عيب اللبس والغموض فيقتصر به غموض الأعمال التي يقوم بها الحائز مثلاً لا يعرف ما إذا كان قصده في الحيازة أنه يحوز بنية التملك، أي لحساب نفسه أم أنه يحوز لحساب الغير.
وهو عيب في العنصر المعنوي للحيازة على خلاف عيب الإكراه وعيب الخفاء فكلامها يصيب العنصر المادي في الحيازة.[26]
كما يقرر الفقه بأنه ليست الحيازة حقاً وإنما هي مركز واقعي، وعلى الرغم من أن هذا المركز قد يكون أحياناً غير مشروع فإن الشارع يستخلص منه بعض الآثار مما يعني أن يعتد به ويجعل منه نظاماً قانونياً ليحدد قواعده، وقد يكفل له الحماية، كما يذكر د. محمود نجيب حسني بأنه «تعلل حماية الشارع للحيازة بصرف النظر عما إذا كان للحائز سند قانوني يبرر حيازته بالحرص على كفالة السلام الاجتماعي وتفادي الفوضى التي تحدث حتماً لو كانت للأفراد سلطة إنهاء الحيازة غير المشروعة، وبناء على ذلك في من يأخذ المال المسروق من سارق أو يخفيه يعد بدوره سارقاً، ويعني ذلك أنه يسأل عن اعتدائه على الحيازة غير المشروعة للسارق أو المخفي».[27]
كما تقوم فكرة الاختلاس على أن نشاط الجاني في جريمة السرقة يتمثل في نقل المال من حيازة مالكه الكاملة دون رضائه ثم يضيف الشيء إلى حيازته، والضابط في إخراج الشيء من حيازة المجني عليه هو انتهاء سيطرته المادية على الشيء والضابط في دخوله الحيازة الجديدة هو استطاعة الحائز الجديد مباشرة السلطات التي تنطوي عليها الحيازة فيتصرف في الشيء على النحو الذي يحدده دون غيره في الغرض الذي خصصه المالك.[28]
كما يقرر الفقه بأن علة اشتراط أن يكون موضوع السرقة في حيازة شخص غير المدعى عليه (المتهم) أن السرقة اعتداء على الحيازة إلى جانب ما تنطوي عليه من اعتداء على الملكية، ولا يتصور اعتداء شخص على حيازة غيره إلا إذا كان ذلك الغير يحوز المال الذي انصب عليه فعل الاعتداء، أما إذا كان المال في حيازة المدعى عليه فقد انتفى عن فعله وصف الاعتداء ويكون صورة لاستعمال سلطان حيازته، وكذلك فإن الفعل المنصب على مال لا يحوزه أحد يتجرد بالضرورة من معنى الاعتداء على الحيازة، وبالإضافة إلى ذلك فإن الفعل الذي يقوم به الركن المادي للسرقة وهو «الأخذ دون الرضا» لا يتصور إلا عند شيء في حيازة الغير إذ أن جوهر ذلك الفعل هو إخراج الشيء من حيازة الغير، وهو ما يفترض بالضرورة أن تكون الحيازة لذلك الغير.[29]
الفرع الثالث
الحيازة في (جريمة انتهاك حرمة ملك الغير)
لدى الفقه والقضاء الجنائي المصري
يقرر الفقه أنه تختلف الحيازة التي يحميها المشرع الجنائي (في نصوص الباب الرابع عشر من الكتاب الثالث بقانون العقوبات، المواد من (369 إلى 373) عن تلك الحيازة التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنها تختلف عن الحيازة التي يحميها المشرع الجنائي في جرائم الأموال، مثل السرقة، والنصب، وخيانة الأمانة ذلك لإن فكرة الحيازة في جرائم الأموال والتي تقوم على نظرية في تحديد ماهية الاختلاس لا تختلف في جوهرها عن الحيازة في القانون المدني، وقد اجتمع على ذلك الفقه الحديث في فرنسا ومصر وعليه استقر القضاء الجنائي في البلدين.[30]
ويكاد يجمع الفقه والقضاء الجنائي المصري على أن المشرع إنما أراد حماية نوع آخر من الحيازة العقارية في جرائم العدوان على الحيازة وهي حيازة مختلفة عن الحيازة في فقه القانون المدني كما هي حيازة مختلفة أيضاً في فقه القانون الجنائي حين يعرض لها كعنصر في الاختلاس كعنصر في جرائم الأموال التي تقع عدواناً على ملكية المنقول كما في جرائم السرقة والنصب وخيانة الأمانة والشيك.[31]
