الحماية القانونية للمستهلك الرقمي (دراسة تطبيقية على الواقع القانوني للمستهلك اليمني)

الدكتور/ خالد عبد الله الجمرة

9/17/2026

يمكنك تنزيل الدراسة من هنا

(*)     ورقة عمل قدمت لمنتدى المستهلك المالي الرقمي الثالث الذي نظمته الجمعية اليمنية لحماية المستهلك، صنعاء، 3- 5/11/2025م.

افتتاحية:
في عصر الرقمنة والتجارة الإلكترونية المتسارعة، أصبحت حماية المستهلك الرقمي أحد أهم الركائز التي تُبنى عليها اقتصاديات الدول، لقد أحدثت الثورة الرقمية تحولًا جوهريًا في مختلف أنماط الحياة بما فيها الاستهلاك، حيث تجاوزت المعاملات التقليدية حاجز الزمان والمكان، مما استدعى تطوير أطر قانونية متخصصة تضمن توازن العلاقة بين المتعاملين في السوق الرقمية. تهدف هذه الدراسة إلى تقريب مفهوم الحماية القانونية للمستهلك الرقمي كما هي في المنظومة التشريعية العالمية مع إسقاط لواقع الحماية القانونية للمستهلك اليمني من خلال تفصيل مكوناته الاصطلاحية، ودراسة أركان هذه الحماية بالمقارنة مع ما جاء في مجموعة من التجارب الإنسانية المختلفة في مختلف أرجاء العالم الذي تحول لبقعة صغيرة جدًا، بحسب ما تم الوقوف عليه من مراجع، مع تقديم تحليل مقارن يشمل ذلك، من الأهمية الإشارة إلى أن الفراغ التشريعي المتمثل بعدم تشريع أحكام قانونية وطنية تحمي المستهلك الرقمي اليمني كان لها الأثر الكبير في توجيه هذه الورقة.
تعاريف ومفاهيم
تعريف الحماية لغة واصطلاحًا:
لغةً: الحماية في اللغة العربية مشتقة من الفعل «حَمَى» بمعنى منع ودفع، فـ «حَمَى الشيء» يعني حفظه وضمنه. ويُقال «حَمَى فلانٌ حقَّ غيره» أي صانه ودفع عنه. فالحماية تدل على الوقاية والحراسة والدفاع.
واصطلاحًا: في المجال القانوني، تشير الحماية إلى مجموعة الإجراءات والضمانات والتدابير التي تقررها المنظومة التشريعية لصالح فئة معينة، بهدف فرض التوازن في العلاقات بين المراكز غير المتكافئة، وضمان حقوق الأطراف الأضعف في المعاملة.
فالحماية القانونية كجملة مركبة لغة واصطلاحًا هي النظام الشكلي والموضوعي الذي يقرره المشرع لتنظيم العلاقات بين الأفراد، وفرض جزاء على من يخالف هذه القواعد، ومن ثم فالحماية القانونية هي ذلك الإطار التشريعي والإجرائي الذي يضمن للمستفيدين التمتع بحقوقهم والدفاع عنها أمام القضاء.

تعريف المستهلك:
في اللغة استهلك الشيء استنفده، واستهلاكه إتلافه، والمستهلك المتلف (أبادي، 1406هـ- 1986م)، وقيل في المعجم الوسيط مادة (ه ل ك): استهلك الشيء أتلفه بإذهابه والمال أنفقه (المستهلك) الاسم من استهلك الشيء: أهلكه وأتلفه، وهو بالاصطلاح كل من يشتري السلع أو الخدمات لاستعماله الخاص. (إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبدالقادر، ومحمد النجار، 1425هـ- 2004، ص1023).
تعريف الرقمي:
في اللغة تحت مادة (ر ق م) الرقم الكتابة، ورقم أيضًا عدد، ورقمي نسبة إلى الرقم وهو في علم الحساب ما يقوم على نظام العد التماثلي (إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبدالقادر، ومحمد النجار، 1425هـ- 2004، ص349)؛ فالرقمي نسبة إلى الرَقْم وهو العدد، وقد أُخذت من الكلمة الإنجليزية (Digital) التي تشير إلى النظام العددي الثنائي (0،1) الذي تعمل به الحواسيب والتقنيات الحديثة. Digital حاسوب رقمي computer (لجنة الحاسوب والمعلوماتية في مجمع اللغة العربية، 1423ه-2002م، ص95).
تعريف المستهلك الرقمي:  
للمستهلك الرقمي تعريفات متعددة فله تعريف اقتصادي، وله تعريف قانوني، كما له تعريف ضيق وواسع؛ ما يهم هنا هو ما جاء في الفقه القانوني حيث عرفه البعض بأنه: «كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني سلعة أو خدمة للاستعمال النهائي عبر وسيط الكتروني، وهو الطرف الضعيف بالعلاقة التعاقدية الإلكترونية الذي يفتقر إلى المعلومة والتجارة في بيئة افتراضية تنعدم فيها المعاينة المادية المباشرة» (أعراب، 2019، الصفحات 212- 215).
ويمكن من خلال التعريف معرفة بعض محددات المستهلك الرقمي، فيظهر مثلًا كيف أن المستهلك الرقمي قد يكون شخصًا طبيعيًا عاديًا، وقد يكون شخصًا معنويًا– اعتباريًا- كشركة أو مؤسسة، كما يظهر أيضًا أن هذا التعريف حرص على إظهار المستهلك الرقمي الطرف الأضعف بالعلاقة التجارية نتيجة لعدم معاينته السلعة قبل شرائها، وكذا لعدم تعادل المعلومات والبيانات بينه وبينه البائع الذي يمسك بكل تفاصيل المنتج الحقيقية الظاهرة والمخفية، لهذا فإن المستهلك الرقمي يبقى الطرف الأجدر بالحماية، وعلى هذا تصدر المؤسسات التشريعية القوانين المناسبة لحمايته، وحيث أشار التعريف إلى أن المستهلك الرقمي قد يكون شخصية اعتبارية، وكما أشار إلى أن المستهلك هو الطرف الأضعف بالعلاقة التجارية الذي يحتاج للحماية فإن الشخصية الاعتبارية أيضًا قد تكون طرفًا أضعف بالعلاقة؛ فمهما كان مستوى تنظيمها قد تكون منشأة صغيرة أو مؤسسة وتتعامل بالشراء مع شخصية اعتبارية أخرى عملاقة وهو ما يخل تمامًا بتوازن القوى بينها مع أن الطرفين شخصيتان اعتباريتان.
كما عرف البعض المستهلك الرقمي بأنه: ذلك الشخص– طبيعيًا كان أو اعتباريًا- الذي يبرم عقدًا الغرض منه الحصول على سلعة أو خدمة عبر الوسائط الإلكترونية، لا بهدف إعادة الاتجار، بل بهدف الاستعمال أو الانتفاع النهائي. (إمام، 2011، الصفحات 75- 78)، ومن هذا التعريف تظهر سمة أخرى للمستهلك الرقمي حيث إن شراءه أو اقتناءه للسلعة يقصد منها استخدامها وليس إعادة تدويرها بعمل تجاري آخر، ومما سبق تبدو مجموعة من سمات المستهلك الرقمي الذي تنطبق عليه أحكام تشريعات حماية المستهلك وفقًا للآتي:
1-    شخص طبيعي أو اعتباري.
2-    يقوم بالعمل التجاري الشراء لتملك السلعة أو الانتفاع بها بصورة نهائية، وليس لاستخدامها في أغراض أخرى مثل التدوير الاقتصادي- البيع والشراء مجددًا- أو متطلبات مهنته تقتضي ذلك، أو للبحث العلمي أو لإعادة الإنتاج... إلخ.
3-    يستخدم الوسائط الإلكترونية للشراء (إبرام العقد) بحيث لا يستطيع معاينة السلعة وفحصها وتجربتها إلا بعد استلامها ودفعه لقيمتها، تحقق حالة (عدم التوازن التعاقدي بين طرفين).
