تسوية المنازعات الاستثمارية في ضوء قانون الاستثمار الجديد وقانون التحكيم اليمني

الباحثة/ ندى عبد الله عبد الله طامش

2/3/2025

يمكنك تنزيل الدراسة من هنا

تمهيد

يلعب الاستثمار دور فاعل في تحريك عجلة التنمية خاصة في البلدان النامية والتي تصنف اليمن من ضمنها، ورافدا مهما للاقتصاد الوطني فيما يتعلق بتوفير السلع والخدمات الضرورية وكذلك تشغيل الأيدي العاملة والإسهام في زيادة  مؤشرات الاقتصاد الكلي والتي من أهمها الناتج المحلي الإجمالي والدخل القومي، ولما كانت العراقيل القانونية من أهم معوقات بداية واستمرارية الأنشطة الاستثمارية كان لابد من تسليط الضوء على دور قانون التحكيم اليمني في دعم وتحفيز الاستثمار في اليمن وبيان أفضلية القانون اليمني على قوانين الدول الأخرى ومرونته لحل المنازعات لمختلف الأنشطة الاستثمارية.

مشكلة البحث:

يتأثر النشاط الاستثماري بالعديد من التفاعلات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية والسياسة لأي دولة، ومن أهم ما يؤثر على الاستثمار التنظيم القانوني واللوائح والقرارات الإدارية المنظمة لسير الأنشطة التجارية وما يتعلق بها من الخدمات الحكومية والخاصة، حيث إن من المعروف أن القرارات الاستثمارية للشركات والأفراد تعتمد بشكل أساسي على المناخ الاستثماري الذي تعكسه القوانين ذات العلاقة، أي أن التكلفة والعائد لأي مشروع استثماري لابد له من التحديد الواضح والدقيق للحقوق والواجبات لكل طرف من أطراف العملية الاستثمارية، ومما سبق تتلخص مشكلة البحث في السؤال التالي: ما مدى فعالية قانون التحكيم في دعم وتحفيز النشاط الاستثماري في اليمن؟

أهمية البحث:

نظرا للعقبات التي تواجه الاقتصاد اليمني كأحد اقتصاديات الدول النامية من جراء اعتمادها الدائم على الاقتراض المحلي والخارجي لتمويل عجز الموازنة العامة وتمويل الواردات التي في معظمها واردات استهلاكية فقد حاولت إيجاد بعض الحلول القانونية والشرعية والمتمثلة في بعض الإجراءات المساندة في قانون التحكيم اليمني والتي قد تساهم بشكل فاعل في دعم الاقتصاد الوطني والتنمية الحقيقية المتمثلة في إيجاد سلع وخدمات حقيقية داعمة  في الأجل القصير والمتوسط والطويل, أيضا تحقيق قدر كبير من الاستقرار للمعاملات المالية والتجارية والضمان القانوني للحقوق والواجبات بين أطراف العمليات الاستثمارية  وذلك من خلال التركيز على فاعلية قانون التحكيم اليمني النافذ و قانون الاستثمار الجديد في الحد من المنازعات والصعوبات القانونية التي قد تواجه المشروعات الاستثمارية بمختلف أنشطتها.

أهداف البحث:

١-  بيان العلاقة بين الاستثمار والضمانات القانونية التي يقدمها قانون التحكيم اليمني.

٢-  المزايا التشجيعية للتنظيم القانوني اليمني وضمان القضاء لسلامة إجراءات التحكيم.

منهج البحث:

سيتم اتباع المنهج الوصفي التحليلي.

فروض البحث:

١-  هناك صعوبات تواجه المستثمرين من جراء ضعف التحديد الواضح لحقوق والتزامات أطراف العملية الاستثمارية من تجار ومستهلكين وجهات حكومية.

٢-  التنظيم القانوني الجيد لاتفاقات التحكيم يسهم بشكل فاعل في معالجة الإشكاليات التي قد تصاحب العملية الاستثمارية.

هيكل البحث: 

-    المحور الأول: الإطار النظري للاستثمار وماهيته.

-    المحور الثاني: دور قانون التحكيم اليمني في دعم وتحفيز الاستثمار في الجمهورية اليمنية.

-    المحور الثالث: التحكيم في ظل قانون الاستثمار رقم (3) لسنة 1446هـ.

 

 

المحور الأول
 الإطار النظري للاستثمار وماهيته

من المهم التعريف الشامل والدقيق لمفاهيم الاستثمار بمسمياتها المختلفة والتي تساعد وبشكل كبير عند صياغة العقود القانونية والاتفاقات بين الأفراد في الحد من المنازعات سواء في المحاكم أو عند الاحتكام إلى محكمين، بحيث أن تحديد التكاليف والعوائد بمسمياتها الدقيقة والتي تقابلها قانوناً الحقوق والواجبات تساعد على خلق قواعد قانونية اقتصادية جديدة ومرنة ومعبرة عن ماهية الأنشطة الاستثمارية بشكل قانوني واقتصادي، بحيث تساهم هذه القواعد القانونية الجديدة في تحديث التشريعات المنظمة والاستفادة منها في حل النزاعات حتى بالنسبة للقضاء العادي، وسيتم توضيح ذلك في المباحث التالية:

المبحث الأول: ماهية الاستثمار.

المبحث الثاني: مفاهيم الاستثمار وتعاريفه.

المبحث الثالث: أهمية الاستثمار وأهدافه.

المبحث الأول
 ماهية الاستثمار

   الاستثمار: هو توظيف الأموال المتاحة (مؤكدة) في أصول متنوعة للحصول على تدفقات مالية أكثر في المستقبل (غير مؤكدة) هذه التدفقات عبارة عن تعويضات يحصل عليها المستثمر بدلاً من استخدام هذه الأموال من قبل مستثمرين آخرين طيلة الفترة التي يتخلى بها المستثمر عن رأسماله آخذين بالاعتبار تحقيق عوائد تغطي قيمة التعويضات المطلوبة وعلاوة المخاطر الناجمة عن عدم التأكد في الحصول على التدفقات المتوقعة في المستقبل والتي بالطبع تتجاوز معدل التضخم.

إن المستثمر الذي يكون مستعداً للتخلي عن استهلاك هذا المال الفائض لديه في سبيل الادخار ثم الاستثمار بهدف الرغبة في الحصول على تعويضات تسمى العائد المطلوب تحقيقه من قبل المستثمر ويتم استثمار الأموال المتاحة من خلال اختيار الأدوات الاستثمارية التي تحقق أكبر عائد بأقل المخاطر أو وفق المخاطر المحسوبة (آل شبيب، 2008 ،9).

يتطلب تحقيق أكبر قدر من العوائد الممكنة للمشروع طريقة علمية إذ تستمد إدارة الاستثمار المفاهيم الأساسية في استقراء وتحليل النشاط الاستثماري من علم الاقتصاد بصفة أساسية نظراً لاهتمام العلوم الاقتصادية بمجموعة من المفاهيم التي تلعب دوراً كبيراً في مفردات الاستثمار والتي تحدد المراكز القانونية للمستثمرين والأطراف ذوي العلاقة بالعملية الاستثمارية، وهذه المفاهيم هي الدخل والاستهلاك والادخار والاقتراض (الائتمان) بحيث تشكل العلاقة بين هذه العناصر الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، إضافة إلى بعض العلوم الأخرى التي تزود وتساعد إدارة الاستثمار في اتخاذ القرارات الصائبة.

وتتفق معظم النظريات الاقتصادية على أهمية الاستثمار في تحقيق التطور الاقتصادي سواء تم النظر إليه من زاوية ضيقة أي تحقيق النمو الاقتصادي السنوي أو بنظرة أوسع باعتباره يحقق التنمية الاقتصادية.

ووفقاً للمفهوم الاقتصادي يعرف الاستثمار: بأنه التوظيف المنتج لرأس المال من خلال توجيه المدخرات نحو استخدامات تؤدي إلى إنتاج سلع أو خدمات تشبع الحاجات الاقتصادية للمجتمع وزيادة رفاهيته، «أو هو ذلك الجزء من الدخل غير المستهلك ويعاد استثماره في العمليات الإنتاجية بهدف زيادة الإنتاج وتوسيعه أو المحافظة عليه مما يجعله يحقق إضافة حقيقية لاقتصاد الدولة ويسمى بإجمالي الاستثمار وهو القيمة الإجمالية للأصول الحقيقية المنتجة خلال فترة من الزمن والذي يساهم في زيادة التراكم الرأسمالي».