فالمشرع في جرائم العدوان على الحيازة العقارية، يحمي الحيازة الفعلية، وهي نوع مختلف عن الحيازة القانونية، فلا يشترط أن يتوافر فيها العنصر المعنوي في الحيازة وهو نية التملك ولا يشترط أن تكون حيازة عرضية مستندة إلى سند فهو يحمي الحائز الفعلي ولو كان حائزاً عرضياً فقد الصفة القانونية لحيازته العرضية، كما لو كان مستأجراً قضى بفسخ عقد الإيجار الذي يستند عليه في وضع يده، ولا يشترط المشرع أن تستمر حيازته مدة السنة المنصوص عليها في القانون المدني المصري حتى يكتسب صفته كحائز جدير بالحماية المدنية، إذ يكفي أن تتحقق له السيطرة على العقار مدة من الزمن طالت أو قصرت فلا سبيل إلى رفع يده عن العقار بغير حكم قضائي وإن حيازته على ذلك النحو معتبرة قانوناً وواجب احترامها وإنه إذا دخل الحائز القانوني (المالك) في العقار بغير رضاء الحائز الفعلي، فإنه يعاقب على جريمة انتهاك حرمة الحيازة.[32]
من قضاء النقض المصري في جريمة انتهاك حرمة ملك الغير.[33]
1- قانون العقوبات يحمي الحائز الفعلي ولو كان لا يستند بشأنها إلى حق:
“إن قانون العقوبات إذ نص في المادة (369) على معاقبة كل من دخل عقاراً في حيازة آخر بقصد منع حيازته بالقوة، إنما قصد أن يحمي حائز العقار من اعتداء الغير على هذه الحيازة ولو كانت لا تستند إلى حق ما دامت معتبرة قانوناً، ولفظ الحيازة إذا كان يدل على وجوب كون وضع اليد فعلياً، فإن محضر التسليم واجب احترامه بوصف كونه عملاً رسمياً خاصاً بتنفيذ الأحكام، والتسليم الذي يحصل بمقتضاه لا يصح وصفه بأنه لم ينقل الحيازة بالفعل، إذ القول بذلك يتعارض مع مقتضى التسليم وما يدل عليه من معنى التسليم والتسلم من نقل الحيازة في المال الذي حصل تسلمه نقلاً فعلياً ولو حصل التسليم بناءً على حكم صدر في غير مواجهة مدعي الحيازة. ومن ثم لا يكون الحكم المطعون فيه– وقد أثبت أن المطعون ضدهم قد تسلموا العين بموجب محضر تسليم على يد محضر تنفيذاً لحكم قضائي قائم– قد خالف القانون في شيء إذا انتهى إلى انتفاء جريمتي اغتصاب الحيازة والسرقة في حق المطعون ضدهم» (4/11/1968م أحكام النقض س19 ق 180ص 908)).
2- يحمي قانون العقوبات الحائز الفعلي ولو كان الآخر هو الأحق بالحيازة:
“يعاقب القانون في المادة (369) عقوبات، على التعدي على الحيازة الفعلية بغض النظر عن أحقية المتهم في أن يكون هو الحائز، وذلك على أساس أن الحائز الفعلي له الحق في أن تحمى حيازته حتى تنزع منه بالطريق القانوني، ولا يشترط في صدد هذه الجريمة استعمال القوة بالفعل، بل يكفي أن يكون المتهم قد بدا منه ما يفيد أن نيته استعمالها إذا اقتضت الحال ذلك” (26/2/1945م مجموعة القواعد القانونية جـ6 ق 511 صـ652).
3-الحيازة مهما كانت مدتها لا تنتزع بالقوة بل بحكم قضائي:
“إذا دخل شخص عقاراً وبقى فيه مدة من الزمن طالت أو قصرت بحيث يصح في القانون عده أنه حائز العقار فإن حيازته تكون واجباً احترامها، ولا سبيل إلى رفع يده بغير حكم قضائي، وامتناع مثل هذا الحائز عن الخروج من العقار ولا يصح في القانون اعتباره تعدياً على حيازة الغير، بل هو منه عدم تفريط في الحيازة التي اكتسبها” (25/12/1944م مجموعة القواعد القانونية جـ6 ق433 ص467).
”إن الشارع إنما أراد بالمادة (369) عقوبات، العقاب على التعرض للحيازة الفعلية بغض النظر عن الحق في وضع اليد، فما دامت هذه الحيازة ثابتة لزيد فإن بكراً يكون عليه احترامها مهما كان حقه في وضع اليد. أما أن يدخل الأرض مع علمه بأنها بالفعل في حيازة زيد قاصداً منع هذه الحيازة بالقوة، فهذا يقع تحت طائلة العقاب” (20/11/1944 مجموعة القواعد القانونية ج6 ق304 ص537).
“ إنه وإن كان صحيحاً أنه لا محل لحماية الحيازة الفعلية إذا كانت قائمة على الغصب أو القوة، وإن من يتسلم عقاراً على يد محضر تنفيذاً لحكم قضائي تكون له حيازة فعلية في حق خصمه المحكوم عليه، إلا أن هذا محله أن لا يكون متسلم العقار قد تخلى عن حيازته وتركها لخصمه” (20/3/1944م مجموعة القواعد القانونية ج6 ق319 ص431).