4-    يكون طرفًا ضعيفًا بالعلاقة نتيجة طبيعة البيئة الإلكترونية ويكون التفوق المعلوماتي للطرف الآخر.
5-    يقدم معلوماته المالية من خلال بطائقه الائتمانية لدفع الثمن قبل معاينة السلعة ماديًا ولا يحصل من معلومات التاجر المورد، وكذا عن السلعة أو الخدمة إلا ما يقدمه له الطرف الثاني أو يعرضه، وهذا يعني تعرضه لمخاطر نوعية لا يمكن أن يواجهها في السوق التقليدي نتيجة للتفوق المعلوماتي الذي يتمتع به البائع أو مقدم الخدمة (المورد– المزود- التاجر).
تعريف المستهلك الرقمي في التشريع اليمني:
النهج المتبع في الكثير من التشريعات هو تقديم تعريف عام وشامل للمستهلك، ثم معالجة المخاطر والآليات الخاصة بالمعاملات التي تتم عن بُعد أو بوسائل إلكترونية في فصول أو مواد لاحقة ضمن القانون نفسه؛ في التشريع اليمني كما سبق ذكره عرف قانون حماية المستهلك بأنه: (كل شخص طبيعي أو اعتباري يشتري سلعة أو خدمة أو يستأجرها أو يستعملها أو يستفيد منها للاستهلاك أو للاستخدام) وهو التعريف نفسه الذي ورد بلائحة القانون غير أن هناك زيادة في تعريف القانون على تعريف اللائحة من خلال عبارة: (... للاستهلاك- أو الاستخدام)، وهي عبارة مهمة وفاصلة لأنها توضّح أن شراء السلعة يتم للاستخدام الشخصي وليس لإعادة تدويرها بأي مجال آخر، وحيث لم يصدر قانون خاص بحماية المستهلك الرقمي أو المستهلك الإلكتروني في اليمن فإنه يبقى تعريف عام يشمل بحكم الواقع كل من يقتني سلعة أو خدمة عبر الوسائل الإلكترونية إذا كان القصد هو الانتفاع الشخصي أو العائلي، وبمراجعة مشروع عرضته وزارة الصناعة على مكتب النائب العام في عام 2022م لقانون التجارة الإلكترونية لوحظ أنه عرف المستهلك على أنه: (الشخص الذي يتعامل بالتجارة الإلكترونية رغبة في الحصول على السلع أو الخدمات التي يوفرها المزود بغرض الاستهلاك النهائي) ويلاحظ في التعريف أنه لم يحدد طبيعة الشخص المستهلك إن كان طبيعيًا أو اعتباريًا، فبعض القوانين مثلًا تفرق من هذه الناحية بين الشخص الاعتباري والشخص المعنوي، حيث ترى أن تشريعات حماية المستهلك ينبغي أن توجه فقط لحماية الشخص الطبيعي كمستهلك، وهذا نص عليه القانون الفرنسي ومختلف القوانين الأوربية؛ مبررهم أن الشخص الطبيعي أولى بحماية القانون بخلاف الشخص الاعتباري، فالشخص الطبيعي ليس محترفًا ولا يمتلك موارد تسمح له بتجاوز الفارق بينه وبين التاجر المورد أو كما وصفه القانون اليمني بالمزود، ومن ثم فالشخص الاعتباري وفقًا للتشريعات الأوربية؛ حتى لو قام باقتناء سلعة ما للاستهلاك النهائي فهو ليس مشمولًا بقوانين حماية المستهلك الأوربية، لهذا عرف القانون الفرنسي المستهلك عمومًا بأنه: (كل شخص طبيعي يتصرف بغايات لا تدخل في نطاق نشاطه التجاري، أو الصناعي، أو الحرفي، أو المهني الحر، أو الزراعي) (المادة (1-l.121) من قانون الاستهلاك، 1993م)، وهذا التعريف هو كذلك توجّه أوروبي ضمن الموجهات التشريعية النموذجية الأوربية الموحّدة 83/ 20011/ EU، حيث لم يعد المستهلك مجرد طرف سلبي في عقد الخدمة فقط، بل أصبح مصدرًا للقيمة الاقتصادية (البيانات) مما استدعى منحه حقوق التصرف على هذه البيانات كجزء لا يتجزأ من حمايته كمستهلك. (Tzanou، 2022).
أهم حقوق المستهلك:
تهدف القوانين الصادرة لحماية المستهلك باعتباره الطرف الأضعف بالعلاقة، ومن ثم فإن عناصر الحماية القانونية للمستهلك تدور في هذا الاتجاه، ولا تستهدف الإضرار بالتاجر (المورد أو المزود)، كما لا تسعى لتقوية الوضع القانوني للمستهلك حتى يتفوق على وضع التاجر، ومن ثم فإن أغلب التشريعات ذات العلاقة، سواء التي استهدفت مباشرة حماية المستهلك، أو نظمت العلاقة التجارية الإلكترونية اتفقت على مجموعة صور يجب أن تكون واضحة أثناء العلاقة التجارية الإلكترونية بين التاجر والمستهلك، أهمها:
1-    الحق في حصول المستهلك المعلومات الواضحة والشاملة قبل الشراء مثل خصائص السلعة أو الخدمة- الرئيسة– والمميزة لها بحسب طبيعة السلعة نفسها.
2-    تفاصيل مركز التاجر من حيث عنوانه، مجال نشاطه، ووسائل صادقة وحقيقية للاتصال به، بحيث ترتفع الجهالة عنه بالكامل.
3-    سعر المنتج أو الخدمة بما في ذلك المخصصات والاستقطاعات– ضرائب– رسوم بمسميات مختلفة قد تفرضها دولة التاجر على سعر المنتج المعروض مما يضيف أعباء مالية إضافية على المستهلك خارج المعلن عنه والمحدد مع التاجر.
4-    شروط الدفع والتسليم وأية مبالغ أخرى مقابل خدمات إضافية أو امتيازات خاصة مثلًا اختصار مدة الإرسال، تغليف معين للسلعة، واجهة مختلفة.... إلخ.
5-    شرط إرجاع المنتج– الحق في العدول- ومدته.
6-    تكاليف إرسال المنتج ومدته، والإيفاء بالموعد.
7-    حق المستهلك في التفاوض على عقد شراء السلعة أو الخدمة، بحيث يمكنه ذلك من رفض الشروط المجحفة، وكذا حقه في إلغاء العقد واسترداد ما دفعه للتاجر كاملًا دون خصم، فيما لو اكتشف في السلعة عيوبًا خفية لم تكن ظاهرة بعرض المورد، أو في حالة ما أخل التاجر بتنفيذ أحد بنود العقد، مثل مدة التسليم، أو مواصفات تمييزية اشترطها المستهلك في السلعة غير المواصفات الرئيسة المعروضة للجمهور.
8-    توفر مسارات واضحة للمستهلك لتقديم الشكوى حول المنتج أو حول إحدى مكوناته أو إجراءات التاجر المورد وتعامله.
9-    أيضًا توفر جهة محددة وواضحة لفض نزاع لم يحل بالتفاهمات والمراسلات مع التاجر.
هذه الحقوق تقريبًا تضمنها قانون حماية المستهلك اليمني والذي هدف لحماية المستهلك في العلاقة التجارية التقليدية حيث أشار بالمادة (5) صراحة إلى مجموعة من حقوق المستهلك هي:
1-    الحفاظ على صحة المستهلك وسلامته عند استعماله بشكل ملائم للسلعة أو الخدمة فيما يخص الجودة، والنوعية، ووفقًا لقائمة البيانات وتفاصيلها المرفقة بالسلعة.
2-    الحصول على المعلومات والبيانات الصحيحة والوافية عن السلعة أو الخدمة التي يشتريها أو يستخدمها أو تقدم إليه.
3-    الاستفادة من معاملة عادلة ودون تمييز من قِبل المزود للخدمة أو السلعة المعدة للاستعمال المحلي أو للتصدير.