يشغل الاستثمار حيزاً أقل من الاستهلاك كنسبة من الطلب الكلي. وحيث أن الاستثمار يحدد معدل تراكم رأس المال، فإنه يلعب دوراً هاماً في توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد. ويعرف الاستثمار على أنه: التغير في رصيد رأس المال خلال فترة زمنية محددة، وعليه فإنه على خلاف رأس المال يمثل تدفقاً وليس رصيداً قائماً في نقطة زمنية محددة. وهذا يعني أنه في حين قياس رأس المال عند نقطة زمنية معينة فإن الاستثمار يمكن قياسه خلال فترة زمنية معينة.

 

المبحث الثاني 
 مفاهيم الاستثمار وتعاريفه

كما نعرف ويعرف كل مسلم أن مفهوم الاستثمار: عربياً وإسلامياً هو الاتجار والمتاجرة في سلعة قابلة للبيع والشراء شرعاً وقانوناً وعرفاً بغرض تنمية المال وزيادته وتحقيق أقصى أرباح مالية بما يتوافق مع المصلحة الشخصية والمصلحة العامة للناس.

تعاريف الاستثمار ومفاهيمه المعاصرة:

تعريف الاستثمار:

يعتبر الاستثمار من المصطلحات الشائعة الاستعمال، وقد ظهر في أوساط الاقتصاديين في نهاية القرن 19 وبداية القرن20 حيث نشأت عدة تعاريف منها:

•     تعريف الاستثمار عند بروناس: تخصيص الموارد على أمل تحقيق العوائد المتوقع الحصول عليها مستقبلاً خلال فترة زمنية طويلة.

•     تعريف الاستثمار عند بياردرني: الاستثمار هو عبارة عن تلك المصاريف التي من خلالها نتحصل على أرباح.

•     تعريف بيار ماس: الاستثمار يشير في نفس الوقت إلى عملية في حد ذاتها ونتيجة لهذه العملية فالاستثمار هو تلك الأموال التي تقبل المؤسسة دفعها حالياً مقابل أرباح مستقبلية محصل عنها من هذه الأموال.

•     تعريف كينز: الاستثمار هو ارتفاع التجهيزات في رأس المال الثابت أو التداول.

وهناك من عرف الاستثمار بأنه: استخدام المدخرات في تكوين الطاقات الإنتاجية الجديدة اللازمة لإنتاج السلع والخدمات وللحفاظ على الطاقات الإنتاجية القائمة وتوسيعها.

إن الاستثمار وفق هذا التعريف يهدف إلى إنتاج السلع الاستهلاكية وتلك التي لا تشبع المستهلك مباشرة، بل تساهم في إنتاج سلع وخدمات رأسمالية.

وعرفه البعض بأنه التخلي عن الأموال التي يمتلكها الفرد في لحظة معينة ولفترة من الزمن مستقبلية بهدف الحصول على تدفقات مالية تعوضه عن القيمة الحالية لتلك الأموال المتمثلة في تعادل القيمة الشرائية للنقود مع القيمة الإسمية لها بفعل عامل المستثمر، والمخاطر الناجمة عن عدم حصوله على التدفقات المالية التي يتوقعها إضافة إلى العوائد التي يحصل عليها جراء الاستثمار ولا تتحقق فلسفة التضحية بالمال إلا عندما يتاح فائض مالي ناجم عن زيادة الدخل على الاستهلاك كما أن تحقق الفائض المالي لا يعني أن المستثمر أصبح مستثمراً بالفعل إلا إذا اتخذ قرار الاستثمار.

المفاهيم المختلفة للاستثمار

المفهوم المحاسبي للاستثمار:

الاستثمار هو رأس مال سواء كان منتجاً أو غير منتج.

المفهوم الاقتصادي للاستثمار:

الاستثمار هو مبادلة رأس مال حالاً مقابل إيرادات مستقبلية يكون مبلغها أكبر، إذ أن جوهر الاستثمار هو الإنتاج.

المفهوم المالي للاستثمار:

نفقة تدر إيرادات على فترة طويلة بحيث يجب أن يكون تمويلها برؤوس أموال دائمة، فالاستثمار هو جدول استحقاق الإيرادات ودخول الأموال وخروجها (دريد محمد،2016،9).

المفهوم القانوني للاستثمار:

نشاط قانوني يتم بين أشخاص (طبيعيين، اعتباريين) بهدف الحصول على عوائد (حقوق) مقابل العمل والإنتاج[1] الذي سيتم خلال فترة زمنية معينة (الالتزامات)[2].

وعلى ضوء ما سبق من تعاريف ومفاهيم يمكن تعريف الاستثمار بأنه: توظيف الأموال الفائضة في أدوات ومجالات استثمارية متنوعة بهدف خلق إنتاج جديد أو توسيع الإنتاج الحالي وزيادة تكوين رأس المال على مستوى الاقتصاد والمجتمع أو لتحقيق زيادة فعلية في الثروة.

وبهذا فإن مفهوم الاستثمار وفقاً لهذا التعريف يختلف عن وجهة نظر الاقتصاديين إذ لا يعد الاستثمار الناجم عن تبادل الأوراق المالية للمشاريع القائمة حالياً وفقاً لوجهة نظر الاقتصاديين استثماراً باعتبار هذا التبادل لا يضيف أصولاً رأسمالية جديدة وتعد مجرد انتقال ملكية حتى وإن حققت زيادة في ثروة الاستثمار (عادل عبد العظيم،2007،3).

فالاستثمار يقوم على التضحية بإشباع رغبة استهلاكية حاضرة وذلك أملاً في الحصول على إشباع أكبر في المستقبل. ويمكن القول أنه ممتلكات منقولة أو غير منقولة ملموسة أو غير ملموسة مقتناة أو منتجة لغرض البيع أو التحويل حيث تستمدها المؤسسة في استعمالاتها طوال فترة وجودها كأدوات إنتاج.

من المهم هنا أن نورد تعريف رأس المال لأهمية التفرقة بينه وبين تعريف الاستثمار حيث يعرف رأس المال بأنه: مال ناتج عن عملية إنتاج ثابتة ولا تستنفد بالاستخدام، بل تستخدم في الإنتاج مرة ثانية وثالثة.

وتجدر الإشارة إلى أن قانون الاستثمار رقم (3) لسنة 1446هـ عرف رأس المال في المادة (2) على أنه: «رأس المال المستثمر في المشروع الاستثماري من مصادر تمويل محلية أو خارجية...».

كما عرف المستثمر في المادة (2) بأنه: «أي شخص طبيعي أو اعتباري يمني أو غير يمني مقيم أو غير مقيم يقوم بالاستثمار في الجمهورية في أي من المجالات أو القطاعات المشمولة بأحكام هذا القانون أو قوانين الاستثمار السابقة وفقاً لمقتضى الحال»، ولا يختلف هذا التعريف عما ذكرناه سابقاً.

المبحث الثالث 
 أهمية الاستثمار وأهدافه

أهمية الاستثمار:

ازدادت أهمية الاستثمار وطرق إداراته نتيجة للانتشار والتوسع في تطبيق مظاهر العولمة وتكنولوجيا المعلومات واستخدام الانترنت وظهور الابتكارات المالية حيث خلقت هذه المظاهر عناصر جديدة أدت إلى ارتفاع حدة المنافسة وسهولة الحصول على البيانات والمعلومات وتعدد البدائل والخيارات المتاحة من الأدوات الاستثمارية المختلفة وسرعة تبادل الفوائض المالية ونمو رأس المال المستثمر بالأصول المالية المتمثلة في تجارة الخدمات المصرفية وغير المصرفية، فالانفتاح الاقتصادي ودخول الدول في العديد من الاتفاقيات التجارية العالمية والتي من أبرزها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي أتاحت زيادة فرص الاستثمار وإزالة الكثير من القيود على حرية التبادل التجاري بين الدول، وساهمت تكنولوجيا المعلومات أيضاً في خفض التكاليف باختصارها التعاملات المالية والتجارية وتوفير البيانات وطرق خزنها بالكمية والنوعية المطلوبة، بحيث اتجهت اقتصاديات الدول إلى الاقتصاد المعرفي الذي يلعب فيه العنصر البشري دوراً أساسياً في التأثير على قرارات المشاريع الاقتصادية.