4- الجريمة جريمة حيازة وليست جريمة ملكية:
“إن الغرض من نص المادة (323) عقوبات، هو حماية الحيازة الفعلية لعقار لا حماية حق الملكية، وعلى ذلك فالاعتداء على ملك كان في حيازة شخص آخر غير المتهم وقت ارتكاب الجريمة ركن من الأركان الأساسية لها، وهذه الواقعة يجب ذكرها في الحكم الصادر بالإدانة، ورجوع هذا الحكم إلى حكم محكمة آخر قضى بحق الحيازة للمجني عليه أو الرجوع إلى محضر التسليم الخاص بهذا الحكم لا يكفي، بل يجب أن ينص صراحة في حكم الإدانة أن العقار المعتدى عليه كان فعلاً في حيازة المجني عليه” (26/9/1914م المجموعة الرسمية س16 ق1 ص1).
5-يجب على الحكم أن يوضح ركني جريمة الاغتصاب:
“في جريمة انتهاك حرمة ملك الغير يجب أن يثبت في الحكم ركنا الجريمة وهما حيازة المجني عليه للعقار حيازة فعلية، ودخول المتهم العقار بقصد منع الحيازة بالقوة” (27/12/1921م المحاماة، س2، ص446). “يكفي لتكوين جريمة انتهاك حرمة ملك الغير المنصوص عليها في المادة (324) عقوبات، أن يكون المجني عليه حائزاً للعقار حيازة فعلية بصرف النظر عن حق الملكية أو وضع اليد القانوني” (46 /4/1921م، المجموعة الرسمية، س22 ص2).
6- ليس للمالك انتهاك حرمة حيازة غيره:
“يجوز الحكم على متهم لارتكابه جريمة انتهاك حرمة ملك الغير ولو دخل عقاراً مملوكاً له ولكنه في حيازة شخص آخر، لأن هذه الجريمة تتم بمجرد التعرض للحيازة” (26/7/1913م، المجموعة الرسمية س15 ق2 ص5).
المطلب الثاني
التكييف القانوني لجريمة انتهاك حرمة ملك الغير في القانون والقضاء اليمني
الفرع الأول
تعديل الوصف القانوني للتهمة
قرر المشرع للمحكمة الجزائية في حدود الدعوى التي دخلت حوزتها سلطات متعددة حتى تتمكن من الفصل فيها بعد استجلاء حقيقتها على الوضع الصحيح من الناحيتين الواقعية والقانونية، حيث منحها تغيير وصفها القانوني ومنحها كذلك تعديل التهمة، والحق في إصلاح كل خطأ مادي في صحيفة الاتهام وفقاً للمادة (366) إ .ج، كما أن المقصود بتعديل التهمة إجراء مقتضاه أن تعطي المحكمة التهمة وضعها القانوني الصحيح الذي ترى أنه أكثر انطباقاً على الوقائع الثابتة بما يقتضيه ذلك حتماً من إضافة ظرف جديد لم يرد في الوصف الأصلي الوارد في أمر الإحالة أو في ورقة التكليف بالحضور، بل يثبت توافره لدى المحكمة من التحقيقات الأولية أو النهائية أو المرافعة في الجلسة، وتعديل التهمة ليس خروجاً على قاعدة تقيد المحكمة بالحدود العينية للدعوى، لأنه لا يستند إلى أساس آخر غير الذي أقيمت به، بل يتضمن فحسب إضافة ظرف جديد متصل بنفس الوقائع التي أقيمت بها الدعوى، ويكون معها كلاً لا يتجزأ كشفته التحقيقات المختلفة أو المرافعة.[34]
فالقاضي الجنائي عليه أن ينزل حكم الواقع المستمد من جوهر القاعدة الجنائية ذاتها والذي يلتمس الحقائق الواقعية التي تحكم المجتمع، ولذلك فقد استقر قضاء النقض على أن الأصل في اقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه– وهو غير مقيد بالوصف الذي تسيقه النيابة العامة على الواقعة المطروحة– وعليه في سبيل الوصول إلى الحقيقة أن يمحص الواقعة المطروحة عليه بجميع كيوفها وأوصافها وأن يطبق عليها نصوص القانون تطبيقاً صحيحاً، كل ما يلزم به ألا يعاقب المتهم عن واقعة أخرى غير التي وردت بأمر الإحالة.[35]
ويبرر الفقه الإجرائي[36] هذه السلطة للمحكمة أن استقلال القضاء عن الاتهام ومباشرته نشاطاً إيجابياً مما يقتضي أن لا يكون مقيداً في عمله بغير القواعد التي يقررها القانون ويقدر أنها تسري على الوقائع المطروحة عليه، وأن القضاء حين ينظر في الدعوى يكون الخبير القانوني الأعلى فيها ويقتضي ذلك أن تعلو كلمته على كل رأي يذهب إليه الخصوم في ادعاءاتهم، ثم أن الوصف القانوني الذي ينسبه الاتهام إلى الفعل لا يعدو– في حقيقته– أن يكون طلباً تقدم به أحد الخصوم إلى القضاء، والقاعدة أن القضاء الجزائي غير مقيد بطلبات الخصوم، ومن