4-    الحصول على المتطلبات الأساسية كضمان الجودة عند إبرام المستهلك أي صفقة.
5-    الحصول على المعرفة المتعلقة بحماية حقوقه ومصالحه المشروعة.
6-    إنشاء جمعيات لحماية المستهلك والانتساب إليها.
7-    تعويض كامل ومناسب عن الأضرار الناتجة عن استهلاك السلعة أو الانتفاع من الخدمة.
8-    للمستهلك الحق في الحصول على السلع والخدمات المطابقة للمواصفات القياسية وله حق التأكد من جودتها.
كما فرض المشرع اليمني بقانون حماية المستهلك مجموعة من الالتزامات على التاجر المزود هي في مجملها حقوق كذلك للمستهلك، ولغيره أيضًا مثل المجتمع ككل، وللجهات الرسمية، وغيرها.
الحماية القانونية للمستهلك:
من المهم التطرق لأوجه من الحماية التي ضمنها المشرع اليمني للمستهلك، مع مقارنة ذلك بمنظومة تشريع حماية المستهلك في تجارب إنسانية مماثلة، ولعل أبرز هذه الجزئيات ذات الخصوصية بالمستهلك الرقمي التي يتوجب التطرق لها تكمن بالآتي:
•    حق الحصول على تفاصيل السلعة وبيانات التاجر المورد.
•     مراجعة العقد وحق رفضه وتعديله.
•    حق إعادة المنتج.
•    حق تقديم الشكوى وتسوية المنازعات
أولًا: حق الحصول على البيانات:
يؤكد الدكتور إمام أن العقد في البيئة الرقمية لم يعد نتاج إرادتين متساويتين، بل هو نتاج إرادة متفردة– إرادة التاجر المزود- تفرض شروطها على إرادة مستسلمة– إرادة المستهلك- من هنا لم يعد دور القانون مجرد تنظيم للتبادل، بل تحول إلى أداة لتصحيح الاختلال التعاقدي وحماية الطرف الضعيف مما يجعل قواعد حماية المستهلك من قواعد النظام العام التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها. (الحماية القانونية للمستهلك في عصر المعلوماتية.، 2011، ص145).
كما يؤكد جانب من الفقه أن واجب المزود لا ينتهي فقط عند تقديم المعلومات حول بيانات متجره، وتفاصيل السلعة أو الخدمة وسعرها، بل يتجاوزه إلى واجب الإيضاح، وواجب التبسيط، فالإخفاء أو التمويه في عرض الشروط، أو استخدام لغة قانونية معقدة يشكل إخلالًا بهذا الواجب ويجعل الرضا معيبًا، كما أن التصميم المبهرج والمخادع للمواقع الإلكترونية والذي يخفي خيار رفض تلقي النشرات الإخبارية يعد شكلًا من أشكال الغش في الإعلام. (رياض، 2018، ص147).
في حين يذكر الدكتور فرفور أن «قانون حماية المستهلك الإماراتي رقم (15) لسنة 2020 فرض على المورد واجبًا إعلاميًا ثقيلًا، عندما ألزمه بتقديم معلومات جوهرية، شاملة وصحيحة، قبل إبرام العقد، تشمل: هويته وعنوانه، المواصفات الكاملة للسلعة أو الخدمة، السعر النهائي بشمولية (بما في ذلك الضرائب وتكاليف الشحن)، شروط العقد وخصائصه الأساسية، ومدة صلاحية العرض. والإخلال بهذا الواجب، وفقًا للمادة (4) من القانون، يعد خطأً تقصيريًا يوجب المسؤولية، ويمنح المستهلك الحق في إبطال العقد والمطالبة بالتعويض»، ويضيف في الصفحة 148 أن «القانون يعتبر الإعلان المضلل عبر الوسائط الإلكترونية جريمة يعاقب عليها، مما يحول المعلومة من مجرد واجب تعاقدي إلى حق جماعي للمستهلكين». (عقود التجارة الإلكترونية وحماية المستهلك في التشريع الإماراتي، 2021، الصفحات 145-150).
ليست البيانات فقط السابقة المتعلقة بالسلعة أو التاجر المورد هناك بيانات أخرى يرى الفقه الفرنسي ضرورة الإعلان عنها حيث يشير الفقيه الفرنسي CALAIS إلى أن «التوجيه الأوروبي 2011/83/EU، الذي تم دمجه في قانون الاستهلاك الفرنسي، أوجب أن تقدم هذه المعلومات بشكل واضح ومفهوم، وعلى دعامة متينة (كورقة أو بريد إلكتروني) تسمح للمستهلك بالاحتفاظ بها، ومن أبرز هذه المعلومات، التي يغفل عنها الكثيرون، ضرورة إعلام المستهلك بوجود أو عدم وجود حق العدول، وشروط وآثار عقد الخدمات المستمرة (كالاشتراكات)، وتفاصيل آلية التسوية البديلة للنزاعات التي يمكن اللجوء إليها. (Code de la consommation commenté، 2023، p. 113).
في اليمن نص قانون حماية المستهلك اليمني بالمادة (5/2) على حق المستهلك في الحصول على المعلومات والبيانات الصحيحة والوافية عن السلعة أو الخدمة التي يشتريها أو يستخدمها أو تقدم إليه كما ألزم بالمادة (6) مورد السلعة أن يوضح كل تفاصيل منتجه، أما في المادة (7) فقد ألزم المورد أن يظهر البيانات التي من شأنها تحديد شخصيته، وخاصة بيانات قيده في السجل بنشاطه وعلامته التجارية إن وجدت، كما أحال للائحة ذكر تفاصيل البيانات الأخرى الواجب وضعها.
ثانيًا: حق مراجعة العقد:
يمثل العقد الإلكتروني حجر الزاوية في علاقة المستهلك الرقمي بالتاجر المورد، وغالبًا ما يتم تقديم هذا العقد في شكل عقد نموذجي، أو شروط استخدام يتم تحريرها مسبقًا من قبل التاجر المورد، مما يجعل المستهلك في موقع المتلقي العاجز، وهذا يصنع بيئة خصبة لانتهاك حقوقه. 
وفي الواقع العملي يواجه المستهلك الرقمي معضلة حقيقية في عملية إبرام أو تحرير العقد، حيث يتحول من طرف متعاقد إلى متلق سلبي لقائمة من الشروط مجهزة مسبقًا مليئة بالمخاطر، وقد جاءت التشريعات الحديثة لمواجهة هذا الاختلال من خلال فرض الشفافية، ومحاربة التعسف، من خلال منح المستهلك حقوقًا استثنائية تساعده على تصحيح موقفه وتحويل العقد من أداة للاستغلال إلى إطار لتبادل منصف يحفظ الكرامة والحقوق في العالم الموازي (الفضاء الرقمي)، أهم هذه الحقوق التي تصنع تحولًا في المراكز بين التاجر والمستهلك حق الرجوع عن التعاقد.
إن العقود التي يبرمها المستهلك الرقمي أو حتى التقليدي هي في غالبيتها الساحقة من قبيل عقود الإذعان ويقصد بها العقود التي يضعها التاجر المورد أو المزود بشكل نمطي ومسبق، ولا يبقي للطرف الآخر- المستهلك- إلا قبولها كما هي أو رفضها ومن ثم الامتناع عن قبول السلعة أو الخدمة دون أن تكون له القدرة على مناقشة شروطها أو تعديلها، وتكون هذه الشروط مزروعة بين فقرات كثيرة من مسمى شروط الخدمة أو سياسة الخصوصية التي نادرًا ما يقرأها المستهلك وإن قرأها لا يفهم مدلولاتها القانونية أو مآلاتها التعاقدية والإلزامية. (أعراب، 2019، الصفحات 255-258).