من العرض السابق لماهية الاستثمار تبرز أهميته بالنسبة للدول النامية ومنها اليمن في النقاط التالية:

١-  الاستثمارات هي انعكاس للنمو والتقدم الاقتصادي والتي تعبر عن مدى تحقق الرفاهية الاجتماعية حيث أن الدولة تستعملها كأداة لتعديل الوضع الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة.

٢-  توفير العملات الأجنبية من خلال صادرات السلع المحلية والتي بالطبع ستسهم في استقرار سعر صرف العملة المحلية.

٣- التراكم الرأسمالي الناتج من الاستثمار يدعم الأنشطة الاقتصادية المختلفة وبالتالي المساهمة في الخروج من الأزمات وحالات الركود الاقتصادي.

أهداف الاستثمارات:

لقد تطورت أهداف الاستثمار في ضوء التطور الذي حصل في الفكر المالي والنظرية المالية إذ أصبح الهدف الأساسي من الاستثمار هو تعظيم ثروة المستثمر ويقع ضمن ذلك تحقيق الأرباح الذي يعد هدفاً تقليدياً للمستثمر أي تحقيق أكبر عائد بأقل درجة من المخاطر، وقد يهدف الاستثمار إلى إنعاش الاقتصاد وزيادة الرفاهية وتوظيف الأموال للحصول على العائد بمختلف مفاهيمه (عائد مالي، عائد اجتماعي، عائد اقتصادي...الخ) (آل شبيب،2008،19).

يعد الاستثمار عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه من عناصر الإنتاج الأربعة (رأس المال، العمل التنظيم، الأرض) وبالتالي فإنه يرتبط بالاستهلاك بصورة مباشرة بعلاقة إنتاجية وعلاقات تمويلية غير مباشرة من خلال زيادة حجم المدخرات. وأن الهدف الأساسي للاستثمار هو تحقيق عائد لذلك فإن الإنتاجية الحدية[3] لرأس المال ومعدل الاستثمار يعتمدان على مقدار العائد وعلى كلفة رأس المال.

ومما سبق فإن الهدف العام للاستثمار هو تحقيق الربح، لكن هناك أهدافاً أخرى منها ما يلي:

تكوين الثروة وتنميتها: وذلك عند التضحية بالاستهلاك الحالي لصالح الأنشطة الاستثمارية على أمل تكوين الثروة مستقبلاً.

تأمين الحاجات المتوقعة وتوفير السيولة لمواجهة تلك الحاجات، والمحافظة على قيمة السلع وذلك عندما يسعى المستثمر إلى التنويع في مجالات استثماره حتى لا تنخفض قيمة موجوداته مع مرور الزمن بحكم عوامل ارتفاع الأسعار وتقلبها.

قد يتبادر إلى الذهن أن الاستثمار هو استخدام الأموال للحصول على أصول مادية ملموسة فقط كالمباني أو العقارات والآلات وغيرها إلا أن هذا النوع من الاستثمار هو ما يمكن تسميته بالاستثمار المادي، وهو لا يمثل كل أنواع الاستثمارات فهناك جانب آخر وهو ما يطلق عليه بالاستثمار المالي مثل الأوراق المالية كالأسهم والسندات، ومنها يتضح وجود ارتباط بينهما ويمكن ملاحظة ذلك من خلال قائمة المركز المالي لأي منشأة فالجانب الأيمن من هذه القائمة يمثل ما يسمى بالاستثمار المادي والجانب الأيسر يمثل الاستثمار المالي.

المحور الثاني 
 دور قانون التحكيم اليمني في دعم وتحفيز الاستثمار في الجمهورية اليمنية[4]

البيئة الاستثمارية وخاصة البيئة القانونية تساهم في استقرار واستمرارية النشاط الاستثماري بكل مجالاته وأنشطته المختلفة، نذكر منها القرار الجمهوري بالقانون رقم (22) لسنة 1992م وتعديله بالقانون رقم (32) لسنة 1997م بشأن التحكيم وفيما يلي عرض لأهم المواد القانونية فيه والتي تدعم وبشكل فاعل النشاط الاستثماري والتجاري على النحو التالي:

المبحث الأول: نطاق سريان قانون التحكيم اليمني بالنسبة للاستثمار داخل وخارج اليمن.

المبحث الثاني: اختصاصات وصلاحيات لجان التحكيم.

المبحث الثالث: النطاق الزمني والإجرائي للتحكيم.

المبحث الرابع: مرونة إجراءات التحكيم للمشاريع الاستثمارية.

المبحث الخامس: مزايا الرقابة القضائية على لجان التحكيم.

المبحث الأول 
 نطاق سريان قانون التحكيم اليمني بالنسبة للاستثمار المحلي والخارجي

قانون التحكيم مثله مثل باقي القوانين اليمنية من حيث نطاق تطبيق القانون على كامل أراضي الجمهورية اليمنية، إلا أن التحكيم قد يكون دولياً خارج حدود الدولة، لكن أيضاً يمكن تطبيق القانون اليمني إذا اتفق أطراف التحكيم على ذلك وفقاً للمادة (3) من قانون التحكيم اليمني «تسري أحكام هذا القانون على أي تحكيم يجري في الجمهورية اليمنية كما تسري على أي تحكيم يجري خارجها إذا اختار طرفاه ذلك». ومن مزايا ذلك أن المغتربين اليمنيين المقيمين في الخارج والذين لديهم استثمارات خارج اليمن يمكنهم الاتفاق على جعل القوانين اليمنية وخاصة قانون التحكيم هو الواجب التطبيق، إلا أن اختيار قانون التحكيم اليمني لا يعني أن القانون الواجب التطبيق هو القانون اليمني، بل يمكن أن تطبق أحكام قانون التحكيم اليمني وفي نفس الوقت يطبق القانون الأجنبي وخاصة إذا كان أحد طرفي التحكيم مستثمراً أجنبياً، و كانت قوانين الدول المقيمين فيها في غير صالح أطراف التحكيم ونأخذ مثلاً قانون التحكيم المصري الذي يمنع القضاء المصري من النظر في مسألة بطلان اتفاق التحكيم وإنما يحيل النزاع إلى هيئة التحكيم حتى لو كان اتفاق التحكيم باطلاً، بحيث تصدر هيئة التحكيم حكمها ومن ثم يمكن للقضاء المصري النظر في بطلان اتفاق التحكيم وبالتالي الحكم الصادر منها أيضاً، بينما في قانون التحكيم اليمني ينظر القضاء اليمني في مسألة بطلان اتفاق التحكيم قبل البدء في إجراءات التحكيم وصدور الحكم (المطري،5، 1444).

ومن المهم هنا أيضاً أن ننوه إلى  أن التحكيم وما يتطلبه من النفقات والتكاليف التي قد تكون مرتفعة والتي قد يكون المستثمر غير قادر على تحملها أو تسبب عجزاً في السيولة النقدية لديه لأنها نفقات وتكاليف فورية تصبح عبئاً ثقيل على كاهل المستثمر، ومن هنا نورد مثالاً في القانون المصري الذي سمى المحكمين هيئة التحكيم وليس لجنة التحكيم كما في قانون التحكيم اليمني ومن المعروف إدارياً أن الهيئة يكون تشكليها دائماً بحسب اتفاق التحكيم وهذا يعني أن نفقاتها وتكاليفها مستمرة حتى وإن لم يوجد نزاع، أما قانون التحكيم اليمني فهي لجنة التحكيم وبالتالي فهي لا تنعقد إلا في حالة حصول نزاع وبالتالي لن تكون هناك تكاليف أو نفقات إلا عند تشكيل لجنة التحكيم عند وجود نزاع.