ثم كان له أن يطرحه ويقول بالوصف الصحيح في تقديره، كما أنه ليس في هذه القاعدة إضرارٌ بالعدالة فإذا كانت سلطة الاتهام محصورة في حدود واقعة معينة، فعلى المتهم أن يتوقع حكم القانون فيها، إذ قد طرحت على القضاء ليطبق عليها حكم القانون في قواعده المتعددة ويخلص بذلك إلى الحكم الذي تمليه هذه القواعد في مجموعها، وقد أجملت المحكمة العليا ذلك بقولها: «إن تغيير الوصف القانون يخضع لسلطان محكمة الموضوع في تقدير الوقائع وتقدير العقوبة المناسبة وفقاً للقانون، فسلطان المحكمة في تغيير الوصف القانوني للفعل مستمد من حقها في تقدير الأدلة بكامل حريتها لاستيفاء ما تطمئن إلى صحته من الوقائع، دون أن تتقيد في ذلك برأي جهة الاتهام».[37]
الفرع الثاني
تكييف جريمة الاعتداء على العقار وفقاً للمادة (321) عقوبات
حيث إنه في الواقع العملي يتم تجريم الاعتداء على العقار وفقاً لنص المادة (321) عقوبات، تأثراً بتسمية وعنوان الفصل وهو الاعتداء على حرمة ملك الغير، بينما القانون يسمى الجريمة المنصوص عليها في المادة (321) بجريمة الإضرار بالمال. والتي نصت على أن: (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من هدم أو خرب أو أعدم أو أتلف عقاراً أو منقولاً أو نباتاً غير مملوك له أو جعله غير صالح للاستعمال أو أضر به أو عطله بأية كيفية...). وحيث إن هذا النص مصدره المادة (361) من قانون العقوبات المصري تحت عنوان: التخريب والتعييب والإتلاف في المواد من (354 إلى 368) بأكثر تفصيل ونص المادة (361) عقوبات مصري، هو (كل من خرب أو أتلف عمداً أموالاً ثابتة أو منقولة لا يمتلكها أو جعلها غير صالحة للاستعمال أو عطلها بأية طريقة يعاقب بالحبس...). أما بشأن تأويل البعض لتطبيق نص الإضرار في القانون اليمني هو أن اغتصاب العقار يعد تعطيل المنفعة على المالك، فإن ذلك القول بعيد كل البعد عن ظاهر ومراد المشرع من نص المادة (321) عقوبات، لأن القول بذلك يعني أن جميع جرائم الاعتداء على الملكية بقسميها الإثراء أو الإضرار تدخل ضمن هذا النص لأنها تشترك في أنها تؤدي إلى حرمان المجني عليه من الاستعمال والانتفاع بالمال ولو مؤقتاً هذا القول لا يمكن قبوله وذلك أن المادة (321) عقوبات، هي من جرائم الإضرار بينما جريمة اغتصاب العقار هي من جرائم الإثراء كما سبق وأن تم التمييز بين النوعين وأهمية ذلك فيرجع إليه.
وحيث إن جريمة الإضرار بالمال المؤثمة قانوناً بنص المادة (321) من قانون العقوبات إنما هي جريمة عمدية تتحقق بارتكاب الجاني لإحدى الصور التي تلحق الضرر بالمال من خلال أفعال التخريب والاتلاف، مؤدى ذلك أن تكون هذه الأفعال منصبة على المال ذاته ومؤدية إلى تعطيله بأي كيفية كانت، فلا يعد إتلافاً أو تعييباً استعمال شيء دون رضى مالكه ولكن على الوجه المعد له[38] ذلك أن مناط التجريم إنما هو حماية المال ومادته من كل اعتداء يحيق به ويعطله من أداء مهامه[39] ومن ثم فإن التعطيل الوارد بالنص لا يتحقق إلا من خلال الأفعال الضارة التي سلطت على المال ذاته وجعلته غير قادر على ممارسة وظيفته، أما قيام المال بأداء وظيفته بواسطة من استولى عليه عنوة فليس تعطيلاً له بل تفويت لمنفعته على حائزه، ذلك أن التعطيل ما هو إلا توقف الشيء عن القيام بوظيفته فترة مؤقتة فيقال عُطلت الغلات والمزارع إذا لم تعمر ولم تحرث (لسان العرب ج:11ص 45)، ومن هنا فلا يمكن أن ينصرف التعطيل إلى فعل الاستيلاء للمال والانتفاع به وإنمائه ولا يستساغ اعتبار عبارة: (بأية كيفية– جعله غير صالح للاستعمال) الواردة بالنص أساساً لإقحام هذا السلوك وتجريمه وذلك أن المشرع رمى من هذه العبارة تدارك ما عساه أَن يفلت من صور وأفعال ضارة بالمال لم ترد في النص، وتتفق في الصفة والعلة المتحققة في الصور المنصوص عليها– القطع، القلع، التبوير، الإغراق، الكسر ونحوها– دون أن تحمل في طياتها حماية مصلحة أخرى غير منع الإضرار بالمال.
