العقوبات البديلة لعقوبة الحبس والبدائل الأخرى وفقاً للقوانين اليمنية في ضوء السياسة الشرعية

القاضي/ حافظ محمد الفرح

10/1/2025

يمكنك تنزيل الدراسة من هنا

 

المقدمـــــة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وبعد: 

فإن الفقه الشرعي والقانوني يكاد أن يجمع على مساوئ وأضرار عقوبة الحبس التعزيرية وأن السياسة الشرعية الجنائية تقتضي وجود البدائل الشرعية والقانونية لهذه العقوبة. 

كما أن الواقع يؤكد بأن بلادنا كغيرها من البلدان تعاني من ازدحام السجون بالمحابيس وأن الضرورة تقتضي مراعاة مساوئ وأضرار عقوبة السجن على الأفراد وأسرهم وعلى المجتمع، لاسيما غير أصحاب السوابق أو المعروفين بالشر والفساد ذلك أن إصلاح من لم يسبق حبسهم من قبل قد يكون أجدى نفعاً بالعقوبات والبدائل الأخرى لعقوبة الحبس. 

ومن المعلوم أن السياسة الشرعية الجنائية لا تمانع من وجود هذه البدائل وأن الواجب أن تنحصر عقوبة الحبس في الجرائم ذات الخطورة الاجتماعية دون غيرها من الجرائم، ذلك أن الأصل في الفقه الإسلامي ترك تقدير العقوبات التعزيرية لولي الأمر الشرعي أو من يقوم مقامه بشأن ذلك. 

ومن لوازم تقدير ذلك مراعاة مقاصد الشريعة في القضاء وفي تشريع العقوبات ومراعاة الواقع والظروف والأحوال. 

ولأهمية هذا الموضوع في معالجة الكثير من المشاكل الواقعية والإشكالات النظرية المتعلقة بعقوبة الحبس ومنها المساوئ والأضرار لعقوبة الحبس المجمع عليها من فقهاء الشريعة والقانون. 

فقد تم إعداد هذا البحث الموسوم بـ (العقوبات البديلة لعقوبة الحبس والبدائل الأخرى وفقاً للقوانين اليمنية في ضوء السياسة الشرعية) وذلك لمعالجة المشاكل المتعلقة بعقوبة الحبس سواء عند صدور الأحكام أو أثناء تنفيذ هذه العقوبة. 

ولذلك فقد تم تقسيم هذا البحث إلى مبحثين ومطلب تمهيدي تضمن المطلب التمهيدي الأسباب والمبررات لاستبدال عقوبة الحبس بالعقوبات الأخرى وتضمن المبحث الأول بدائل عقوبة الحبس عند صدور الأحكام القضائية في القانون اليمني وتضمن المبحث الثاني العقوبات البديلة والبدائل الأخرى أثناء التنفيذ لعقوبة الحبس وذلك وفقاً للخطة الآتية:

مطلب تمهيدي: أسباب ومبررات استبدال عقوبة الحبس بالعقوبات الأخرى. 

المبحث الأول: العقوبات البديلة لعقوبة الحبس عند صدور الأحكام القضائية. 

المطلب الأول: استبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي.

المطلب الثاني: اختيار عقوبة الغرامة المالية دون الحبس في العقوبات التخييرية   

المطلب الثالث: استبدال عقوبة الحبس بالبدائل الأخرى. 

المبحث الثاني: العقوبات البديلة لعقوبة الحبس والبدائل الأخرى أثناء التنفيذ.   

المطلب الاول: استبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي.   

المطلب الثاني: استبدال عقوبة الحبس بالغرامة المالية. 

المطلب الثالث: البدائل الأخرى عن الحبس أتناء التنفيذ الجنائي.

الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات.

والله تعالى أسأل القبول والتوفيق والسداد إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 

 

 

 

 

 

مطلب تمهيدي 
أسباب ومبررات استبدال عقوبة الحبس بالعقوبات الأخرى

من المعلوم في الفقه الإسلامي الذي يعد المصدر التشريعي للقوانين اليمنية أن عقوبة الحبس ليست من العقوبات الإلزامية، بل هي من العقوبات التعزيرية الاجتهادية الخاضعة في إقرارها وفي تقديرها وفي إنزالها على المحكوم عليهم للسياسة الشرعية. 

والمقصود بالسياسة الشرعية: كل فعل يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد فقد جرى حوار بين ابن عقيل وأحد الشوافع، فقال الشافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي فإن أردت بقولك ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط[1].

والمقصود بالسياسة الشرعية في مجال القضاء هو: الاجتهاد في شئون القضاء فيما لا نص فيه، والاجتهاد في تقدير الأدلة والحكم بالقرائن والأمارات في جرائم التعازير واختيار العقوبة المناسبة إزاء المتهمين وفقاً للأحوال والظروف للوقائع الجنائية ومدى تحقق مقاصد الشريعة من هذه العقوبات ومراعاة المصالح والمفاسد المترتبة على ذلك، فحيثما تحققت المصلحة فيجب العمل على جلبها ورعايتها وحيثما تحققت المفسدة فيجب العمل على دفعها وسد أبوابها[2].

ولذلك فإن تقدير عقوبة الحبس وإنزالها واستبدالها بغيرها راجع للاجتهاد الشرعي في ضوء مراعاة المصالح والمفاسد والمضار والمنافع التي يقدرها قاضي الحكم في العقوبات ذلك أن عقوبة الحبس ليست شريعة كليه دائمة لا تتغير بتغير الزمان والمكان كعقوبات الحدود والقصاص والديات وإنما هي سياسة جزئية بحسب المصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال[3].

ومن خلال ما سبق يتضح بأن السياسة الشرعية قد تقتضي استبدال عقوبة الحبس بعقوبات أخرى، وقد تقتضي استبدال العقوبات التعزيرية الأخرى بعقوبة الحبس مراعاة للظروف والأحوال كما تقتضي السياسة الشرعية الحكم بالحبس في الجرائم التعزيرية الخطيرة على الأفراد والمجتمع وتقتضي استبدالها بغيرها في الجرائم غير الخطيرة فالعبرة في تحقق المصلحة المشروعة من ردع الجناة وزجر غيرهم وأن الهدف من العقوبة هو الإصلاح والتقويم وليس الانتقام والتشفي. 

ومن أهم المبررات والأسباب لاستبدال عقوبة الحبس بغيرها من العقوبات في بلادنا المبررات والأسباب الآتية: 

•     إن استعمال وسيلة الحبس كعقوبة تعزيرية في الجرائم غير الخطيرة على المجتمع يعد من باب عدم مراعاة السياسة الشرعية من وجوب إنزال العقوبة الشرعية المناسبة على المحكوم عليهم؛ لأن الحبس يعد من أشد العقوبات التعزيرية، وحجز الحرية ليس بالأمر الهين والبسيط على النفوس، ولذلك يجب ألا يستعمل إلا في القضايا التي تستحق ذلك كعقوبة رادعة وزاجرة ترجح فيها المصلحة العامة على مصلحة الأفراد.

•     إن عقوبة الحبس لها مصالح في ردع وزجر المتهمين إلا أن لها مضار ومفاسد كثيرة ومن أهمها الأضرار المعنوية والنفسية على المحكوم عليهم والأضرار على أسرهم في تعطيل منافع الأسرة وعلى المجتمع في تعطيل الكثير من الطاقات والقدرات التي يحتاجها المجتمع وبذلك لابد من الموازنة بين هذه الأضرار والمصلحة المبتغاة من عقوبة الحبس.

•     إن الواقع يؤكد كثرة المساجين وازدحام السجون بهم في بلادنا وغيرها من البلدان كما تتحمل الدولة أعباء كثيرة بسبب ذلك مع إمكانية استبدال الحبس ببدائل أخرى يتحقق معها درء مفاسد وأضرار هذا الازدحام، وكذا تحقق المصلحة في الحبس في الجرائم الخطرة دون غيرها مما يستوجب استعمال وسيلة الحبس عند الضرورة لذلك وليس في كل الأحوال.