المبحث الثاني 
 اختصاصات وصلاحيات لجان التحكيم

من المعروف قانوناً أن التحكيم لا يكون إلا في المنازعات المدنية والتجارية فقط، أما المنازعات الجنائية كالقتل والسرقة وغيرها، والتي ينظمها قانون الجرائم والعقوبات اليمني فلا يجوز فيها التحكيم، وقد نظمت المادة (5) من قانون التحكيم: «لا يجوز التحكيم فيما يأتي: أ- الحدود واللعان وفسخ عقود النكاح.  ب- رد القضاة ومخاصمتهم. ج- المنازعات المتعلقة بإجراءات التنفيذ جبراً. د- سائر المسائل التي لا يجوز فيها الصلح. هـ- كل ما يتعلق بالنظام العام. والنظام العام يشمل الجرائم الجسيمة وغير الجسيمة.

ومن هنا يتضح أن المنازعات للمشاريع الاستثمارية ذات الطابع الجنائي لا يجوز فيها التحكيم وإنما هي من اختصاص القضاء المختص كالمحاكم العادية (الشعب الجزائية) وكذا محكمة الأموال العامة وغيرها، مثل قضايا التهرب الضريبي والتهريب الجمركي...

من الصلاحيات القانونية الممنوحة للمحكم أو لجان التحكيم إيقاف سير الخصومة وفقاً للمادة (10) من قانون التحكيم  ويجوز لطرفي التحكيم أن يتفقوا على وقف السير في الخصومة أمام المحكم أو لجنة التحكيم المدة التي يرونها...» ومن فوائد هذه المادة بالنسبة للمشاريع الاستثمارية أنها يمكن أن توقف النظر في النزاع لمدة يتم تحديدها من قبل الأطراف (المستثمرين) إما لأجل توفير الأدلة الكافية للإثبات أو لتوفير سيولة كافية لسداد الالتزامات المتبادلة بحيث لا تستبعد المنازعة ويستأنف السير في التحكيم بطلب من الطرفين أو أحدهما، على عكس القضاء العادي الذي لا يمكن وقف الخصومة لديه.

أغلب الاستثمارات تتكون من شركات مساهمة (شخصيات اعتبارية)، بمعنى أن التحكيم لا ينقضي بوفاة أحد الخصوم وهذا ما نصت عليه المادة (12) ق. تحكيم: «لا ينقضي التحكيم بوفاة أحد الخصوم...» وإنما يستمر الورثة في التحكيم أو وصي القاصر بموجب القانون، ومن هنا يتضح مرونة التحكيم اليمني حتى وإن توفي المستثمر، ولو كان مالكاً لرأس المال، وهذا يمكن المشاريع الاستثمارية من الاستمرار في التحكيم إلى حين صدور حكم التحكيم بما يضمن استدامة عمل المشاريع خاصة وأن الكثير من الشركات المساهمة والبيوت التجارية في اليمن عائلية، مما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الكلي من الحفاظ على الاستثمارات قائمة ومنتجة للسلع والخدمات وأيضاً يمكنها من عقد شراكات جديدة مع مساهمين جدد والتوسع في أنشطتها وذلك لما يوفره التحكيم للكثير من الوقت والجهد والتكاليف والنفقات والتعطل.

ولا يعطل من صلاحيات لجنة التحكيم في نظر النزاع وجود حجز تحفظي من قبل المحكمة المختصة حيث لا يعتبر هذا إيقافاً لإجراءات التحكيم المادة (18) ق. تحكيم يمني، وإنما ضمان للحقوق، كذلك يمكن أيضاً لأحد طرفي التحكيم طلب الحجز التحفظي من لجنة التحكيم وهي بدورها تطلب ذلك من المحكمة المختصة، ولا يعد تعدياً على صلاحيات لجنة التحكيم قيام أحد طرفي التحكيم بطلب الحجز التحفظي مباشرة من المحكمة دون اللجوء إلى لجنة التحكيم.

المبحث الثالث 
 النطاق الزمني والإجرائي للتحكيم

أعطى قانون التحكيم اليمني الحرية لأطراف التحكيم (المستثمرين) في الاتفاق على وقت اختيار المحكم أو لجنة التحكيم المادة (22) ق. تحكيم يمني، حيث يتضح أن القانون لم يلزم أطراف النزاع على الاتفاق على التحكيم منذ بداية التعامل فيما بينهم وإنما يمكن أيضاً الاتفاق على التحكيم في أي وقت ولو كان النزاع منظوراً أمام القضاء اليمني، وهذه ميزة استثمارية كبيرة جداً بالنسبة للمستثمرين، حيث لا يتحمل الأطراف تكاليف التحكيم إلا عند وجود منازعة فقط، كما يوفر القانون أيضاً لجوء أطراف التحكيم إلى القضاء العادي إذا رغبوا في ذلك وهذا ما بينته المادة (19) ق. تحكيم يمني.

مما سبق نجد أن النطاق الزمني لاتفاق التحكيم يبدأ من وقت المنازعة بتشكيل لجنة التحكيم والتي قد تكون من محكمين فنيين (محامين، محاسبين قانونيين، مهندسين، أطباء، مقاولين...) والذين لديهم من التأهيل الأكاديمي والخبرة الفنية الكثير لإنجاز مهامهم التحكيمية بسرعة وكفاءة عالية، مع العلم أن المحكمين الفنيين سيوفرون الكثير من الوقت والجهد والتكاليف التي يتكبدها المستثمرون من الاستعانة بخبير أو أكثر في حالة اللجوء إلى القضاء العادي.

ومن النطاق الزمني أيضاً أن القانون أعطى حرية لأطراف التحكيم في اختيار مدة تقديم الدعوى المادة (35) ق. تحكيم يمني وكذلك مدة التقاضي اختصاراً للوقت الذي قد يكلف المستثمرين غرامات تأخير عن كل يوم عمل كالمستوردين والناقلين وغيرهم، كما يمكن أيضاً للجنة التحكيم تحديد مواعيد الدعاوى والدفوع وفقاً لما هو في صالح النشاط الاستثماري.

أما النطاق الإجرائي للتحكيم فقد ضمن القانون للجنة التحكيم متابعة المواضيع التي تختص بها وفقاً لاتفاق التحكيم حتى وإن حصل نزاع أمام المحكمة لنفس أطراف التحكيم فإن المحكمة تنظر فقط في المواضيع التي لا توجد في اتفاق التحكيم وتحيل ما يخص التحكيم إلى لجنة التحكيم وذلك وفقاً للمادة (27-29-28) ق. تحكيم يمني.

المبحث الرابع 
مرونة إجراءات التحكيم للمشاريع الاستثمارية

يعتبر التحكيم جهازاً قضائياً خاصاً، ومع ذلك فالإجراءات المتبعة من لجنة التحكيم يتم الاتفاق عليها من قبل طرفي التحكيم وإذا لم يوجد اتفاق تتخذ اللجنة ما تراه مناسباً مع عدم الإخلال بأحكام القانون خاصة فيما يتعلق بالمرافعات لتعلقها بالنظام العام وفقاً للمادة (32) ق. تحكيم يمني.

نذكر هنا أن من المزايا الإجرائية للتحكيم اليمني أن الأطراف يمكن أن يعدلوا من الدفوع أو الطلبات خلال سير إجراءات التحكيم إن لم تكن القضية قد حجزت للحكم المادة (35) ق. تحكيم يمني بعكس القضاء العادي. بالإضافة إلى أن اشتراط القانون تقديم الدعاوى والدفوع مكتوبة ييسر إجراءات التحكيم بحيث لو كان أحد طرفي التحكيم أو كلاهما مسافراً خارج اليمن فيمكن التواصل مع اللجنة عن بعد بإحدى وسائل الاتصال الحديثة والتي لها حجية قانونية في مواجهة الغير، بالإضافة إلى أنه يمكن أيضاً الاستماع إلى المرافعة الشفوية بأحد برامج الاتصال المصور (فيديو كول). أيضاً من أهم مزايا التحكيم الإجرائية هي سرية الجلسات على عكس التقاضي لدى القضاء العادي وهو ما يضمن سرية البيانات والمعلومات خاصة في ظل حرص المشاريع الاستثمارية على سرية براءات الاختراع والرسوم الصناعية الجديدة والحفاظ على كواليس الإنتاج بعيداً عن أعين المشاريع الاستثمارية المنافسة.