ومن أبرز الانتهاكات والمخاطر التي يتعرض لها المستهلك في العقد هي الإخفاء وعدم الوضوح (الشفافية)، حيث ينتهك الكثير من المزودين أو الموردين حق الشفافية بوضع الشروط الأكثر ضررًا بالمستهلك في أماكن غير ظاهرة، أو بصياغتها بلغة قانونية معقدة لا يفهمها إلا المتخصصون، أو بإرهاق المستهلك بعشرات الصفحات التي يتعذر معها تكوين إرادة حقيقية، هذه الممارسة تجعل القبول الظاهري للمستهلك قاصرًا عن التعبير عن رضا حقيقي. (إمام، 2011، الصفحات 190-191).
وقد أشار الدكتور وليد عبد الحي أن القانون الأردني لحماية المستهلك، كغيره من القوانين الحديثة، منح القاضي سلطة تقديرية واسعة للتحقق من الشروط التي يدرجها التاجر المورد أو المزود في نماذجه العقدية المعدة مسبقًا (العقود الإلكترونية نموذجًا)، فإذا وجد القاضي أن شرطًا من الشروط يخل بالتوازن العقدي إلى الحد الذي يحرم المستهلك من حقوقه الأساسية المنصوص عليها في القانون، أو يحد من مسؤولية المورد بشكل غير مبرر، جاز له إلغاء هذا الشرط أو تعديله. والشروط التي تحد من حق المستهلك في اللجوء إلى القضاء، أو تحوله إلى التحكيم الإجباري في بلد المهني، تعتبر من أبرز أمثلة الشروط التعسفية في البيئة الرقمية. (الحماية من الشروط التعسفية في عقود الاستهلاك- دراسة في قانون حماية المستهلك الأردني، 2016، ص90).
وهو تقريبًا ما ذكره الدكتور أعراب لما أشار إلى دور القاضي في هذا الصدد عندما قال: «لمواجهة تعسف التاجر المورد يمتلك القاضي سلطة المراقبة القضائية البعدية للشروط، فالقاضي ليس ملزمًا بالقائمة التي يضعها المشرع للشروط التعسفية– بعض المُشرّعين في بعض الدول يضعون قائمة مغلقة من باب الحصر للشروط التعسفية وتعتبر ما دونها ليست كذلك-، بل له أن يبحث في كل شرط على حدة، وفي ظروف كل نزاع، ليرى إذا ما كان هذا الشرط يخل بإلزامات العدالة ويسبب ضررًا جسيمًا للمستهلك، حتى وإن لم يكن منصوصًا عليه صراحة في تلك القائمة» (المعاملات الإلكترونية والقانون الرقمي- دراسة مقارنة-، 2019، ص272).
كما يؤكد البروفيسور Leveneur أن الشروط في البيئة الرقمية التي تمنح التاجر المورد الحق في تعديل الخصائص الأساسية للخدمة أو سعرها بشكل أحادي، أو تلك التي تفرض على المستهلك التكفل بمخاطر لا يتحملها التاجر المورد بشكل غير معقول، هي من الشروط التعسفية الباطلة. (Les clauses abusives، 2021).
من ناحيته القانون اليمني أبطل كل الشروط التعسفية التي ترد في عقد البيع أو التي يشترطها المورد على المستهلك، وذكر من باب المثال لا الحصر- كما يتضح من الفقرة الأخيرة- بعضًا من هذه الحالات كما يأتي:
•    منح المزود أو المعلن بصورة منفردة صلاحية تعديل كل أو بعض أحكام ونصوص العقد، لاسيما ما يتعلق بالثمن أو تاريخ ومكان التسليم.
•    منح المزود حق إنهاء العقد غير المحدد المدة دون إبلاغ المستهلك بذلك، ضمن مهلة متفق عليها.
•    منح المزود حق تفسير العقد أو أحد بنوده بشكل منفرد.
•    أي شروط تعسفية أخرى وردت بالقوانين النافذة وهذه اللائحة.
ثالثًا: حق إلغاء العقد بإعادة السلعة واسترداد الثمن:
يمثل حق المستهلك في العدول عن الشراء استثناءً قانونيًا هامًا من المبادئ العامة للعقد، خاصة مبدأ «العقد شريعة المتعاقدين»، ومبدأ «لزوم العقد»، حيث جاء هذا الحق لمعالجة الفجوة بين التاجر المورد والمستهلك التي تفرضها البيئة الإلكترونية من حيث عدم تمكين المستهلك من فحص السلعة، ومعرفة تفاصيلها قبل إبرامه للعقد.
ويعرف جزء من الفقه حق العدول بأنه «ذلك الحق المقرر لمصلحة المستهلك وحده، يمكنه من إلغاء العقد والرجوع فيه خلال مدة محددة بقوة القانون، دون حاجة إلى إبداء الأسباب ودون تحمل أي تكلفة، عدا تكاليف الإرجاع وهو حق مقرر على سبيل الاستثناء لتعويض المستهلك عن حرمانه من المعاينة الحقيقية في عقود البيع عن بعد»، فهو حق مقرر لمصلحة المستهلك فقط، وهو من النظام العام أي لا يجوز الاتفاق على إسقاطه أو تقليل مدته مقدمًا. (رياض، 2018، ص320).
وقد كيف فقهاء القانون هذا الحق بأنه آلية تصحيح للضرر الواقع على إرادة المستهلك بسبب عدم معاينته للسلعة، وهو حق غير قابل للتنازل عنه أو للسكوت عنه كما أن عبء إثبات أن المستهلك قد علم بحقه في العدول يقع على عاتق التاجر المورد، وإلا امتدت مهلة العدول إلى 12 شهرًا كما في القانون الفرنسي مما يجعله ضمانًا فعالًا. (Delcontte، 2022، ص211).
إن أغلب التشريعات كفلت هذا الحق إنما تباينت فقط في تحديد مدة الاسترداد أو الإعادة، فتشريعات مثل المصري حدد المدة بسبعة أيام تبدأ من تاريخ استلام السلعة أو إبرام العقد لو كانت خدمة، وللمستهلك أن يقوم بذلك خلال المدة المذكورة، دون إبداء أسباب أو مبرر لهذا العدول، بل وزاد المشرع المصري أن منح المستهلك حق التعويض حال تسبب له ذلك بخسارة. إلا أن المشرع المصري استثنى من هذا الحق السلع والخدمات التي تم إعدادها خصيصًا لرغبة المستهلك، وفي التشريع المغربي بالمادة (80) من القانون 31.08 المعني بتدابير حماية المستهلك نص حرفيًا على أنه: (يتمتع المستهلك في إطار البيع عن بعد بمهلة سبعة أيام عمل لاستعمال حقه في العدول عن الشراء دون ضرورة تبرير قراره ودون تحمل أي غرامة باستثناء مصاريف إرجاع البضاعة)، لا يختلف الوضع هذا عنه بالقوانين الأوربية، ففي القانون الفرنسي قانون الاستهلاك حمل المستهلك تكاليف إرجاع السلعة، بينما ألزم التاجر المورد بتكاليف استرداد المبلغ المدفوع لمصلحة المستهلك، حيث توضح الأستاذة المتخصصة بقوانين الاستهلاك الفرنسية Delcontte أن مدة العدول في القانون الفرنسي والأوروبي هي (14) يومًا كاملة، تبدأ من يوم استلام السلعة أو من يوم إبرام العقد في حالة الخدمات، والأهم أن على التاجر المورد أن يرد المبالغ المدفوعة دون استقطاعات ولا يتجاوز ذلك مثل المدة المذكورة من علمه بقرار العدول. وإذا امتنع عن ذلك، أصبح المستهلك في مركز أقوى، حيث يحق له المطالبة بضعف المبلغ المدفوع كغرامة، بالإضافة إلى الفائدة القانونية. (Droit de la consommation، 2022، p. 210).