•     إن حبس بعض المتهمين يتعارض مع السياسة الشرعية في وجوب مراعاة المصالح ودرء المفاسد؛ فقد يختلط بعض المتهمين مع الأشرار وأصحاب السوابق فيؤثرون عليهم سلبياً ولا تتحقق المصلحة المرجوة من الحبس؛ لأن عقوبة الحبس غرضها ومقصدها الشرعي إصلاح الجناة وردهم إلى جادة الصواب حتى يصبحوا أفراداً صالحين في المجتمع وردع غيرهم من أن يقعوا في نفس سلوكهم الإجرامي، وليس أن يتحول المحبوس إلى محترف للإجرام ومن ذوي السوابق لمخالطة الأشرار وتعوده على الحبس. 

لذلك ولهذه المبررات وغيرها فإن الواجب يقتضي عدم اتخاذ عقوبة الحبس إلا في إطار مقتضيات المصلحة الشرعية المعتبرة واللجوء إلى البدائل بإعمال نصوص القوانين على الوجه الصحيح وعدم الإسراف في أمر الحبس لخطورته وأضراره على الأفراد والمجتمع إلا متى كان هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق العدالة في المجتمع كما أن السياسة الشرعية لا تمنع من استبدال عقوبة الحبس بغيرها من البدائل المشروعة أثناء التنفيذ متى وجد النص القانوني المسوغ لذلك، وكذا النص المتضمن للشروط والضوابط المتعلقة باستبدال عقوبة الحبس بغيرها. 

وما يؤكد سلامة هذا الرأي هو ما تطرق إليه القاضي عبد القادر عودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي من أن عقوبة الحبس في الشريعة الإسلامية هي عقوبة ثانوية وليست أساسية وأنه لا ينبغي جعلها عقوبة أساسية في كل الجرائم كالأنظمة القانونية، ذلك أن لها مساوئ وأضراراً وأن من مساوئها امتلاء السجون بالمحابيس وتحول السجون إلى بيئة للإجرام كما أنه لا ينبغي للقاضي الحكم بالحبس إلا متى ما رأى أن الجاني لا يصلحه إلا ذلك، مضيفاً بأن الأصل في العقوبات التعزيرية  في الشريعة الإسلامية هي عقوبة الجلد وليست عقوبة الحبس[4].

 

 

 

 

المبحث الأول 
العقوبات البديلة لعقوبة الحبس عند صدور الأحكام القضائية

المطلب الأول 
استبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي   

من المعلوم أن العقوبات التعزيرية غير محددة وغير مقدرة بخلاف عقوبات الحدود والقصاص والديات فقد ترك الشارع أمر الاجتهاد في التعازير لولي الأمر الشرعي مراعاة للمصلحة العامة للمجتمع، ولأن جرائم التعزير قد تتغير من وقت إلى آخر وقد يستجد فيها ما لم يكن معروفاً من قبل وتقتضي المصلحة إدراج ما استجد منها ضمن تلك الجرائم وتحديد عقوبات لها حسب المصلحة المرعية وفقاً للظروف والأحوال المتغيرة من زمان إلى زمان[5].

ومن العقوبات المستجدة في العصر الحديث عقوبة العمل الإلزامي والتي اقتضتها السياسة الشرعية الجنائية كعقوبة بديلة عن عقوبة الحبس؛ وذلك لتلافي مساوئ وأضرار الحبس وليس بقصد التخفيف على المجرمين كما يظن البعض إنما المقصود بها إصلاحهم وإدماجهم في المجتمع. 

ويقصد بعقوبة العمل الإلزامي: تشغيل المحكوم عليه في أحد المشروعات العامة المدة المقررة في الحكم القضائي الواجب التنفيذ. 

وقد نص على هذه العقوبة قانون الجرائم والعقوبات والذي نص على أنه: «يجوز للمحكمة في الجرائم المعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أن تستبدل بالحبس عقوبة العمل الإلزامي مدة لا تزيد عن مدة الحبس المقررة للجريمة وذلك متى تبين لها من أسباب الجريمة وشخصية الفاعل وماضيه ووضعه الاجتماعي أن الأثر التربوي للعقوبة يمكن تحقيقه بغير اللجوء إلى الحبس ويجري تنفيذ العقوبة بتشغيل المحكوم عليه حسب قدراته في أحد المشروعات العامة المدة التي يقررها الحكم ويجوز أن يتضمن الحكم إلزام المحكوم عليه بالإقامة في منطقه المشروع الذي يجري فيه التنفيذ أو في إحدى المنشآت العقابية القريبة منه ويخصم من أجر المحكوم عليه مقابل ما يقدمه المشروع له من خدمات كالمأكل والملبس والسكن» (م44ق.ع). 

ومن خلال هذا النص القانوني يتضح بأن المشرع اليمني قد قرر استبدال عقوبة الحبس بعقوبة العمل الإلزامي وأحاط ذلك بالعديد من الشروط والضوابط القانونية والتي تتمثل بالشروط الآتية:

•     أن تكون الجريمة المحكوم فيها بالعمل الإلزامي من الجرائم غير الجسيمة وفقاً لما أشار إليه النص بأن ذلك يجوز في الجرائم المعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبالتالي فإن عقوبة العمل الإلزامي لا يجوز الحكم بها كعقوبة بديلة عن الحبس في الجرائم الجسيمة.

•     أن يتبين للمحكمة أن الأثر التربوي للعقوبة يمكن تحقيقه من غير اللجوء إلى عقوبة الحبس وذلك من خلال أسباب الجريمة وشخصية الفاعل وماضيه ووضعه الاجتماعي وبذلك فإن القصد هو إصلاح الجاني من غير اللجوء إلى عقوبة الحبس متى ما تبين للمحكمة أن المتهم ليس من أصحاب السوابق ولا من المعروفين بالشر فضلا عن سبب الوقوع في الجريمة ووضع الفاعل الاجتماعي.

•     أن يتم تشغيل المحكوم عليه في أحد المشروعات العامة أي المشروعات التابعة للدولة فيكون تشغيله للمصلحة العامة، وبالتالي لا يمكن تشغيله في المشروعات المختلطة التي تسهم فيها الدولة ولا في المشروعات التابعة للأشخاص أو الشركات الخاصة.

•     أن تكون مدة العمل هي المدة المقررة في الحكم وبمقابل أجر شهري يخصم منه ما يقدمه المشروع من خدمات تتعلق بالمأكل والمسكن والملبس[6].

وغني عن البيان أنه يجب أن يكون العمل بما يتناسب مع قدرة الشخص ومؤهله العلمي وخبرته في الأعمال المختلفة حتى يستفاد من عمل الشخص في المصالح العامة للمجتمع وحتى لا يشق عليه في أي عمل لا خبرة له فيه أو لا قدرة له عليه.

كما نص قانون الجرائم والعقوبات على العدول عن الحكم بالعمل الإلزامي إلى عقوبة الحبس إذا تكاسل المحكوم عليه عن العمل أو لم يقم به تنفيذاً للحكم وذلك عن طريق طلب النيابة العامة من المحكمة ذلك؛ كون النيابة العامة هي صاحبة الولاية في تنفيذ العقوبات الجنائية فقد نص قانون الجرائم والعقوبات على أنه: «إذا تكاسل المحكوم عليه عن العمل المسند إليه أو لم يقم به أو فر منه جاز للنيابة العامة أن تطلب من قاضي المحكمة الابتدائية التي أصدرت الحكم أو التي يجري التنفيذ في دائرتها أن يصدر أمراً بتنفيذ عقوبة الحبس عليه وعندئذ يستكمل تنفيذ المدة المحكوم عليه بها في إحدى المنشآت العقابية» (م45ق.ع).   

وبذلك يتضح أن المشرع اليمني قد نهج في سياسته الشرعية الجنائية باستبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي ولكي تتحقق هذه السياسة في الواقع، فيجب على الجهات المختصة موافاة المحاكم بالمشروعات الحكومية التي يمكن تشغيل الجناة فيها بدلاً عن عقوبة الحبس كما أن للقاضي وفقاً لمعلوماته أن يحدد ذلك أو يستعين بالنيابة العامة في تحديد الجهة التي يمكن تشغيل المحكوم عليه فيها أو يترك ذلك للنيابة العامة. 