ونذكر هنا أن قانون التحكيم اليمني لم ينظم مسألة إذا سرب المحكم أو سربت لجنة التحكيم أسرار الأطراف التجارية والصناعية وغيرها، لكن يمكننا القول أن الطرف المتضرر يمكنه اللجوء إلى القضاء واتهام المحكم بخيانة الأمانة وطلب تعويض مناسب لما خسره من تسريب معلوماته وبياناته وما فاته من كسب، أيضاً يمكنه استرداد الكسب من المنافسين إذا أثبت الاحتيال والغش من قبلهم.

لم يوجب القانون على الشهود أداء اليمين ما لم يخالف ذلك قانون الإثبات الشرعي، وهذا ييسر الاستعانة بشهود أجانب إذا تطلب الأمر ذلك كما في المادة (40) ق. تحكيم يمني. كما ضمن القانون حق المدعي في حالة تخلف المدعى عليه من الرد على الدعوى، حيث سمح للجنة التحكيم في السير في إجراءات التحكيم وإصدار حكمها وفقا لما هو متوفر لديها من الأدلة المادة (41) ق. تحكيم يمني.

ولا يعطل إجراءات التحكيم طلب لجنة التحكيم أو الأطراف المساعدة من المحكمة المختصة للحصول على أدلة واتخاذ الإجراءات التحفظية والمؤقتة المادة (43) ق. تحكيم يمني.

من ناحية أخرى تبرز مرونة قانون التحكيم اليمني في أنه أعطى صلاحيات للمستثمرين في تحديد القواعد القانونية التي ستستند إليها لجنة التحكيم حال حدوث النزاع المادة (45) ق. تحكيم يمني «وإذا اتفق الطرفان على قانون آخر غير قانون الجمهورية اليمنية فعليها أن تتبع القواعد الموضوعية فيه، وإذا لم يتفقا على القانون الواجب التطبيق طبقت اللجنة القانون الذي تحدده قواعد تنازع القوانين في القانون اليمني، ويجوز للجنة التحكيم أن تفصل في موضوع النزاع بمقتضى قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة والإنصاف إذا أجازها في ذلك طرفا التحكيم وفي جميع الأحوال على لجنة التحكيم أن تفصل في النزاع وفقاً  للقانون اليمني أو لشروط العقد المبرم بين الطرفين وأن تأخذ بعين الاعتبار الأعراف والعادات الاجتماعية ، وكذا الأعراف والعادات التجارية المتبعة في مثل ذلك النوع من المعاملات ، ويشترط في كل حال عدم التعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية»، ومن هنا يتضح لنا أهمية هذه المادة القانونية في تحفيز ودعم الاستثمارات وتوسعتها والحد من حالة عدم التأكد وذلك من خلال تصميم قواعد قانونية تلائم حجم المنشأة وشكلها القانوني (مثلاً مشاريع BOT) [5] ونوع النشاط (تجاري، صناعي، خدمي،...) والتي يصعب على الدولة التقنين والتحديث المستمر للتشريعات الوطنية وما يصاحب التقنين من عمل مشاريع للقوانين واعتماد مجلس النواب ومصادقة رئيس الجمهورية الخ...، حيث من الممكن للمستثمرين أخذ مرجعيات القواعد القانونية المختارة للتحكيم في حال حصول نزاع من القوانين واللوائح اليمنية، والعرف التجاري الخاص بنشاط الأطراف، وتقارير مهندسي الإنتاج، والاتفاقيات الدولية الخاصة بالنشاط بشرط مصادقة الجمهورية اليمنية عليها الخ...

أيضاً من مظاهر مرونة قانون التحكيم اليمني أنه اعتبر اتفاق التسوية كوثيقة منهية للخلاف وليس كاتفاق الصلح في حال اللجوء إلى القضاء العادي المادة (46) ق. تحكيم يمني حيث يقرر القاضي حفظ القضية لتصالح الأطراف بينما في التحكيم يصدر اتفاق التسوية بوثيقة منهية للخلاف وعند استقراء هذه المادة نجد أنه لا يجوز رفع دعوى قضائية في موضوع تم إنهاؤه بوثيقة منهية للخلاف أمام القضاء العادي، أما في حالة حفظ القضية في القضاء العادي بسبب الصلح فإذا حصل نزاع مرة أخرى بعد الصلح يتوجب على الأطراف رفع دعوى جديدة أمام المحكمة المختصة بنظر النزاع كقضية جديدة. 

كذلك ضمن القانون سرية الأحكام الصادرة وعدم نشرها من لجان التحكيم المادة (49) ق. تحكيم يمني وبالتالي لا يمكن اعتبارها سوابق قضائية مما يضمن عدم التشهير بالمستثمر خاصة إن كان نشاطه مصرفياً لما يسببه ذلك من (ذعر مصرفي)[6]، وكذلك باقي الأنشطة وذلك لأن الحكم قد يتضمن أسراراً مهنية تنافسية والتي يسبب تسريبها ضعف قدرة المستثمر على الاستمرار في السوق وبالتالي إعساره مالياً وصولاً إلى الإفلاس.

 

المبحث الخامس 
 مزايا الرقابة القضائية على لجان التحكيم

من المعروف أن القانون هو علم العلاقات، أي المنظم لعلاقات الأشخاص (طبيعيين واعتباريين) والحقوق والالتزامات المتبادلة فيما بينهم، مع العلم أن هناك نوعين من الرقابة على القوانين (الرقابة القضائية، الرقابة السياسية)[7]، بالإضافة إلى أن هناك ثلاثة أنواع لتفسير القانون لسلطات الدولة الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية (التفسير التنفيذي، التفسير القضائي، التفسير التشريعي)، وباعتبار أن القضاء هو صاحب الولاية العامة فيما يتعلق بحماية الحقوق والحريات وبحسب التفسير التنفيذي للقانون والخبرة العلمية القانونية والتشريعية للقضاة يحق للمحاكم ذات الاختصاص التدخل للتنظيم والرقابة على إجراءات التحكيم بدءاً من النظر في اتفاق التحكيم وبطلانه أم لا، واختيار المحكمين وردهم، وصلاحية الفصل في النزاع الذي لم يذكر في اتفاق التحكيم، وتصحيح إجراءات التحكيم، وسلامة إصدار حكم التحكيم، وانتهاء بتنفيذ الحكم...

ومن مزايا الرقابة القضائية على التحكيم ما نظمته المادة (50) ق. تحكيم يمني حيث فرضت على لجنة التحكيم إيداع أصل حكم التحكيم وقرارات لجنته قلم كتاب المحكمة المختصة خلال 30 يوماً التالية لإصدار الحكم بمحضر إيداع، مما يضمن حجية الحكم وعدم تغييره من قبل لجنة التحكيم وبالتالي استقرار المعاملات بين المستثمرين فيما يتعلق بأنشطتهم المختلفة وسهولة اتخاذ قراراتهم الاستثمارية لضمان تحقق التأكد من الحقوق والالتزامات التي تضمنت حكم التحكيم. كذلك نظمت المادة (52) ق. تحكيم يمني تصحيح أو تفسير حكم التحكيم بطلب أحد الأطراف مع إخطار الطرف الآخر بالطلب، بحيث إذا كان هناك ما يبرر التصحيح أو التفسير تستجيب للطلب لجنة التحكيم خاصة إذا كان يتعلق بتحديد سعر الصرف للعملة المحلية والذي يمكن أن يتغير خلال فترة نظر النزاع أمام لجنة التحكيم، كذلك يمكن أن تحصل تغيرات في أسعار السلع أو المواد الخام ارتفاعاً أو هبوطاً، أو حدوث تغير في رأس المال للشركاء المساهمين زيادة أو انخفاضاً الخ..... 

أيضا أحوال انتهاء لجنة التحكيم من أعمالها المادة (51) ق. تحكيم يمني الفقرة (د) أنه: إذا رأت لجنة التحكيم لأي سبب آخر عدم جدوى الاستمرار في الإجراءات أو استحالته، حيث أعطى القانون في هذه الحالة الصلاحية للجنة التحكيم عدم الخوض في النزاع إذا لم تتوفر أسبابه الموضوعية حفاظاً على استقرار المعاملات بين المستثمرين والتجار وعدم الخوض في دعاوى قد تكون كيدية.