وبهذه الصورة وغيرها تتحقق النتيجة الإجرامية ألا وهي الإضرار بالمال أي تعيب الشيء على نحو يفقده قيمته الكلية أو الجزئية وبمعنى آخر إفناء لمادة الشيء أو على الأقل إحداث تغيرات عليها بحيث يكون غير صالح للاستعمال في الغرض المخصص له ومن ثَمَّ تضيع قيمته على المالك كنتيجة لاحقة.[40]
لذا تعد الأفعال التي لا تحقق هذه النتيجة غير مجرمة في النص السابق، ولو انصبت على المال لعدم اعتدائها على المصلحة المرعية بمقتضى النص من حماية المال وصيانته وعدم الإضرار به، سواءً كان منقولاً أو عقاراً ومن ثَمَّ لا يمكن بحال من الأحوال تجريم أفعال لا تمت لتلك المصلحة بصلة حتى وإن كان من تجريمها تحقيق مصلحة اجتماعية أخرى، وبالبناء على ما تقدم فالاستيلاء الذي يقصد به اغتصاب حيازة الشيء والتمكن منه بدون قهر، وكذلك الحلول فيه أي احتلاله بنزع الحيازة قهراً لا يعد بذاته منشئاً للجريمة الواردة في النص؟! فالمشرع لا يقصد من نص المادة (321) عقوبات، إضفاء الحماية الجنائية للحيازة على العقار وتجريم الاعتداء عليها. ونتيجة لذلك قضى في واقعة اغتصاب حيازة العقار (انتهاك حرمة ملك الغير) بالبراءة لانتفاء الركن الشرعي.[41]
الفرع الثالث
تكييف جريمة الاعتداء على العقار وفقاً للمادة (253) عقوبات
حيث إن الاعتداء على العقار لا بد من كفالة الحماية الجزائية له صيانة للسلام الاجتماعي الذي يكدره غصب شخص عقاراً يملكه غيره ويحوزه خاصة وأن ذلك يهدد بأعمال من العنف على الأشخاص أو الأشياء قد تقوض دعائم النظام الاجتماعي إذا لم تردع بحزم، لذلك نرى أن واقعة انتهاك حرمة ملك الغير تدخل ضمن المادة (253) عقوبات، وللتدليل على ذلك ما ورد في قانون الإجراءات الجزائية عندما نص على جرائم الشكوى- المادة (27/4) «جرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة وقتل الحيوانات بدون مقتضى أو الحريق غير العمدي وانتهاك حرمة ملك الغير» فإنه يظهر أن التسمية الواردة في نص المادة (27/4) إ.ج، تتفق مع التسمية الواردة في قانون العقوبات المصري والذي يعد لا ريب من المصادر التاريخية التي استلهم منها المشرع اليمني كثيراً من أحكامه، ولعل عرض موقف قانون العقوبات المصري خير دليل لإزالة اللبس الحاصل لدى الكثير وإيضاح النص الواجب التطبيق على الواقعة في القانون اليمني.
فقد جاء الباب الثالث عشر من قانون العقوبات المصري المسمى بجرائم (التخريب والتعييب والإتلاف) وتضمن المواد (361 - 368) والمتضمنة جرائم الإضرار بالمال والتي سبق بيانها في الفقرة السابقة بينما جاء الباب الرابع عشر من ذات القانون والمسمى بانتهاك حرمة ملك الغير في المواد (369 - 373) والمتضمنة جرائم اغتصاب العقار ونظراً لتعرض تلك النصوص لنقد من قبل الفقه نتيجة الإسهاب والتكرار فإن مشروع قانون العقوبات المصري جاء بتعديل تلك النصوص في المادة (220/1) والتي تقابل نص المادة (485) من مشروع تقنين العقوبات السوداني فنصت على: (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بالغرامة التي لا تتجاوز خمسين جنيهاً من دخل مكاناً مسكوناً أو معداً للسكن أو أحد ملحقاته أو معداً لحفظ المال أو عقاراً خلافاً لإرادة صاحب الشأن وفي غير الأحوال المبينة في القانون وكذلك من بقي فيه خلافاً لإرادة من له الحق في إخراجه أو وجد مختفياً عن أعين من له هذا الحق. وتكون العقوبة بالحبس مدة لا تزيد على سنتين إذا وقعت الجريمة ليلاً أو بواسطة العنف على الأشخاص أو الأشياء أو باستعمال السلاح أو من شخصين فأكثر أو بانتحال صفة عامة أو ادعاء القيام والتكليف بخدمة عامة أو الاتصاف بصفة كاذبة وإذا كان القصد من الدخول أو البقاء منع الحيازة بالقوة أو ارتكاب جريمة عد ذلك ظرفاً مشدداً).[42]
ولما كان قانون العقوبات اليمني أخذ بذلك النص في المادة (253) عقوبات، والتي نصت على: (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من دخل مكاناً مسكوناً أو معداً للسكن أو أحد ملحقاته أو أي محل معد لحفظ المال أو عقاراً خلافاً لإرادة صاحب الشأن وفي غير الأحوال المبينة في القانون وكذلك من بقي فيه خلافاً لإرادة من له الحق في إخراجه. وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات أو الغرامة إذا وقعت الجريمة ليلاً بواسطة العنف على الأشخاص أو الأشياء أو باستعمال سلاح أو من شخصين فأكثر أو من موظف عام أو ممن ينتحل صفته).