المطلب الثاني 
اختيار عقوبة الغرامة دون الحبس في العقوبات التخييرية 

إن مما يلزم الإشارة إليه أن العقوبات التعزيرية في الفقه الإسلامي متعددة ومتدرجة من الوعظ والإرشاد والتوبيخ والتهديد والحبس والغرامة المالية والإعدام وفقاً لأحوال وظروف الجرائم التعزيرية وأن الغرامة هي إحدى العقوبات التي قررها بعض فقهاء الشريعة الإسلامية[7].

ولا شك أن عقوبة الغرامة المالية تعد إحدى العقوبات التعزيرية في القانون اليمني ويقصد بها إلزام المحكوم عليه بأن يدفع مبلغاً من المال إلى الخزينة العامة للدولة كعقوبة له فيما يتعلق بالحق العام. 

ومقدار الغرامة في القانون اليمني لا يزيد على سبعين ألف ريال ولا يقل عن مائة ريال ما لم ينص القانون على خلاف ذلك فقد نص قانون الجرائم والعقوبات النافذ على أنه: «الغرامة هي إلزام المحكوم عليه بأن يدفع لخزينة الدولة المبالغ التي تقدرها المحكمة في الحكم ولا تنقص الغرامة عن مائة ريال ولا تجاوز سبعين ألف ريال ما لم ينص القانون على خلاف ذلك» (م43ق.ع).

وتتميز عقوبة الغرامة بأنها تصيب المرء في ذمته المالية دون شخصه فلا تصيبه في جسده ولا تمثل قيداً على حريته ولا تمس سمعته وشرفه أو تنال من مكانته الاجتماعية، كما أنها تجنب المحكوم عليه مساوئ الحبس، إذ أنها تحول بينه وبين الاختلاط بنزلاء السجن من محترفي الإجرام وتتيح له مزاولة عمله أو مهنته ولا تتضرر أسرته من فقد عائلها، كما أنها عقوبة عادلة ورادعة لمواجهة الجرائم التي يكون الدافع لارتكابها الطمع والجشع في مال الغير أو الكسب غير المشروع لأنها عقوبة من جنس الفعل ولأنها تصيب الشخص في ذمته المالية، فضلاً عن كونها تدر دخلاً للدولة ولا تشكل أي  أعباء عليها[8].

ومن خلال الاطلاع على قانون الجرائم والعقوبات وغيره من القوانين العقابية يتضح بأن سياسة المشرع اليمني في تقرير العقوبات التعزيرية قد قرنت بين عقوبة الحبس والغرامة في عقوبات الكثير من الجرائم غير الجسيمة وبعض القضايا الجسيمة، وجعلت للقاضي حق اختيار إحدى العقوبتين في نفس الواقعة الجنائية، وهو ما يتح للقاضي حق إنزال إحدى العقوبتين مراعياً ظروف الواقعة وأسبابها وحال المتهم وحصول التصالح بين الطرفين وغير ذلك من الظروف المشددة أو المخففة للعقوبة. 

ومن الأمثلة على الجرائم الجنائية التي جعل المشرع الاختيار للقاضي بتطبيق إحدى العقوبتين الحبس أو الغرامة ومنها على سبيل التمثيل لا الحصر الجرائم الآتية:

•     جريمة الإيذاء العمدي وفقاً لما نصت عليه المادة (244) عقوبات.

•     جريمة الإصابة الخطأ المعاقب عليها بنص المادة (245) عقوبات.

•     جريمة الامتناع عن تسليم الصغير لحاضنه المعاقب عليها بنص المادة (251) عقوبات.

•      جريمة التهديد وفقاً لما نصت عليه المادة (254) عقوبات.

•     جريمة الفعل الفاضح المعاقب عليها بنص المادة (274) عقوبات.

•     جريمة المساس بحرمة الزواج المعاقب عليها بنص المادة (276) عقوبات.

•     جريمة المقامرة في محل عام المعاقب عليها بنص المادة (287) عقوبات.

•     جريمتي السب والإهانة المعاقب عليهما بنص المادة (292) عقوبات.

•     جريمة الشروع في السرقة المعاقب عليها بنص المادة (302) عقوبات.

•     جريمة الأضرار بمال الغير المعاقب عليها بنص المادة (321) عقوبات. 

وثمة جرائم كثيرة معاقب عليها بالحبس أو الغرامة في قانون العقوبات أو غيره، ويستفاد من التخيير بين عقوبة الحبس والغرامة أن هذه الجرائم في نظر المشرع أقل خطورة من غيرها، وللقاضي سلطة تقديرية في الحكم بالغرامة أو الحبس، بينما الجرائم الخطيرة كجرائم الأمن العام الداخلي والخارجي وجرائم التزوير وجرائم الأخلاق كهتك العرض وممارسة الفجور والدعارة وجريمة الاختطاف والمخدرات والحدود التي لا تتوفر فيها شروط الحد الشرعي وغيرها، فعقوباتها التعزيرية  هي الحبس دون الغرامة وسلطة القاضي فيها في تقدير مدة العقوبة لما لها من خطورة على المجتمع.     

ومن خلال كل ما ذكر يتضح أن ثمة خيارات للقضاة في القضايا الجنائية بالحكم في الحبس أو الغرامة، وهو ما يقتضي نظراً لظروف ازدحام السجون، ولما يشكله الحبس من أضرار، ولكون الغرامة لا تشكل عبئاً على الدولة ولا تعرض المحكوم عليه للتعود على السجن ومخالطة محترفي الإجرام، ولأن من أحكام الشريعة إقالة ذوي الهيئات عثراتهم الأمر الذي يقتضي وفقاً للسياسة الشرعية أن لا يحكم بالحبس في هذه القضايا إلا على أصحاب السوابق أو المعروفين بالشر، أما غيرهم ممن وقع في معصية وارتكب جريمة من هذه الجرائم وليس له سوابق من قبل وليس معروفاً بالشر فإن السياسة الشرعية في إصلاح الجناة وإعادتهم إلى جادة الصواب تقتضي عدم الحكم عليهم بالحبس، بل بالبدائل الأخرى كالغرامة أو غيرها، مع ضرورة مراعاة القاضي لظروف المحكوم عليه الاقتصادية قبل الحكم عليه بالغرامة فإذا كان فقيراً فإن الأولى هو توقيف العقوبة، لاسيما وإن من مساوئ السجن أيضاً كما ذكرت سابقاً التعود على السجن وهو ما ينتج عنه العود إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى ومعلوم في سياسة الشرع وقواعده العامة بإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. 

 

 

المطلب الثالث 
استبدال عقوبة الحبس بالبدائل الأخرى   

إن بدائل الحبس في القانون اليمني لا تقتصر على العمل الإلزامي أو اختيار عقوبة الغرامة المالية، بل إن ثمة بدائل أخرى نص عليها قانون الجرائم والعقوبات وتتمثل في وقف تنفيذ عقوبة الحبس أو الغرامة وفي الامتناع عن النطق بالعقوبة، ويمكن إيضاح ذلك وفقاً لما يلي:

أولاً: وقف تنفيذ العقوبة: 

إن من مقتضيات السياسة الشرعية الجنائية تطبيقاً لأحكام الشرع في تحقيق العدالة ورعاية لمصلحة الأفراد والمجتمع توقيف تنفيذ عقوبة الحبس متى ما توفرت الشروط التي تقتضي ذلك، لأن الغاية والهدف من العقوبة هي إصلاح المحكوم عليه من خلال تأهيله حتى يصبح فرداً صالحاً في المجتمع، غير أن إصلاح كل جان لا يقتضي إنزال العقوبة عليه فقد، يكتفى في حق بعض الأشخاص بالتهديد والتخويف من إيقاع العقوبة عليهم لما يظهر من أمارات تدل على عدم عودتهم لارتكاب الجريمة مرة أخرى[9].