وهناك تشريعات أخرى تبين الحدود الدنيا لفترة العدول، ويمكن زيادة المدة بالاتفاق بين التاجر المورد والمستهلك الرقمي مثل نظام حماية المستهلك السعودي الذي ينص بالمادة (14) على أن للمستهلك حق الرجوع خلال سبعة أيام على الأقل من تاريخ الاستلام وهو ما مكن غالبية المنصات الكترونية الكبرى بالسعودية على تحديد فترات أطول تصل إلى (14) يومًا أو (30) يومًا ويمكن الاتفاق على زيادتها لكن لا يمكن الاتفاق على إلغائها مثلًا أو تقليصها حتى لو وافق المستهلك حيث تنظر فلسفة التشريعات إلى ذلك على أنه مظهر ومقدمة للاشتراطات التعسفية التي يفرضها التاجر أو المورد على المستهلك الإلكتروني.
ويحذر الدكتور إمام (الحماية القانونية للمستهلك في عصر المعلوماتية.، 2011، ص325) من أن هذا الحق ليس مطلقًا يشمل جميع السلع، فهناك استثناءات لسلع لا يمكن للمستهلك إعادتها للتاجر بعد شرائها، يجب أن يعيها المستهلك حتى لا يجد نفسه في موقف قانوني صعب» ومن مثل هذه الاستثناءات التي ترد في معظم التشريعات نتيجة طبيعة السلعة أو الخدمة:
1-    السلع أو الخدمات المعدة خصيصًا للمستهلك بموجب طلبه.
2-    السلع القابلة للتلف أو للتلف السريع.
3-    السلع التي تم فتح غلافها ولا يمكن إعادته لأسباب صحية.
4-    المحتوى الرقمي إذا كان المستهلك قد بدأ مثلا بتنزيله أو الوصول إليه ووافق صراحة على فقدان حقه في العدول مقابل البدء الفوري بالتنفيذ مثل (مشاهدة فلم، تحميل برنامج.... إلخ). 
5-    العقود الخاضعة للمراهنة والمقامرة.
لا يهم أن تنص التشريعات على حق المستهلك الرقمي بالعدول عن العقد الذي أبرمه مع التاجر المورد، وهي في الوقت نفسه تسمح بمعوقات وصعوبات تمنعه من استخدام هذا الحق منها الكلفة المالية الباهظة لذلك الاستخدام، يحلل البروفيسور Ariely الظاهرة من منظور سلوكي قائلًا: «عندما يواجه المستهلك خسارة صغيرة نسبيًا (مثل 50 دولارًا بسبب عملية احتيال)، ويواجه إجراءات معقدة ومكلفة لاستردادها، فإنه يتوقع أن يختار عدم المطالبة بحقه. الشركات تعلم هذا جيدًا وتصمم أنظمتها على هذا الأساس، أيضًا غياب آليات سهلة ومجانية لتقديم الشكاوى (مثل منصات إلكترونية حكومية) يشجع على ثقافة الإفلات من العقاب، حيث تصبح الاحتيالات الصغيرة مجرد «تكلفة عمل» للبائعين غير الأخلاقيين، بينما تتحول إلى خسائر مجتمعة هائلة للمستهلكين. (Ariely، 2010، pp. 211-212).
إن حق العدول يختلف عن فترة الضمان التي تنص عليها بعض التشريعات، لتمكين المستهلك من فحص المنتج عبر استعماله، فإذا ما ظهر عيب متعلق بالتصنيع أو بتقنية الخدمة نفسها، للمستهلك إعادة المنتج للتاجر المورد أو المزود للخدمة لإصلاحها، كما في المواد (8-10) من لائحة قانون حماية المستهلك في اليمن، أما حق العدول فهو حق مقرر لمصلحة المستهلك وحده، يمكنه من إلغاء العقد، والرجوع فيه، فيستطيع المستهلك بموجبه إعادة السلعة للتاجر المورد أو المزود دون حتى الحاجة لتبرير ذلك، ولا يشترط أن تكون السلعة أو الخدمة معيبة أو مغشوشة أو خلاف ما عُرضت به، هنا الخيار منح لإرادة المستهلك لتعويضه عن حقه في معاينة السلعة ماديًا قبل دفع ثمنها والذي فرضت البيئة الرقمية عدم تمكينه من ذلك.
أثر العدول:
يمثل حق العدول للمستهلك مفتاح أمان حقوقه كمستهلك، فالعدول ليس مجرد وسيلة لاسترداد الأموال، بل هو أداة لاستعادة الثقة وتمكين المستهلك الرقمي مرة أخرى من السير مجددًا في عملية الشراء داخل بيئة افتراضية محفوفة بالمخاطر لا تتكرر فيها الفرصة مرتين، إذ يعتبر هذا الحق المفتاح الحقيقي لتصحيح الاختلال في ميزان القوى الإلكترونية بين التاجر المورد والمستهلك الرقمي، الذي اختل نتيجة البيئة التي لم تمكن المستهلك من معاينة السلعة أو الخدمة وفحصها ماديًا إلا بعد دفعه لثمنها، لهذا ينتج عن استخدام المستهلك لحقه في العدول عن شراء السلعة أو الخدمة وفق القواعد والأحكام القانونية آثار مهمة تتمثل في الآتي:
1-    انتهاء العقد بين المستهلك والتاجر المورد وذلك ابتداءً من يوم إعلان العدول.
2-     يرد التاجر ثمن السلعة المدفوعة ويتحمل كلفة ذلك بحيث يصل للمستهلك ما دفعه كاملًا.
3-    يرد المستهلك السلعة ويتحمل تكاليف إعادتها ويكون مسؤولًا عن المحافظة عليها بحالتها التي جاءت إليه.
حق تقديم الشكوى وتسوية المنازعات:
يؤكد جانب من الفقه أن من صور انعدام الحماية يتجلى في حرمان المستهلك من آليات فض المنازعات، فبدون نصوص خاصة تشرّع ذلك، يضطر المستهلك للجوء إلى القضاء العادي، الذي تكون إجراءاته طويلة ومكلفة، كما أن العقود الإلكترونية غالبًا ما تشترط شرط التحكيم الإجباري في بلد البائع، وهي ذات تكلفة باهظة يستحيل على المستهلك العادي تحملها. هذا الواقع يصنع عدالة غير متاحة عمليًا، حتى لو كانت الحقوق نظريًا مكفولة. فالحق بدون وسيلة تنفيذ مجرد وهم». (عبدالحي، 2016، ص151).
وتبين الأستاذة Delcontte أنه في النظام الفرنسي والأوروبي، يُلزم (التاجر) بإعلام المستهلك بوجود آلية مجانية للتسوية البديلة للمنازعات يمكن اللجوء إليها عبر طرف محايد يساعد الطرفين على التوصل إلى حل توافقي، ويبقى قرار الوساطة ليس ملزمًا إلا إذا وافق عليه الطرفان، مما يحافظ على مرونة العقد ويحفظ العلاقة بين المستهلك والتاجر. (Droit de la consommation، 2022، ص422).
ومع هذا هناك ارتباط كبير بين حماية البيانات وحق المستهلك باللجوء إلى منصة رسمية لتقديم شكواه وحل منازعته مع التاجر المورد، لذلك تربط الأستاذة Tzanou بين حماية البيانات وهذه الآليات، موضحة أن «منصات تسوية المنازعات عبر الإنترنت يجب أن تصمم بطريقة تحترم الخصوصية وسرية البيانات الشخصية للمستهلك منذ البداية، حتى لا تتحول آلية الحماية نفسها إلى مصدر جديد للتهديد، بحيث يتضمن تصميمها الثقة الرقمية من خلال حماية بيانات المستهلك الشاكي وعدم استخدامها لأي غرض آخر غير تسوية النزاع القائم. (The low of personal Data protection in the Eu:The General Data Protection Regulation(GDPR) and Beyond)، 2022، ص156). 
على عكس التجارة التقليدية فواقع العلاقة التي تربط التاجر المورد بالمستهلك تفرض على التاجر إشهار تفاصيل بياناته بما فيها عنوانه، وأوراقه التجارية، ورخصه الرسمية، وضماناته المالية... إلخ، بينما في التجارة الإلكترونية يحدث العكس حيث يكون المستهلك مضطرًا من أجل إتمام عملية الشراء لتقديم بياناته الخاصة جدًا التي حتى أقرب المقربين إليه لا يعرفونها مثل رقم بطاقته التأمينية، لذلك يظهر الاحتياج الملح لأحكام قانونية تحمي هذه البيانات وتجرم من يستخدمها دون موافقة صاحبها.