ومن خلال المقارنة بين النصين نجد أن النص اليمني لم يشر إلى عنصر التشديد إذا كان بقصد اغتصاب الحيازة، إلا إن ذلك لا يمنع من دخولها في النص ويكون التشديد في الحد الأدنى والأعلى بحسب القصد.
وكذلك نجد أن النص كان تحت عنوان انتهاك حرمة مسكن، وهذه التسمية قاصرة لأنها ذكرت الخاص وتركت العام وهو العقار المذكور في صلب النص كما أن وضع النص في المادة (253) في الفصل المتعلق بجرائم الاعتداء على الحرية الشخصية سبب العزوف عن تطبيق النص على جرائم انتهاك حرمة ملك الغير، ولعل تفسير وضع النص في ذلك الباب يرجع إلى الأخذ بمسلك بعض التشريعات المقارنة في جرائم حرمة مسكن والتي غلبت قصد الاعتداء على الحرية الشخصية خاصةً إذا كان ذلك من موظف عام إلا إن ذلك لا يمنع من تطبيق واقعة انتهاك حرمة ملك الغير وفقاً للمادة (253) عقوبات، لأن عناصر الجريمة تؤخذ من النص أما العناوين ليست سوى مرشدة. إضافة إلى أن هناك صلة بين جرائم الأموال وجرائم الاعتداء على الأشخاص، فجرائم الاعتداء على المال تمس الشخص باعتبار أن الذمة المالية له وأن ثمة ارتباطاً بين الذمة والشخصية إذ لكل شخص ذمة. والذمة في الغالب لا تكون إلا لشخص. لذلك قيل إن جرائم الاعتداء على الأموال هي في حقيقتها جرائم اعتداء على الأشخاص في النهاية، ومن جهة أخرى فإن بعض الجرائم تمس حقين أو أكثر، بعضها لصيق بالشخصية وبعضها منتمٍ إلى الذمة المالية، وأبرز مثال لذلك جريمة السرقة بعنف التي تمس الحق في سلامة البدن والحق في الملكية معاً، وهذه الجرائم يلحقها الشارع بأحد النوعين تبعاً لما سيستظهره من غلبة معنى الاعتداء على أحد الحقين[43].
لذلك فإن المادة (253) عقوبات تحمي الحيازة بدليل ما تم بيانه من المصدر التاريخي لهذا النص وكذلك ما ورد في التعليمات العامة في المادة (227) “وكذلك إذا قام نزاع حول حيازة عقار، فيجب بحث ذلك لمعرفة مدى توفر أركان الجريمة المنصوص عليها في المادة (253) من قانون الجرائم والعقوبات”، كما أنها تقتضي المصلحة حماية الحيازة وهو ما أدى إلى تدخل المشرع لإسباغ الحماية المدنية أو الجزائية على كافة منازعات الحيازة بهدف استقرار أوضاع المتنازعين وذلك لحماية الأمن العام، بالإضافة إلى تحديد دور النيابة العامة في حماية الحيازة فالصالح العام يقتضي احترام الحالات المستقرة وعدم التعرض لها بما يكدرها؛ لأن استعمال العنف ووسائل القوة ضد الحائز أمر يهدد السلام الاجتماعي والأمن العام ولذلك وجب تدخل المشرع لوقف أي عدوان حال على الحيازة حتى ولو كانت أعمال العنف صادرة من صاحب الحق نفسه.
فحماية الحيازة العقارية هي في الوقت ذاته حماية للسلام الاجتماعي إذ إن الاستهانة بها تنشئ أسباباً خطيرة للمنازعات والفوضى في المجتمع.
وحيازة العقار من الأركان الأساسية في الاقتصاد القومي للمجتمع وباستقرار المعاملات في العقارات يستقر الأمن في المجتمع وتتحقق المصلحة الاجتماعية والاقتصادية المنشودة، ويتم المحافظة على استقرار المراكز القانونية في المجتمع وهذا غاية ما يهدف إليه أي نظام في أي مجتمع.
خاتمة
يتبين من خلال الدراسة أن الفقه الجنائي مستقر على اعتبار جريمة اغتصاب العقار من جرائم الإثراء وليست من جرائم الإضرار، وحيث إن التسمية الواردة لواقعة اغتصاب العقار في القانون المصري هي «انتهاك حرمة ملك الغير» وهي ذات التسمية التي نص عليها قانون الإجراءات الجزائية اليمني عند بيان جرائم الشكوى- المادة (27/4) «جرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة وقتل الحيوانات بدون مقتضى أو الحريق غير العمدي وانتهاك حرمة ملك الغير» ومن هذا النص يتضح أن هناك تفرقة بين جرائم التخريب والإتلاف وبين جرائم انتهاك حرمة ملك الغير بينما في الواقع العملي يتم دمج تلك الجرائم في نص واحد وهو: المادة (321) عقوبات، كما أن اصطلاح «مملوكاً للغير» ورد في كافة التشريعات الجنائية المقارنة ومنها قانون العقوبات المصري، ومع ذلك لم يذهب أي من الفقه والقضاء الجنائي إلى أن محل الحماية الجنائية هو الملكية، بل إن الإجماع هو على حماية الحيازة بشروطها القانونية، وما ذهب إليه البعض بأن نصوص قانون العقوبات اليمني تختلف عن النصوص الواردة في القانون المصري، فذلك القول على خلاف الواقع حيث نجد أن المادة (321) عقوبات يمني، بكافة أركانها وعناصرها وظروفها المشددة قد تضمنها قانون العقوبات المصري وكذلك مشروع التعديلات مع اختلاف يسير في الصياغة والإخراج غير مؤثر في أركان الجريمة وذلك في نصوص المواد (361-368) عقوبات مصري، تحت عنوان: جرائم التخريب والإتلاف، والفصل التالي جاء تحت عنوان: جرائم انتهاك حرمة ملك الغير، كما نجد أن قانون العقوبات اليمني قد أخذ من النص الوارد في مشروع قانون العقوبات المصري.