ولذلك كانت السياسة الشرعية في عقوبات التعازير قائمة على أساس تعدد العقوبات وتدرجها نظراً لاختلاف أخلاق الناس وطبائعهم وأحوالهم، فمن الناس من يكتفى في حقه بالموعظة والإرشاد، ومنهم من يكتفى بتخويفه وتهديده، ومنهم من  يجب العفو عنه وإقالة عثرته، ومنهم من يستحق تغريمه، ومنهم من لا تصلح أحواله إلا بالحبس، وهكذا وقد أخذ المشرع اليمني بهذه السياسة في تعدد العقوبات التعزيرية والتخيير فيها واستبدال بعضها ببعض تطبيقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، فقد أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا  الحدود) وإقالة العثرة أنما تكون بالعفو عن العقوبة أو توقيف تنفيذها أو الامتناع عن النطق بها، والمراد بذوي الهيئات غير المعروفين بالشر فيزل أحدهم الزلة ويندم على ذلك، وقيل: هم أصحاب الصغائر دون الكبائر، وقيل: أهل القرآن والعلم والآداب الإسلامية لا أهل المال والجاه[10].

ولا شك أن توقيف عقوبة الحبس أو الغرامة من مؤكدات هذه السياسة الشرعية التي لم تعرفها النظم القانونية الغربية إلا في العصر الحديث، وأنها في الحقيقة عقوبة رادعة، بما يحصل للمحكوم عليه من تهديد بإيقاع العقوبة، وفي نفس الوقت فإنها مانعة له من ارتكاب أي جريمة أخرى خوفاً من نفاذ هذه العقوبة عليه في المستقبل غير أنها من البدائل لعقوبة الحبس ومن أسباب تجنيب المحكوم عليه مساوئ الحبس وأضراره[11].

وقد نص المشرع اليمني في قانون الجرائم والعقوبات على أحكام وقف تنفيذ عقوبة الغرامة أو الحبس في المادتين (118، 120) فقد نص القانون السالف الذكر على أنه: «للقاضي عند الحكم بالغرامة أو الحبس مدة لا تزيد على سنة أن يأمر بوقف تنفيذ العقوبة إذا تبين من فحص شخصية المحكوم عليه وظروف جريمته ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى ارتكاب جريمة أخرى، وللقاضي أن يجعل وقف التنفيذ شاملاً لأية عقوبة تكميلية عدا المصادرة، ويجوز له عند الأمر بوقف التنفيذ أن يلزم المحكوم عليه بأداء التعويض المحكوم به لمن أصابه ضرر من الجريمة، وذلك خلال أجل يحدد في الحكم ويكون وقف تنفيذ العقوبة لمدة سنتين من تاريخ الحكم النهائي، وإذا انقضت هذه المدة دون أن يتوافر سبب من أسباب إلغاء وقف التنفيذ اعتبر الحكم كأن لم يكن» (م118ق.ع). 

ومن خلال النص القانوني سالف الذكر يتضح بأن المشرع قد أحاط الحكم بوقف التنفيذ بعدة ضوابط وشروط وهي الشروط الآتية: 

•     أن يكون الحكم بوقف التنفيذ بالغرامة أو الحبس الذي لا تزيد مدته على سنة، وبالتالي إذا كان الحكم بالحبس مدة تزيد على سنة، فلا يجوز وقف التنفيذـ أما الغرامة سواء كانت قليلة أو كثيرة فيجوز فيها وقف تنفيذ الحكم.

•     أن يتبين للقاضي من خلال شخصية المحكوم عليه وظروف الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى، وهذا الأمر متروك لذكاء القاضي وحكمته وحسن تقديره للأمور.

•     أن يصرح الحكم بوقف تنفيذ العقوبة خلال مدة سنتين من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً، أي واجب التنفيذ، ويجوز أن يأمر القاضي المحكوم عليه بأداء التعويض للمحكوم له. 

ويترتب على صدور الحكم بوقف التنفيذ اعتباره كأن لم يكن إذا لم يرتكب المحكوم عليه جريمة أخرى خلال مدة السنتين المشار إليها، أما إذا ارتكب المحكوم عليه جريمة خلال تلك المدة وحكم عليه بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر، أو لم يقم بتنفيذ التزامه بأداء التعويض، أو صدر عليه حكم خلال مدة السنتين ولم تعلم به المحكمة فإنه يتم إلغاء الحكم عن طريق المحكمة التي أصدرت الحكم أو التي ثبت أمامها سبب الإلغاء بناء على طلب النيابة العامة، ويجب على النيابة تنفيذ عقوبة الحبس مع مراعاة ما نصت عليه المادة (115) بشأن تعدد الجرائم وأثره في العقوبة وذلك وفقاً لما نصت عليه المادة (120) عقوبات. 

ثانياً: عدم النطق بالعقوبة: 

ويعتبر عدم النطق بعقوبة الحبس أو الغرامة من البدائل الأخرى لعقوبة الحبس تطبيقاً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم).

ويتميز عدم النطق بالعقوبة بنفس مميزات توقيف العقوبة وذلك في تجنب مساوئ عقوبة الحبس وفي منع المحكوم عليه من ارتكاب أي جريمة أخرى وفي تطبيق السياسة الجنائية في إصلاح الجاني دون معاقبته[12].

وقد نص المشرع اليمني في قانون الجرائم والعقوبات على الحكم بعدم النطق بالعقوبة وبين ضوابط ذلك، والذي نص على أنه: «يجوز للقاضي إذا ما توافرت شروط تطبيق المادة السابقة أن يمتنع عن النطق بالعقوبة مع تكليف الجاني أو وليه بأن يتعهد كتابة بعدم ارتكاب الجريمة مستقبلاً وتقدر المحكمة مبلغاً معيناً يراعى فيه يسار الجاني ويقدم عنه كفيلاً مقتدراً فإذا انقضت سنتان من تاريخ الحكم النهائي دون أن يرتكب الجاني جريمة سقط الضمان وامتنع النطق بالعقوبة أما إذا ارتكب الجاني جريمة الزمت المحكمة الكفيل بمبلغ الضمان ونطقت بالعقوبة وتتبع في هذا الشأن الإجراءات المنصوص عليها في المادة التالية ولا يخل ذلك بمحاكمة الجاني عن الجريمة الجديدة» (م119ق.ع). 

ويتبين من خلال هذا النص ضرورة توفر نفس الشروط المذكورة سلفاً في عقوبة توقيف تنفيذ العقوبة وهي الثلاثة الشروط السابق الإشارة إليها بالإضافة إلى التعهد بعدم ارتكاب الجريمة مستقبلاً وتقديم الكفالة المالية، كما بين النص إجراءات إلغاء وقف التنفيذ بجلاء ووضوح أي بنفس إجراءات إلغاء وقف التنفيذ[13].

ومن خلال ما سبق الإشارة إليه بشأن توقيف العقوبة التعزيرية بالحبس أو الغرامة أو عدم النطق بهما، وما تضمنه المطلب الأول والثاني من هذا المبحث يتضح أن بدائل عقوبة الحبس في القانون اليمني متعددة وليست منحصرة في بديل واحد وتتمثل في العمل الإلزامي والغرامة المالية وتوقيف عقوبة الحبس وعدم النطق بها وفقاً للضوابط والشروط القانونية. 

ومما يجدر الإشارة إليه أن توقيف عقوبة الغرامة محل انتقاد للدارسين والباحثين في هذا المجال؛ إذ يرى البعض أنها لا توجد دواعي لتوقيف عقوبة الغرامة بخلاف عقوبة الحبس التي لها أضرار ومساوئ كثيرة[14].

إلا أن المشرع اليمني قد أحسن في ذلك لاتفاق التوقيف للغرامة مع أحكام الشريعة الإسلامية لاسيما إذا كان المحكوم عليه من فئة الفقراء. 

وكان يلزم على المشرع اليمني في قانون الجرائم والعقوبات بشأن عدم النطق بالعقوبة الاكتفاء بالضمان الحضوري دون المالي تحقيقاً لمبدأ المساواة في الشريعة الإسلامية حتى لا تقتصر إقالة العثرات على الأغنياء دون الفقراء[15].