أو كما ذكرنا سابقاً أن حكم التحكيم يمكن أن يكون نهائياً وباتاً إلا أنه لا يمنع ذلك من طلب إبطاله إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أو انتهت مدته إذا كان محدد المدة أو فقدان أحد أطراف التحكيم لأهليته أو إذا كانت إجراءاته غير صحيحة أو مجاوزة لجنة التحكيم لصلاحيتها وإذا لم يكن مسبباً أو إذا خالف الحكم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام المادة (53) ق. تحكيم يمني، وغير هذه المبررات لا يجوز الطعن في حكم التحكيم بأي من طرق الطعن للأحكام القضائية العادية.

ومما سبق نجد أن القانون أعطى حماية رقابية قضائية لسلامة تطبيق القانون من قبل لجنة التحكيم من خلال إبطال حكمها فمثلاً قد يتضمن الحكم إجازة لسعر الفائدة الربوية أو التعسف في البنود العقابية كفرض غرامات مبالغ فيها (تأخير) أو شروط جزائية مجحفة تؤدي إلى إفلاس أحد الأطراف بتأييد لجنة التحكيم نصب واحتيال طرف تجاه الطرف الآخر، أو كقيام بعض المؤسسات المالية بالتحايل على القوانين المنظمة بتجزئة الخدمة المقدمة للعميل وفرض رسوم وأثمان وعمولات ومصاريف غير مذكورة في استمارة طلب الخدمة (عقود الإذعان التي تحدد بنودها الجهة المقدمة للخدمة).

ومن جانب آخر نجد أن المادة (58) ق. تحكيم يمني خصت محكمة الاستئناف أو من تنيبه بتنفيذ أحكام التحكيم، أي أن المحكمة لها صلاحية استخدام التنفيذ الجبري في حالات معينة مثل رفض تنفيذ حكم التحكيم من قبل أحد الأطراف وهذه الصلاحية غير متوفرة لأي جهة غير حكومية مع العلم أنه يمكن تنفيذ الحكم اختيارياً من قبل أطراف التحكيم، ونذكر هنا أن المادة (59) من ذات القانون سهلت تنفيذ الأحكام الصادرة من خارج اليمن وبلغات أخرى بأن يتم ترجمتها إلى اللغة العربية ومن ثم إيداعها مع الوثائق الأخرى لدى المحكمة، وهذا يعد في حد ذاته تسهيلاً لعمل المستثمرين الأجانب أو اليمنيين المقيمين خارج اليمن والذين اختاروا اللجوء إلى مراكز تحكيم دولية للمنازعات التي تنشأ عن استثمارات في الجمهورية اليمنية بشرط أن يكون حكم التحكيم موافقاً للشرع والقوانين واليمنية.

 

المحور الثالث 
 التحكيم في ظل قانون الاستثمار رقم (3) لسنة 1446هـ - 2025م 

فيما يخص مشروع قانون الاستثمار الجديد فقد تضمن العديد من محفزات الاستثمار، حيث عرف الاستثمار بأنه «توظيف رأس المال لإنشاء مشروع استثماري أو توسيعه أو تطويره أو تمويله أو تملكه أو إدارته بما يسهم في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في الجمهورية»، من التعريف السابق نجد أنه يتضمن معظم التصرفات القانونية للأنشطة الاستثمارية على مدى عمرها الإنتاجي (السلعي او الخدمي) من إنشاء للمشروع وتوسيعه عن طريق الاندماج للشركات أو رفع رأس مال الشركة...، بالإضافة إلى تطويره كإدخال الآت حديثة أو تمويله بهيكل تمويل أمثل يحدده ملاك أو مدراء المشروع أو تملكه بالشراء أو غيره أو إدارته كمشاريع BOT التي تؤول ملكيتها للدولة في الأجل الطويل، كما بين التعريف منافع أشمل وأوسع  للتنمية الشاملة والمستدامة وما يتعلق بها كالتنمية الاقتصادية والتنمية البشرية، التنمية الصناعية، التنمية الزراعية...، والاستدامة البيئية[8] بالإضافة إلى الاستدامة المالية للمشروع[9] والتي ستدعمها الإعفاءات والمميزات الاستثمارية في هذا القانون، بالإضافة إلى الاستدامة القانونية[10] والتي تهدف في مجملها إلى تحقيق أقصى عوائد ممكنة للاقتصاد الوطني وحماية الحقوق والحريات وضمان الالتزام بالشروط والمعايير الواجب اتباعها عند إنشاء المشاريع الاستثمارية، وهي محور حديثنا في المباحث التالية:

المبحث الأول: التحكيم في ظل مشروع قانون الاستثمار 1446هــ - 2025م.

المبحث الثاني: التظلمات من القرارات الإدارية الخاصة بالمشاريع الاستثمارية.

 

 

المبحث الأول 
 التحكيم في ظل قانون الاستثمار 1446هــ

تضمن قانون الاستثمار الجديد في الباب السادس الفصل الأول تسوية منازعات الاستثمار في المادة (85) الفقرة (2) «بعد استنفاد أحكام التظلم المحددة في الفقرة (1) من هذه المادة يكون للمستثمر الحق في الطعن في القرارات الصادرة من الهيئة أو الجهة المختصة أمام المحكمة المختصة أو اللجوء إلى التحكيم وفقاً لأحكام هذا القانون والقوانين النافذة»، مما سبق نجد أنه عند حدوث منازعة ما يلجأ المستثمر أولاً إلى تقديم تظلم من القرارات الإدارية المتعلقة بنشاطه إلى الجهة مصدرة القرار سواء كانت هيئة الاستثمار أو غيرها، ومن هنا نلاحظ مرونة النص حيث سمح للجانب الحكومي النظر في المشكلة ومحاولة حلها بشكل أسرع من اللجوء إلى القضاء العام أو الخاص (التحكيم) حيث تمتلك الجهة الإدارية مصدرة القرار من الموظفين الفنيين كل بحسب مجاله من يستطيع تقديم خبرته الفنية لحل المشكلة بشكل أسرع من التقاضي العادي، وهذا يوفر من الوقت والتكلفة الكثير للمشروع الاستثماري وأيضاً يسهم في الاستدامة التشغيلية[11] للمشروع. 

كذلك ما تضمنته المادة (86) من نفس القانون «عند حدوث نزاع بين المستثمر والحكومة فيما يتعلق بالمشروع تتم تسويته بالطرق الودية ما لم فيتم حله عن طريق التحكيم وفقاً لقواعد وإجراءات التحكيم لدى أي مركز تحكيم محلي أو إقليمي معتمد»، ومن أهم الطرق الودية هنا هي التقدم بتظلم إلى الجهة الإدارية، ومن جانب آخر يظهر دور التحكيم جلياً في حل العديد من المشاكل التي قد تواجه المشروعات حيث أنه لدى الغرفة التجارية والصناعية بأمانة العاصمة فريق من أبرز القانونين والمعني بالتحكيم في القضايا التجارية.

والجدير بالذكر هنا أنه على الرغم من المزايا الكثيرة للتحكيم إلا أن هناك العديد من التحفظات على التحكيم عبر مراكز التحكيم الأجنبية ومن أبرزها:

١-  الانتقاص غير مباشر لسيادة الدولة حيث تتدخل مراكز التحكيم الأجنبية في النشاط الاستثماري للدولة بما لديها من أيدولوجيات مخالفة للشريعة الإسلامية من تحريم الربا واستغلال العمال وتلويث البيئة والقضاء على الغطاء النباتي وإغراق الدولة في الديون للشركات الأجنبية (متعددة الجنسيات) وصولاً إلى تمكين هذه الشركات من تملك أغلب منافع المشروع ولا تحصل الدولة في المقابل إلا على الفتات، أو فشل هذه المشروعات مع تحميل الدولة التعويضات والخسائر الناجمة أساساً عن سياسة التبعية التي تنتهجها الشركات الأجنبية الكبرى (استعمار مقنع).