إذ تمثل بيانات التعامل الإلكتروني كنزًا ثمينًا للمؤسسات التجارية النشطة في العالم الموازي باعتبار أن مثل هذه البيانات هي مؤشرات موجهة ودقيقة لاحتياجات السوق، لذلك فإن البيانات الشخصية تُسعّر كقيمة مادية بديلة عند المنصات التجارية الإلكترونية التي تعرض خدماتها للجمهور مجانًا، إذ تنفذ عملية مقايضة غير مباشرة فهي تستعيض عن الثمن الذي يفترض أن يدفعه– المستهلك- مقابل خدماتها التي يحصل عليها بالمجان ببياناته وذلك عبر طرق مختلفة أهمها أثناء تقدم المستهلك للحصول على الخدمة المجانية التي تقدمها.
من المهم ألا توضع العوائق أمام المستهلك لاستخدام حقوقه، ومنها إلزام المشرع باعتناق فكرة الاختصاص القريب أثناء مقاضاة التاجر المورد أو تقديم الشكوى به، لذلك يحلل جانب من الفقه إشكالية الاختصاص القضائي في المنازعات الرقمية عابرة الحدود، فلحماية المستهلك يكون الاختصاص مُقرًا لمحل إقامة المستهلك لا لمحل إقامة التاجر المورد. هذا المبدأ، الذي أقرته التوجيهات الأوروبية وتبناه العديد من التشريعات العربية بشكل أو بآخر، يهدف إلى تخفيف العبء عن المستهلك وعدم إجباره على ملاحقة التاجر في بلده الذي قد يكون بعيدًا وبتكاليف باهظة.» (أعراب، 2019، الصفحات 380-385).
كما تشير الدكتورة منى إلى أن «الدعوى الجماعية هي السلاح الأقوى لجمعيات حماية المستهلك، فهي تتيح لمجموعة من المستهلكين الذين تضرروا من منتج معيب أو شرط تعسفي واحد، أن يتحدوا في دعوى واحدة، وهذا لا يوفر التكاليف فحسب، بل يخلق توازنًا حقيقيًا في مواجهة الشركات العملاقة التي تمتلك موارد مالية وقانونية هائلة.» (الحماية المدنية للمستهلك في عقود التجارة الإلكترونية، 2018، ص455).
هذه ترجمة لما جاء بقانون حماية المستهلك اليمني في المادة (23) من أن أدوار جمعيات حماية المستهلك استقبال شكاوى المستهلكين ومعاونتهم في تقديم شكاواهم للجهات المختصة، وكذلك رفع الدعاوى القضائية أمام القضاء، وفي المادة (30) نص القانون على أن تنشأ إدارة مختصة بوزارة الصناعة لحماية المستهلك من مهامها (تلقي الشكاوى من المستهلكين أو من جمعيات حماية المستهلك، واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، أو إحالتها للجهات المختصة)، ونوه القانون بالمادة (29) على أن دور هذه الإدارة مؤقت حتى يتم تشكيل جهاز مستقل لحماية المستهلك، وهذا يوضح قوة تأثير استقلال الأجهزة الرقابية لحماية المستهلك، إذ تختلف درجة فعالية الهيئات الرقابية من حيث الصلاحيات والإمكانيات، فكلما كانت هذه الأجهزة مستقلة كانت أقوى، مثلًا في فرنسا والسعودية تعتبر هيئات قوية ومستقلة، بينما أنشأت مصر جهاز حماية المستهلك وألحقت تبعيته لرئيس مجلس الوزراء، ولديه صلاحية سحب السلع الخطرة من الأسواق، كما يستقبل عبر موقعه الإلكتروني شكاوى المستهلكين، أما في بعض الدول فأعمال الرقابة على السوق لحماية المستهلك تعنى بها مكونات فرعية وقطاعات في وزارات، لهذا تبقى صلاحياتها محدودة كما هو عليه الحال بالمغرب وعمان، وفي اليمن لم يشر قانون حماية المستهلك اليمني لإجراءات تسوية خلاف المستهلك مع المورد لكنه تلافى هذا بلائحة القانون عندما نص على أن (تتولى الإدارة المختصة حل أي خلاف بين المزود والمعلن والمستهلك بناء على رغبة الأطراف في المسائل المتعلقة باسترداد السلعة أو كيفية التعاقد أو الضمان وفقًا لأحكام القانون وهذه اللائحة، وبما لا يضر بمصالح المستهلكين وحقوقهم الأساسية المكفولة بالدستور والقانون)، ومع أن هذا البند يمنح المستهلك طريق غير القضاء العادي عبر التحكيم الاختياري غير أنه كما يظهر من صياغة النص غير كاف، إذ يستطيع التاجر المورد رفض هذا الخيار، كما أن ما يصدر من الإدارة في حال تراضي الأطراف على اللجوء إليها لتسوية خلافهما لا يعتبر حكمًا باتًا يوجب التنفيذ إلا بعد المصادقة عليه من القضاء العادي، مما يعني أنه لا يمثل كطريق قانوني لفض النزاع خيار سريع وحاسم لحماية المستهلك.
لقد تطور حق المستهلك في تسوية المنازعات ابتداءً من مجرد حق رفع دعوى قضائية تقليدية إلى نظام متكامل متعدد المستويات، يبدأ بآليات سهلة وسريعة لتقديم الشكوى الإدارية، مرورًا بوسائل التسوية الودية والوساطة، ووصولًا إلى الدعوى القضائية الفردية أو الجماعية كملاذ أخير، هذا التدرج في الآليات يعكس فهمًا متعقلًا لضرورة توفير عدالة سريعة وفعالة ومتاحة للجميع، مما يحقق الثقة في السوق الرقمي. 
إن حقوق المستهلك يجب أن تغطي بالكامل رحلة الاستهلاك أو الشراء من مرحلة ما قبل الاتفاق مع التاجر المورد أو إبرام العقد وهي مرحلة الحصول على المعلومات الكافية حول السلعة أو الخدمة وكذا حول التاجر ومركزه القانوني وعنوانه، ثم مرحلة إبرام العقد، ثم مرحلة استلام المنتج وإعادته ثم مرحلة ما بعد ذلك من مثل تسوية أي نزاع قد يحدث نتيجة الإخلال بالتعاقد أو التفسير الخاطئ لبعض التفاهمات التي تمت.
الحماية الجنائية للمستهلك:
بلا شك أن الحماية الجنائية للمستهلك تمثل الدرع الأخير في نظام الحماية الشامل، حيث تتحول الدولة من دور المنظم إلى دور شرطي الضبط، وذلك عندما تفشل الضوابط وأنظمة الحماية الأخرى بمنع الانتهاكات الجسيمة على المستهلك.
يصف جانب من الفقه الانتهاكات المرتكبة بحق المستهلك، بالجرائم الإلكترونية ذات الطبيعة المزدوجة، فهي من ناحية جرائم اقتصادية تستهدف النظام العام الاقتصادي عندما تقوم بتقويض الثقة في المعاملات الرقمية، وهي من ناحية أخرى جرائم ضد الأفراد تستهدف الذمة المالية والخصوصية والسلامة الشخصية للمستهلك، لهذا يرى هذا الجانب أن هذه الطبيعة المزدوجة تبرر تشديد العقوبات وتنويعها فلا تقتصر على الغرامة المالية، بل تمتد إلى العقوبات السالبة للحرية والعقوبات التبعية التي تضرب سمعة التاجر المورد في السوق. (إمام، 2011، ص401). 