 

 

 

 

 

المبحث الثاني 
العقوبات البديلة لعقوبة الحبس والبدائل الأخرى أثناء التنفيذ

المطلب الأول 
استبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي   

لقد سبق الحديث عن استبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي من قبل قضاة الحكم وأوجه تقديرهم لذلك وضوابطه والحديث هنا يختص باستبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي أثناء تنفيذ الأحكام الجنائية من قبل النيابة العامة. 

فإن مما لا شك فيه أن السياسة الشرعية الجنائية لا تقتصر على استبدال عقوبة الحبس بغيرها عند صدور الأحكام القضائية، بل إن المصلحة الشرعية قد تقتضي ذلك أثناء التنفيذ للأحكام وليس ذلك على إطلاقه، بل في إطار ما تتحقق به المصلحة ويتحقق فيه مقاصد الشريعة في القضاء عامة وفي العقوبات خاصة، فالعبرة بتحقق المقاصد في العقوبة أو استبدالها من ردع الجاني عن ارتكاب الجريمة مرة أخرى ومن زجر غيره ومن ضرورة إرضاء المجني عليه[16].

وقد انتهج المشرع اليمني سياسة استبدال عقوبة الحبس بعقوبة العمل الإلزامي فيما يتعلق بالحبس البسيط وما يتعلق بتنفيذ الإكراه البدني في تنفيذ عقوبة الغرامة، وبذلك فإن المشرع اليمني قد أجاز استبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي في حالتين، هما:

الحالة الأولى: تخيير المحكوم عليه بين تنفيذ عقوبة الحبس البسيط أو العمل الإلزامي: 

فقد نص قانون الاجراءات الجزائية على أن: «لكل محكوم عليه بالحبس لمدة لا تتجاوز ثلاثة اشهر أن يطلب بدلاً من تنفيذها عليه تشغيله خارج المنشأة العقابية وفقاً للأحكام المقررة في هذا الشأن ما لم ينص الحكم على حرمانه من هذا الخيار» (م497ق.إ. ج).

ويتضح من خلال النص المذكور ما يلي:

•     أن العمل للمصلحة العامة في هذه الحالة اختياري للمحكوم عليه لا يلزم به إلا إذا تقدم بطلب بذلك يعلن فيه عن رغبته بالعمل للمصلحة العامة بدلاً من توقيع عقوبة الحبس.

•     أن العبرة في منح حق طلب إبدال عقوبة الحبس بالعمل للمصلحة العامة بمدة العقوبة المحكوم بها وليس بالعقوبة المقررة للجريمة.

•     لا يتمتع المحكوم عليه بهذا الحق إلا إذا كانت مدة العقوبة المحكوم بها ثلاثة أشهر فأقل وألا ينص الحكم على حرمانه من هذا الخيار.

وقد أرشدت التعليمات العامة النيابات في حال تنفيذ الأحكام التي لا يتجاوز الحبس فيها على ثلاثة أشهر بأن عليها حال التنفيذ تخيير المحكوم عليه بين تنفيذ عقوبة الحبس عليه أو تشغيله خارج المنشأة العقابية وفقاً للأحكام المقررة في هذا الشأن وإذا اختار المحكوم عليه التشغيل بدلاً عن الحبس فينفذ عليه بمقتضى النموذج المعد لذلك (م624. تعليمات). 

كما نص قانون الإجراءات الجزائية على أنه: «يصدر النائب العام قراراً بإجراءات تنفيذ العمل الإجباري على المحكوم عليه به والجهات التي ينفذ فيها والأجور التي تستحق عنه ونصيب المحكوم عليه منها وكيفية تحصيلها وتوريد ما يخص الدولة منها للخزينة العامة» (م505 ق. إ. ج). 

الحالة الثانية: استبدال تنفيذ الإكراه البدني بالعمل الإلزامي: 

من المعلوم وفقاً لنصوص الإجراءات والتعليمات العامة بأن العقوبات المالية الخاصة بالدولة بما في ذلك التعويضات وما يجب رده تنفذ على المحكوم عليه ولو كان معسراً، فإذا تبين للنيابة بعد تنفيذ العقوبة في الحق العام إعسار المنفذ ضده؛ وجب التنفيذ عليه بالإكراه البدني وذلك بحبسه مدة لا تتجاوز سته أشهر ويكون الحبس مقابل خصم مائة ريال عن كل يوم وما بقي عليه من مبالغ مالية للدولة بعد حبسه ستة أشهر فإنها تنفذ عليه بالطريق المدني وفي حالة التنفيذ عليه بالإكراه البدني وهو طريق جنائي للتنفيذ، فإن له الحق إذا كان معسراً طلب التنفيذ عليه بالعمل خارج المنشأة العقابية، فقد نص قانون الإجراءات على أن «للمحكوم عليه أن يطلب في أي وقت من النيابة إبدال الإكراه البدني بعمل يقوم به لإحدى جهات الدولة أو الهيئات أو الشركات العامة بلا مقابل له لمدة ست ساعات يومياً، ويصدر النائب العام التعليمات الواجب اتباعها في هذا الشأن، وإذا تخلف المحكوم عليه عن أداء هذا العمل أو أهمل فيه بغير عذر مقبول يرسل إلى المؤسسة العقابية للتنفيذ عليه بالإكراه البدني» (م527 ق. إ. ج).

وبذلك فقد أجاز القانون للمنفذ ضده بالإكراه البدني الحق في طلب تشغيله خارج المنشأة العقابية في المشروعات التابعة للدولة وقد أوكل القانون إلى النائب العام إصدار التعليمات المتعلقة بذلك، وقد نصت التعليمات على ما يجب اتخاذه بشأن تنفيذ العمل الإلزامي بدلاً عن الإكراه البدني وذلك في المواد (692- 698) تعليمات[17].

والملاحظ أن طريق الإكراه البدني هو من طرق التنفيذ الجنائية ويتعلق بالأموال المحكوم بها للدولة، أما المبالغ المالية المحكوم بها لغير الدولة فإنها تنفذ بالإجراءات المنصوص عليها في قانون المرافعات والتنفيذ المدني بواسطة محكمة التنفيذ الابتدائية (م(686) تعليمات).

كما يلاحظ بأن تنفيذ العمل الإلزامي سواء كان بناء على الحكم الصادر من المحكمة، أو الذي يتم أثناء التنفيذ فإنه يجب أن يتم بموجب قرار يصدر من النائب العام يحدد فيه الجهة التي يعمل فيها المحكوم عليه وما يستحقه من أجر في غير العمل البديل عن الإكراه البدني وغير ذلك مما أشير إليه في نص المادة (505) إجراءات مع مراعاة التعليمات العامة المتعلقة باستبدال الإكراه البدني بالعمل الإلزامي.   

وإذا تبين لنا بأن المشرع اليمي قد انتهج سياسة استبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي أثناء التنفيذ في الحالتين المذكورتين سلفاً، إلا أنه لم يوفق بشأن الحالة الأولى من حيث قصر مدة الحبس على ثلاثة أشهر، ذلك أن المشرع اليمني في قانون العقوبات كما سبق الإشارة إلى ذلك قد أجاز استبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي في الجرائم التي لا يتجاوز الحبس فيها مدة ثلاث سنوات، وأجاز توقيف عقوبة الحبس إذا حكم القاضي بالحبس مدة لا تزيد على سنة، وهو ما كان ينبغي للمشرع جعل حق الاختيار للمحكوم عليه في تنفيذ عقوبة الحبس أو العمل الإلزامي أثناء التنفيذ في مدة عقوبة الحبس التي لا تزيد على ستة أشهر ما لم يحرمه الحكم من هذا الخيار لأن الحكم بالمدد التي لا تقل عن ثلاثة أشهر نادرة بخلاف الأحكام  بمدة ستة أشهر وأكثر، فكثير من الأحكام  تكون بتلك العقوبة وهو ما سيجعل لاستبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي فائدة مرجوة من تقليل عدد النزلاء في السجون، كما أن مدة ستة أشهر هي المدة المعمول بها في بعض التشريعات العربية كمصر وغيرها.   