لذلك انتهينا إلى ضرورة تكييف واقعة انتهاك حرمة ملك الغير وفقاً للمادة (253) عقوبات، مع التأكيد على ضرورة وضع نص عقابي خاص بواقعة اغتصاب الحيازة العقارية، يكون أكثر وضوحاً لعناصر وأركان الجريمة وهو ما نوصي به المشرع خاصةً وأنه يتم مناقشة مشروع لتعديل قانون العقوبات الحالي.
المراجع
1) أصول قانون العقوبات القسم العام، د/ سمير عاليه، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، لبنان، ط/ الأولى، 1991م.
2) بدائع الصنائع، في ترتيب الشرائع، تأليف: أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (ت:587هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط/ الثانية، 1406هـ- 1986م.
٣) البهجة في شرح التحفة، (شرح تحفة الحكام)، تأليف: علي بن عبد السلام بن علي، أبو الحسن التُّسُولي (ت:1258هـ)، تحقيق: ضبطه وصححه: محمد عبد القادر شاهين دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط/ الأولى، 1418هـ- 1998م.
٤) تعدد القواعد وتعدد الجرائم، د/ شكري الدقاق، دار الجامعات المصرية، القاهرة- مصر، 1990م.
٥) تكملة حاشية ابن عابدين، على الدر المختار، المسماة: قرة عيون الأخيار، تأليف: محمد علاء نجل ابن عابدين، مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة- مصر، (د. ط، ت).
٦) جرائم الإتلاف واغتصاب الحيازة، د/ عبدالحكم فوده، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية- مصر، ط1992م.
٧) جرائم الاعتداء على الأموال في قانون العقوبات اللبناني، د/ محمود نجيب حسني، دار النهضة العربية، بيروت- لبنان، ط/ الأولى، 1404هـ- 1984م .
٨) الجرائم والعقوبات، د/ حسني الجندي، دار التراث العربي للطباعة والنشر, القاهرة- مصر، 1988م.
٩) حاشية ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، تأليف: ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (ت:1252هـ)، دار الفكر-بيروت- لبنان، ط/ الثانية، 1412هـ - 1992م.
١٠) حاشية الدسوقي، تأليف: محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي (ت:1230هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الحميد الهنداوي، المكتبة العصريّة، صيدا- لبنان، ط/ الأولى، 1428هـ.
١١) الحماية الجنائية، د/ محمد السعيد وادي، جامعة المنصورة- كلية الحقوق, مصر، 1999م.
١٢) الحماية الدستورية للحقوق والحريات، د/ أحمد فتحي السرور، دار الشروق، القاهرة- مصر، ط/ الثانية 2000م.
١٣) الحماية المدنية والجنائية لواضع اليد على العقار، د. عدلي أمير خالد، منشأة المعارف، القاهرة- مصر، ط/ 1992م.
١٤) شرح الخرشى على مختصر خليل، مطبعة بولاق، القاهرة- مصر، ط/ الثانية، 1317هـ.
١٥) شرح قانون الإجراءات الجزائية اليمني، د/ مطهر أنقع، المطبعة القضائية، صنعاء- اليمن، ط/ الخامسة، 2005م.
١٦) الغصب وآثاره في الشريعة الإسلامية والقانون (دارسة مقارنة)، د/ يحيى محمد الجرافي، المطبعة القضائية، صنعاء- اليمن، 2006م.
١٧) قانون العقوبات المقارن– القسم الخاص، د/ محمد إبراهيم زيد، منشأة المعارف، الاسكندرية- مصر، 1974م.
١٨) القواعد القانونية والقضائية للفترة 5/6/2003م – 10/3/2005م، المحكمة العليا اليمنية.
١٩) القواعد القضائية العدد الأول، الجزء الأول، المحكمة العليا اليمنية.
٢٠) نظرية الدعوى بين الشرعية الإسلامية وقانون المرافعات، د/ محمد نعيم ياسين، دار عالم الكتب، الرياض- السعودية، 1423هـ- 2003م.