توضح الدكتورة منى أن مبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص» هو الأساس، ولكن التشريعات الحديثة اتجهت إلى التحديد الحصري للمواد التي تترتب على مخالفتها عقوبة جنائية، وهذا يعني أن أي مخالفة لأي بند من بنود المواد المذكورة على سبيل الحصر يعد ركنا مفترضًا للجريمة. مثل القانون المصري الذي نص حرفيًا على: (مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد منصوص عليها في قانون آخر يعاقب كل من يخالف أحكام المواد (4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 11، 13، 14، 15، 16، 17، 19، 25) من هذا القانون) فالمادة (16) مثلًا تمنح المستهلك حقه بالعدول ومن ثم من يمنع المستهلك هذا الحق يعد مرتكبا جريمة. (الحماية المدنية للمستهلك في عقود التجارة الإلكترونية، 2018، الصفحات 315-316). 
المشرع اليمني في قانون حماية المستهلك اليمني لم يحدد مواد معينة كما فعل نظيره المصري إنما بسط حمايته الجنائية على كل نصوص وفقرات القانون ولم يكتف بهذا، بل وامتدت حمايته الجنائية لنصوص لائحة القانون الصادرة بقرار من رئيس مجلس الوزراء، إذ نصت المادة (34) من قانون حماية المستهلك على أنه: (مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ويحق المستهلك بالتعويض، يعاقب كل من يخالف أحكام هذا القانون أو اللائحة، بالحبس مدة لا تقل عن سنة، مع نشر الحكم الصادر بالإدانة على نفقة المحكوم عليه في صحيفتين يوميتين واسعتي الانتشار، وفي حالة تكرار المخالفة تضاعف العقوبة..).
ويعدد الدكتور السنبل صورًا للركن المادي للجريمة في البيئة الرقمية قائلًا: (يتحقق الركن المادي بمجموعة من الأفعال التي تتميز بالطابع الرقمي أبرزها: الغش والتدليس الإلكتروني كعرض سلعة وهمية أو استخدام صور ومواصفات مضللة، وكذا الاحتيال الإلكتروني: كانتحال شخصية متجر الكتروني مشهور لخداع المستهلكين، وأيضًًا الإعلان الكاذب أو المضلل عبر استخدام تقنيات التزييف الرقمي أو الترويج لخصائص غير حقيقية، وكذا الامتناع عن الوفاء بالالتزامات كعدم تسليم السلعة بعد استلام الثمن، أو عدم الالتزام بضمان الصيانة، فهذه الأفعال بمجرد وقوعها بالفضاء الإلكتروني تكتمل أركان الجريمة المادية. (النظام القانوني لحماية المستهلك في المملكة العربية السعودية- دراسة مقارنة-، 202، الصفحات 315-320).
كما تبين الأستاذة ديلكونتر مراحل تطور الركن المعنوي في الجرائم الاستهلاكية، ففي البداية، كان لابد من إثبات القصد الجنائي (نية الاحتيال أو الغش) لكن صعوبة إثبات هذا القصد في المعاملات الرقمية المعقدة دفع بالمشرعين إلى افتراض الخطأ على التاجر المورد، فمجرد وقوع الضرر للمستهلك مثل تلقيه سلعة غير مطابقة يعتبر دليلًا على إهمال التاجر المورد في واجب الرقابة والحيطة مما يسهل إدانته دون الحاجة لإثبات نيته المبيتة للإضرار. (Droit de la consommation، 2022، ص510).
ويؤكد الدكتور السنبل على قوة العقوبات التبعية، إذ يرى أنه في عالم الأعمال الرقمية، حيث السمعة هي رأس المال، تكون عقوبة النشر عن المخالف أشد وطأة من الغرامة المالية ذاتها، كما أن عقوبة وقف النشاط أو سحب السلعة من السوق تمثل ضربة قاضية للمتجر الإلكتروني فهي تحرمه من مصدر دخله وتضعف ثقة العملاء به إلى الأبد، هذه العقوبات هي سلاح استراتيجي في يد الجهة الرقابية لتحقيق الردع العام. (السنبل، 202، ص324).
وقد ناقش جانب من الفقه سُبل تطبيق الحماية الجنائية من خلال وضع سؤال حول كيف نطبق العقوبات الجنائية على متجر إلكتروني مقره في دولة، ويرتكب جريمة ضد مستهلك في دولة أخرى؟ الحل الذي تبنته التشريعات المتقدمة هو مبدأ الأثر، فالاختصاص يكون للدولة التي وقع فيها الأثر الضار للجريمة، أي حيث يقيم المستهلك المتضرر، وهذا يتطلب تعاونًا قضائيًا دوليًا واسعًا، وقد بدأت العديد من الدول في تضمين ذلك باتفاقيتها الدولية. (Tzanou، 2022، ص180).
إن تطبيق الحماية القانونية والجنائية للمستهلكين مع اختلاف دولهم يجب أن تكون ضمن اتفاقات دولية ثنائية وإقليمية، كون التجارة الإلكترونية تجارة عابرة للحدود تخرج عن نطاق الإقليم الوطني مما يجعل من شمولية الحماية القانونية المدنية والجنائية المحلية أمرًا غير مضمون على أقل تقدير، وهو ما يستوجب انخراط البلدان في اتفاقيات ثنائية لتعاون مشترك وكذلك توسيع التعاون ليشمل التعاون الدولي الإقليمي والدولي.
الواقع يثبت أن الحماية القانونية للمستهلك الرقمي لم تعد جزءًا من الشمول التشريعي فحسب، بل هي ضرورة ملحة مع التحول الرقمي العالمي، لقد أظهرت هذه الدراسة أن المشرع في الدول العربية يسعى جاهدًا لمواكبة هذا التطور، من خلال تحديث تشريعاته وإنشاء هيئات متخصصة. ومع ذلك، تبقى هناك فجوات تحتاج إلى ترميم، خاصة في مجال التوعية المستمرة، وتعزيز التعاون الدولي لمكافحة الغش عبر الحدود، ومواكبة التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة التي تطرح تحديات جديدة.
إن ضمان بيئة رقمية آمنة وعادلة للمستهلك ليس فقط حماية لحقوق فردية، بل هو استثمار في تنمية اقتصادية مستدامة وبناء ثقة رقمية تشجع على تبني الاقتصاد الرقمي، وهو ما تنشده جميع الدول بالذات الناشطة تجاريًا في التجارة الإلكترونية.
الخاتمة
الحماية الجنائية للمستهلك الرقمي نظام متكامل لا يهدف إلى الانتقام، بل إلى تحقيق الردع الخاص بمعاقبة المخالف، والردع العام بمنع الآخرين من تكرار اقتراف الأفعال نفسها، وهي تعمل في تناغم مع آليات الحمايات الأخرى مثل الحماية القانونية المدنية والحماية الرقابية التي تنفذها أجهزة الرقابة الحكومية والأهلية، فإذا فشلت الحماية القانونية كحق العدول والتعويض تتدخل الحماية الجنائية كحائط صد أخير لتحقيق العدالة والحفاظ على نزاهة التجارة الرقمية وبناء مجتمع استهلاكي قائم على الثقة والشفافية.
إن رحلة المستهلك الرقمي من كائن اقتصادي هش إلى محور للاهتمام التشريعي تمثل واحدة من أعظم التحولات في تاريخ القانون المعاصر، لقد شهد هذا الجيل تطور هذه المرحلة على مدى عقود من أولى المعاملات الإلكترونية الخجولة قبل ثلاثة عقود من الآن تقريبًا إلى الاقتصاد الرقمي الضخم الذي أصبح اليوم عماد الاقتصادات العالمية، لقد انتقلنا من عصر كان المستهلك فيه مجرد رقم في معادلة السوق إلى عصر أصبح فيه المستهلك الرقمي كهدف أول محاطًا بسياج متكامل من الحماية، حيث تحولت النصوص التشريعية من نصوص غامضة إلى أنظمة قانونية متخصصة ودقيقة، وانتقل جهد الفقه القانوني من مناقشة مدى شرعية التوقيع الإلكتروني إلى مناقشة حقوق المستهلك في الخصوصية والبيانات، وحق العدول؛ وفق هذا السياق يمكن من خلال هذه الورقة تأكيد الآتي:
أولًا: المستهلك الرقمي لم يعد طرفًا في عقد، بل أصبح شريكًا في قيمة رقمية، ينتج بيانات ويستهلك خدمات بوقت واحد.