المطلب الثاني 
استبدال عقوبة الحبس بالغرامة المالية 

إن مما لاشك فيه أن المبررات والأسباب المتعلقة بضرورة إيجاد البدائل لعقوبة الحبس توجب ضرورة أن لا يقتصر الاستبدال لعقوبة الحبس بالعمل الإلزامي أثناء التنفيذ، بل يجب أن يكون هناك نص قانوني يجيز استبدال عقوبة الحبس بالغرامة، ولكن ضمن ضوابط وشروط شرعية محددة ولا يشترط أن تكون بعض الدول قد انتهجت هذه السياسة الشرعية فالعبرة بوجود المصلحة، ذلك أن الأحكام المبنية على المصلحة تتغير بتغير الزمان والمكان والظروف والأحوال لأنها سياسة جزئية وليست شريعة دائمة ومن ظن أنها شريعة دائمة فقد أخطأ في فهم الشرع وأنزل أحكام الشريعة في غير منزلها الصحيح، كما ذكر ذلك ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية وغيره من فقهاء الشريعة[18].

ومن المبررات لاستبدال عقوبة الحبس بالغرامة أثناء التنفيذ الأسباب والمبررات الآتية: 

•     جميع الأسباب والمبررات التي أشرنا إليها في المطلب التمهيدي من هذا البحث ومنها مساوئ وأضرار الحبس على الفرد والمجتمع.

•     أن الذي يتضح من خلال حديث الفقهاء عن جرائم التعزير أن الواجب كان يقتضي إعمال عقوبة الوعظ والإرشاد والتوبيخ بما يناسب كل منها في بعض الجرائم التعزيرية، وأن الأصل التدرج في ذلك، لاسيما قبل الأشخاص الذين ليس لهم سوابق جنائية وبما يناسب الجرائم التعزيرية، فقد يكتفى بالوعظ والإرشاد أو التوبيخ قبل بعض الأشخاص ومن باب أولى استبدال عقوبة الحبس بالغرامة قبلهم سواء أثناء الحكم أو أثناء التنفيذ.

•     من خلال ما تطرقنا إليه في ثنايا هذا البحث يتضح أن السياسة الشرعية تقتضي إعمال عقوبة الحبس قبل الأشخاص المعروفين بالشر وأصحاب السوابق وأن الأولى اختيار عقوبة الغرامة قبل غيرهم من ذوي الهيئات الذين أوجب الشرع إقالة عثراتهم.

•     إن من مقاصد الشريعة الإسلامية في القضاء وجوب إعادة الحقوق إلى أهلها وحسم النزاعات وعدم التطويل في الفصل فيها، ومن المصالح لاستبدال عقوبة الحبس بالغرامة تعليقها بإعادة الحقوق الخاصة للمجني عليهم، لأن من مقاصد الشريعة في العقوبات ليس مجرد الردع والزجر، بل وإرضاء المجني عليهم وعدم الإطالة في إعادة حقوقهم[19].

لذلك ولتلك الأسباب الشرعية والواقعية ومن خلال ما تطرقنا إليه في ثنايا هذا البحث يمكن القول إنه على المشرع اليمني التقرير باستبدال عقوبة الحبس بالغرامة أثناء التنفيذ لعقوبة الحبس، وذلك في إطار الضوابط الشرعية ومن أهم الضوابط الشرعية الاجتهادية في ذلك الضوابط الآتية: 

•     أن يطلب المحكوم عليه استبدال عقوبة الحبس بالغرامة مقابل تشريفه للحكم الابتدائي واستعداده لتسليم ما حكم عليه من حقوق للمحكوم له.

•     أن يتعهد لدى جهة التنفيذ بعدم العودة إلى ارتكاب هذه الجريمة مرة أخرى، وإذا ارتكب الجريمة مرة أخرى فإن القاضي لا يحكم عليه إلا بالحبس دون البدائل الأخرى.

•     أن يكون ذلك في الجرائم غير الجسيمة التي جعل المشرع حق الاختيار للقاضي فيها بين عقوبة الحبس أو الغرامة وألا تزيد مدة الحبس في الحكم الصادر على سنة.

•     أن تطلب النيابة من المحكمة استبدال عقوبة الحبس بالغرامة بعد تسليمه للحقوق الخاصة وتعهده بعدم ارتكاب الجريمة مرة أخرى.

•     يجب على القاضي عند الحكم بالغرامة مراعاة ظروف المحكوم عليه وله توقيف العقوبة أو عدم النطق بها وفقاً للقانون. 

ومن خلال كل ما ذكر وأشرنا إليه يمكن القول بأن الفقه الإسلامي والسياسة الشرعية وما كتبه علماؤنا في هذا المجال يغنينا عن تجارب الآخرين ويجعلنا السباقين إلى الاجتهاد، وأن يستقي الآخرون من اجتهادنا وتجاربنا لا أن نستقي من اجتهادهم وتجاربهم، ويكفي في وجوب التخفيف في جرائم التعزيز حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود). 

وهو ما نرى معه بأن على المشرع اليمني أن يضيف نصاً إلى أحكام التنفيذ في قانون الإجراءات الجزائية يبين فيه جواز استبدال عقوبة الحبس بالغرامة وفقاً للشروط والضوابط المذكورة سلفاً والمستمدة من الفقه الإسلامي والسياسة الشرعية التي يكون فيها حال الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد والله تعالى أعلى وأعلم. 

المطلب الثالث 
البدائل الأخرى عن الحبس أثناء التنفيذ 

إن من أهم بدائل عقوبة الحبس أثناء التنفيذ غير عقوبة العمل الإلزامي البدائل الأخرى وهي بدائل وليست عقوبات والمقصد منها العفو أو التخفيف من العقوبة وتتمثل في أمرين اثنين وهما: 

الأمر الأول: العفو الخاص عن العقوبة:

العفو الخاص عن العقوبة إنما يكون لولي الأمر الشرعي، لأن أمر التعازير متروك لتقديره فهو صاحب الحق بالعفو، كما يعد العفو عن العقوبة أو التخفيف فيها من باب إقالة ذوي الهيئات عثراتهم تطبيقاً لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.

وقد نص القانون اليمني على أحكام العفو الخاص بأنه يكون في الحق العام بقرار من رئيس الجمهورية بناءً على عرض وزير العدل بعد الحكم البات، وأنه يكون بإسقاط العقوبة كلها أو بعضها أو بإبدالها بأخف منها، وأنه يسري على العقوبة التكميلية، ولا يمس العفو حقوق الغير إلا بموافقتهم ويعتبر من حقوق الغير القصاص والدية والأرش (م(539). إجراءات جزائية). 

وبالتالي فإن العفو عن العقوبات التعزيرية في القانون اليمني منوط برئيس الجمهورية، فله أن يعفو عن أي عقوبة تعزيرية بما فيها عقوبة الحبس سواءً أكان عفواً كاملاً أو إسقاط بعضها أو استبدالها بغيرها كاستبداله عقوبة الإعدام بالحبس أو عقوبة الحبس بالغرامة، وأما حقوق الغير فليس له العفو عنها إنما يعفو عنها أصحابها، ومن حقوق الغير التعويض المدني وما يجب رده ومخاسير التقاضي ولهم استيفاؤها على الوجه المطلوب وفقاً للقانون، كما أنه لا يجوز العفو من رئيس الجمهورية عن القصاص والديات والأروش لأنها من الحقوق الخاصة[20].

الأمر الثاني: الإفراج الشرطي:

المقصود بالإفراج الشرطي: إخلاء سبيل المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية قبل انقضاء المدة المحكوم بها إذا ثبت بأن سلوكه خلال المدة التي قضاها في المنشأة العقابية يدعو إلى الثقة في تقويم نفسه[21].

وقد بين المشرع اليمني في قانون الإجراءات الجزائية شروط الإفراج الشرطي ومن هي الجهة التي تقرر ذلك وكيف يتحول إلى إفراج نهائي ومتى يتم الغاؤه وغير ذلك من الأحكام المتعلقة به. 

فأما شروط الإفراج الشرطي فقد حددها نصا المادتين (506، 508) إجراءات، والمادة (629) من التعليمات العامة وتتمثل بالشروط الآتية: 

•     أن تكون العقوبة المحكوم بها من العقوبات السالبة للحرية وأن تكون المدة المحكوم بها أكثر من ثلاثة أشهر.