٢-  بما أن المشاريع ستقام داخل الأراضي اليمنية وبأراض أغلبها ملك للدولة يجب فرض سيادة الدولة القانونية على هذه المشاريع من خلال التزامها بالقوانين اليمنية (فقط) بحيث يتم ضمان تحقيقها للأهداف العامة للدولة وتجنب الخسائر.

٣- ضرورة مراجعة قواعد التحكيم الدولية بما يلائم طبيعة النشاط التجاري اليمني والقوانين النافذة وأحكام الشريعة الإسلامية والتي من ضمنها قانون منع التعاملات الربوية...

٤- لا داعي للجوء إلى مراكز التحكيم الإقليمية (الأجنبية) لأن الغرض من التحكيم متحقق لدى التحكيم المحلي وكذلك عند اللجوء إلى القضاء العادي، خاصة وأنه سيتم إنشاء محكمة اقتصادية معنية بالقضايا الاستثمارية وكذلك بما سيتوفر من المعلومات الأكيدة عن طبيعة النشاط وما هو الإجراء المناسب حيال المشكلة.

المبحث الثاني 
 التظلمات من القرارات الإدارية الخاصة بالمشاريع الاستثمارية

لم يذكر قانون الاستثمار الجديد كيفية البت في التظلمات من القرارات الإدارية المتعلقة بالمشاريع الاستثمارية، هل سيتم عن طريق لجنة للتظلمات أو عن طريق لجان تسويات كما هو حاصل في لجان التسوية لمصلحة الضرائب؟ ومن المناسب هنا أن نتطرق للفرق بين لجنة التظلمات ولجنة التسوية كما يلي:

 

 

أولاً: لجنة التظلمات:

سبب تقديم التظلم: قرار إداري أصاب ضرراً بالمتظلم سواء كان هذا الضرر مادياً أو معنوياً.

١)   يقدم للجهة مصدرة القرار.

٢)  لا يشترط أن يكون هناك لجنة من الأعضاء الفنيين المعينين وإنما يمكن تقديم التظلم الى رئيس الجهة مباشرة. 

٣) يمكن الطعن في القرار الإداري مباشرة لدى المحكمة الإدارية أو محكمة الأموال العامة كما في الطعن في قرارات لجان التظلمات التابعة للهيئة العامة للزكاة اليمنية أو الشعب الإدارية في المحاكم ذات الولاية العامة.

ثانياً: لجنة التسوية:

١-  سبب تقديم طلب التسوية وجود مشكلة يراد حلها ودياً مع الجهة الإدارية، بحيث قد تثور مشكلة عند اختلاف المعلومات والبيانات عن المستثمر عما هي عليه فعلاً في حسابات المشروع الاستثماري أو وثائقه. 

٢-  يقدم للإدارة مصدرة الإجراء.

٣- يشترط أن تتكون من عدد من الأعضاء معينين بقرار من رئيس الجهة.

٤-  غالباً لا يجوز تخطي هذه اللجنة واللجوء مباشرة للقضاء، حيث يتم إرجاعها من المحكمة المختصة إلى الجهة الإدارية لحل المشكلة. 

٥-  يمكن الطعن في قرار لجنة التسوية لدى لجنة طعن تشكل بقرار من رئيس الجهة المشرفة على الجهة التي أصدرت القرار المطعون فيه والتي قد تؤيد قرار لجنة التسوية أو تخالفه أو تعدل فيه. (كما هو الحال في لجان الطعون الضريبية).

٦- يمكن اللجوء إلى القضاء للطعن في قرار لجنة الطعن كمرحلة تقاضي أولى (مثل محكمة الضرائب الابتدائية). 

من العرض السابق نجد أنه من الملائم عمل لجان تظلمات وليس لجان تسوية في الجهات الحكومية ممن لديهم من الخبرة الفنية والمهنية ما يكفي لحل معظم المشكلات التي يمكن أن تواجه المشروعات الاستثمارية، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر التظلمات المحالة إلى مجلس تنظيم شؤون الكهرباء في وزارة الكهرباء والمياه والمختص بالنظر في تظلمات ملاك المولدات الخاصة من القرارات الإدارية الصادرة بحقهم من وزارة الكهرباء نفسها، وذلك لأن المستثمر يعتبر مذعناً للشروط الواجب اتباعها في قانون الاستثمار الجديد للحصول على الإعفاءات والمميزات الاستثمارية، والذي حقق نجاحاً بارزاً في حل الكثير من المشاكل وأحال أيضاً الكثير من قضايا سرقة التيار الكهربائي إلى النيابة العامة، والميزة هنا أن لجان التظلمات سوف تختصر الكثير من الوقت والجهد عند التقاضي لما توفره من توصيف فني وقانوني للمشكلة بما يسهم في سرعة الفصل فيها والحصول على حلول ابتكارية يمكن أن تزيد من إنتاجية هذه المشاريع.

ومن الجدير بالذكر أنه سيتم إنشاء محكمة اقتصادية والتي من المتوقع أن تبت في الطعون ضد القرارات الإدارية الصادرة من الجهات ذات العلاقة بالجانب الاستثماري، كذلك يجب أن ننوه هنا أن لجان التظلمات يمكن اعتبارها لجان تحكيم مصغرة إلا أن قرارها يمكن الطعن فيه لدى المحكمة الابتدائية المختصة على عكس حكم التحكيم الذي لا يجوز الطعن فيه إلا ببطلان اتفاق التحكيم أو بطلان حكمه لما سبق ذكره.

النتائج:

التحديد الواضح للمفاهيم الاقتصادية والمحاسبية للأنشطة الاستثمارية وتضمينها للتصرفات القانونية والتي منها اتفاقات التحكيم يسهم بشكل فاعل في الحد من سوء الفهم واللغط واللبس الذي من أبرز مسبباته نشوء النزاعات.

مرونة قانون الاستثمار الجديد فيما يتعلق بشمول توصيفاته للتصرفات القانونية للأنشطة الاستثمارية، الأمر الذي يحدد الحقوق والالتزامات للأطراف مما يقلل من المنازعات أمام القضاء العام أو الخاص.

أعطى قانون الاستثمار الجديد فرصة للمستثمرين لحل المنازعات الإدارية ودياً عن طريق تقديم تظلمات لهيئة الاستثمار أو الجهة مصدرة القرار الإداري. 

التحكيم كجهاز قضائي خاص يمكن أن يسهم بشكل كبير في حل الكثير من المشاكل التي قد تواجه المستثمرين لما لأعضاء لجنة التحكيم من الخبرة العلمية والمهنية في مجال النشاط المثار عليه النزاع.

قانون التحكيم اليمني أعطى صلاحيات لأطراف التحكيم لاختيار القواعد القانونية التي تناسب نشاطهم التجاري وتلبي احتياجاتهم من ناحية فنية وهذه القواعد قد تكون (محاسبية، اقتصادية، هندسية، الخ...).

هناك إشراف ورقابة فاعلة من القضاء على سلامة إجراءات التحكيم منذ نشوء اتفاق التحكيم إلى إصدار الحكم وتنفيذه.

ليس شرطاً جعل القانون اليمني هو الواجب التطبيق عند اختيار قانون التحكيم اليمني لضبط عمليات وإجراءات التحكيم.

قانون التحكيم اليمني النافذ رقم (22) لسنة 1992م وتعديله بالقانون رقم (32) لسنة 1997م لا يحتاج إلى تعديل آخر إطلاقاً وذلك لمرونته واتساقه مع قانون الاستثمار الجديد رقم (3) لسنة 1446هـ - 2025م في كافة الجوانب المتعلقة بالأنشطة الاستثمارية وخاصة ما هو مشترك بين الدولة والقطاع الخاص[12].

العرف كمصدر من مصادر القانون معمول به في القضاء العادي كما هو معمول به في القضاء الخاص (التحكيم)، وميزته هنا أنه مرن ومتجدد طبقاً للمتغيرات التي قد تصاحب أي نشاط مدني أو تجاري ولا يحتاج إلى تقنين، حيث أن التقنين يلغي طبيعته العرفية ويصبح قانوناً ملزماً رسمياً وليس عرفاً.