ثانيًا: أن الموازنة بين مصلحة الأعمال وحقوق المستهلكين لم تعد معادلة غير متكافئة، بل أصبحت شراكة استراتيجية تخدم الجميع.
ثالثًا: الحماية القانونية لم تعد مجرد فرض تشريعي يجب إسقاطه، بل أصبحت استثمارًا في رأس المال البشري والثقة الرقمية، وهما أغلى أصول الاقتصاد الحديث.
    إن عدم وجود تشريعات لحماية المستهلك الرقمي لم يعد مجرد تقصير تشريعي، بل إهمال جسيم بحق الوطن، إن مثل هذا يفتح الباب واسعًا أمام تحول كل مواطن إلى ضحية لعصابات النصب الإلكتروني، كما يصطنع ثغرة خطيرة في الأمن الاقتصادي للبلاد من خلالها تتحول الأوطان لسوق خصبة وبيئة مفتوحة للمنتجات المقلدة والخدمات الهابطة التي تضر بالاقتصاد الوطني، إن مثل هذا يحدث فارقًا حضاريًا كبيرًا بين شعوب محمية بعشرات القوانين وشعوب تفرض عليها الشركات العالمية شروطها المجحفة؛ لأنها لا تمتلك تشريعات رادعة إضافة إلى ما يمثله هذا الفراغ التشريعي من عقبة أمام التنمية الاقتصادية، فتظل الشركات الوطنية أسيرة للتخلف لأنها لا تمتلك أبسط مقومات وحوافز الابتكار في ظل غياب منافسة متوازنة وعادلة وشريفة؛ ينبغي المسارعة بمراجعة الجانب التشريعي في هذا المجال وفقًا للآتي:
أولًا: إصدار التشريعات المتخصصة بحماية المستهلك وإنشاء المؤسسات القانونية ذات العلاقة من خلال:
•    إصدار قانون مستقل وشامل لحماية المستهلك الرقمي وليس مجرد إضافة فصول هامشية لقوانين قديمة. 
•    إنشاء جهاز مستقل يختص بحماية المستهلك الرقمي ذات صلاحيات رقابية وتنفيذية واسعة.
ثانيًا: الحماية القانونية الوقائية من خلال الآتي:
1-    الشفافية الإلكترونية الإلزامية من خلال:
•    إلزام جميع المنصات الإلكترونية بالإفصاح الكامل عن هوية التاجر المورد- البائع- ومعلومات الاتصال.
•    نشر جميع شروط العقد بلغة واضحة ومفهومة قبل تمام الشراء.
2-    النص صراحة في أي تشريع قادم على حق العدول المؤكد عبر منح المستهلك الرقمي الحق في إعادة السلعة وإلغاء العقد المبرم مع التاجر المورد خلال فترة (14) يومًا على الأقل دون تحمل أية رسوم مع تطبيق هذا الحق على جميع السلع والخدمات الرقمية مع استثناءات محدودة تفرضها طبيعة المنتج واستخداماته.
3-    حماية بيانات المستهلك بمنع استخراج جميع البيانات الشخصية دون موافقة صريحة وواضحة من المستهلك مع منح المستهلك الحق في تصحيح وحذف بياناته الشخصية.

ثالثًا: الحماية الجنائية الرادعة من خلال الآتي:
1-    تجريم الاحتيال الإلكتروني وتصنيفه ضمن الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها بعقوبات سالبة للحرية، مع فرض غرامات ضخمة على المخالفين.
2-    معاقبة الإعلانات المضللة بعقوبات مالية تصل إلى أضعاف كلفة إعداد ونشر الإعلان، مع نشر أسماء المخالفين في مختلف وسائل الإعلام على حسابهم.
3-     تجريم بيع البيانات الشخصية دون موافقة بعقوبات مشددة، مع تعويض المتضررين بمبالغ تصل إلى عشرة أضعاف الأضرار.
4-     العقوبات التبعية الفعالة مثل:
•    إغلاق المواقع والمتاجر الإلكترونية المخالفة لمدد مؤقتة أو دائمة بحسب حجم الضرر.
•    منع المخالفين من ممارسة النشاط التجاري مستقبلًا بصورة دائمة أو مؤقتة بحسب جسامة المخالفة.
•    نشر أحكام الإدانة في الصحف والمنصات الرقمية على نفقة المخالف.
رابعًا: إنشاء البنية التحتية للعدالة الرقمية مثل:
1-     إنشاء محاكم ونيابات متخصصة للمنازعات الإلكترونية.
2-    تطبيق نظام التسوية الإلكترونية للمنازعات وتدريب جميع أطراف العلاقة عليه.
3-    تدريب القضاة ووكلاء النيابة والمحامين لنظر وتحريك قضايا الجرائم الإلكترونية مع تركيز الاهتمام بقضايا حماية المستهلك الرقمي. 
إن التحديات القادمة من الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية تتطلب مزيدًا من الجهد الفردي والمؤسسي والحكومي، وفي الختام لابد أن نؤمن بأن الحماية القانونية للمستهلك الرقمي ليست مجرد نصوص وأحكام قانونية فحسب، بل هي ثقافة مجتمعية ومسؤولية أخلاقية واستثمار في مستقبل أكثر أمنًا وعدالة للجميع.

المراجع
-    الحماية القانونية للمستهلك في عصر المعلوماتية، الدكتور/ محمد محمود إمام. (2011). (المجلد الأول). القاهرة: دار النهضة.
-    الحماية المدنية للمستهلك في عقود التجارة الإلكترونية، الدكتورة/ منى عبدالفتاح رياض. (2018). (المجلد الأولى). الإسكندرية، مصر: دار الفكر الجامعي.
-    الحماية من الشروط التعسفية في عقود الاستهلاك «دراسة في قانون حماية المستهلك الأردني»، الدكتور/ وليد عبدالحي. (2016).. (المجلد الأولى). عمّان: وزارة الثقافة- الأردن.
-    عقود التجارة الإلكترونية وحماية المستهلك في التشريع الإماراتي، الدكتور/ محمد عبداللطيف فرفور، (2021). (المجلد الأولى). دبي: منشورات الحلبي.
-    القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. (1406هـ- 1986م).. بيروت- لبنان: مؤسسة الرسالة.
-    المعاملات الإلكترونية والقانون الرقمي «دراسة مقارنة»، الدكتور/ مصطفى أعراب. (2019). (المجلد 2). الدار البيضاء، المغرب: مكتبة الرشاد.
-    المعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبدالقادر، ومحمد النجار. (1425هـ - 2004). (المجلد 4). القاهرة: مجمع اللغة العربية.
-    معجم مصطلحات الحاسوب، لجنة الحاسوب والمعلوماتية في مجمع اللغة العربية. (1423ه-2002م). (المجلد 1). دمشق - سورية: مجمع اللغة العربية.
-    النظام القانوني لحماية المستهلك في المملكة العربية السعودية «دراسة مقارنة»، الدكتور/ عبدالعزيز السنبل، (202). (المجلد الأول). الرياض، السعودية: مكتبة القانون والاقتصاد.
-    Catherina Delcontte. (2022). Droit de la consommation (المجلد 12ème édition). paris. France: Dalloz.
-    Dan Ariely. (2010). Predictably Irrational: The Hidden Forces That Shape Our Decisions (المجلد Revised and Expanded Edition). New York، USA: HarperCollins.
-    JEAN CALAIS. (2023). Code de la consommation commenté (المجلد 2023). PARIS: lEXISnEXIS.
-    laurent leveneur. (2021). Les clauses abusives. paris: Jurisprudence Générale Dalloz (JCP).
-    prof. DR. Maria Tzanou. (2022). The low of personal Data protection in the Eu:The General Data Protection Regulation(GDPR) and Beyond)..United Kingdom>: Oxford.