•     أن يكون المحكوم عليه قد قضى ثلاثة أرباع المدة المحكوم بها في المنشأة العقابية تنفيذاً لعقوبة الحبس.

•     أن يكون سلوك المحكوم عليه خلال المدة التي قضاها في السجن تدعو إلى الثقة في تقويم نفسه.

•     أن يكون المحكوم عليه قد أوفى بالالتزامات المالية المحكوم عليه بها ما لم يثبت عجزه عن الوفاء بذلك.

•     ألا تكون الجريمة التي ارتكبها المحكوم عليه من الجرائم ذات الخطورة الاجتماعية ويمثل الإفراج عنه تهديداً للأمن العام[22].

كما تضمن التعميم الصادر من النائب العام برقم (15) لسنة 2003م الجرائم ذات الخطورة الاجتماعية ووجوب استثنائها من الإفراج الشرطي وهي: قضايا الحرابة والتقطع والسرقات والمخدرات وقضايا الأموال العامة والقتل العمد وصناعة الخمر وتسهيل تعاطيه أو الإتجار فيه وقضايا الاغتصاب والفجور والدعارة[23].

وأما الجهة التي تتولى إصدار قرار الإفراج الشرطي فقد حددها قانون الإجراءات الجزائية والذي نص على أنه: «يصدر قرار الإفراج المشروط بناء على طلب المحكوم عليه أو اقتراح مدير المنشأة العقابية من لجنة مشكلة بكل محافظه برئاسة رئيس النيابة العامة وعضوية مدير المنشأة العقابية ومدير الشئون الاجتماعية وعند غياب أحدهم ينوب عنه من يقوم مقامه قانوناً» (م509 ق. إ. ج).

وغني عن البيان بأن الإفراج الشرطي يصبح نهائياً إذا لم يخل المحكوم عليه بأمن المجتمع ولا بالشروط التي تحددها اللجنة المختصة بإصدار قرار الإفراج وأن للنيابة العامة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الجهة الإدارية أن تطلب من اللجنة سالفة الذكر إعادة المحكوم عليه إلى المنشأة العقابية حتى انتهاء المدة الباقية من العقوبة إذا أخل بشروط قرار الإفراج (م(511، 510). إجراءات جزائية). 

كما بينت التعليمات العامة بأن المحكوم عليه بعد الإفراج يظل تحت الرقابة من قبل القسم الذي يقيم في دائرته وبإشراف النيابة حتى انقضاء مدة العقوبة وتشمل الرقابة بعض الالتزامات التي تفرض عليه كالامتناع عن ارتياد أماكن معينة وتقديم نفسه إلى القسم في كل أسبوع مرة وعدم مغادرة المحافظة التي يقيم فيها إلا بإذن النيابة العامة وغير ذلك من الالتزامات المبينة تفصيلاً في التعليمات العامة. 

وبذلك فإن الإفراج الشرطي يلعب دوراً كبيراً في السياسة الجنائية لما له من دور في تخفيف ازدحام السجون وكذا التخفيف من مساوئ وأضرار استمرار الحبس كما يشجع الكثير من المحابيس على تحسن سلوكهم وصلاحهم وعودتهم إلى جادة الصوب. 

 

 

 

 

 

الخـاتـمـة

وتتضمن أهم النتائج والتوصيات: 

أولاً: نتائج البحث: 

1.    إن لعقوبة الحبس مساوئ وأضراراً كثيرة لاسيما مع ازدحام السجون بالمحابيس وإن من أخطر هذه الأضرار تعود المحبوس على السجن ومخالطة الأشرار والمنحرفين مما قد يتحول معه المحبوس إلى الانحراف وهو ما يقتضي وجود الوسائل المختلفة لتأهيل المحابيس وإصلاحهم ومن ذلك التوعية الدينية والمحافظة على الشعائر الإسلامية وكذلك إشغال أوقاتهم ببرامج تعليمية ومهنية ورياضية وغير ذلك مما يتعلق بالتأهيل على الوجه المطلوب وفقاً لما هو منصوص عليه في قانون تنظيم السجون النافذ ولائحته التنفيذية.

2.    إن السياسة الشرعية تقتضي في عقوبات التعازير التدرج في إنزال تلك العقوبات على المتهمين واختيار عقوبة الغرامة في العقوبات الاختيارية دون عقوبة الحبس أو استبدال عقوبة الحبس أو الغرامة بالعمل الإلزامي بالنسبة للجناة الذين ليسوا من ذوي السوابق ولا من المعروفين بالشر والفساد وأن تنحصر عقوبة الحبس في ذوي السوابق والمعروفين بالشر دون غيرهم وذلك لتحقيق الغاية والمقصد من التخيير بين إنزال عقوبة الحبس أو الغرامة وفقاً لمقاصد الشريعة الإسلامية.

3.   إن قانون الجرائم والعقوبات اليمني قد انتهج في سياسته مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية في وجوب إقالة عثرات وزلات ذوي الهيئات من أفراد المجتمع من خلال تشريعه لتوقيف عقوبة الحبس أو عدم النطق بها وفقاً للضوابط الشرعية المنصوص عليها قانوناً مما يقتضي إعمال هذه النصوص وفقاً لتلك الضوابط الشرعية والقانونية.

4.   إن السياسة الشرعية الجنائية للمشرع اليمني لم تقتصر على بدائل عقوبة الحبس أثناء صدور الأحكام، بل اقتضت وجود عقوبات بديلة وبدائل أخرى أثناء التنفيذ في ضوء السياسة الشرعية، ومن ذلك استبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي في حالتي الحبس البسيط أو التنفيذ الجنائي للإكراه البدني فضلاً عن الإفراج الشرطي بشروطه القانونية وكذلك العفو من رئيس الدولة في العقوبات التعزيرية ومنها عقوبة الحبس.

5.   إن السياسة الشرعية تقتضي استبدال عقوبة الحبس بالغرامة المالية أثناء التنفيذ وفقاً للضوابط الشرعية الاجتهادية التي تم ذكرها في محله من ثنايا هذا البحث لما لذلك من مصالح تتفق مع أحكام الشريعة ومقاصدها في القضاء وفي ضوء السياسة الشرعية الجنائية. 

ثانياً: توصيات البحث: 

1.    أوصي بالتعميم على قضاة الحكم الجنائي من قبل هيئة التفتيش القضائي بانتهاج السياسة الشرعية في إعمال الأحكام  الشرعية فيما يتعلق بإقالة ذوى الهيئات عثراتهم في العقوبات التعزيرية  من خلال الحكم على غير ذوي السوابق بوقف عقوبة الحبس أو الغرامة أو الامتناع عن النطق وأن لا يحكم بعقوبة الحبس في العقوبات الاختيارية بين عقوبة الحبس والغرامة إلا على ذوي السوابق والمعروفين بالشر في المجتمع وأن يحكم على غيرهم بالغرامة أو باستبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي لما عللناه وبيناه من أسباب ومبررات شرعية وواقعية في ثنايا هذا البحث.

2.    أوصي مكتب النائب العام بالتعميم على قضاة التنفيذ الجنائي من أعضاء النيابة العامة بإعمال النصوص القانونية المتعلقة باستبدال عقوبة الحبس البسيط والإكراه البدني بعقوبة العمل الإلزامي وفقاً للشروط والضوابط القانونية فضلاً عن الرفع كل ثلاثة أشهر بالمستحقين للإفراج الشرطي إلى اللجنة المكلفة بذلك وفقاً للقانون.

3.   أوصي مكتب النائب العام بالتعميم على قضاة التنفيذ الجنائي من أعضاء النيابة العامة بإحالة التنفيذ في الحقوق المدنية المحكوم بها في الأحكام الجنائية إلى قضاة التنفيذ المدني في المحاكم الابتدائية لوجوب تنفيذها وفقاً لقانون المرافعات والتنفيذ المدني ولما ترجح من عدم اختصاص النيابة بالتنفيذ للشق المدني في الأحكام الجنائية وفقاً لما نصت عليه المادة (470) إجراءات وتطبيقاً لمفهوم نص المادة (687) من التعليمات العامة وعملاً بالتعميم الصادر من المحكمة العليا بشأن ذلك.