من خصائص القانون الثبات، فالقاعدة القانونية الثابتة توفر استقراراً  في المراكز القانونية والمالية للاستثمارات، لأن أي مستجدات فيما يتعلق بتسوية المنازعات الاستثمارية يمكن تنظيمها عن طريق لائحة أو تعاميم منظمة من الجهات ذات العلاقة، ولا يتوجب تعديل القوانين النافذة كل فترة (مثل المشاريع المشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والتي قد تصل مدتها إلى 25 سنة) وذلك حتى يتم الحفاظ على المراكز القانونية السارية، خاصة إذا كان القانون النافذ مرناً ويتسق مع أي لوائح تنظيمية تفصيلية. 

التوصيات:

بما أن حكم التحكيم وإجراءاته سرية، فننصح بعمل بند في عقد اتفاق التحكيم يتضمن موضوع تسريب لجنة التحكيم أو أحد أعضائها لمعلومات الأطراف بشكل صريح لمنع ضياع حقوق المستثمرين من جراء تسريب معلومات تنافسية قد تؤدي في النهاية إلى إفلاس الشركات.

توفير الدعم الفني من الجهات الحكومية ذات العلاقة كوزارة العدل وحقوق الإنسان، وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار وغيرها لعمل قواعد إجرائية فنية واقتصادية وشرعية مرنة تلائم مختلف الأنشطة الاستثمارية.

تدريب القضاة والعاملين في الجهاز القضائي للدولة والجهات التابعة لها كنقابة المحامين اليمنيين على المفاهيم الاقتصادية والمحاسبية وذلك للحد من اللبس في بعض المسائل التي تطيل سير إجراءات التقاضي سواء في المحاكم العادية أو في التحكيم.

إيجاد بدائل للمعاملات المالية الربوية خاصة للمصارف والتي تخدم العملية الاستثمارية من خلال تقديمها لبدائل شرعية وقانونية ليسهل اللجوء إليها للتحكيم بما سيتوفر من مرجعيات معتمدة قانوناً وملزمة للأطراف ذات العلاقة.

التنظيم الفني والقانوني لمراكز التحكيم في الجمهورية اليمنية وتفعيل دور لجان التظلمات في الجهات الحكومية والتي يمكن اعتبارها لجان تحكيم مصغرة ذات طابع خاص، وذلك للتخفيف على المحاكم العادية وكذلك ضمان حصول المستثمر على حلول ناجعة للمشاكل التي قد تواجهه قبل تفاقمها وتحولها إلى قضايا منظورة أمام القضاء العادي.

ضرورة تضمين عقود الاستثمار للاعتبارات الاقتصادية والقانونية التي تحد من التبعية التقنية (مثل استمرار تحديث أنظمة تشغيل معدات المصانع كل فترة طيلة العمر الافتراضي للمعدات من قبل الشركة المصنعة في الخارج) أو التبعية المالية أو أي شكل آخر من أشكال التبعية للخارج والتي قد يصعب التخلص منها حتى عند اللجوء إلى القضاء العادي أو التحكيم.

يمكن تشجيع عمل مراكز تحكيم تخصصية (محاسبية، قانونية، هندسية، طبية، صناعية، زراعية...) تابعة على سبيل المثال لجمعية المحاسبين القانونيين اليمنيين، ونقابة المحامين اليمنيين، نقابة الصيادلة اليمنيين وغيرها بحيث تنظر فقط المنازعات بحسب مجال عملها.

يمكن إتاحة الفرصة للمستثمرين لتقديم تظلماتهم للجان التظلمات الحكومية عن طريق النافذة الواحدة بالهيئة العامة للاستثمار اختصاراً للوقت والجهد والتكلفة، كذلك ضماناً للتنسيق بين الجهات ذات العلاقة وسرعة الحصول على أفضل الحلول بالشراكة الفاعلة بين الجهات الحكومية والمستثمرين.

المراجع:

قانون التحكيم اليمني، رقم (22) لسنة 1992م وتعديله بالقانون رقم (32) لسنة 1997م.

 قانون الاستثمار اليمني رقم (3) 1446هـ - 2025م.

تقرير اللجنة المشتركة من لجنتي العدل والأوقاف– تقنين أحكام الشريعة الإسلامية حول مشروع قانون الاستثمار اليمني 14/ محرم / 1445هـ الموافق 1/أغسطس/2023م، مجلس النواب اليمني.

دور القضاء في التحكيم (دراسة مقارنة في قانوني التحكيم اليمني والمصري)، القاضي/ عبدالكريم محمد المطري، مجلة البحوث والدراسات القضائية والقانونية، العدد السابع، وزارة العدل اليمنية ربيع الأول 1444هــ.

الاستثمار والتحليل الاستثماري، د/ دريد كامل آل شبيب، جامعة الزيتونة الأردنية كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية،2008م.

اقتصاديات الاستثمار النظريات والمحددات/ عادل عبد العظيم، مجلة جسر التنمية الكويت، 2007م.

الاستثمار.. قراءة في المفهوم والأنماط والمحددات، د/ دريد محمد أحمد، المجد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2016م.

 


 

[1]          الإنتاج يتم عن طريق توليفة مثلى من عناصر الإنتاج (التنظيم، العمل، رأس المال، الأرض).

 

[2]          عرف قانون الاستثمار في المادة (2) الاستثمار بأنه توظيف رأس المال لإنشاء مشروع استثماري أو توسيعه أو تطويره أو تمويله أو تملكه أو إدارته بما يسهم في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في الجمهورية.

            كما عرف المشروع الاستثماري في نفس المادة (2) بأنه كل نشاط اقتصادي يقام في أي من المجالات أو القطاعات المشمولة بأحكام هذا القانون أو قوانين الاستثمار السابقة وفقاً لمقتضى الحال.

[3]         الإنتاجية الحدية هي ما تضيفه آخر وحدة نقدية شاركت في العملية الاستثمارية.

 

[4]          تم تعديل بعض مواده بالقانون رقم (32) لسنة 1997م وتم أخذها في الاعتبار عند كتابة هذا البحث.

 

[5]          مشاريع البوت هي المشاريع التي تؤول ملكيتها إلى الدولة في الأجل الطويل ولها عدة صيغ تختارها الدولة حسب نوع المشروع (الطرق والأنفاق، الكهرباء،...)

 

[6]          الذعر المصرفي هو صدور شائعات وأخبار عن أزمات مالية وإعسار مالي للمؤسسة المصرفية مما يسبب طلب الكثير من المودعين سحب ودائعهم دفعة واحدة والتي قد لا تتوفر لدى المؤسسة سيولة كافية لتغطية السحوبات الكبيرة للودائع والحسابات والمصرفية. 

 

[7]         الرقابة القضائية: هي رقابة القضاء على سلامة تطبيق القانون وذلك من خلال النظر في القضايا في المحاكم والنيابات كل بحسب الاختصاص.

الرقابة السياسية: هي رقابة مجلس النواب على سلامة تطبيق الحكومة للقانون من خلال لجانه المختلفة. 

[8]         الاستدامة البيئية: هي الحفاظ على البيئة الطبيعية المحيطة بالمشروع وعدم تلويثها أو التأثير السلبي على الأنشطة البشرية جيلاً بعد جيل.

 

[9]          الاستدامة المالية للمشروع: هي استمرار المشروع في نشاطه مع توفر السيولة النقدية الملائمة بحيث لا يتحمل المشروع ديوناً أو نفقات غير عادية تؤثر على عملياته الإنتاجية.

 

[10]         الاستدامة القانونية: هي مرونة التشريعات من القوانين واللوائح المنظمة للتغيرات في الأنشطة الاستثمارية المختلفة على مدى عمرها الإنتاجي.

 

[11]         الاستدامة التشغيلية: هي استمرار المشروع في تقديم منتجاته السلعية أو الخدمية بدون عوائق مالية أو إدارية من توقف أو إغلاق لحين الفصل في المنازعة أو غير ذلك من مسببات تعطل أو تأخير أو توقف المشروع.

 

[12]        من استقراء تقرير اللجنة المشتركة من لجنتي العدل والأوقاف – تقنين الشريعة الإسلامية حول (مشروع قانون التحكيم 1445هـ-2023م).