٢١) الوسيط في شرح القانون المدني، د/ عبدالرزاق السنهوري، دار النهضة العربية، القاهرة- مصر، 1967م.
[1] نظرية الدعوى بين الشرعية الإسلامية وقانون المرافعات د/ محمد نعيم ياسين صـ245 ذكر في الهامش (1) صـ246 بدائع الضائع ج6 صـ256 حاشية ابن عابدين ج5 صـ565 تكملة حاشية ابن عابدين ج7 صـ486شرح الخرشي، ج7 صـ242 حاشيه الدسوقي ج 4 صـ 233 وقد بحث هذا الموضوع بحثاً جيداً التسولي في كتاب البهجة في شرح التحفة ج2 صـ277 – 282.
[2] د. محمد نعيم ياسين، نظرية الدعوى، مرجع سابق، ص185.
[3] الحماية المدنية والجنائية لواضع اليد على العقار، د. عدلي أمير خالد ط 1992م، ص225وما بعدها حيث تناول بالتفصيل حماية حيازة العقار في الفقه الجنائي الإسلامي يراجع أيضاً الغصب وآثاره في الشريعة الإسلامية والقانون، دارسة مقارنة، د/ يحيى محمد الجرافي، ص69وما بعدها.
[4] د . عبدالرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء التاسع، صـ794وما بعدها.
[5] الحماية الدستورية للحقوق الحريات د/ أحمد فتحي السرور الطبعة الثانية 2000م صــ448.
[6] د/ حسني الجندي، كتاب الجرائم والعقوبات صـ130.
[7] د/ حسني الجندي، مرجع سابق صــ104.
[8] د. أحمد فتحي سرور، الحماية الدستورية الجنائية، صـ449.
[9] د/ أحمد فتحي سرور، المرجع السابق صـ 450.
[10] تعدد القواعد وتعدد الجرائم د/ شكري الدقاق صـ62.
[11] أصول قانون العقوبات القسم العام د/ سمير عاليه ط1/1991م.
[12] د. أحمد فتحي سرور مرجع سابق، صـ436.
[13] د/ فتحي سرور، مرجع سابق، صــ437.
[14] د/ فتحي سرور، مرجع سابق، صــ438.
[15] د/ شكري الدقاق، مرجع سابق صـــ69.
[16] د/ شكري الدقاق، مرجع سابق، صــ80.
[17] د/ شكري الدقاق، مرجع سابق،صـــ96.
[18] قانون العقوبات المقارن– القسم الخاص، د/ محمد إبراهيم زيد، صـ210-211.
[19] د/ محمود نجيب حسني، مرجع سابق، صــ9.
[20] د/ محمد إبراهيم زيد، مرجع سابق، صــ272.
[21] د/ محمد إبراهيم زيد، مرجع سابق، صـ210-211.
[22] د/ محمود نجيب حسني، جرائم الاعتداء على الأموال في قانون العقوبات اللبناني. دار النهضة ط1، (1404هـ-1984م ) صـ18.
[23] د/ محمود نجيب حسني، مرجع سابق، صـ20.
[24] د/ محمود نجيب حسني، مرجع سابق، صـ539.
[25] د/ محمود نجيب حسني، صـ57.
[26] د/ محمد السعيد وادي، الحماية الجنائية، مرجع سابق، صـ64 راجع د/ يحيى محمد الجرافي، مرجع سابق، ص98 وما بعدها.
[27] د/ محمود نجيب حسني، مرجع سابق، صــ60.
[28] د/ محمد السعيد وادي، مرجع سابق، صــ65.
[29] د/ محمود نجيب حسني، مرجع سابق، صــ59.
[30] د/ محمد السعيد وادي، مرجع سابق، صـ65.
[31] د/ محمد السعيد وادي، مرجع سابق، صـ66.
[32] د/ محمد السعيد وادي، مرجع سابق، صــ67.
[33] د/ عبدالحكم فوده، جرائم الإتلاف واغتصاب الحيازة ط1992م، صــ375 ما بعدها.
[34] د/ مطهر أنقع، شرح قانون الإجراءات الجزائية اليمني، صــ203 .
[35] د/ شكري الدقاق، مرجع سابق صــ169.
[36] د/ مطهر أنقع، مرجع سابق.
[37] راجع الطعن رقم 28 لسنة 1418هـ جلسة 1/9/1999م القواعد القضائية العدد الأول، الجزء الأول، قاعدة رقم 18 صــ88، وأيضاً: الطعن رقم (20389) لسنة 1424هـ، جلسة 21/12/2004م، القواعد القانونية والقضائية للفترة 5/6/2003م – 10/3/2005م قاعدة رقم 88، صــ302.
[38] د/ محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص498.
[39] انظر جرائم الاتلاف واغتصاب الحيازة، د/ عبدالحكم فوده، ص78.
[40] د/ محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص493.
[41] الحكم لتاريخ 30/6/2008م الصادر من محكمة شرق ذمار الابتدائية القاضي/ أحمد عبدالله الذبحاني.
[42] د/ محمد إبراهيم زيد، مرجع سابق، ص 482.
[43] د/ محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص6.