4.   أوصي مكتب النائب العام بإعداد كتاب دوري يتعلق بالإجراءات التي يجب اتخاذها حال تنفيذ عقوبة العمل الإلزامي، سواء ما يتعلق بعقوبة العمل الإلزامي الصادرة من قبل قضاة الحكم أو بالعقوبة البديلة لعقوبة الحبس البسيط أو الإكراه البدني أثناء التنفيذ للحاجة إلى كتاب دوري يبين تلك الإجراءات وفقاً للقانون والتعليمات العامة ومعالجة ما لا نص فيه من تلك الإجراءات لوجود النقص التشريعي بشأن ذلك.

5.   أوصي المشرع اليمني أن يشمل أي تعديل لقانون الإجراءات مستقبلاً تعديل نص المادة (497) من قانون الإجراءات الجزائية النافذ المتعلق باستبدال عقوبة الحبس بالعمل الإلزامي خارج المنشأة العقابية وذلك بتعديل مدة الحبس التي يجوز بها ذلك من المدة التي لا تزيد على ثلاثة أشهر إلى المدة التي لا تزيد على سته أشهر لتحقيق مقاصد الشرع والسياسة الشرعية في ذلك وفقاً لما بيناه في محله في ثنايا هذا البحث.

6.   أوصي المشرع اليمني أن يشمل أي تعديل لقانون الإجراءات مستقبلاً إضافة مادة قانونية تتعلق باستبدال عقوبة الحبس بالغرامة وفقاً للشروط والضوابط التي أشرنا إليها في محله في ثنايا هذا البحث وفقاً لأحكام الفقه الإسلامي وفي ضوء السياسة الشرعية.

 

قائمة المصادر

1-  أساسيات التحقيق والتصرف والتنفيذ في القضايا الجنائية، القاضي حافظ محمد الفرح، دار الكتب اليمنية مكتبة خالد بن الوليد، الطبعة الأولى، عام 1446ه‍. 

2-   التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي، القاضي/ عبد القادر عوده، مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة الرابعة عشرة، الجزء الأول.

3- التشريع الجنائي الإسلامي، ق. د/ عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة ومركز الصادق، الطبعة السابعة، عام 2020 م.

4- التنفيذ الجنائي طرقه وإشكالاته دراسة مقارنة، د/ مصطفى يوسف، دار الكتب القانونية مصر.

5- دور العقوبات البديلة في التقليص من تنامي معدل الجريمة د/ عبد الرحمن باجي، دراسة في التشريع الجزائري.

6- شرح قانون الإجراءات اليمني، د/ مطهر عبده الشميري، مكتبه أوان، الطبعة الثالثة.

7- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن قيم الجوزية، تحقيق: نايف بن أحمد الحمد، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1928م.

8- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن قيم الجوزية، دار الأرقم بيروت، الطبعة الأولى، عام 1419هـ.

9- قانون الإجراءات اليمني الجزء الأول الدعوى الجزائية والمدنية، د/ الهام محمد العاقل، مكتبة ومركز الصادق، الطبعة السابعة، عام 2020م.

10- قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم العام العقوبات، د/ طاهر صالح العبيدي، مكتبة دار اليمن الكبرى، عام 1997م.

11- مجموعة الكتب الدورية والتعاميم الصادرة عن مكتب النائب العام حتى عام 2005م.

12- المقاصد الشرعية وأثرها في الفقه الإسلامي، د/ محمد عبد العاطي محمد، دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى، عام 1428ه‍.

13- مقاصد الشريعة الإسلامية في القضاء، الإمام محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون ودار السلام تونس، الطبعة الثانية، 1428ه‍.

14- ملامح جديدة لنظام وقف التنفيذ في القانون الجنائي، د/ عمر سالم، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، عام 98م. 

15- النظام السياسي في الإسلام، د/ محمد عبدالقادر أبو فاس، دار الفرقان عمان، الطبعة الثانية، 1407ه‍.

16- النظرية العامة للجريمة، د/ علي حسن الشرفي، مكتبة أوان صنعاء، الطبعة الرابعة، عام 1425ه‍.

 


 

[1]          ابن قيم الجوزية: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، دار الأرقم بيروت، الطبعة الأولى، عام 1419ه‍ ، ص 38.

 

[2]          د/ محمد عبد العاطي محمد: المقاصد الشرعية وأثرها في الفقه الإسلامي، دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى، عام 1428ه‍، ص272.

 

[3]         ابن قيم الجوزية: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، مرجع السابق، ص 43.

 

[4]          القاضي عبد القادر عوده: التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي، مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة الرابعة عشرة، الجزء الأول، ص 696.

 

[5]          د/ علي حسن الشرفي: النظرية العامة للجريمة، مكتبة أوان صنعاء، الطبعة الرابعة، عام 1425ه‍، ص 68.

 

[6]          د/ طاهر صالح العبيدي: قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم العام العقوبات، مكتبة دار اليمن الكبرى، عام 1997م، ص 89- 90.

 

[7]         ق. د/ عبد المؤمن شجاع الدين: التشريع الجنائي الإسلامي، مكتبة ومركز الصادق، الطبعة السابعة، عام 2020 م، ص 242 وما بعده.

 

[8]         د/ طاهر صالح العبيدي: قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم العام العقوبات، مرجع سابق، ص 81-82.

 

[9]          د/ عمر سالم: ملامح جديدة لنظام وقف التنفيذ في القانون الجنائي، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، عام 98م، ص 47. 

 

[10]         د/ طاهر صالح العبيدي: قانون الجرائم والعقوبات اليمني، القسم العام العقوبات، مرجع سابق، ص 122. 

 

[11]         د/ عبد الرحمن باجي: دور العقوبات البديلة في التقليص من تنامي معدل الجريمة، دراسة في التشريع الجزائري، ص 108.

 

[12]        د/ طاهر صالح العبيدي: قانون الجرائم والعقوبات القسم العام، مرجع سابق. ص 131- 133.

 

[13]        المرجع السابق: ص 130- 131.

 

[14]        د/ عبد الرحمن باجي: دور العقوبات البديلة في التقليص من تنامي معدل الجريمة دراسة في التشريع الجزائري، مرجع سابق، 110.

 

[15]        د/ محمد عبدالقادر أبو فاس: النظام السياسي في الإسلام، دار الفرقان عمان، الطبعة الثانية، 1407ه‍ ، ص 40 وما بعده. 

 

[16]        الإمام محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، دار سحنون ودار السلام تونس، الطبعة الثانية، 1428ه‍ ، ص 205- 206.

 

[17]        القاضي حافظ محمد الفرح: أساسيات التحقيق والتصرف والتنفيذ في القضايا الجنائية، دار الكتب اليمنية مكتبة خالد بن الوليد، الطبعة الأولى، عام 1446ه‍، ص 214- 217. 

 

[18]        ابن قيم الجوزية: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق: نايف بن أحمد الحمد، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1928م، 1/47.

 

[19]        الإمام محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، مقاصد الشريعة في القضاء، ص 191 وما بعده. 

 

[20]        د/ الهام محمد العاقل: قانون الإجراءات اليمني الجزء الأول الدعوى الجزائية والمدنية، مكتبة ومركز الصادق، الطبعة السابعة، عام 2020م ، ص 194، د/ مطهر عبده الشميري: شرح قانون الإجراءات اليمني: مكتبه أوان، الطبعة الثالثة، ص89. 

 

[21]        د/ مصطفى يوسف: التنفيذ الجنائي طرقه وإشكالاته دراسة مقارنة، دار الكتب القانونية مصر، ص 88.

 

[22]        القاضي/ حافظ محمد الفرح: أساسيات التحقيق والتصرف والتنفيذ في القضايا الجنائية، مرجع سابق. ص 206.

 

[23]       مجموعة الكتب الدورية والتعاميم الصادرة عن مكتب النائب العام حتى عام 2005م، ص 131.